النشاط العلمي والثقافي في الكويت منذ نهاية القرن الـ19

باحثة سعودية تتناول التحولات السياسية والاقتصادية وتأثيراتها

بواكير التعليم في البلاد: طلاب في المدرسة المباركية في الكويت
بواكير التعليم في البلاد: طلاب في المدرسة المباركية في الكويت
TT

النشاط العلمي والثقافي في الكويت منذ نهاية القرن الـ19

بواكير التعليم في البلاد: طلاب في المدرسة المباركية في الكويت
بواكير التعليم في البلاد: طلاب في المدرسة المباركية في الكويت

في دراستها التي حملت عنوان: كتاب: «الحياة العلمية والثقافية في الكويت (1899 - 1961)»، تناولت الباحثة السعودية في التاريخ الحديث مشاعل بنت سعد الرويس، الحياة العلمية والثقافية في الكويت منذ عام 1899، وهو العام الذي شهد توقيع اتفاقية الحماية بين الكويت وبريطانيا.

يبحث الكتاب الذي يقع في 446 صفحة، نشأة الحياة العلمية والثقافية في الكويت وتطورها كما يكشف عن طبيعة العلاقة بين التحولات السياسية والاقتصادية من جهة، ونمو النشاط العلمي والثقافي من جهة أخرى. وقد كان الكتاب في الأصل رسالة دكتوراه نوقشت في قسم التاريخ بجامعة الملك سعود.

ركود ثقافي

تقول الباحثة إن الكويت كانت شبه خالية من أوجه النشاط العلمي والثقافي حتى نهاية القرن التاسع عشر الميلادي؛ فقد مرّت الحياة الثقافية في الكويت منذ نشأتها وحتى عام 1316هـ / 1899م بمرحلة من الركود الثقافي، سواء أكان ذلك في الأنشطة التعليمية أم المكتبات أم الأندية والصحافة المحلية.

واتسمت هذه المرحلة بشبه عزلة للمجتمع الكويتي عن الحياة الثقافية في العالم؛ وقد ترجع هذه العزلة الثقافية إلى طبيعة الحياة الصعبة في الكويت في تلك الحقبة؛ حيث كان الكويتيون يسعون أولاً في مجتمع بدائي من أجل الحصول على لقمة العيش، إضافة إلى أن التعليم في الكويت كان تعليماً تقليدياً مشابهاً لما كان سائدة آنذاك في بقية إمارات الخليج العربي، ومن ثَمّ لم يكونوا في وضع يساعدهم على الدخول أو المشاركة في أي اتجاه ثقافي حينها.

النهضة الثقافية

ثم بدأت بوادر النهوض بالوعي الثقافي منذ نهاية القرن التاسع عشر الميلادي؛ فالنشاط الثقافي في الكويت في الفترات السابقة لتأسيس الدولة ونظام الحكم واكتشاف النفط كان على المستوى الأهلي أو الشعبي بجهد تطوعي قام به أصحاب المال من الموسرين مثل الأمراء وكبار التجار.

وأسهمت نشأة المدارس في تطور الحياة التعليمية والثقافية في المجتمع الكويتي في هذه الفترة، ومنها:

المدرسة المباركية: التي فتحت أبوابها في أول محرم عام 1330هـ / 22 ديسمبر (كانون الأول) 1911م بتبرع عدد من رجال الدولة والوجهاء، عندما طرح بعض رجال العلم والرأي فكرة إنشاء مدرسة نظامية في الكويت وعلى رأسهم (يوسف بن عيسى القناعي). وقد أُطلق عليها اسم «المباركية» تقديراً من هؤلاء المؤسسين للشيخ مبارك الصباح.

تلاها افتتاح المدرسة الإرسالية التبشيرية الأميركية، تم افتتاحها عام 1911م على يد الطبيب الأميركي (إدوين كالفرلي - Edwin Calverley) واهتمت بالتعليم.

ثم مدرسة الجمعية الخيرية، وكان افتتاحها في مارس (آذار) 1913م من مؤسسها (فرحان فهد آل خالد)، وهو من أسرة كويتية مشهورة كثيرة السفر للتجارة.

أما المدرسة الأحمدية، فقد اُفتتحت في مطلع عام 1921م، وكان الشيخ أحمد الجابر أول المتبرعين والمساهمين في إنشائها من خلال تبرعه بأرض، إضافة إلى تبرع سنوي بمبلغ ألفي روبية من دخله الخاص، كما أسهم عدد من رجال الكويت وأعيانها وتجارها إسهاماً كبيراً في إقامتها.

إضافة إلى ذلك، ساهمت مدارس الكتاتيب هي الأخرى في نشاط الحركة التعليمية في الكويت إبان تلك الفترة، ومن أبرزها: مدرسة العامرية، والسعادة، والملا مرشد، والإرشاد الأهلية.

ونظراً لازدياد عدد المدارس والحاجة الماسة لتنظيم عملها، تم إنشاء مجلس المعارف عام 1936م. وعلى أثره أصدر المجلس نظاماً للتعليم سُمي «قانون المعارف الكويتي» عام 1937م لتنظيم العملية التعليمية من خلال رسم خطة لها، ووضع مناهج الدراسة، وتعيين الأعضاء، وانتخاب المرشحين، ووضع اللوائح القانونية للأنظمة الخاصة به، والذي بات نواة لوزارة التربية الكويتية فيما بعد. وأصبح المجلس هو المسؤول عن الإنفاق على التعليم وتمويله بعد أن كان يعتمد كلياً على التبرعات.

النفط والتعليم

وبموجب الحماية البريطانية على الكويت، كان لبريطانيا سلطة في رسم السياسات التعليمية باستغلال نفوذها الواسع في المنطقة العربية، مثل: التدخل في اختيار المدرسين من الدول العربية، وإيقاف دخول بعض المدرسين إلى الكويت بسبب اتجاهاتهم السياسية، والتحكم في البيئة المدرسية من خلال مستشارين بريطانيين.

ثم تولت السلطة الحكومية الكويتية المسؤولية كاملة في الإنفاق على المجال التعليمي بعد اكتشاف النفط وتصدير أول شحنة من النفط الخام من حقولها بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية في عهد الشيخ أحمد الجابر.

وقد شكلت عائدات النفط مورداً مهماً، وبناءً عليه بدأت المؤسسات التعليمية بالانتشار، ورُصدت ميزانيات الصرف على النشاط الثقافي بعد ازدياد عدد المثقفين، واضطلع المستثمرون والمؤسسات الثقافية بدورهم في التطور الفكري. وبعد وفاة الشيخ أحمد، تولى الشيخ عبد الله السالم الحكم عام 1950م، فشهدت الكويت في عهده تطوراً كبيراً في الخدمات التعليمية كما تقدمت وتوسعت كثيراً بعد أن رُصدت ميزانية ضخمة خُصصت لها.

كما يتضح أن صادرات النفط الكويتي شكلت عوائد مالية أحدثت تغيراً ملحوظاً في جميع نواحي الحياة في المجتمع الكويتي، ومنها - بلا شك - إحداث نقلة حضارية ونهضة تعليمية شاملة في العمارة الحديثة لبناء المدارس؛ فتحولت من المدارس الطينية الضيقة إلى مدارس ضخمة مبنية من الطوب الإسمنتي والخرسانات المسلحة، وأُنشئت على طراز معماري حديث، فعُدَّت من أجمل المدارس الحديثة في العالم العربي؛ إذ احتوت على ملاعب وصالات ومسارح كبيرة وقاعات واسعة تتوفر فيها جميع الوسائل التعليمية والمكتبات المليئة بالكتب الحديثة والمراجع.

وكان التعليم في مدارس الكويت مجانياً بجميع مراحله الدراسية؛ حيث كانت تُوزع على جميع الطلاب الكتب والقرطاسية والملابس ووسائل النقل المجانية، فضلاً عن توفر الرعاية الطبية للجميع. وكان التركيز على التغذية جزءاً مكملاً للنشاط التربوي والصحي؛ إذ احتوت بعض المدارس على مطاعم خاصة بها، أما المدارس التي لا يوجد بها مطاعم فكان يتم تزويدها من المطبخ المركزي لدائرة المعارف.

ومما ينبغي ذكره مشاركة الكويت في المؤتمر العربي الثاني لوزراء المعارف العرب الذي عُقد في الإسكندرية عام 1950م لتطوير التعليم. وبعد حضور المؤتمر، طلب المسؤولون في مجلس المعارف زيارة مستشارين عرب لدراسة نظام التعليم في مدارس الكويت ووضع تقرير مفصل يشمل جميع الملاحظات والمقترحات المهمة.

كما شملت مظاهر التطوير والتغيير شتى النواحي الثقافية، وقد أدت النهضة التعليمية في الكويت مجتمعةً إلى نهضة فكرية وثقافية في الإمارة عموماً، من خلال الدور الفعَّال للأندية الثقافية والفكرية في نمو الوعي السياسي داخل المجتمع الكويتي على الصعيدين المحلي والقومي؛ حيث: انتُخب أول مجلس شورى عام 1921م، وضمَّ اثني عشر عضواً من وجهاء الكويت. تلاه المجلس التشريعي الأول عام 1938م بعد موافقة الشيخ أحمد الجابر على تأسيسه في 2 يوليو (تموز) 1938م واختيار الشيخ عبد الله السالم رئيساً له. ثم تشكيل مجلس استشاري لإدارة شؤون البلاد عام 1939م أُطلق عليه المجلس التشريعي الثاني برئاسة الشيخ عبد الله السالم.

وأبرزت الكاتبة إسهامات العلماء والمثقفين في إثراء الحياة العلمية في الكويت من خلال دروسهم وما يقدمه القضاة والوعاظ والفقهاء في مجالسهم؛ ومن أشهرهم: (محمد بن عبد الله محمد العدساني)، (عبد الله بن خالد العدساني)، و(عبد الله بن خلف الدحيان) وغيرهم. وقد وضع هؤلاء اللبنات الأولى للنهضة التعليمية الحديثة في الكويت من حيث المناهج والاستعانة بالخبرات التعليمية وغير ذلك من الآليات الحديثة التي ساعدت على تطور التعليم.

كما ذكرت الدراسة عدداً من العلماء في الكويت ومؤلفاتهم العلمية وإجازاتهم، وأبرزت دورهم السياسي في بعض المواقف التي عاصروها إقراراً أو رفضاً؛ فلم يقتصر دور العلماء على الجانب التعليمي أو التربوي أو الدعوي فحسب، وإنما أسهموا في توجيه الأحداث السياسية، ومنها قيادة النضال الشعبي ضد البريطانيين.

كما شكلت آراء المثقفين ومؤلفاتهم ومواقفهم مناخاً لا يقل أهمية عن دور العلماء؛ ومنهم: (يوسف بن عيسى القناعي)، (عبد العزيز بن أحمد الرشيد)، (أحمد مشاري العدواني)، و(أحمد محمد الخطيب) وغيرهم؛ إذ أسهموا إبان فترة الدراسة في الإصلاح الاجتماعي والسياسي بدولة الكويت، وبرز تأثيرهم السياسي منذ العقد الثالث حتى السادس من القرن العشرين.

ولم يقف الأثر الناجم عن تطور الحياة العلمية والثقافية في الكويت خلال فترة الدراسة على المستوى المحلي الداخلي فحسب، وإنما امتدت آثاره للبلدان المجاورة من خلال إقامة المدارس وإرسال البعثات التعليمية والتكفل بدفع مرتباتهم، علاوة على تطوير المناهج الدراسية في بعض إمارات الساحل المتصالح (العُماني) - مثل إمارة الشارقة - لدعم التعليم الحديث في مدارسها؛ فعندما بعث حاكم إمارة الشارقة صقر بن سلطان القاسمي عام 1952م مستشاره إلى الكويت لإيفاد عدد من المعلمين، أرسلت دائرة المعارف الكويتية بناءً على ذلك وفداً إلى الشارقة برئاسة مدير المعارف عبد العزيز حسين عام 1953م. وعلى أثر ذلك، دعمت الكويت التعليم أيضاً في كل من إمارة دبي، وإمارة عجمان، وأم القيوين وغيرها.

ولم يقتصر الدور الكويتي في مجال التعليم والثقافة على حدود البلدان العربية المجاورة، بل أخذ منحى الدور الإسلامي ككل؛ فقد أوضحت الدراسة الدور الذي لعبته الكويت في هذا المضمار في الهند، وذاك نتيجة الإقامة الطويلة لبعض التجار الكويتيين والعرب وعائلاتهم في الهند وباكستان، تحقيقاً لرغبة المسلمين في تعليم أبنائهم اللغة العربية ومبادئ الدين الإسلامي.

وقد تم افتتاح مدرسة في مدينة بومباي الهندية في منتصف القرن العشرين (وتحديداً عام 1952م) وقامت بابتعاث المدرسين إليها؛ ومنهم عدد من المدرسين المصريين الذين أرسلتهم الحكومة الكويتية بعائلاتهم للاستقرار هناك والعمل في تلك المدرسة التي أصبحت مركزاً ومنارة للعلم يفد إليها الراغبون في التعلم من أبناء الجاليات العربية والإسلامية في الهند.

كما نالت باكستان جانباً مهمّاً من الاهتمام والرعاية الكويتية في مضمار التعليم والثقافة؛ حيث أنشأت الحكومة الكويتية مدرسة في كراتشي الباكستانية في العام التالي مباشرة لتأسيس مدرسة بومباي. وقد أسهمت كلتا المدرستين بلا شك في تعليم اللغة العربية والقرآن الكريم وعلومه، وبذلك يتجلى الدور الكويتي البارز في خدمة اللغة العربية والدعوة الإسلامية في تلك البلاد غير العربية، ونشاطها في الحفاظ على الهوية العربية والمد الإسلامي منذ عقود طويلة.


مقالات ذات صلة

فن «الكتابة عن الكتابة»

كتب فن «الكتابة عن الكتابة»

فن «الكتابة عن الكتابة»

بين الأكاديمية والانطباعية والمزاجية، بقيت مراجعات الكتب على أنواعها ممارسة ثقافية، متحررة من أي قيد يحددها في إطار أو يكبح جماح كاتبها.

سوسن الأبطح
كتب تشريح قصصي لفلسفة «أنصاف الأشياء»

تشريح قصصي لفلسفة «أنصاف الأشياء»

صدر أخيراً، عن «دار الشروق» في القاهرة، المجموعة القصصية «تخفيف أحمال»، للروائية والقاصة المصرية شيرين سامي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون  رضا البهات

رحيل رضا البهات صاحب «بشاير اليوسفي» و«شمعة البحر»

غيَّب الموت أول من أمس (الاثنين) الكاتب الروائي المصري رضا البهات عن عمر ناهز 71 عاماً، بعد معاناة طويلة مع المرض. وبرحيله تفقد الثقافة المصرية

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون 
قصر الحلابات في محافظة الزرقاء

قصر الحلابات

يحتل قصر الحلابات موقعاً خاصاً في خريطة العمائر التي شيدها الأمويون وسط البادية الأردنية، وتكمن هذه الخصوصية في السجال المتجدّد حول تاريخ بنائه ومراحل تكوينه.

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون صراع في الريف الإيطالي

صراع في الريف الإيطالي

في روايتها «غداً غداً» الصادرة عن «دار العربي» بالقاهرة، وترجمة علا محمود، ترسم الكاتبة الإيطالية فرانشيسكا جانونيه صورة مؤثرة لصراعات اجتماعية وإنسانية

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

فن «الكتابة عن الكتابة»

فن «الكتابة عن الكتابة»
TT

فن «الكتابة عن الكتابة»

فن «الكتابة عن الكتابة»

بين الأكاديمية والانطباعية والمزاجية، بقيت مراجعات الكتب على أنواعها ممارسة ثقافية، متحررة من أي قيد يحددها في إطار أو يكبح جماح كاتبها. كلٌ يمارس مراجعته بالطريقة التي يراها مناسبة، وهذا أهم ما يكشفه كتاب رائد العيد الصادر عن «دار كلمات للنشر والتوزيع» بعنوان «دفاتر المكتبة الكونية... فن مراجعة الكتب». وهو من خلال هذا المؤلَّف التوثيقي والأدبي في آن، يقوم بما يشبه التأريخ والتحليل لنوع من الكتابة نادراً ما تصدى له كاتب عربي، أو اعتبره صنفاً يستحق العناية به لذاته. الميزة الأساسية أن العيد يتتبع أنواع هذا الفن وضروبه ويعمل على لمّ شمله، وفهمه وتوضيح الفوارق بين أصنافه.

لهذا؛ فإن «فن المراجعات»، يخضع هذه المرة لتفحص وتتبع وتفنيد وتحليل واستخلاص نتائج. وعلى عكس ما يخطر لك، فإن موت الكتاب الورقي أو خفوت نجمه، كما يقول العيد، لا يعني تراجع هذا الفن، بل تعزيز دوره، وبروزه بصور مختلفة لم تكن معروفة؛ ما يجعلنا لا نتنبه له بالضرورة. إذ لا يمر يوم إلا وتقرأ تقييماً لكتاب أو برنامج أو مداخلة، على إحدى وسائل التواصل، وتترك نجمة أو إعجاباً، أو تعليقاً طويلاً أو قصيراً. فالتقييم جوهر في اقتصاد وسائل التواصل وجزء أساسي من حيويتها وعجلة دورانها. وهو أمر لا يقارن بالضرورة بالمراجعات الجادة للكتب، لكن قرابة الوصل موجودة، والربط واجب.

يحاول العيد تقديم «مراجعة للمراجعات»، على طريقة «علم العلم» أو «تفسير التفسير»، بحيث يبحث في هذا الفن محاولاً تحديد ماهيته، وتأريخ بدايته، وتوضيح المصطلحات المتعلقة به ودوافع كتابته، ومعرفة مكوناته وأساليبه، ومتطلباته، وخيارات مؤلفيه، كما يبحث في حجم اقتصاده وتبعات نشره، ومحاذير قراءته، وصولاً إلى ادعاء موته.

حسب العيد، فإن الكتابة عن الكتب، وُجدت مع انتشار الكتاب، بحيث إن من يتعذر عليه الحصول على مؤلف ما، كان يمنّي النفس بقراءة جزء منه، أو شيء عنه، في مؤلف جامع يتصدى لهذه الغاية. وبالتالي، فإن المراجعة أو التلخيص يقدمان خدمة جليلة. وهذا هو السبب الأول لولادة المراجعات: «أن تعـرّف بالكتـاب النــادر الــذي يصعـب الحصــول عليــه أو تُقـرّب البعيــد وتنشر الفريد. ففــي بدايات الكتابة والنشر كان الكتاب صعـب التشـكيل عســير النسـخ، وليــس بمقـدور الجميـع الحصـول عليه؛ فيكتفي النـاس منــه بالقليل».

ثمة كتب لم تصل إلينا أصلاً، لكننا عرفنا بوجودها وبمحتواها من المراجعات. يلفت الكتاب إلى أن بعض المراجعات نجدها في حوارات أفلاطون، وفي رسائل سينيكا، وفي كتابات بلوتارك، ومجادلات شيشيرون، وتأملات ماركوس أوريليوس وأبحاث أرسطو. وعند العرب لم يقصّر الجاحظ في الكتابة عن الكتب ونقدها والتشجيع على قراءة بعضها أو نقل محتوى بعضها الآخر.

ويرى العيد أن كتــاب «الفهرسـت» لابــن النديم هو نموذج لحقبــة طويلة فــي تاريـخ مراجعات الكتــب. فابن النديــم كان شاغله الأكبـر أن يحـوي كتابه فحوى كتب زمانه، بحيث يجمــع فيــه ما قــرأه وعرفــه وســمع عنه. وتأتي أهميته من أن الكثير من الكتــب التــي تحدث عنها اندثرت، ولم تعد بيـن أيدينــا اليــوم. وبالتالي، فإن مراجعات ابـن النديــم هي التي أدخلتهــا التاريــخ، ومنعتهـا مــن الاختفاء الكلي.

يقتفي الكتاب أثر المراجعات عبر التاريخ شرقاً وغرباً، وصولاً إلى العصر الحديث. فقد ظهـرت في شـكلها الذي نعرفه اليوم في الصحف الفرنسية خـلال القــرن الســابع عشــر، ومن حينها بدأت أشكال المراجعات ومناهجها تتطور، من الاكتفاء بالتعريف بالكتب، إلى نقدها والحكم عليها. وهو ما تسبب في حراك ونقاشات ليس حول دورها فحسب، بل حول حدودها التي يفترض أن تلتزمها؛ إذ إن الكتّاب تجاوزوا التعريف إلى النقد والتقريظ. ويروي كليمان موزان في كتابه «ما التاريخ الأدبي؟»، «أن الصحافيين الأدبيين فــي تلـك الفترة لم يكتفوا بالتلخيص والاستشهاد بما ورد في الأعمال التي يعرضونها، بل أخذوا يطلقون الأحكام وينتقدون الأعمال، معتبرين أنهم يقومون بواجبهم اتجاه القارئ في مهمة إرشاده».

وفي القرن التاسع عشر، بدأت المجلات بتخصيص فصول وأبواب تواكب مستجدات الكتب وتتابع الإصدارات وتعرضها وتنقدها. عربياً، ظهرت مجلة «المقتطف» عام 1883 وفيها «باب الهدايا والتقاريظ» بعد سبع سنوات من تأسيس المجلة، على اعتبار أن التعريف بالكتب ومراجعتها، هي هدايا للقارئ. لكن اسم الباب تغير، ليصبح «باب التقريظ والانتقاد» مع تحول مهماتها، واتخاذها مناحي جديدة في التحليل والنقد. ثم جاءت مجلة «الزهـور» وأسمت باب مراجعات الكتب «ثمرات المطابع» منتهجـة العـرض الموجــز والتعريــف الســـريع بجديــد المؤلفات. وهــو مــا أكملته مجلة «أبولــو» تحت عنـوان «ثمــار المطابع». وعندما جـاء إبراهيــم اليازجي إلى مجلة «البيــان» ومن بعدهـا «الضياء» اختار تقديـم مراجعات الكتب التي كان يسطرها تحت عنــوان «آثار أدبية»، عادَّاً أن المراجعة وصلـت لأن تكون نصاً أدبياً مستقلاً. والذين كتبوا نصوصاً أدبية في المراجعات كثر، من بينهم طه حسين وعباس محمود العقاد والمازني، وغيرهم كثير.

عام 1896 أعلنت صحيفة «نيويورك تايمز» عن ملحق متخصص في مراجعات الكتب. بدأ الملحق بالظهور كل صباح سبت، ثم تحول صدوره إلى صباح الأحد لزيادة عدد القراء، ولتسليتهم وإفادتهم في عطلتهم. وعاش الملحق أكثر مما يتوقع الجميع؛ إذ احتفلت الصحيفة بمرور 125 سنة على ولادته عام 2021، مع كتاب توثيقي لهذه المغامرة الأدبية والفكرية.

كانت المراجعات حين تكتبها إدارة التحرير، وتقتصر على التعريف بالكتاب ووصفه دون جهد كبير، لا تحمل بالضرورة اسم الكتّاب، لكن الوضع تغير بعد أن أصبحت مقرونة بالرأي والتحليل، وتسطر بأقلام مؤلفين معروفين للصحف مصلحة في إبراز أسمائهم.

أما اليوم، وقد تشعبت الطرق والمناهج، وتعددت الأساليب والمدارس، وظهرت المصطلحات المتخصصة وتنوعت المنابر، فإن المراجعات لم تعد مجرد كتابات هامشية، بل صارت أهم من أن يتم تجاهلها، أو تستبعد من القواميس والمعاجم الأدبية واللغوية. لا، بل يرى مؤلف الكتاب أن المراجعات تحولت «جنساً أدبياً مستقلاً قائماً بذاته له مفاهيمه وأبعاده، كما له ممارساته المتعددة الواسعة». وهو يدعو إلى الاعتراف بما يمكننا تسميته «أدب المراجعات». فليست الغاية عند كل من كتبوا في هذا المجال مجرد الاقتصار علــى التعريــف بكتــب في حقــل معين، بــل إن البعض عمل فعلاً على كتابـة مراجعات أدبية يمكن وضعها في مصـاف الأدب الرفيع، وقد أعلت مــن شــأن الكتابــة علــى الكتابــة كفعــل أصيــل وليس مجرد ردة فعــل سريعة، أو تعليقات متعجلة.

مقالة واحدة تلفت القراء وتجذبهم يمكنها أن تعلي من شأن الكتاب في عيون الناس وتجعلهم يتهافتون للحصول عليه

ما يفوتنا أحياناً، أن ثمة بعداً تجارياً واقتصادياً للمراجعات. إذ إن مقالة واحدة تلفت القراء وتجذبهم، يمكنها أن تعلي من شأن الكتاب في عيون الناس، وتجعلهم يتهافتون للحصول عليه. من هنا يقول العيد بدأنا نسمع عن شركات متخصصة في تسويق الكتب، واستكتاب كتّاب أعمدة في الصحف الرائجة. وهناك دور نشر متعاقدة مع أبرز مراجعي الكتب، وثمة مؤلفون ينسجون علاقات مع يوتيوبرز ونجوم وسائل التواصل للترويج لكتبهم، ولا غرابة أن نجد بأنه ما أن تنطلق الحملة حتى تنفد الكتب عن رفوف المكتبات.

يحاول رائد العيد، إذن، تقديم مسار المراجعات منذ عرفها الإنسان إلى اليوم بشمولية وانفتاح على مختلف الأشكال والمعارف. إنها دراسة بنفح أدبي تشبه ما يمكن أن نسميه «أنثروبولوجيا المراجعات»، من خلال استعراض سيرة هذا الفن في المجلات والدوريات الثقافية الورقية وصولاً إلى العصر الرقمي المنفتح، حيث أصبحت منصات التواصل الاجتماعي والمدونات الوسيلة الأكثر رواجاً لتقييم الكتب ومشاركة أخبارها وتبادل الآراء حولها.

والكتاب يسد ثغرة في المكتبة العربية، ويملأ فراغاً تنظيرياً بشأن فن اعتبر باستمرار أقل من أن يلتفت إليه، لا، بل لم يعترف بقيمته الأدبية ودوره بصفته محركاً حيوياً لحركة البيع وسبباً أساسياً في فتح المعارك الأدبية والفكرية. لهذا؛ اعتبر المؤلف كتّاب المراجعات الذين أهداهم الكتاب بأنهم «صنّاع الجسور الثقافية، وأمناء المكتبة الكونية».

يرسم العيد بداية طريق لمجال لم يؤخذ بالجدية الكافية؛ آملاً أن يأتي من بعده من يطوره ويبحث في مزيد من التفاصيل، خاصة وأن المجال نفسه يشهد تحولاً في الشكل والمضمون والوسيلة، في وقت واحد. وهذا انقلاب كبير، تتوجب متابعته.

وهنا يستشهد الكتاب بما ختم به ابن خلدون مقدمته الشهيرة: «ولعل من يأتي بعدنا ممن يؤيده الله بفكر صحيح وعلم متين، يغوص من مسائله على أكثر مما كتبناه، فليس على مستنبط الفن إحصاء مسائله، وإنما عليه تعيين موضع العلم وتنويع فصوله وما يتكلم فيه، والمتأخرون يلحقون المسائل شيئاً فشيئاً إلى أن تكمل».


تشريح قصصي لفلسفة «أنصاف الأشياء»

تشريح قصصي لفلسفة «أنصاف الأشياء»
TT

تشريح قصصي لفلسفة «أنصاف الأشياء»

تشريح قصصي لفلسفة «أنصاف الأشياء»

صدر أخيراً، عن «دار الشروق» في القاهرة، المجموعة القصصية «تخفيف أحمال»، للروائية والقاصة المصرية شيرين سامي. تتكون المجموعة من ثلاث عشرة قصة قصيرة، تسعى إلى تشريح وتفكيك فلسفة «أنصاف الأشياء»، وتكشف عن العوز العاطفي الخافت الذي يتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية للأبطال، الذين يرتضون بنصف دفء ونصف حب، ونصف طمأنينة لا تكتمل أبداً. وتتحول القصص مرآةً للإنسانية شديدة الهشاشة، نابشة في مرارة الخذلان وفراغات الروح، ليكتشف الأبطال مع آخر ضوء ينطفئ أن العتمة المؤقتة قد تصبح أحياناً مساحتهم الوحيدة والآمنة للنجاة.

تتقاطع حكايات المجموعة وتتباين عوالمها، معتمدة لغة بصرية. وتدور القصة - التي تحمل المجموعة عنوانها - حول فتاة تستعيد مزاج التسعينات ورسائل الشرفات وشرائط الكاسيت القديمة.

وفي قصة «يوميات امرأة غير جديرة بالحب» تستعيد البطلة ذكرياتها الطويلة مع العلاقات السامة. بينما في «شقة رقم عشرة» يجلس البشر محبوسي الأنفاس أمام الشاشات في انتظار نيزك ينهي العالم خلال أربع وعشرين ساعة.

وكان قد صدرت لشيرين سامي ثمانية كتب، منها روايات: «قيد الفراشة» و«حنة»، و« مَن ذاق عرف»، و«الحجرات»، وكان أحدث إصداراتها رواية «السيدة الكبرى» في يناير (كانون الثاني) 2025، ورواية للنشء بعنوان «ابْتَسِمْ لأكون أقوى» التي وصلت إلى القائمة القصيرة لـ«جائزة اتصالات لكتاب الطفل» عن فئة اليافعين، وكتاب «154 طريقة لقول أفتقدك».

من أجواء المجموعة، نقرأ: «كثيراً ما تتمشى في الشوارع، قديماً كان الغرض من التمشية هو حب الحركة مع مشاهدة الطبيعة والناس والمحال والأحوال، ثم أصبحت تفعلها حتى تضعف، بعد أن علَّق علي أنها تحتاج إلى أن تفقد بعض الوزن، لم يكن أول تعليق تسمعه عن جسدها الذي يقترب من النحافة، أبوها قال تعليقاً مشابهاً ذات مرة لكن بحسه الساخر، وحبيب سابق قاله أيضاً بحسِّه المُدمِّر.

أما هو فقالها بحسه اللطيف، كمشرط دقيق يظن به البعض أنه يعالج. لكن في تمشياتها الأخيرة، أشياء بدأت تتبدَّى لها، قائمة طويلة من الأمور التي تؤلمها، هذا الألم الشفيف الذي لا تستطيع أن تصرخ وتهد العالم وتقول بسببه: «يجب أن أرحل».. أو «قف!»، ألم له قوام هلامي، لا تستطيع أن تمسك به أو تكرهه أو تريه للآخرين، لكنك أيضاً لا تستطيع أن تتغافل عن حركته في يدك، ترسل له رسالة تقول: «أريد أن أحتضنك جدّاً»، ترسلها دون أن تفكر، لو فكرت فربما استبدلت الآن بـ جدّاً، تتذكر رسالة مشابهة أرسلتها قبل سنوات وأتى على أثرها من غيابه ليحقق لها رغبتها، لكنها تعلم أنه لن يأتي هذه المرة، لن يأتي كل مرة.

ورغم ذلك عندما تضعه بجوار قائمة الأمور التي تؤلمها، فإنها تقرر أن تختاره.


«بـينَ الجسرِ والجرس»... نص متخيل ينهض على تجربة واقعية

«بـينَ الجسرِ والجرس»... نص متخيل ينهض على تجربة واقعية
TT

«بـينَ الجسرِ والجرس»... نص متخيل ينهض على تجربة واقعية

«بـينَ الجسرِ والجرس»... نص متخيل ينهض على تجربة واقعية

تختم ميمونة الشيشاني روايتها الجديدة «بـينَ الجسرِ والجرس»، بصفحةٍ عنونتها بـ«أخيراً»، تخرج فيها من صوت الراوية «آلاء» إلى صوتها هي، الروائيّة التي تُعنى - كما تصف نفسها - بنقل التجربة الإنسانية على الصعيدين الفرديّ والجمعيّ، وفي هذه الصفحة توجّه شكرها وامتنانها لمحارِبة السرطان السيدة آلاء آسندر، التي بُنِي أساس الرواية على قصتها الحقيقية مع المرض.

جاءت الرواية الصادرة عن «الآن ناشرون وموزعون» في الأردن في 188 صفحة من القطع المتوسط، وتقدم خلالها سرداً ذاتيًّا حميماً بضمير المتكلم، هو في جوهره «رواية شهادة»: نصٌّ متخيَّلٌ ينهض على تجربةٍ إنسانيةٍ واقعية، خضعت، كما ورد في صفحة «تنويه» في افتتاح الكتاب، لمعالجةٍ فنيةٍ وتخيُّيلٍ روائيّ يخدمان السياق الأدبي للعمل.

وتروي «آلاء»، بطلة العمل وراويته، رحلتها مع سرطان الثدي منذ لحظة الاشتباه الأولى في الفحص الإشعاعي، مروراً بالخزعة والتشخيص، فالعمليات الجراحية، والعلاج الكيماوي والإشعاعي والهرموني والبيولوجي، وصولاً إلى إعلانها «ناجية» بعد سنوات من المتابعة.

وتفتتح الرواية بمشهدٍ مباغت بصيغة الحاضر: لحظة سريرية أقرب إلى الاحتضار، تسمع فيها آلاء صافرة جهاز المراقبة وإعلان الطبيب ساعة الوفاة، في حين تشعر روحها بانفصالٍ خفيفٍ عن جسدها. هذا المشهد الاستهلالي – الذي يتكشَّف لاحقاً أنه رؤيا منامية لا واقعة فعلية – يمنح الرواية إطاراً دائريًّا؛ إذ يعود صداه في فصلٍ متأخر بعنوان «موتٌ زائف»، قبل أن تُغلَق الدائرة بمشهدَي «قرع الجرس» و«ولادة» في ختام العمل.

ويشكّل الفضاء الرقمي - حسابات «فيسبوك» و«سنابشات» و«إكس» - مسرحاً فرعيًّا للرواية؛ إذ توثّق آلاء تفاصيل رحلتها بمنشوراتٍ وصورٍ وتعليقات، فتتحوّل صفحتها الشخصية مساحةَ تضامنٍ افتراضيٍّ مع ناجياتٍ أخريات ومتابعين من بلدانٍ عدة، وتصبح الكتابة على «الجدار» امتداداً لصوتها الداخلي حين يعجز الجسد عن الفعل.

من أجواء الرواية نقرأ النص الآتي: «العالمُ هنا تحت قدميَّ؛ تمرُّ من تحتي جحافل السَّيارات المتّجهة إلى حيواتها المختلفة، وأنا أُحلِّق فوقها كغيمةٍ تائهةٍ فضوليَّة. قد لا يتنبَّهون لوجودي، وقد يمرُّون بي مرور الجُهَّال، لكنِّي الجبل الذي يتعجَّب النُّجباء من شموخهِ وثباتهِ على الرغم من سياط البرق التي تخترق جوفي، وسهام المطر التي تنغرز في أكثر اﻷماكن رقَّةً وضعفاً. ظلِّي يسكن مراياهم العابرة، وطيفي حرٌّ يسبح في فضاءاتٍ لا حدود لها».

وهو مقطع يكشف عن جانب من اللغة التي تراهن عليها الرواية؛ لغة تتجاور فيها صورة الجسد المتألم مع اتساع المخيلة، ويصبح المرض، رغم قسوته، نافذة لرؤية العالم من علٍ، لا مجرد تجربة تستنزف صاحبها.

والرواية امتداد لمشروع الشيشاني في الكتابة عن التجارب الإنسانية الواقعية، لكنها تضع هذه المرة وجع الجسد في مواجهة مباشرة مع واحدة من أكثر رغبات الإنسان بداهة وإلحاحاً: أن يعبر إلى الضفة الأخرى، وأن يقرع الجرس معلناً أنه ما زال هنا... حيّاً.

وكانت المؤلفة قد أصدرت من قبل روايتين: «دمعة ذئب» و«كزهر اللي»، إضافة إلى مجموعة من القصص الموجَّهة للأطفال.