«المعرض المغاربي للكتاب» يجمع 120 مثقفاً حول طاولاته المستديرة

منصّة بعنوان «أن نقيم في العالم ونكتبه»

جلسة ناقشت محور الموجة والرواية
جلسة ناقشت محور الموجة والرواية
TT

«المعرض المغاربي للكتاب» يجمع 120 مثقفاً حول طاولاته المستديرة

جلسة ناقشت محور الموجة والرواية
جلسة ناقشت محور الموجة والرواية

تجربة تستحق الاهتمام تلك التي يخوضها «المعرض المغاربي للكتاب» في وجدة، حيث يغتنمها المنظمون مناسبةً لإقامة أنشطة تثقيفية، وحوارات شيقة، وورش فنية، لا بل إن البرنامج المرافق بغناه، يكاد يفوق المعروضات أهمية.

يمكن القول إن هذا المعرض في وجدة، في دورته الخامسة التي انتهت في 12 من الشهر الحالي، شهد من الطاولات المستديرة والنقاشات الجادة والعميقة، هي من بين الأدسم والأكثر حيوية التي يمكن أن تحضرها في مناسبة كهذه، إضافةً إلى قراءات وشهادات، وتدريبات، وتوقيعات، وتقديم كتب، وتكريمات، ومقاطع تمثيلية تثقيفية جابت المعرض.

فبينما أنت تتجول بين الأجنحة، يخرج عليك ابن بطوطة متحدثاً عن رحلاته، بقامته الممشوقة وعصاه التي يتوكأ عليها. وقد يطل على الزوار مارتن لوثر كينغ الابن، مستعيداً مقاطع من حياته، أو عبد الرزاق قرنح، صاحب نوبل للآداب عام 2021، متحدثاً عن كتاباته وهجرته التي طالت. وبين الشخصيات التي تفاجئك في المعرض خناثة بنت بكار، وإسحاق نيوتن، ولا تستغرب أن ترى ياسر عرفات، الذي يطل كشخصية رمزية في خضم استذكار فلسطين. فكرة نيّرة تعود للممثل أمين مقلّش، خريج المعهد العالي للفنون المسرحية، الذي أخرج هذا العمل ويشارك فيه مع ممثلين محترفين في أداء الأدوار. وهي مجرد نواة سيجري تطويرها، لتتبلور تدريجياً، وتجد تحولاتها الفنية في المعارض المقبلة. وقدم الممثلون عرضاً مشتركاً، احتلت فيه الشخصيات كلها خشبة مسرح محمد السادس، يوم الافتتاح، حيث اجتمعت في عمل واحد، استُخدمت فيه المؤثرات الصوتية وفيديوهات أُعدت بواسطة الذكاء الاصطناعي جعلت الشخصيات كأنها تتحرك في فضاءات حقيقية.

استقبل المعرض عشرات المثقفين من روائيين ومترجمين ونقاد وشعراء وصحافيين، عرباً وأجانب، أدلوا بدلوهم، وأسهموا في إثراء محاور جرى اختيارها بعناية، بحيث تفتح آفاقاً جديدة، لمواضيع قليلاً ما يتم التطرق إليها، بحيث حرص المنظمون على تعددية الآراء في الجلسة الواحدة، مما خلق ديناميكية وحيوية لافتتين.

أكثر من عشرين جلسة توزعت بين العربية والفرنسية على مدار خمسة أيام، خاضت في هموم أدبية وفكرية من بينها «الموجة والرواية»، حيث ناقش المشاركون بإدارة الكاتبة والإعلامية سعيدة شريف، إن كانوا كتبوا رواياتهم مسايرةً للموجة، أم استجابةً لرغبة أدبية؟ نفى الشاعر والروائي محمد الأشعري أن يكون قد ركب الموجة، وهو الذي كتب أول قصة قصيرة عام 1967، وكان لا يزال في المرحلة الإعدادية.

وتحدث عن فوز روايته «القوس والفراشة» بجائزة البوكر، وطُبعت على الأثر، خمس طبعات، لكن النسخ في مجملها لم تتجاوز عشرين ألفاً. مما يعني أن تأثير الجوائز على القرَّاء ليس بالقدر الذي نتصوره، وقرّاء الرواية ليسوا بالعدد الذي يُحكى عنه. كما ذكر أن عدد الروايات كان قليلاً في السابق، والآن تصل إلى لجان الجوائز بالمئات، ولكن ما التأثير الذي أحدثته؟ «لا كبيرَ تأثيرٍ؛ إذ لا جسور بين الإنتاج والنقد، ولا بين الرواية والتلفزيون. نحن أمام تطور كمّي، يقابله مدح بلاغي». وأضاف: «شاركت في تحكيم البوكر، وأؤكد أن التفاوت بين الروايات كبير جداً، والغالبية متعِبة ومُضجِرة، ولا تُقرأ»، منتهياً بالقول: «ليست هناك موجة».

في نفس الجلسة شارك الروائي السوداني عبد العزيز بركة ساكن، الذي يعد نفسه منفياً في النمسا، بعد المنع والقمع اللذين تعرض لهما في بلاده. وما يحلم به هو العودة إلى قريته.

وجرى نقاش حول إذا ما كانت هناك رواية عربية، معتبراً أن «الأدوات الروائية واحدة مهما اختلفت اللغة، وبالتالي ليست هناك رواية عربية أو رواية إسبانية، وإلا فكيف تصنَّف الرواية التي يكتبها عرب بالفرنسية أو الإنجليزية؟»، خالصاً إلى أن «الرواية لا تنتمي إلا إلى صاحبها بصرف النظر عن اللغة التي تُكتب بها». وهو ما أثار حفيظة الروائية التونسية أميرة غنيم، التي هي أستاذة جامعية في قسم الأدب العربي، معتبرةً أن «الرواية التي تُكتب بالعربية تنتمي إلى لغتها. مع مرور الوقت لا أحد يتذكر أو يهتم بجنسية الكاتب وإنما باللغة التي كتب بها. فمن يتذكّر أن (كليلة ودمنة) تُرجمت عن الهندية، أو أن سيبويه أصله فارسي؟ فالكتابة بلغة ما هي مساهمة في تطويرها وإسهام في ثقافتها». وردَّت أميرة غنيم على من يتهمون الرواية بأنها لا تؤثر في المجتمع بالقول: «لماذا لا نسأل عن تأثير كتب التاريخ والألسنيات أو العلوم؟»، معتبرة أن الحديث عن موجة روائية، فيه توصيف سلبي، لأن «الموجة تحكمها قوانين المد والجزر، وتخلّف زبداً». «الظروف هي التي تسهم في اختيارنا للشكل، روايةً أم شعراً»، قال الروائي السوري سومر شحاده، في معرض رده على تهمة ركوب الموجة. وشرح أنه بدأ بكتابة الشعر، ثم كتب رواية عام 2009 مستوحاة من «طوق الحمامة» وفكرة النظرة الأولى. «بعد ذلك شعرت بأنني في بلد مهدَّد، وأنا من جيل، كُثرٌ من أصدقائي ماتوا في الحرب بعد عام 2011، ولأنني كنت تحت ضغط القمع يومها، غابت السياسة عن رواياتي، وصرت أكتب عن أثرها في الناس». كل من المشاركين في هذا المحور شرح أنه يكتب رواية رداً على حاجة ذاتية، وإن اختلفوا في أمور عديدة أخرى.

من ميزات هذه الطاولات المستديرة اعتمادها الحوار الحي والعفوي، وإعفاء الجمهور من الكلمات المطوَّلة والدراسات المملة، وجعل المشاركين يتحدثون عن زبدة أفكارهم وتجاربهم بتلقائية. وهو ما أغنى الجلسات، وأتاح الفرصة أمام الحضور لطرح أسئلتهم، وإغناء النقاش. وإن كان يستحيل الحديث عن نحو عشرين جلسة، فإن موضوع «في البحث عن الإعلام الثقافي» أثار أيضاً اهتمام الجمهور، وأثار أسئلة وفضولاً؛ إذ شارك فيه عدد من الصحافيين في المجال الثقافي، حاورتهم الإعلامية المغربية سعيدة شريف. وتوافق المشاركون على تراجع الاهتمام بالمادة الثقافية في الصحافة والإعلام العربيين، لكن ثمة من ألقى باللوم على التحولات التكنولوجية، وانصراف القارئ إلى التسطيح، ومن رأى أن ثمة إهمالاً غير مبرَّر. وهناك من اشتكى من محدودية مساحة الحرية.

وجود الإعلامي التلفزيوني جمال بودومة، مع الصحافي اليمني الذي يدير تحرير مجلة «الفيصل»، إلى جانب الصحافي المصري ياسر عبد الحافظ الذي يرأس تحرير «أخبار الأدب»، أضفى تنوعاً على المشهد الذي أطلَّ منه كل منهم، وهو يحاول أن يشخِّص الدَّاء، للعثور على وصفة للخروج من المأزق.

من ميزات هذه الطاولات المستديرة اعتمادها الحوار الحي والعفوي وإعفاء الجمهور من الكلمات المطولة والدراسات المملة

كان ثمة طاولات حملت عناوين: «مرايا الترجمة»، و«العالم سينما»، و«الشعر في الزمن الرقمي»، و«مَن قارئ اليوم؟»، و«فلسطين أفقاً للفكر والإبداع»، و«الإبداع يأتي من جهة الشرق». هناك أيضاً طاولة «في انتظار الناقد»، والعنوان وحده يكفي ليحرّض على الكلام، شارك فيها عبد الرحمن طنكول، وأحمد زين، ونجوان درويش، ومصطفى سلاوي. وطاولة أخرى حول «كتّاب وتجارب» شارك فيها محمد ميلود الغرافي، ومحمد مباركي، ونورا ناجي، والروائي السعودي وائل هادي الحفظي.

«أن نقيم في العالم ونكتبه» هو العنوان الذي تبناه المعرض، ومنه انطلق في رسم برنامجه، محاولاً تقصِّي التحولات في العالم، التي تنعكس على المنطقة العربية.

معرض مختلف، تخصصي، يعد نفسه منصة وفضاءً مفتوحاً للنقاش والنقد والحوار، ومكاناً للتفاعل بين المثقفين في المنطقة العربية والعالم، أكثر مما هو مجرد مكان لعرض الكتب وبيعها. لهذا فإن 120 مثقفاً، في مختلف الاختصاصات، من مغاربة وعرب وأجانب، حلّوا ضيوفاً، وتمكنوا خلال أيام خمسة من عرض وتشخيص ومحاولة فهم عددٍ من المواضيع الساخنة، بفضل برمجة محكمة وطاولات مستديرة متزامنة. كما امتد البرنامج إلى خارج المعرض، إذ نُظمت قراءات في سجون، ومكتبات. ومن بين الأغراض المهمة، حسب مدير المعرض جلال الحكماوي؛ «مدّ الجسور بين المثقفين، وهذه إحدى المهام الأساسية، لا سيما بين المشرق والغرب؛ حيث التواصل لا يزال ضعيفاً، وفتح باب الحوارات بينهم. اللقاءات التي ضمَّت كتَّاباً من كل المنطقة العربية والعالم هي في صميم وجود المعرض». ويتحدث الحكماوي عن شبكة من الأصدقاء في مختلف البلدان، يقدمون النصح والمساعدة لتنظيم برنامج بالمستوى المنشود. وهو أمر يحتاج إلى وقت وجهد كي يأتي دوماً على قدر التمنيات.


مقالات ذات صلة

الروائي المغربي مبارك ربيع: حضورنا الأدبي في المشرق غير مُرضٍ

ثقافة وفنون تكريم مبارك ربيع في أصيلة

الروائي المغربي مبارك ربيع: حضورنا الأدبي في المشرق غير مُرضٍ

يُعدّ الروائي والأكاديمي المغربي مبارك ربيع أحد أبرز الأسماء التي أسهمت في تأسيس الرواية المغربية الحديثة، ومن الجيل الذي رافق تحولات المجتمع المغربي

ميرزا الخويلدي (أصيلة - المغرب)
كتب هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟

لم يعد الكتاب الصوتي يقف على هامش عالم النشر، بوصفه نسخة أخرى من كتاب سبق أن اكتملت حياته على الورق. ففي معرض فرانكفورت للكتاب،

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب «صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي

«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي

ليس الكتاب الصوتي نصاً مطبوعاً أضيف إليه تسجيل فحسب. ففي المسافة بين الكلمة المكتوبة والكلمة المنطوقة، ينشأ عمل آخر يشتغل على المعنى

رشا أحمد (القاهرة)
كتب الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني

الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني

تحت عنوان «الصراع حول أفريقيا»، صدر عن المركز القومي للترجمة في القاهرة الجزء الأول من كتاب «يوميات ويلفريد بلنت - سردية شخصية للأحداث من 1888 حتى 1914»،

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق ما أخطأته المطبعة قبل 29 عاماً أصابته سوق المزادات اليوم (دار مزادات «هيريتيج»)

أخطاء مطبعية تُحوّل نسخة نادرة من «هاري بوتر» إلى «كنز»

بيعت نسخة نادرة من الطبعة الأولى لكتاب «هاري بوتر وحجر الفيلسوف» مقابل 302 ألف جنيه إسترليني، في مزاد أقيم بمدينة دالاس الأميركية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟
TT

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟

لم يعد الكتاب الصوتي يقف على هامش عالم النشر، بوصفه نسخة أخرى من كتاب سبق أن اكتملت حياته على الورق. ففي معرض فرانكفورت للكتاب، الذي أقيم بين السابع والحادي عشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2026، احتلّ موقعاً بارزاً، لا بوصفه ابتكاراً في وسائل الإتاحة فحسب، بل بوصفه تجربة ثقافية تعيد طرح أسئلة القراءة نفسها: كيف نتلقّى الأدب حين نسمعه؟ وماذا يضيف صوت الراوي إلى النص؟ وهل تستطيع الحكاية، حين تغادر الصفحة إلى الأذن، أن تبلغ قرّاء لم تكن تصل إليهم من قبل؟

اللافت، أن المعرض منح هذا التحوّل حيّزاً أوسع ضمن «فرانكفورت أوديو»، فجمع بين مركز جديد للقاء الناشرين والمنتجين والمنصّات، ومساحات تتيح للجمهور اكتشاف الأعمال المسموعة والاقتراب من أصحابها. ولم يقتصر البرنامج على مناقشة الأسواق ووسائل الإنتاج؛ بل شمل لقاءات بين الكتّاب والرواة، وفضاءً للاستماع إلى أدب الفانتازيا.

حين يصبح الصوت جزءاً من الكتاب

ليس الكتاب الصوتي نصًّا مطبوعاً أضيف إليه تسجيل فحسب. ففي المسافة بين الكلمة المكتوبة والكلمة المنطوقة، ينشأ عمل آخر يشتغل على المعنى: نبرة تكشف التردّد، ووقفة تمنح الصمت ثقله، وإيقاع يقرّب الشخصيات أو يباعد بينها. لا يكتب الراوي الحكاية من جديد، لكنه يقترح سبيلاً إلى سماعها، ويصبح أداؤه ضرباً من التأويل؛ فقد يلتقط المستمع في جملة مألوفة سخرية خفيّة أو حزناً لم ينتبه إليه على الصفحة.

وتزداد هذه العلاقة خصوصية حين يقرأ الكاتب سيرته بنفسه. ففي النسخة المسموعة من «وأصبحت» لميشيل أوباما، التي أدّتها بصوتها، يغدو الاستماع لقاءً بين رواية الحياة والصوت الذي يستعيدها. وكانت دار «بنغوين راندوم هاوس» قد وصفت النسخة المسموعة من مذكراتها بأنها الأسرع مبيعاً بين كتبها الصوتية آنذاك.

أما الأعمال الروائية التي ارتبط بها القرّاء طويلاً، فتفتح النسخة المسموعة باباً آخر للعودة إليها. ومن الأمثلة الدالّة اهتمام «فرانكفورت» بعالم «هاري بوتر»؛ إذ تضمّن برنامجه لقاءً مع الأصوات التي أدّت الكتب بالألمانية. هنا لا يأتي الجمهور لاكتشاف الحكاية وحدها، بل للتعرّف إلى من منح شخصياتها حضورها المسموع؛ كأنّ للرواية ذاكرة صوتية تضاف إلى ذاكرتها المكتوبة.

على أن خصوصية هذه التجربة لا تجعل الاستماع أعلى منزلة من القراءة البصرية أو أدنى منها. فقارئ الورق يضبط سرعته، ويتوقّف عند عبارة، ويعود بعينه إلى صفحة سابقة، في حين يختبر المستمع زمناً يصوغه الأداء، وإن استطاع إيقافه أو استعادته. إنهما علاقتان مختلفتان بالنص، ليست امتحاناً لإثبات أفضلية أحدهما على الآخر. وتكمن جاذبية الكتاب الصوتي أيضاً في أنه يوسّع الأوقات التي يمكن للأدب أن يجد فيها مكاناً: في الطريق، وأثناء المشي، وبين الأعمال اليومية.

جمهور يتّسع... ومبيعات يصعب حصرها

تقدّم فرنسا صورة دالّة على اتّساع هذه الصلة. فحسب بارومتر «صوفيا» والنقابة الوطنية للنشر وجمعية أهل الأدب لاستخدامات الكتاب الرقمي والكتاب الصوتي، الذي أنجزه معهد «ميديامتري» ونُشر في 2026، استمع نحو 10.1 مليون شخص، أي 17 في المائة من السكان بين 6 و80 عاماً، إلى كتاب صوتي رقمي خلال الاثني عشر شهراً الماضية. وتكشف الدراسة أيضاً عن أن جمهور هذا النوع من الكتب أصغر سنًّا، في المتوسط، من جمهور الكتاب المطبوع. والأهم ثقافيًّا ليس الرقم وحده، بل ما يفتحه من سؤال: هل يصبح الصوت مدخلاً إلى الأدب لدى فئات لا تجعل القراءة الورقية عادة ثابتة؟

رأت لور ساجيه، المديرة العامة لدار «أوديوليب»، في اتّساع العرض فرصة لتجديد الجمهور. وقالت لصحيفة «لوموند»، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، إن هذا التطوّر «سيجعل جمهور الكتاب الصوتي أصغر سنًّا، ويوسّع انتشاره». وربطت ذلك بإمكان تجربة مؤلّفين وأجناس مختلفة، بدلاً من حصر الاختيار منذ البداية في عنوان واحد. بهذا المعنى، قد تقود عتبة الاستماع السهلة إلى مغامرة أدبية: قصّة قصيرة لم يكن المتلقّي ليشتريها منفردة، أو كتاب للأطفال، أو كاتب يلتقيه للمرة الأولى.

غير أن عدد المستمعين لا يساوي عدد المشترين، ولا يكفي وحده لقياس مكانة الكتاب الصوتي في اقتصاد النشر. ففي مقالها «سبوتيفاي يربك عالم الكتاب الصوتي» المنشور في 26 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، أوضحت «لوموند» أن السوق الفرنسية لا تُقاس بدقّة، بسبب امتناع منصّات رئيسية عن نشر بياناتها، وقدّرتها آنذاك بنحو اثنين في المائة من قطاع النشر. وفي المقابل، تُظهر بيانات جمعية ناشري الكتب الصوتية الأميركية استمرار نموّ الإيرادات في الولايات المتحدة خلال 2025؛ إذ ارتفعت 9 في المائة لتبلغ 2.43 مليار دولار، بما يؤكّد أن الكتاب الصوتي لم يعد تجربة عابرة في أسواق النشر الكبرى. لكنّ نجاحه الثقافي يظلّ أوسع من حصيلته التجارية.

مَن يتحكّم في بوابة الاستماع؟

خلف الألفة التي يصنعها صوت الراوي، تقف وساطة أخرى أقلّ ظهوراً: المنصّة التي يكتشف عبرها المستمع كتابه. في فرنسا، رسّخت «أوديبل»، التابعة لـ«أمازون»، موقعاً مهيمناً في هذا المجال. وقدّرت صحيفة «لو فيغارو»، في مقالها «سبوتيفاي يستثمر مليون يورو لإنتاج كتب صوتية في أوروبا»، المنشور في 11 أبريل (نيسان) 2025، حصّتها آنذاك بنحو ثلثي السوق الفرنسية. وتناول المقال نفسه استثماراً أعلنت عنه «سبوتيفاي» لدعم الإنتاج في أسواق من بينها فرنسا وهولندا. وفي حديثها إلى «لوموند»، وصفت لور ساجيه عرضَي «أوديبل» و«سبوتيفاي» بأنهما «عرضان متكاملان»، يتيحان بيع كتب مختلفة. وأوضحت أن الاضطرار إلى مفاضلة حاسمة قد يدفع إلى اختيار الكتب الأشهر أو الأطول، في حين يشجّع إمكان التجربة على التنقّل بين مؤلّفين وأجناس أدبية قبل الاستقرار على عمل بعينه.

الناشرون بين توسيع الجمهور وحماية القيمة

لا يقف الناشرون خارج هذا التحوّل؛ فهم من يصنع مادّته الأدبية ويختار الأصوات التي تحملها. وفي فرنسا، تعمل دور متخصّصة، من بينها «أوديوليب» المرتبطة بهاشيت وألبان ميشيل، و«ليزي» التابعة لإديتيس، إلى جانب نشاط مجموعة «مادريغال»، على توسيع حضور الكتاب الصوتي. وقد ربط مسؤولو هذه الجهات وصول منصّات جديدة بإمكان تنويع الجمهور وإعادة تحريك أعمال من رصيدهم المنشور، لا بالاكتفاء بمرافقة الإصدارات الحديثة.

وفي هذا السياق، قال إريك ماربو، مدير المبيعات الرقمية في مجموعة «مادريغال»، لصحيفة «لوموند» إن العرض الجديد يتيح «استقطاب مستمعين عرضيّين جدد»، ولاحظ «تنوّعاً جميلاً في الأعمال المستمع إليها»، مرحّباً خصوصاً بالتفات الجمهور إلى عناوين أقدم في فهارس المجموعة. وهذه نقطة جوهرية في الرهان الثقافي: أن يمنح الصوت الكتاب حياة إضافية، وأن يعيده إلى التداول بعدما يكون قد ابتعد عن واجهات المكتبات.

وقد أعادت الكتب الصوتية إلى بعض روائع الأدب الكلاسيكي قرّاءً جدداً؛ فاستعادت «البؤساء» لفيكتور هوغو و«الكونت دي مونت كريستو» لألكسندر دوما حضورها بين المستمعين، كما سهّلت التسجيلات الصوتية الاقتراب من «البحث عن الزمن المفقود» لمارسيل بروست. وشهدت «كبرياء وهوى» لجين أوستن ارتفاعاً ملحوظاً في الاستماع، بما يثبت أن الصوت قادر على إحياء النصوص القديمة وإعادة الشباب إليها.

وبعيداً عن التفاؤل التجاري الذي يحمله هذا القول، فإن جمهور الكتاب الصوتي ليس كتلة واحدة؛ فتعدّد منافذ الوصول يمكن أن يتيح طرائق متباينة للقاء الأدب، بشرط أن يصاحبه تعدّد حقيقي في الأعمال المعروضة. ومن هنا يتّصل السؤال الثقافي بالتجاري: كيف تصل رواية أقلّ شهرة إلى الأذن التي قد تحبّها؟ وما الذي يضمن بقاء مكان للقصّة القصيرة، وللأعمال التي تحتاج إلى إصغاء صبور، حين يصبح الإقبال معياراً حاسماً في الاختيار؟ إن زيادة المعروض فرصة، لكنها لا تكفي وحدها لصون التنوّع. فليست قيمة الكتاب في قدرته على جمع ساعات الاستماع فحسب، بل في التجربة التي يتركها، ولو لدى جمهور محدود.


«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي

«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي
TT

«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي

«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي

يوثِّق كتاب «كتابة المذبحة... أشكال تناول صبرا وشاتيلا»، الصادر عن المركز القومي للترجمة بالقاهرة، للباحثة سمية ممدوح الشامي، الكثير من وقائعها، كما يأتي مواكباً للذكرى الرابعة والأربعين لحدث اختلط فيه السياسي بالإنساني بالثقافي، وتعددت بشأنه السرديات والشهادات، لكن المؤكد أنه يظل وصمة عار على جبين كل حر، حتى لو لم يعاصر وقائع إبادة المخيمين اللذين كانا يضمان لاجئين فلسطينيين في بيروت بين يومي 16 و18 سبتمبر (أيلول) 1982.

وحسب تقارير الأمم المتحدة، دخل مسلحون من «القوات اللبنانية»، الجناح العسكري لـ«حزب الكتائب»، إلى صبرا وشاتيلا، واستمرت عمليات القتل الجماعي نحو 43 ساعة لتخلف أعداداً غير مسبوقة من الضحايا، بينهم جثامين أطفال ونساء، لكن الكتاب الذي كان في الأصل آخر رسالة علمية بالإنجليزية ناقشتها الكاتبة والأكاديمية الراحلة رضوى عاشور قبل أسابيع من رحيلها في 30 نوفمبر (تشرين الثاني) 2014، يعيد تفكيك سردية المذبحة من منظور ثقافي ليرصد تجلياتها في التحليل الغربي والرواية العربية، على حد سواء.

يتوقف الكتاب، الذي ترجمته نسمة محمد دياب وياسمين أسامة الشيمي وراجعه عمرو زكريا عبد الله، بشكل خاص، عند تجارب ثلاثة مثقفين غربيين اختاروا أن ينظروا إلى المأساة الفلسطينية من خارج القوالب الجاهزة، وأن يستندوا إلى ما شاهدوه وقرأوه وعايشوه، بدلاً من الاكتفاء بإعادة إنتاج الخطاب الإعلامي السائد آنذاك.

على رأس هؤلاء يأتي الكاتب الفرنسي جان جينيه، لا سيما مقاله «أربع ساعات في شاتيلا» الذي يصف فيه، بلغة مشحونة بالألم، تفاصيل الصدمة التي خلفتها المشاهد التي رآها، كما توقف مطولاً عند إشكالية اللغة التي استخدمها الخطاب السياسي في وصف الفلسطينيين، وكيف يمكن لكلمة أو توصيف مختزل أن يحجب إنسانية الضحية ويطمس هويتها، كما ذهب إلى أن الواقعة تحولت من منظوره إلى مواجهة أوسع مع الاستبداد، بعد أن بات «يشتم رائحة الموت تنبعث من جسده»، وفق تعبيره.

وفيما يتعلق بالصحافي البريطاني روبرت فيسك، فقد اقترب من مأساة المخيم بأدوات التحقيق الصحافي الميداني، إذ توجه إلى المكان وعاين آثار المذبحة وطرح أسئلة مباشرة حول الروايات التي قُدمت لتفسير ما حدث، ومن بين ما لفت انتباهه الطريقة التي جرى بها استخدام اللغة، مثل استبدال تعبير فضفاض هو «أحداث» بكلمة «مذبحة»، أو حذف كلمة «فلسطيني» من بعض الصياغات، بما يسهم في طمس حقيقة ما جرى.

أما المفكر الأميركي نعوم تشومسكي، فيركز على الروايات الرسمية والحجج التي قُدمت حول المذبحة، محاولاً تفكيك ما اعتبره «تناقضات داخل بنيتها»، عبر أدوات التحليل والسخرية للكشف عن الفجوات بين ما قيل وما حدث على الأرض. كما توقف كذلك عند الطريقة التي يمكن أن يتحول بها الجدل السياسي إلى وسيلة لإغلاق النقاش، من خلال وضع «منتقدي الصهيونية» تلقائياً في مواجهة اتهامات بـ«معاداة السامية»، بما يصرف الانتباه عن مناقشة الظروف السياسية التي أحاطت بالمذبحة، على حد تعبيره.

في المقابل، تتوقف الباحثة عند ثلاث روايات عربية، هي: «الحب في المنفى» لبهاء طاهر، و«الطنطورية» لرضوى عاشور، و«باب الشمس» لإلياس خوري، إذ تتناول تلك النصوص المأساة من زوايا مختلفة، وتقدم سردية أدبية إبداعية لما حدث بالفعل، من خلال منظور فني يستند إلى سردية الواقع.

تضع «الحب في المنفى» الواقعة في سياق إنساني يتجاوز حدود فلسطين ولبنان، فالرواية تربط بين ما يواجهه المعارضون في العالم العربي وبين مآسٍ شهدتها شعوب أخرى، من تشيلي وغينيا إلى إسبانيا، لتصبح «صبرا وشاتيلا» واحدة من صور القمع التي يتعرض لها الإنسان عندما يتم إخضاع الآخرين وسلب حقوقهم بالقهر. وتقدم «الطنطورية» معالجة مختلفة، إذ تمتد أحداث الرواية زمنياً من نكبة 1948 إلى تحرير الجنوب اللبناني عام 2000، عبر حكايات الشخصيات وذكرياتها وما عاشته من تهجير وفقد، عبر سردية تمتزج فيها التفاصيل التاريخية مع جوانب من الحياة اليومية والتراث الشعبي الفلسطيني، مما يمنح الأحداث بعداً إنسانياً لافتاً. وتعيد «باب الشمس» بناء جانب واسع من تاريخ النكبة من خلال قصص الفلسطينيين وذاكرتهم، مثل سقوط قرى: عين الزيتون والبروة والشعب خلال عام 1948، فالكاتب هنا لا يتوقف فقط عند الأحداث الكبرى المحفورة في الوجدان العام، إنما يهتم أيضاً بالتفاصيل الصغيرة التي حفظها أصحابها، من أسماء الأماكن إلى حكايات العائلات وتجارب النزوح.


الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني

الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني
TT

الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني

الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني

تحت عنوان «الصراع حول أفريقيا»، صدر عن المركز القومي للترجمة في القاهرة الجزء الأول من كتاب «يوميات ويلفريد بلنت - سردية شخصية للأحداث من 1888 حتى 1914»، من تأليف الرحالة والشاعر والدبلوماسي البريطاني ويلفريد سكاون بلنت، ترجمة أسامة الغزولي.

يعد الكتاب سجلاً تاريخياً واجتماعياً يلتقي فيه الخاص بالعام، والسفر بالتأمل السياسي، عبر مفارقة نادرة لرجل انحاز للشرق وتعاطف معه ضد سياسات بلاده الاستعمارية، كما يكتسب أهمية خاصة للقارئ العربي لأنه يقدم شهادة شخصية مباشرة على مرحلة شديدة الاضطراب من تاريخ المنطقة، تمتد في الأصل إلى الفترة من 1888 إلى 1914.

عاش بلنت في الفترة من 1840 حتى 1922، وعمل في السلك الدبلوماسي البريطاني بين عامي 1858 و1869، ثم اتجه لاحقاً إلى السفر والكتابة، وارتبط اهتمامه بالشرق بعلاقته بزوجته الليدي آن بلنت، حفيدة الشاعر الإنجليزي لورد بايرون، إذ جاب الزوجان مناطق واسعة من الشرق الأوسط، وأسسا لاحقاً مزرعة لتربية الخيول العربية.

ورغم ذلك، لم يكن اهتمامه بالشرق مجرد شغف بالرحلات أو بالحياة البدوية، فقد تطور تدريجياً إلى موقف سياسي ناقد للإمبريالية البريطانية، بالتزامن مع موقف أقرب إلى الانبهار بالثقافة العربية.

وتكمن قيمة الكتاب في أن مؤلفه لم يكن مؤرخاً يكتب بعد عقود من وقوع الأحداث، وإنما رجل تحرك داخل دوائر سياسية واجتماعية متعددة، وشاهد شخصيات وأحداثاً وصراعات كانت لا تزال في طور التشكل، ولذلك تبدو اليوميات أقرب إلى كاميرا تتحرك بين لندن والقاهرة ومناطق الشرق، فتسجل الانطباعات والمحادثات والأخبار والقرارات، ثم تربطها بسياق سياسي أكبر.

ينتقل المؤلف إلى تونس وليبيا، في خطوة من شأنها توسيع زاوية النظر من مصر إلى شمال أفريقيا في الوقت الذي كانت فيه القوى الأوروبية تتنافس على المنطقة، كما أولى شبه الجزيرة العربية اهتماماً خاصاً، في إطاراهتمامه بالخيول العربية والمجتمعات البدوية، إذ انتقد النظرة الغربية المنحازة سلفاً ضد المجتمعات المحلية.

يتسع المشهد ليشمل السودان أيضاً، من خلال فصل «أم درمان وفاشودة»، حيث تدخل اليوميات في قلب التنافس البريطاني الفرنسي في أفريقيا، ضمن محطات التوتر بين القوتين في نهاية القرن التاسع عشر، مع تحول موقف المؤلف من «الاستشراق الرومانسي» في شبابه إلى بلورة موقف نقدي أكثر تماسكاً للسياسة الاستعمارية.

ولأنه شاعر في الأساس، لا يمكن فصل الحس الأدبي عن طريقة كتابة اليوميات لدى ويلفريد بلنت فحتى عندما يتناول الشأن السياسي المباشر لا يكتفي بتسجيل أسماء المسؤولين أو القرارات، إنما يهتم بالشخصيات وطباعها وعلاقاتها بما وراء التصريحات الرسمية، عبر لغة تجمع بين الصورة الأدبية ودقة المؤرخ والحس التوثيقي.

على هذه الخلفية، يصعب التعامل مع الكتاب بوصفه وثيقة محايدة فيما يتعلق بتناول الشأن المصري تحديداً، فالمؤلف نفسه شخصية سياسية ذات مواقف واضحة، فقد عاش خصماً للسياسة الإمبراطورية البريطانية، ومناصراً لثورة الزعيم الوطني أحمد عرابي، وهو ما يعني أن اختياراته لما يسجله وطريقته في وصف الشخصيات والأحداث تأثرت برؤيته الفكرية كناقد للإمبريالية ومتعاطف مع الحركة الوطنية المصرية.

من هنا تكتسب المواجهة بين بلنت واللورد كرومر، المندوب السامي البريطاني في القاهرة، أهمية خاصة لأنها تكاد تكون مواجهة بين رؤيتين متناقضتين لمصر بعيون إنجليزية، فالثاني يمثل الإدارة الاستعمارية ويدافع عن تجربتها في مستعمرات الشرق، بينما كان بلنت يرى أن الوجود البريطاني تحول إلى سيطرة سياسية تتعارض مع حق المصريين في تقرير مستقبلهم.

اللافت أن هذه اليوميات تجعل التاريخ أقل تجريداً وحيادية كما تمنحه بعداً شخصياً ملموساً، فبدلاً من أن نقرأ الاحتلال البريطاني للبلدان العربية في صورة تواريخ ومعاهدات وأسماء حكام، نراه من خلال رجل يتحرك بين لندن والشرق، ويتابع العلاقات بين القوى السياسية، ويراقب المجتمع والناس، ويكتب عن صراع الإمبراطوريات وهي تتوسع، على نحو يثبت أن الاستعمار لم يكن مجرد احتلال عسكري، وإنما شبكة من النفوذ المالي والإداري والسياسي والثقافي.