«المعرض المغاربي للكتاب» يجمع 120 مثقفاً حول طاولاته المستديرة

منصّة بعنوان «أن نقيم في العالم ونكتبه»

جلسة ناقشت محور الموجة والرواية
جلسة ناقشت محور الموجة والرواية
TT

«المعرض المغاربي للكتاب» يجمع 120 مثقفاً حول طاولاته المستديرة

جلسة ناقشت محور الموجة والرواية
جلسة ناقشت محور الموجة والرواية

تجربة تستحق الاهتمام تلك التي يخوضها «المعرض المغاربي للكتاب» في وجدة، حيث يغتنمها المنظمون مناسبةً لإقامة أنشطة تثقيفية، وحوارات شيقة، وورش فنية، لا بل إن البرنامج المرافق بغناه، يكاد يفوق المعروضات أهمية.

يمكن القول إن هذا المعرض في وجدة، في دورته الخامسة التي انتهت في 12 من الشهر الحالي، شهد من الطاولات المستديرة والنقاشات الجادة والعميقة، هي من بين الأدسم والأكثر حيوية التي يمكن أن تحضرها في مناسبة كهذه، إضافةً إلى قراءات وشهادات، وتدريبات، وتوقيعات، وتقديم كتب، وتكريمات، ومقاطع تمثيلية تثقيفية جابت المعرض.

فبينما أنت تتجول بين الأجنحة، يخرج عليك ابن بطوطة متحدثاً عن رحلاته، بقامته الممشوقة وعصاه التي يتوكأ عليها. وقد يطل على الزوار مارتن لوثر كينغ الابن، مستعيداً مقاطع من حياته، أو عبد الرزاق قرنح، صاحب نوبل للآداب عام 2021، متحدثاً عن كتاباته وهجرته التي طالت. وبين الشخصيات التي تفاجئك في المعرض خناثة بنت بكار، وإسحاق نيوتن، ولا تستغرب أن ترى ياسر عرفات، الذي يطل كشخصية رمزية في خضم استذكار فلسطين. فكرة نيّرة تعود للممثل أمين مقلّش، خريج المعهد العالي للفنون المسرحية، الذي أخرج هذا العمل ويشارك فيه مع ممثلين محترفين في أداء الأدوار. وهي مجرد نواة سيجري تطويرها، لتتبلور تدريجياً، وتجد تحولاتها الفنية في المعارض المقبلة. وقدم الممثلون عرضاً مشتركاً، احتلت فيه الشخصيات كلها خشبة مسرح محمد السادس، يوم الافتتاح، حيث اجتمعت في عمل واحد، استُخدمت فيه المؤثرات الصوتية وفيديوهات أُعدت بواسطة الذكاء الاصطناعي جعلت الشخصيات كأنها تتحرك في فضاءات حقيقية.

استقبل المعرض عشرات المثقفين من روائيين ومترجمين ونقاد وشعراء وصحافيين، عرباً وأجانب، أدلوا بدلوهم، وأسهموا في إثراء محاور جرى اختيارها بعناية، بحيث تفتح آفاقاً جديدة، لمواضيع قليلاً ما يتم التطرق إليها، بحيث حرص المنظمون على تعددية الآراء في الجلسة الواحدة، مما خلق ديناميكية وحيوية لافتتين.

أكثر من عشرين جلسة توزعت بين العربية والفرنسية على مدار خمسة أيام، خاضت في هموم أدبية وفكرية من بينها «الموجة والرواية»، حيث ناقش المشاركون بإدارة الكاتبة والإعلامية سعيدة شريف، إن كانوا كتبوا رواياتهم مسايرةً للموجة، أم استجابةً لرغبة أدبية؟ نفى الشاعر والروائي محمد الأشعري أن يكون قد ركب الموجة، وهو الذي كتب أول قصة قصيرة عام 1967، وكان لا يزال في المرحلة الإعدادية.

وتحدث عن فوز روايته «القوس والفراشة» بجائزة البوكر، وطُبعت على الأثر، خمس طبعات، لكن النسخ في مجملها لم تتجاوز عشرين ألفاً. مما يعني أن تأثير الجوائز على القرَّاء ليس بالقدر الذي نتصوره، وقرّاء الرواية ليسوا بالعدد الذي يُحكى عنه. كما ذكر أن عدد الروايات كان قليلاً في السابق، والآن تصل إلى لجان الجوائز بالمئات، ولكن ما التأثير الذي أحدثته؟ «لا كبيرَ تأثيرٍ؛ إذ لا جسور بين الإنتاج والنقد، ولا بين الرواية والتلفزيون. نحن أمام تطور كمّي، يقابله مدح بلاغي». وأضاف: «شاركت في تحكيم البوكر، وأؤكد أن التفاوت بين الروايات كبير جداً، والغالبية متعِبة ومُضجِرة، ولا تُقرأ»، منتهياً بالقول: «ليست هناك موجة».

في نفس الجلسة شارك الروائي السوداني عبد العزيز بركة ساكن، الذي يعد نفسه منفياً في النمسا، بعد المنع والقمع اللذين تعرض لهما في بلاده. وما يحلم به هو العودة إلى قريته.

وجرى نقاش حول إذا ما كانت هناك رواية عربية، معتبراً أن «الأدوات الروائية واحدة مهما اختلفت اللغة، وبالتالي ليست هناك رواية عربية أو رواية إسبانية، وإلا فكيف تصنَّف الرواية التي يكتبها عرب بالفرنسية أو الإنجليزية؟»، خالصاً إلى أن «الرواية لا تنتمي إلا إلى صاحبها بصرف النظر عن اللغة التي تُكتب بها». وهو ما أثار حفيظة الروائية التونسية أميرة غنيم، التي هي أستاذة جامعية في قسم الأدب العربي، معتبرةً أن «الرواية التي تُكتب بالعربية تنتمي إلى لغتها. مع مرور الوقت لا أحد يتذكر أو يهتم بجنسية الكاتب وإنما باللغة التي كتب بها. فمن يتذكّر أن (كليلة ودمنة) تُرجمت عن الهندية، أو أن سيبويه أصله فارسي؟ فالكتابة بلغة ما هي مساهمة في تطويرها وإسهام في ثقافتها». وردَّت أميرة غنيم على من يتهمون الرواية بأنها لا تؤثر في المجتمع بالقول: «لماذا لا نسأل عن تأثير كتب التاريخ والألسنيات أو العلوم؟»، معتبرة أن الحديث عن موجة روائية، فيه توصيف سلبي، لأن «الموجة تحكمها قوانين المد والجزر، وتخلّف زبداً». «الظروف هي التي تسهم في اختيارنا للشكل، روايةً أم شعراً»، قال الروائي السوري سومر شحاده، في معرض رده على تهمة ركوب الموجة. وشرح أنه بدأ بكتابة الشعر، ثم كتب رواية عام 2009 مستوحاة من «طوق الحمامة» وفكرة النظرة الأولى. «بعد ذلك شعرت بأنني في بلد مهدَّد، وأنا من جيل، كُثرٌ من أصدقائي ماتوا في الحرب بعد عام 2011، ولأنني كنت تحت ضغط القمع يومها، غابت السياسة عن رواياتي، وصرت أكتب عن أثرها في الناس». كل من المشاركين في هذا المحور شرح أنه يكتب رواية رداً على حاجة ذاتية، وإن اختلفوا في أمور عديدة أخرى.

من ميزات هذه الطاولات المستديرة اعتمادها الحوار الحي والعفوي، وإعفاء الجمهور من الكلمات المطوَّلة والدراسات المملة، وجعل المشاركين يتحدثون عن زبدة أفكارهم وتجاربهم بتلقائية. وهو ما أغنى الجلسات، وأتاح الفرصة أمام الحضور لطرح أسئلتهم، وإغناء النقاش. وإن كان يستحيل الحديث عن نحو عشرين جلسة، فإن موضوع «في البحث عن الإعلام الثقافي» أثار أيضاً اهتمام الجمهور، وأثار أسئلة وفضولاً؛ إذ شارك فيه عدد من الصحافيين في المجال الثقافي، حاورتهم الإعلامية المغربية سعيدة شريف. وتوافق المشاركون على تراجع الاهتمام بالمادة الثقافية في الصحافة والإعلام العربيين، لكن ثمة من ألقى باللوم على التحولات التكنولوجية، وانصراف القارئ إلى التسطيح، ومن رأى أن ثمة إهمالاً غير مبرَّر. وهناك من اشتكى من محدودية مساحة الحرية.

وجود الإعلامي التلفزيوني جمال بودومة، مع الصحافي اليمني الذي يدير تحرير مجلة «الفيصل»، إلى جانب الصحافي المصري ياسر عبد الحافظ الذي يرأس تحرير «أخبار الأدب»، أضفى تنوعاً على المشهد الذي أطلَّ منه كل منهم، وهو يحاول أن يشخِّص الدَّاء، للعثور على وصفة للخروج من المأزق.

من ميزات هذه الطاولات المستديرة اعتمادها الحوار الحي والعفوي وإعفاء الجمهور من الكلمات المطولة والدراسات المملة

كان ثمة طاولات حملت عناوين: «مرايا الترجمة»، و«العالم سينما»، و«الشعر في الزمن الرقمي»، و«مَن قارئ اليوم؟»، و«فلسطين أفقاً للفكر والإبداع»، و«الإبداع يأتي من جهة الشرق». هناك أيضاً طاولة «في انتظار الناقد»، والعنوان وحده يكفي ليحرّض على الكلام، شارك فيها عبد الرحمن طنكول، وأحمد زين، ونجوان درويش، ومصطفى سلاوي. وطاولة أخرى حول «كتّاب وتجارب» شارك فيها محمد ميلود الغرافي، ومحمد مباركي، ونورا ناجي، والروائي السعودي وائل هادي الحفظي.

«أن نقيم في العالم ونكتبه» هو العنوان الذي تبناه المعرض، ومنه انطلق في رسم برنامجه، محاولاً تقصِّي التحولات في العالم، التي تنعكس على المنطقة العربية.

معرض مختلف، تخصصي، يعد نفسه منصة وفضاءً مفتوحاً للنقاش والنقد والحوار، ومكاناً للتفاعل بين المثقفين في المنطقة العربية والعالم، أكثر مما هو مجرد مكان لعرض الكتب وبيعها. لهذا فإن 120 مثقفاً، في مختلف الاختصاصات، من مغاربة وعرب وأجانب، حلّوا ضيوفاً، وتمكنوا خلال أيام خمسة من عرض وتشخيص ومحاولة فهم عددٍ من المواضيع الساخنة، بفضل برمجة محكمة وطاولات مستديرة متزامنة. كما امتد البرنامج إلى خارج المعرض، إذ نُظمت قراءات في سجون، ومكتبات. ومن بين الأغراض المهمة، حسب مدير المعرض جلال الحكماوي؛ «مدّ الجسور بين المثقفين، وهذه إحدى المهام الأساسية، لا سيما بين المشرق والغرب؛ حيث التواصل لا يزال ضعيفاً، وفتح باب الحوارات بينهم. اللقاءات التي ضمَّت كتَّاباً من كل المنطقة العربية والعالم هي في صميم وجود المعرض». ويتحدث الحكماوي عن شبكة من الأصدقاء في مختلف البلدان، يقدمون النصح والمساعدة لتنظيم برنامج بالمستوى المنشود. وهو أمر يحتاج إلى وقت وجهد كي يأتي دوماً على قدر التمنيات.


مقالات ذات صلة

الشعر مواجهاً جروح الذات

ثقافة وفنون الشعر مواجهاً جروح الذات

الشعر مواجهاً جروح الذات

في ديوانها الثالث «أبتر فرعي من شجرة العائلة»، تضع الشاعرة المصرية آلاء فودة يدها بكل قسوة في جروح الذات، تنكأها بلا رحمة، ودون محاولات للتجميل

عمر شهريار
ثقافة وفنون إسكندرية نجيب محفوظ

إسكندرية نجيب محفوظ

يذهب الباحث محمد المالحي في كتابه «نجيب محفوظ... حرافيش الإسكندرية وحكايات الرقيب»، الصادر عن دار «البديع العربي»، إلى مناطق أقل تداولاً في سيرة «أديب نوبل»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «ليون الأفريقي»... ناقل المعرفة بين الشرق والغرب

«ليون الأفريقي»... ناقل المعرفة بين الشرق والغرب

نجح الكاتب اللبناني أمين معلوف، من خلال روايته الشهيرة «ليون الأفريقي»، في تقديم شخصية حسن الوزّان إلى العالم بوصفه بطلاً عابراً للحدود ورحّالةً كبيراً...

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون «أبناء قوقل وأحفاد المتنبي»... استعارتان تلتقطان تحوّل الإنسان العربي

«أبناء قوقل وأحفاد المتنبي»... استعارتان تلتقطان تحوّل الإنسان العربي

للشاعر السعودي، إبراهيم زولي، صدر مؤخراً كتاب «أبناء قوقل وأحفاد المتنبي - بين ذاكرة الورق وإغواء المنصات»، عن مجموعة «متون للنشر والتوزيع» بالقاهرة.

ميرزا الخويلدي (الدمام)
المشرق العربي قبل 6 أيام من الاغتيال... خدام قال للحريري: «غادر لبنان» فرد: «لديّ انتخابات»

قبل 6 أيام من الاغتيال... خدام قال للحريري: «غادر لبنان» فرد: «لديّ انتخابات»

غداء بيروت في 8 فبراير 2005 كما ترويه المذكرات: تحذير أخير لرفيق الحريري، ورسالة من ماهر الأسد عبر صاحب صحيفة، وحماية تقلّصت من خمسين عنصراً إلى ستة

«الشرق الأوسط» (لندن)

فن «الكتابة عن الكتابة»

فن «الكتابة عن الكتابة»
TT

فن «الكتابة عن الكتابة»

فن «الكتابة عن الكتابة»

بين الأكاديمية والانطباعية والمزاجية، بقيت مراجعات الكتب على أنواعها ممارسة ثقافية، متحررة من أي قيد يحددها في إطار أو يكبح جماح كاتبها. كلٌ يمارس مراجعته بالطريقة التي يراها مناسبة، وهذا أهم ما يكشفه كتاب رائد العيد الصادر عن «دار كلمات للنشر والتوزيع» بعنوان «دفاتر المكتبة الكونية... فن مراجعة الكتب». وهو من خلال هذا المؤلَّف التوثيقي والأدبي في آن، يقوم بما يشبه التأريخ والتحليل لنوع من الكتابة نادراً ما تصدى له كاتب عربي، أو اعتبره صنفاً يستحق العناية به لذاته. الميزة الأساسية أن العيد يتتبع أنواع هذا الفن وضروبه ويعمل على لمّ شمله، وفهمه وتوضيح الفوارق بين أصنافه.

لهذا؛ فإن «فن المراجعات»، يخضع هذه المرة لتفحص وتتبع وتفنيد وتحليل واستخلاص نتائج. وعلى عكس ما يخطر لك، فإن موت الكتاب الورقي أو خفوت نجمه، كما يقول العيد، لا يعني تراجع هذا الفن، بل تعزيز دوره، وبروزه بصور مختلفة لم تكن معروفة؛ ما يجعلنا لا نتنبه له بالضرورة. إذ لا يمر يوم إلا وتقرأ تقييماً لكتاب أو برنامج أو مداخلة، على إحدى وسائل التواصل، وتترك نجمة أو إعجاباً، أو تعليقاً طويلاً أو قصيراً. فالتقييم جوهر في اقتصاد وسائل التواصل وجزء أساسي من حيويتها وعجلة دورانها. وهو أمر لا يقارن بالضرورة بالمراجعات الجادة للكتب، لكن قرابة الوصل موجودة، والربط واجب.

يحاول العيد تقديم «مراجعة للمراجعات»، على طريقة «علم العلم» أو «تفسير التفسير»، بحيث يبحث في هذا الفن محاولاً تحديد ماهيته، وتأريخ بدايته، وتوضيح المصطلحات المتعلقة به ودوافع كتابته، ومعرفة مكوناته وأساليبه، ومتطلباته، وخيارات مؤلفيه، كما يبحث في حجم اقتصاده وتبعات نشره، ومحاذير قراءته، وصولاً إلى ادعاء موته.

حسب العيد، فإن الكتابة عن الكتب، وُجدت مع انتشار الكتاب، بحيث إن من يتعذر عليه الحصول على مؤلف ما، كان يمنّي النفس بقراءة جزء منه، أو شيء عنه، في مؤلف جامع يتصدى لهذه الغاية. وبالتالي، فإن المراجعة أو التلخيص يقدمان خدمة جليلة. وهذا هو السبب الأول لولادة المراجعات: «أن تعـرّف بالكتـاب النــادر الــذي يصعـب الحصــول عليــه أو تُقـرّب البعيــد وتنشر الفريد. ففــي بدايات الكتابة والنشر كان الكتاب صعـب التشـكيل عســير النسـخ، وليــس بمقـدور الجميـع الحصـول عليه؛ فيكتفي النـاس منــه بالقليل».

ثمة كتب لم تصل إلينا أصلاً، لكننا عرفنا بوجودها وبمحتواها من المراجعات. يلفت الكتاب إلى أن بعض المراجعات نجدها في حوارات أفلاطون، وفي رسائل سينيكا، وفي كتابات بلوتارك، ومجادلات شيشيرون، وتأملات ماركوس أوريليوس وأبحاث أرسطو. وعند العرب لم يقصّر الجاحظ في الكتابة عن الكتب ونقدها والتشجيع على قراءة بعضها أو نقل محتوى بعضها الآخر.

ويرى العيد أن كتــاب «الفهرسـت» لابــن النديم هو نموذج لحقبــة طويلة فــي تاريـخ مراجعات الكتــب. فابن النديــم كان شاغله الأكبـر أن يحـوي كتابه فحوى كتب زمانه، بحيث يجمــع فيــه ما قــرأه وعرفــه وســمع عنه. وتأتي أهميته من أن الكثير من الكتــب التــي تحدث عنها اندثرت، ولم تعد بيـن أيدينــا اليــوم. وبالتالي، فإن مراجعات ابـن النديــم هي التي أدخلتهــا التاريــخ، ومنعتهـا مــن الاختفاء الكلي.

يقتفي الكتاب أثر المراجعات عبر التاريخ شرقاً وغرباً، وصولاً إلى العصر الحديث. فقد ظهـرت في شـكلها الذي نعرفه اليوم في الصحف الفرنسية خـلال القــرن الســابع عشــر، ومن حينها بدأت أشكال المراجعات ومناهجها تتطور، من الاكتفاء بالتعريف بالكتب، إلى نقدها والحكم عليها. وهو ما تسبب في حراك ونقاشات ليس حول دورها فحسب، بل حول حدودها التي يفترض أن تلتزمها؛ إذ إن الكتّاب تجاوزوا التعريف إلى النقد والتقريظ. ويروي كليمان موزان في كتابه «ما التاريخ الأدبي؟»، «أن الصحافيين الأدبيين فــي تلـك الفترة لم يكتفوا بالتلخيص والاستشهاد بما ورد في الأعمال التي يعرضونها، بل أخذوا يطلقون الأحكام وينتقدون الأعمال، معتبرين أنهم يقومون بواجبهم اتجاه القارئ في مهمة إرشاده».

وفي القرن التاسع عشر، بدأت المجلات بتخصيص فصول وأبواب تواكب مستجدات الكتب وتتابع الإصدارات وتعرضها وتنقدها. عربياً، ظهرت مجلة «المقتطف» عام 1883 وفيها «باب الهدايا والتقاريظ» بعد سبع سنوات من تأسيس المجلة، على اعتبار أن التعريف بالكتب ومراجعتها، هي هدايا للقارئ. لكن اسم الباب تغير، ليصبح «باب التقريظ والانتقاد» مع تحول مهماتها، واتخاذها مناحي جديدة في التحليل والنقد. ثم جاءت مجلة «الزهـور» وأسمت باب مراجعات الكتب «ثمرات المطابع» منتهجـة العـرض الموجــز والتعريــف الســـريع بجديــد المؤلفات. وهــو مــا أكملته مجلة «أبولــو» تحت عنـوان «ثمــار المطابع». وعندما جـاء إبراهيــم اليازجي إلى مجلة «البيــان» ومن بعدهـا «الضياء» اختار تقديـم مراجعات الكتب التي كان يسطرها تحت عنــوان «آثار أدبية»، عادَّاً أن المراجعة وصلـت لأن تكون نصاً أدبياً مستقلاً. والذين كتبوا نصوصاً أدبية في المراجعات كثر، من بينهم طه حسين وعباس محمود العقاد والمازني، وغيرهم كثير.

عام 1896 أعلنت صحيفة «نيويورك تايمز» عن ملحق متخصص في مراجعات الكتب. بدأ الملحق بالظهور كل صباح سبت، ثم تحول صدوره إلى صباح الأحد لزيادة عدد القراء، ولتسليتهم وإفادتهم في عطلتهم. وعاش الملحق أكثر مما يتوقع الجميع؛ إذ احتفلت الصحيفة بمرور 125 سنة على ولادته عام 2021، مع كتاب توثيقي لهذه المغامرة الأدبية والفكرية.

كانت المراجعات حين تكتبها إدارة التحرير، وتقتصر على التعريف بالكتاب ووصفه دون جهد كبير، لا تحمل بالضرورة اسم الكتّاب، لكن الوضع تغير بعد أن أصبحت مقرونة بالرأي والتحليل، وتسطر بأقلام مؤلفين معروفين للصحف مصلحة في إبراز أسمائهم.

أما اليوم، وقد تشعبت الطرق والمناهج، وتعددت الأساليب والمدارس، وظهرت المصطلحات المتخصصة وتنوعت المنابر، فإن المراجعات لم تعد مجرد كتابات هامشية، بل صارت أهم من أن يتم تجاهلها، أو تستبعد من القواميس والمعاجم الأدبية واللغوية. لا، بل يرى مؤلف الكتاب أن المراجعات تحولت «جنساً أدبياً مستقلاً قائماً بذاته له مفاهيمه وأبعاده، كما له ممارساته المتعددة الواسعة». وهو يدعو إلى الاعتراف بما يمكننا تسميته «أدب المراجعات». فليست الغاية عند كل من كتبوا في هذا المجال مجرد الاقتصار علــى التعريــف بكتــب في حقــل معين، بــل إن البعض عمل فعلاً على كتابـة مراجعات أدبية يمكن وضعها في مصـاف الأدب الرفيع، وقد أعلت مــن شــأن الكتابــة علــى الكتابــة كفعــل أصيــل وليس مجرد ردة فعــل سريعة، أو تعليقات متعجلة.

مقالة واحدة تلفت القراء وتجذبهم يمكنها أن تعلي من شأن الكتاب في عيون الناس وتجعلهم يتهافتون للحصول عليه

ما يفوتنا أحياناً، أن ثمة بعداً تجارياً واقتصادياً للمراجعات. إذ إن مقالة واحدة تلفت القراء وتجذبهم، يمكنها أن تعلي من شأن الكتاب في عيون الناس، وتجعلهم يتهافتون للحصول عليه. من هنا يقول العيد بدأنا نسمع عن شركات متخصصة في تسويق الكتب، واستكتاب كتّاب أعمدة في الصحف الرائجة. وهناك دور نشر متعاقدة مع أبرز مراجعي الكتب، وثمة مؤلفون ينسجون علاقات مع يوتيوبرز ونجوم وسائل التواصل للترويج لكتبهم، ولا غرابة أن نجد بأنه ما أن تنطلق الحملة حتى تنفد الكتب عن رفوف المكتبات.

يحاول رائد العيد، إذن، تقديم مسار المراجعات منذ عرفها الإنسان إلى اليوم بشمولية وانفتاح على مختلف الأشكال والمعارف. إنها دراسة بنفح أدبي تشبه ما يمكن أن نسميه «أنثروبولوجيا المراجعات»، من خلال استعراض سيرة هذا الفن في المجلات والدوريات الثقافية الورقية وصولاً إلى العصر الرقمي المنفتح، حيث أصبحت منصات التواصل الاجتماعي والمدونات الوسيلة الأكثر رواجاً لتقييم الكتب ومشاركة أخبارها وتبادل الآراء حولها.

والكتاب يسد ثغرة في المكتبة العربية، ويملأ فراغاً تنظيرياً بشأن فن اعتبر باستمرار أقل من أن يلتفت إليه، لا، بل لم يعترف بقيمته الأدبية ودوره بصفته محركاً حيوياً لحركة البيع وسبباً أساسياً في فتح المعارك الأدبية والفكرية. لهذا؛ اعتبر المؤلف كتّاب المراجعات الذين أهداهم الكتاب بأنهم «صنّاع الجسور الثقافية، وأمناء المكتبة الكونية».

يرسم العيد بداية طريق لمجال لم يؤخذ بالجدية الكافية؛ آملاً أن يأتي من بعده من يطوره ويبحث في مزيد من التفاصيل، خاصة وأن المجال نفسه يشهد تحولاً في الشكل والمضمون والوسيلة، في وقت واحد. وهذا انقلاب كبير، تتوجب متابعته.

وهنا يستشهد الكتاب بما ختم به ابن خلدون مقدمته الشهيرة: «ولعل من يأتي بعدنا ممن يؤيده الله بفكر صحيح وعلم متين، يغوص من مسائله على أكثر مما كتبناه، فليس على مستنبط الفن إحصاء مسائله، وإنما عليه تعيين موضع العلم وتنويع فصوله وما يتكلم فيه، والمتأخرون يلحقون المسائل شيئاً فشيئاً إلى أن تكمل».


تشريح قصصي لفلسفة «أنصاف الأشياء»

تشريح قصصي لفلسفة «أنصاف الأشياء»
TT

تشريح قصصي لفلسفة «أنصاف الأشياء»

تشريح قصصي لفلسفة «أنصاف الأشياء»

صدر أخيراً، عن «دار الشروق» في القاهرة، المجموعة القصصية «تخفيف أحمال»، للروائية والقاصة المصرية شيرين سامي. تتكون المجموعة من ثلاث عشرة قصة قصيرة، تسعى إلى تشريح وتفكيك فلسفة «أنصاف الأشياء»، وتكشف عن العوز العاطفي الخافت الذي يتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية للأبطال، الذين يرتضون بنصف دفء ونصف حب، ونصف طمأنينة لا تكتمل أبداً. وتتحول القصص مرآةً للإنسانية شديدة الهشاشة، نابشة في مرارة الخذلان وفراغات الروح، ليكتشف الأبطال مع آخر ضوء ينطفئ أن العتمة المؤقتة قد تصبح أحياناً مساحتهم الوحيدة والآمنة للنجاة.

تتقاطع حكايات المجموعة وتتباين عوالمها، معتمدة لغة بصرية. وتدور القصة - التي تحمل المجموعة عنوانها - حول فتاة تستعيد مزاج التسعينات ورسائل الشرفات وشرائط الكاسيت القديمة.

وفي قصة «يوميات امرأة غير جديرة بالحب» تستعيد البطلة ذكرياتها الطويلة مع العلاقات السامة. بينما في «شقة رقم عشرة» يجلس البشر محبوسي الأنفاس أمام الشاشات في انتظار نيزك ينهي العالم خلال أربع وعشرين ساعة.

وكان قد صدرت لشيرين سامي ثمانية كتب، منها روايات: «قيد الفراشة» و«حنة»، و« مَن ذاق عرف»، و«الحجرات»، وكان أحدث إصداراتها رواية «السيدة الكبرى» في يناير (كانون الثاني) 2025، ورواية للنشء بعنوان «ابْتَسِمْ لأكون أقوى» التي وصلت إلى القائمة القصيرة لـ«جائزة اتصالات لكتاب الطفل» عن فئة اليافعين، وكتاب «154 طريقة لقول أفتقدك».

من أجواء المجموعة، نقرأ: «كثيراً ما تتمشى في الشوارع، قديماً كان الغرض من التمشية هو حب الحركة مع مشاهدة الطبيعة والناس والمحال والأحوال، ثم أصبحت تفعلها حتى تضعف، بعد أن علَّق علي أنها تحتاج إلى أن تفقد بعض الوزن، لم يكن أول تعليق تسمعه عن جسدها الذي يقترب من النحافة، أبوها قال تعليقاً مشابهاً ذات مرة لكن بحسه الساخر، وحبيب سابق قاله أيضاً بحسِّه المُدمِّر.

أما هو فقالها بحسه اللطيف، كمشرط دقيق يظن به البعض أنه يعالج. لكن في تمشياتها الأخيرة، أشياء بدأت تتبدَّى لها، قائمة طويلة من الأمور التي تؤلمها، هذا الألم الشفيف الذي لا تستطيع أن تصرخ وتهد العالم وتقول بسببه: «يجب أن أرحل».. أو «قف!»، ألم له قوام هلامي، لا تستطيع أن تمسك به أو تكرهه أو تريه للآخرين، لكنك أيضاً لا تستطيع أن تتغافل عن حركته في يدك، ترسل له رسالة تقول: «أريد أن أحتضنك جدّاً»، ترسلها دون أن تفكر، لو فكرت فربما استبدلت الآن بـ جدّاً، تتذكر رسالة مشابهة أرسلتها قبل سنوات وأتى على أثرها من غيابه ليحقق لها رغبتها، لكنها تعلم أنه لن يأتي هذه المرة، لن يأتي كل مرة.

ورغم ذلك عندما تضعه بجوار قائمة الأمور التي تؤلمها، فإنها تقرر أن تختاره.


«بـينَ الجسرِ والجرس»... نص متخيل ينهض على تجربة واقعية

«بـينَ الجسرِ والجرس»... نص متخيل ينهض على تجربة واقعية
TT

«بـينَ الجسرِ والجرس»... نص متخيل ينهض على تجربة واقعية

«بـينَ الجسرِ والجرس»... نص متخيل ينهض على تجربة واقعية

تختم ميمونة الشيشاني روايتها الجديدة «بـينَ الجسرِ والجرس»، بصفحةٍ عنونتها بـ«أخيراً»، تخرج فيها من صوت الراوية «آلاء» إلى صوتها هي، الروائيّة التي تُعنى - كما تصف نفسها - بنقل التجربة الإنسانية على الصعيدين الفرديّ والجمعيّ، وفي هذه الصفحة توجّه شكرها وامتنانها لمحارِبة السرطان السيدة آلاء آسندر، التي بُنِي أساس الرواية على قصتها الحقيقية مع المرض.

جاءت الرواية الصادرة عن «الآن ناشرون وموزعون» في الأردن في 188 صفحة من القطع المتوسط، وتقدم خلالها سرداً ذاتيًّا حميماً بضمير المتكلم، هو في جوهره «رواية شهادة»: نصٌّ متخيَّلٌ ينهض على تجربةٍ إنسانيةٍ واقعية، خضعت، كما ورد في صفحة «تنويه» في افتتاح الكتاب، لمعالجةٍ فنيةٍ وتخيُّيلٍ روائيّ يخدمان السياق الأدبي للعمل.

وتروي «آلاء»، بطلة العمل وراويته، رحلتها مع سرطان الثدي منذ لحظة الاشتباه الأولى في الفحص الإشعاعي، مروراً بالخزعة والتشخيص، فالعمليات الجراحية، والعلاج الكيماوي والإشعاعي والهرموني والبيولوجي، وصولاً إلى إعلانها «ناجية» بعد سنوات من المتابعة.

وتفتتح الرواية بمشهدٍ مباغت بصيغة الحاضر: لحظة سريرية أقرب إلى الاحتضار، تسمع فيها آلاء صافرة جهاز المراقبة وإعلان الطبيب ساعة الوفاة، في حين تشعر روحها بانفصالٍ خفيفٍ عن جسدها. هذا المشهد الاستهلالي – الذي يتكشَّف لاحقاً أنه رؤيا منامية لا واقعة فعلية – يمنح الرواية إطاراً دائريًّا؛ إذ يعود صداه في فصلٍ متأخر بعنوان «موتٌ زائف»، قبل أن تُغلَق الدائرة بمشهدَي «قرع الجرس» و«ولادة» في ختام العمل.

ويشكّل الفضاء الرقمي - حسابات «فيسبوك» و«سنابشات» و«إكس» - مسرحاً فرعيًّا للرواية؛ إذ توثّق آلاء تفاصيل رحلتها بمنشوراتٍ وصورٍ وتعليقات، فتتحوّل صفحتها الشخصية مساحةَ تضامنٍ افتراضيٍّ مع ناجياتٍ أخريات ومتابعين من بلدانٍ عدة، وتصبح الكتابة على «الجدار» امتداداً لصوتها الداخلي حين يعجز الجسد عن الفعل.

من أجواء الرواية نقرأ النص الآتي: «العالمُ هنا تحت قدميَّ؛ تمرُّ من تحتي جحافل السَّيارات المتّجهة إلى حيواتها المختلفة، وأنا أُحلِّق فوقها كغيمةٍ تائهةٍ فضوليَّة. قد لا يتنبَّهون لوجودي، وقد يمرُّون بي مرور الجُهَّال، لكنِّي الجبل الذي يتعجَّب النُّجباء من شموخهِ وثباتهِ على الرغم من سياط البرق التي تخترق جوفي، وسهام المطر التي تنغرز في أكثر اﻷماكن رقَّةً وضعفاً. ظلِّي يسكن مراياهم العابرة، وطيفي حرٌّ يسبح في فضاءاتٍ لا حدود لها».

وهو مقطع يكشف عن جانب من اللغة التي تراهن عليها الرواية؛ لغة تتجاور فيها صورة الجسد المتألم مع اتساع المخيلة، ويصبح المرض، رغم قسوته، نافذة لرؤية العالم من علٍ، لا مجرد تجربة تستنزف صاحبها.

والرواية امتداد لمشروع الشيشاني في الكتابة عن التجارب الإنسانية الواقعية، لكنها تضع هذه المرة وجع الجسد في مواجهة مباشرة مع واحدة من أكثر رغبات الإنسان بداهة وإلحاحاً: أن يعبر إلى الضفة الأخرى، وأن يقرع الجرس معلناً أنه ما زال هنا... حيّاً.

وكانت المؤلفة قد أصدرت من قبل روايتين: «دمعة ذئب» و«كزهر اللي»، إضافة إلى مجموعة من القصص الموجَّهة للأطفال.