النشاط العلمي والثقافي في الكويت منذ نهاية القرن الـ19

باحثة سعودية تتناول التحولات السياسية والاقتصادية وتأثيراتها

بواكير التعليم في البلاد: طلاب في المدرسة المباركية في الكويت
بواكير التعليم في البلاد: طلاب في المدرسة المباركية في الكويت
TT

النشاط العلمي والثقافي في الكويت منذ نهاية القرن الـ19

بواكير التعليم في البلاد: طلاب في المدرسة المباركية في الكويت
بواكير التعليم في البلاد: طلاب في المدرسة المباركية في الكويت

في دراستها التي حملت عنوان: كتاب: «الحياة العلمية والثقافية في الكويت (1899 - 1961)»، تناولت الباحثة السعودية في التاريخ الحديث مشاعل بنت سعد الرويس، الحياة العلمية والثقافية في الكويت منذ عام 1899، وهو العام الذي شهد توقيع اتفاقية الحماية بين الكويت وبريطانيا.

يبحث الكتاب الذي يقع في 446 صفحة، نشأة الحياة العلمية والثقافية في الكويت وتطورها كما يكشف عن طبيعة العلاقة بين التحولات السياسية والاقتصادية من جهة، ونمو النشاط العلمي والثقافي من جهة أخرى. وقد كان الكتاب في الأصل رسالة دكتوراه نوقشت في قسم التاريخ بجامعة الملك سعود.

ركود ثقافي

تقول الباحثة إن الكويت كانت شبه خالية من أوجه النشاط العلمي والثقافي حتى نهاية القرن التاسع عشر الميلادي؛ فقد مرّت الحياة الثقافية في الكويت منذ نشأتها وحتى عام 1316هـ / 1899م بمرحلة من الركود الثقافي، سواء أكان ذلك في الأنشطة التعليمية أم المكتبات أم الأندية والصحافة المحلية.

واتسمت هذه المرحلة بشبه عزلة للمجتمع الكويتي عن الحياة الثقافية في العالم؛ وقد ترجع هذه العزلة الثقافية إلى طبيعة الحياة الصعبة في الكويت في تلك الحقبة؛ حيث كان الكويتيون يسعون أولاً في مجتمع بدائي من أجل الحصول على لقمة العيش، إضافة إلى أن التعليم في الكويت كان تعليماً تقليدياً مشابهاً لما كان سائدة آنذاك في بقية إمارات الخليج العربي، ومن ثَمّ لم يكونوا في وضع يساعدهم على الدخول أو المشاركة في أي اتجاه ثقافي حينها.

النهضة الثقافية

ثم بدأت بوادر النهوض بالوعي الثقافي منذ نهاية القرن التاسع عشر الميلادي؛ فالنشاط الثقافي في الكويت في الفترات السابقة لتأسيس الدولة ونظام الحكم واكتشاف النفط كان على المستوى الأهلي أو الشعبي بجهد تطوعي قام به أصحاب المال من الموسرين مثل الأمراء وكبار التجار.

وأسهمت نشأة المدارس في تطور الحياة التعليمية والثقافية في المجتمع الكويتي في هذه الفترة، ومنها:

المدرسة المباركية: التي فتحت أبوابها في أول محرم عام 1330هـ / 22 ديسمبر (كانون الأول) 1911م بتبرع عدد من رجال الدولة والوجهاء، عندما طرح بعض رجال العلم والرأي فكرة إنشاء مدرسة نظامية في الكويت وعلى رأسهم (يوسف بن عيسى القناعي). وقد أُطلق عليها اسم «المباركية» تقديراً من هؤلاء المؤسسين للشيخ مبارك الصباح.

تلاها افتتاح المدرسة الإرسالية التبشيرية الأميركية، تم افتتاحها عام 1911م على يد الطبيب الأميركي (إدوين كالفرلي - Edwin Calverley) واهتمت بالتعليم.

ثم مدرسة الجمعية الخيرية، وكان افتتاحها في مارس (آذار) 1913م من مؤسسها (فرحان فهد آل خالد)، وهو من أسرة كويتية مشهورة كثيرة السفر للتجارة.

أما المدرسة الأحمدية، فقد اُفتتحت في مطلع عام 1921م، وكان الشيخ أحمد الجابر أول المتبرعين والمساهمين في إنشائها من خلال تبرعه بأرض، إضافة إلى تبرع سنوي بمبلغ ألفي روبية من دخله الخاص، كما أسهم عدد من رجال الكويت وأعيانها وتجارها إسهاماً كبيراً في إقامتها.

إضافة إلى ذلك، ساهمت مدارس الكتاتيب هي الأخرى في نشاط الحركة التعليمية في الكويت إبان تلك الفترة، ومن أبرزها: مدرسة العامرية، والسعادة، والملا مرشد، والإرشاد الأهلية.

ونظراً لازدياد عدد المدارس والحاجة الماسة لتنظيم عملها، تم إنشاء مجلس المعارف عام 1936م. وعلى أثره أصدر المجلس نظاماً للتعليم سُمي «قانون المعارف الكويتي» عام 1937م لتنظيم العملية التعليمية من خلال رسم خطة لها، ووضع مناهج الدراسة، وتعيين الأعضاء، وانتخاب المرشحين، ووضع اللوائح القانونية للأنظمة الخاصة به، والذي بات نواة لوزارة التربية الكويتية فيما بعد. وأصبح المجلس هو المسؤول عن الإنفاق على التعليم وتمويله بعد أن كان يعتمد كلياً على التبرعات.

النفط والتعليم

وبموجب الحماية البريطانية على الكويت، كان لبريطانيا سلطة في رسم السياسات التعليمية باستغلال نفوذها الواسع في المنطقة العربية، مثل: التدخل في اختيار المدرسين من الدول العربية، وإيقاف دخول بعض المدرسين إلى الكويت بسبب اتجاهاتهم السياسية، والتحكم في البيئة المدرسية من خلال مستشارين بريطانيين.

ثم تولت السلطة الحكومية الكويتية المسؤولية كاملة في الإنفاق على المجال التعليمي بعد اكتشاف النفط وتصدير أول شحنة من النفط الخام من حقولها بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية في عهد الشيخ أحمد الجابر.

وقد شكلت عائدات النفط مورداً مهماً، وبناءً عليه بدأت المؤسسات التعليمية بالانتشار، ورُصدت ميزانيات الصرف على النشاط الثقافي بعد ازدياد عدد المثقفين، واضطلع المستثمرون والمؤسسات الثقافية بدورهم في التطور الفكري. وبعد وفاة الشيخ أحمد، تولى الشيخ عبد الله السالم الحكم عام 1950م، فشهدت الكويت في عهده تطوراً كبيراً في الخدمات التعليمية كما تقدمت وتوسعت كثيراً بعد أن رُصدت ميزانية ضخمة خُصصت لها.

كما يتضح أن صادرات النفط الكويتي شكلت عوائد مالية أحدثت تغيراً ملحوظاً في جميع نواحي الحياة في المجتمع الكويتي، ومنها - بلا شك - إحداث نقلة حضارية ونهضة تعليمية شاملة في العمارة الحديثة لبناء المدارس؛ فتحولت من المدارس الطينية الضيقة إلى مدارس ضخمة مبنية من الطوب الإسمنتي والخرسانات المسلحة، وأُنشئت على طراز معماري حديث، فعُدَّت من أجمل المدارس الحديثة في العالم العربي؛ إذ احتوت على ملاعب وصالات ومسارح كبيرة وقاعات واسعة تتوفر فيها جميع الوسائل التعليمية والمكتبات المليئة بالكتب الحديثة والمراجع.

وكان التعليم في مدارس الكويت مجانياً بجميع مراحله الدراسية؛ حيث كانت تُوزع على جميع الطلاب الكتب والقرطاسية والملابس ووسائل النقل المجانية، فضلاً عن توفر الرعاية الطبية للجميع. وكان التركيز على التغذية جزءاً مكملاً للنشاط التربوي والصحي؛ إذ احتوت بعض المدارس على مطاعم خاصة بها، أما المدارس التي لا يوجد بها مطاعم فكان يتم تزويدها من المطبخ المركزي لدائرة المعارف.

ومما ينبغي ذكره مشاركة الكويت في المؤتمر العربي الثاني لوزراء المعارف العرب الذي عُقد في الإسكندرية عام 1950م لتطوير التعليم. وبعد حضور المؤتمر، طلب المسؤولون في مجلس المعارف زيارة مستشارين عرب لدراسة نظام التعليم في مدارس الكويت ووضع تقرير مفصل يشمل جميع الملاحظات والمقترحات المهمة.

كما شملت مظاهر التطوير والتغيير شتى النواحي الثقافية، وقد أدت النهضة التعليمية في الكويت مجتمعةً إلى نهضة فكرية وثقافية في الإمارة عموماً، من خلال الدور الفعَّال للأندية الثقافية والفكرية في نمو الوعي السياسي داخل المجتمع الكويتي على الصعيدين المحلي والقومي؛ حيث: انتُخب أول مجلس شورى عام 1921م، وضمَّ اثني عشر عضواً من وجهاء الكويت. تلاه المجلس التشريعي الأول عام 1938م بعد موافقة الشيخ أحمد الجابر على تأسيسه في 2 يوليو (تموز) 1938م واختيار الشيخ عبد الله السالم رئيساً له. ثم تشكيل مجلس استشاري لإدارة شؤون البلاد عام 1939م أُطلق عليه المجلس التشريعي الثاني برئاسة الشيخ عبد الله السالم.

وأبرزت الكاتبة إسهامات العلماء والمثقفين في إثراء الحياة العلمية في الكويت من خلال دروسهم وما يقدمه القضاة والوعاظ والفقهاء في مجالسهم؛ ومن أشهرهم: (محمد بن عبد الله محمد العدساني)، (عبد الله بن خالد العدساني)، و(عبد الله بن خلف الدحيان) وغيرهم. وقد وضع هؤلاء اللبنات الأولى للنهضة التعليمية الحديثة في الكويت من حيث المناهج والاستعانة بالخبرات التعليمية وغير ذلك من الآليات الحديثة التي ساعدت على تطور التعليم.

كما ذكرت الدراسة عدداً من العلماء في الكويت ومؤلفاتهم العلمية وإجازاتهم، وأبرزت دورهم السياسي في بعض المواقف التي عاصروها إقراراً أو رفضاً؛ فلم يقتصر دور العلماء على الجانب التعليمي أو التربوي أو الدعوي فحسب، وإنما أسهموا في توجيه الأحداث السياسية، ومنها قيادة النضال الشعبي ضد البريطانيين.

كما شكلت آراء المثقفين ومؤلفاتهم ومواقفهم مناخاً لا يقل أهمية عن دور العلماء؛ ومنهم: (يوسف بن عيسى القناعي)، (عبد العزيز بن أحمد الرشيد)، (أحمد مشاري العدواني)، و(أحمد محمد الخطيب) وغيرهم؛ إذ أسهموا إبان فترة الدراسة في الإصلاح الاجتماعي والسياسي بدولة الكويت، وبرز تأثيرهم السياسي منذ العقد الثالث حتى السادس من القرن العشرين.

ولم يقف الأثر الناجم عن تطور الحياة العلمية والثقافية في الكويت خلال فترة الدراسة على المستوى المحلي الداخلي فحسب، وإنما امتدت آثاره للبلدان المجاورة من خلال إقامة المدارس وإرسال البعثات التعليمية والتكفل بدفع مرتباتهم، علاوة على تطوير المناهج الدراسية في بعض إمارات الساحل المتصالح (العُماني) - مثل إمارة الشارقة - لدعم التعليم الحديث في مدارسها؛ فعندما بعث حاكم إمارة الشارقة صقر بن سلطان القاسمي عام 1952م مستشاره إلى الكويت لإيفاد عدد من المعلمين، أرسلت دائرة المعارف الكويتية بناءً على ذلك وفداً إلى الشارقة برئاسة مدير المعارف عبد العزيز حسين عام 1953م. وعلى أثر ذلك، دعمت الكويت التعليم أيضاً في كل من إمارة دبي، وإمارة عجمان، وأم القيوين وغيرها.

ولم يقتصر الدور الكويتي في مجال التعليم والثقافة على حدود البلدان العربية المجاورة، بل أخذ منحى الدور الإسلامي ككل؛ فقد أوضحت الدراسة الدور الذي لعبته الكويت في هذا المضمار في الهند، وذاك نتيجة الإقامة الطويلة لبعض التجار الكويتيين والعرب وعائلاتهم في الهند وباكستان، تحقيقاً لرغبة المسلمين في تعليم أبنائهم اللغة العربية ومبادئ الدين الإسلامي.

وقد تم افتتاح مدرسة في مدينة بومباي الهندية في منتصف القرن العشرين (وتحديداً عام 1952م) وقامت بابتعاث المدرسين إليها؛ ومنهم عدد من المدرسين المصريين الذين أرسلتهم الحكومة الكويتية بعائلاتهم للاستقرار هناك والعمل في تلك المدرسة التي أصبحت مركزاً ومنارة للعلم يفد إليها الراغبون في التعلم من أبناء الجاليات العربية والإسلامية في الهند.

كما نالت باكستان جانباً مهمّاً من الاهتمام والرعاية الكويتية في مضمار التعليم والثقافة؛ حيث أنشأت الحكومة الكويتية مدرسة في كراتشي الباكستانية في العام التالي مباشرة لتأسيس مدرسة بومباي. وقد أسهمت كلتا المدرستين بلا شك في تعليم اللغة العربية والقرآن الكريم وعلومه، وبذلك يتجلى الدور الكويتي البارز في خدمة اللغة العربية والدعوة الإسلامية في تلك البلاد غير العربية، ونشاطها في الحفاظ على الهوية العربية والمد الإسلامي منذ عقود طويلة.


مقالات ذات صلة

إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

كتب إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

في كتابه «حكاية سعودية: قراءات ووقفات بحثاً عن الوعي»، لا ينشغل إياد أمين مدني، بسرد محطات حياته، بقدر ما يحاول استكشاف الكيفية التي تشكل بها وعيه

ميرزا الخويلدي (الدمام)
كتب الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

أصدر قسم النشر بالجامعة الأميركية بالقاهرة كتاباً جديداً باللغة الإنجليزية بعنوان «تجارة الأحلام: قرن من الإعلانات المطبوعة في مصر»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون محمد العلي... قرنٌ من الأسئلة وشاعر لم يتقاعد عن التنوير

محمد العلي... قرنٌ من الأسئلة وشاعر لم يتقاعد عن التنوير

​فقدت الساحة الشعرية والفكرية في السعودية والخليج، أحد أبرز رموز الشعرية والفكرية، الشاعر والكاتب محمد العلي، عن عمرٍ ناهز 94 عاماً

ميرزا الخويلدي (الدمام)
ثقافة وفنون سعيد الغانمي

السرد المضاد في حكاية سنمّار

تُعد مدينة الحِيرَة الواقعة جنوبي الكوفة في صورتها السردية التاريخية المتخيلة، عتبة تخطٍّ ومستودعاً مستقبلياً زاخراً لحفظ وصيانة الثقافة العربية.

محمد خضير سلطان
ثقافة وفنون تمثال أموي من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية مصدره قصر هشام نواحي شمال أريحا

«حاملة الأزهار»... تمثال حجري من قصر هشام بن عبد الملك

ازدهر فن النحت والنقش ازدهاراً كبيراً خلال الحقبة الأموية، حيث ارتبط عضوياً بالعمارة المدنية، وشكّل ركناً أساسياً من أركان حللها الزينية.

محمود الزيباوي

إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

أياد مدني
أياد مدني
TT

إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

أياد مدني
أياد مدني

في كتابه «حكاية سعودية: قراءات ووقفات بحثاً عن الوعي»، لا ينشغل إياد أمين مدني، الصحافي والوزير السعودي السابق، بسرد محطات حياته، بقدر ما يحاول استكشاف الكيفية التي تشكل بها وعيه، والبحث عن معنى انتمائه السعودي والعربي والإسلامي، في عالم تتنازعه الهويات والأفكار ومراكز القوة. إنها سيرة فكرية تتخذ من التجربة الشخصية مدخلاً لمساءلة التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية، ومن الذاكرة الفردية وسيلة لفهم أسئلة جيل سعودي عاصر تغيرات كبرى في بلاده والعالم.

الكتاب، الذي صدر أولاً بالإنجليزية بعنوان «A Saudi Tale: Readings and Encounters in Search for Consciousness»، وترجمه إلى العربية الدكتور وليد بليهش العمري، يمثل امتداداً لتجربة مؤلفه الذي تنقل بين الصحافة والعمل العام. فقد تولى رئاسة تحرير «سعودي جازيت»، والإدارة العامة لمؤسسة «عكاظ»، ثم عضوية مجلس الشورى، ووزارتي الحج والثقافة والإعلام، وصولاً إلى الأمانة العامة لمنظمة التعاون الإسلامي.

غير أن هذه المواقع لا تشكل محور الكتاب، وإنما الخلفية التي أتاحت لصاحبه اختبار أفكاره عن المجتمع والدولة والعالم.

من السيرة إلى سؤال الوعي

يبدأ مدني من مفهوم الوعي، الذي لا يختزله في المعرفة أو المواقف الفكرية، بل يراه تكويناً شاملاً يحدد علاقة الإنسان بذاته ومحيطه. ويقول في مقدمته: «يُقال إن الوعي ليس مجرد آراء أو معلومات أو منظومة قيم، بل هو حالة شاملة، تكوين متكامل يصوغ إدراكنا للواقع ويمنحنا رؤية متكاملة للعالم».

ثم يقول: «هذه الصفحات جوهرها حوار مع الذات، عن معنى أن يكون المرء سعودياً، وأن يكون أيضاً عربياً ومسلماً».

ومن هذا المنطلق، يطرح السؤال الذي يحكم مشروعه: «هل بالإمكان أن تتصالح هذه الهويات مع معطيات الحداثة؟ ما الحداثة حقاً؟ وهل يمكن أن توجد حداثات متعددة؟ بل هل أصبحت الحداثة، في ذاتها، مفهوماً متقادماً؟».

ولا يدعي الكاتب امتلاك إجابات نهائية، بل يصف عمله بأنه «جولة تأملية في سيرة فكرية، تقف على منابع الوعي، ومجاريه».

يتوزع الكتاب على خمسة أقسام، تبدأ بـ«مكونات وأطر»، حيث يتناول نشأة الوعي وتجربته الصحافية وبروز النظام العالمي الجديد. ويناقش القسم الثاني: «منظومة مجتمعية مثلى» لقضايا الإرادة العامة والفرد والعلاقات الاجتماعية. ثم ينتقل في «الجنوب العالمي، في أثر الأصالة» إلى أسئلة التحرر والتمييز والهوية، قبل أن يبحث في «الآفاق اللصيقة» الرؤية الإسلامية للعالم ومعضلة العرب والسردية السعودية، وصولاً إلى قسم «الحصيلة».

المدينة المنورة... نقاش الحداثة

من أكثر صفحات الكتاب دلالة استعادة المؤلف أجواء المدينة المنورة في شبابه، حيث كانت النقاشات الفكرية والسياسية تتسع بين طلاب المدارس خلال الستينات ومطلع السبعينات. ويذكر أن مثل هذه النقاشات لم تكن أمراً مستهجناً أو نادراً، بل كانت «جزءاً من الحراك الفكري اليومي».

وهنا يستعيد أسماء مثل محمد حسن عواد وعبد الله القصيمي وأحمد السباعي وحمزة شحاتة وعبد الله عبد الجبار، بوصفهم من رموز ذلك الحراك. ويتوقف عند كتاب «خواطر مصرحة» للعواد، الذي يرى أنه أسهم في كسر الجمود وفتح الطريق أمام الحداثة، وعند التحولات الفكرية لعبد الله القصيمي، الذي انتقل من الدفاع عن التقليد إلى نقد الموروث والدعوة إلى التحرر من سلطة التاريخ والعقائد الجامدة.

ولم تتوقف اهتمامات الشباب عند الفكر العربي. فقد حضرت الوجودية من خلال جان بول سارتر، وألبير كامو، وسيمون دي بوفوار، إلى جانب دوستويفسكي، وآرثر ميلر، وإميلي برونتي، كما حضرت قضايا القومية والتحرر من الاستعمار والاشتراكية العلمية، وأفكار محمد إقبال، وعلي شريعتي، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ومالك بن نبي.

ويستحضر المؤلف صورة من الحياة الثقافية في المدينة، حين كانت أم كلثوم تصل بصوتها عبر الإذاعة المصرية إلى تجمعات الشباب تحت النخيل، في مشهد تتداخل فيه الموسيقى مع القراءة والنقاش.

ولا يبالغ مدني في تصوير نضج تلك التجربة، إذ يعترف بأن النقاشات لم تكن دائماً عميقة، لكنها جاءت ضمن «محاولات دؤوبة لخلق شعور داخلي بفهم الذات، وفي الوقت نفسه الانتماء إلى عالم أوسع، تتقاطع فيه الأفكار والهويات وتتشابك الأسئلة».

وتقدم هذه الشهادة جانباً من تاريخ الثقافة السعودية، يكشف أن أسئلة الحرية والحداثة والهوية كانت حاضرة في أوساط شبابية قبل عقود.معنى أن تكون سعودياً

تحتل الهوية السعودية موقعاً محورياً في الكتاب. ويرفض مدني اختزال السعوديين في هويتهم العربية أو الإسلامية وحدها، داعياً إلى فهم خصوصية تجربتهم التاريخية والثقافية، «لا بوصف السعوديين مجرد مسلمين أو عرب، بل بوصفهم سعوديين بهويتهم المتفردة وتجربتهم الخاصة».

ويشير إلى أن السعوديين لم يخضعوا للاستعمار الغربي، لكنهم لم يكونوا بمعزل عن تأثيراته الثقافية والمعرفية. ولذلك لا يرى أن مواجهة الصور النمطية تتحقق بالرفض، وإنما بامتلاك المعرفة وأدوات البحث والتطوير، والقدرة على إنتاج تصور مستقل للتقدم.

يقول: «ليست الهُويّة السعودية محض قشرة تحمل قيماً دخيلة، كما أنّ السعوديين لم يخضعوا يوماً لاستعمار أو استعباد الرجل الأبيض. ومع هذا، لا ينكر وجود صراع، صراع مع غرب يُعد متفوقاً. وتفوقه هذا لا ينبع من الهيمنة العسكرية فحسب، بل من امتلاكه لأدوات المعرفة والتقنية والخبرة، ومن قدرته عبر البحث والتطوير والإعلام الجماهيري العابر للحدود، على فرض تصور معياري للنجاح، وتبني أنماطه الثقافية» (ص 39).

ويطرح سؤالاً: «وإذا لم يعِ السعوديون معنى (سعوديتهم)، فكيف يمكن لهم أن يعرّفوا شعورهم بالانتماء؟ وكيف يصيغون إدراكهم لهوية وطنية مدنية متفردة؟».

وهنا ينتقل الكتاب من نقد نظرة الآخرين إلى السعوديين، إلى مساءلة الطريقة التي يفهم بها السعوديون أنفسهم، ومدى قدرتهم على صياغة سرديتهم الوطنية.

سيرة فكرية تتخذ من التجربة الشخصية مدخلاً لمساءلة التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية

الهوية والسرديات المهيمنة

يمتد البحث عن الهوية إلى الانتماءين الإسلامي والعربي. ففي الأول، يميز المؤلف بين الإسلام بوصفه تجربة إيمانية وحضارية، وبين توظيف الدين لتبرير الهيمنة والعنف. ويناقش ظاهرة «الإسلاموفوبيا»، التي اختزلت الإسلام في التطرف وأغفلت إسهاماته الفكرية والحضارية.

أما في هويته العربية، فيستحضر أثر الاستعمار والروايات الغربية عن التاريخ العربي، ويناقش الرواية الصهيونية للتاريخ الفلسطيني، بوصفها أحد مظاهر الصراع على الذاكرة والهوية.

ويضع مدني هذه الأسئلة ضمن نقد أوسع للسردية الغربية التي تجمع الليبرالية والديمقراطية والرأسمالية والفردانية في نموذج واحد للتقدم، متسائلاً عن قدرة المجتمعات خارج الغرب على إنتاج رؤيتها الخاصة دون الانغلاق أو التبعية.

الحصيلة... مراجعة المسلمات

في خاتمة الكتاب، يعود مدني إلى السؤال الذي انطلق منه: كيف يتشكل الوعي؟ وما علاقة الفرد بمجتمعه والعالم؟

ويؤكد أن الحقوق الإنسانية ليست امتيازاً ثقافياً غربياً، قائلاً: «كانت قناعة أساسية لا تبرحني بأن مبدأ امتلاك كل إنسان لحقوق أساسية ليست حكراً على الثقافة الغربية».

كما يرفض الانغلاق بوصفه وسيلة لحماية الهوية، مؤكداً أن المملكة «لا يمكن أن تغلق أبوابها وتكتفي على ذاتها أو أن تنعزل عن العالم الخارجي».

وتبدو خلاصة تجربته أقرب إلى الدعوة إلى هوية واعية بذاتها، لا تتخلى عن جذورها، ولا تجعل منها عائقاً أمام التقدم. هوية تقبل الحوار وتراجع المسلمات، وتمنح الفرد حق المشاركة في تشكيل مستقبله.

وتكمن أهمية «حكاية سعودية» في أنه لا يقدم الهوية بوصفها إجابة مكتملة، وإنما سؤالاً يستدعي المراجعة. كما يقدم شهادة عن جيل سعودي عاش التحولات الكبرى، وحاول أن يفهم موقعه فيها.

ومن هذه الزاوية، فإن الكتاب ليس حكاية رجل فحسب، بل قراءة في تشكل الوعي السعودي، وفي العلاقة بين الخصوصية الوطنية والانتماء الإنساني، وبين الذاكرة والحداثة، وبين ما ورثه الإنسان من أفكار وما يختار أن يكون عليه.


الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي
TT

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

هل يمكن لمكالمة هاتفية واحدة أن تريح قلباً محطماً يعتصره الألم، وتسحقه مشاعر الذنب؟... تطرح الكاتبة الكورية لي سو يون هذا التساؤل على قرائها في روايتها «هاتف الوداعات الأخيرة» التي تصدرت قوائم «الأكثر مبيعاً»، وصدرت ترجمتها إلى العربية عن دار «الكرمة» بالقاهرة، بتوقيع محمد نجيب.

تتمتع الرواية بلغة شديدة الرهافة، وحوارات مثيرة للشجن، ومشاهد تمزج بين الواقع والفانتازيا، وتدور درامياً حول الموت، والفقد، ولماذا لا نعرف قيمة من نحب إلا بعد أن يرحلوا عنا، وكيف نتعايش مع موجات الندم التي تلاحقنا بعد الرحيل، لكن النص يقطع شوطاً أبعد ليسأل: ماذا يمكن أن يقال إذا أتيحت لنا فرصة أخيرة لنلقاهم بعد رحيلهم؟

تدور الحبكة حول فكرة غريبة ومؤثرة تتمثل في مقصورة هاتف عمومي غامض يتيح للأحياء فرصة التواصل مع أحبائهم الذين رحلوا، والبداية تنطلق في الحكاية مع جي - آن، التي فقدت والدها في طفولتها، وظلت تحمل في داخلها أسئلة كثيرة عن رحيله.

وعندما تعثر على الهاتف، تتمكن للمرة الأولى من سماع صوته، في تجربة تهز عالمها، وتدفعها إلى البحث عن سر المقصورة، ومساعدة أشخاص آخرين يعيشون ألم الفقد، يساعدها في ذلك أنها تعمل بمركز متخصص في «التشريح النفسي»، حيث يسعى إلى فهم الظروف النفسية والاجتماعية التي أحاطت بأشخاص أنهوا حياتهم، خصوصاً حالات الانتحار.

ومن خلال عملها يتقاطع مصيرها مع ستة أشخاص، يحمل كل منهم قصة فقد مختلفة لشخص عزيز، وأسئلة لم يجدوا لها إجابات، ومشاعر من الذنب، والندم، والغضب، والحيرة، عبر مشاهد تجمع بين أجواء الأدب النفسي ودراما المشاعر المؤثرة، حتى تتحول المقصورة تدريجياً إلى رمز للوداع الأخير.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«في زمن كانت أعمدة الإنارة لا تزال نادرة، بدا الحي في النهار مشرقاً بفضل الجداريات التي رُسمت بحجة تطوير المنطقة، ولكن حين يُسدل الليل ستاره كانت تلك الرسوم تتحول إلى أشكال باهتة تشبه سراباً، أو حيوانات غامضة، فتزيد المكان عزلة، ووحشة.

في هذا الحي كان جي - وو يربي طفليه، وكان قلقه يزداد، لأن ابنته جي - آن تصر على الخروج، وانتظاره في كل مساء، فتاة في الرابعة عشرة من عمرها أنهت لتوها المرحلة الابتدائية، ذات وجه شاحب، وابتسامتها تتسع كلما رأت ملامح والدها، فيتوهج وجهها أكثر من ضوء النهار، ولأجل تلك الابتسامة كانت خطوات جي - وو تتسارع كلما تأخر في العودة إلى المنزل.

أبي!

كانت جي - آن تنتظره دائماً في المكان نفسه أمام مقصورة هاتف عمومي يقع في زاوية زقاق مظلم يعلوه مصباح صغير نُصب خصيصاً لمستخدمي مقصورة الهاتف، وتحت الضوء الباهت كانت ابنته تبتسم ببراءة صافية كلما رأته يقترب. وحين اقترب أسرع الخطى حتى لم تعد تفصله عنها سوى لمسة يد، فخشي أن تفلت من بين يديه كما يفلت الحُلم».


الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع
TT

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

أصدر قسم النشر بالجامعة الأميركية بالقاهرة كتاباً جديداً باللغة الإنجليزية بعنوان «تجارة الأحلام: قرن من الإعلانات المطبوعة في مصر» للباحثة ومصممة الجرافيك الدكتورة بهية شهاب، مؤسسة برنامج التصميم الغرافيكي بالجامعة.

تقوم فكرة الكتاب على استخدام الإعلانات التجارية عبر 100 عام بوصفها أداة مسكوتاً عنها من أدوات كتابة التاريخ الشعبي، غير الرسمي، بما فيه من جوانب مجتمعية واقتصادية وسياسية وثقافية، فالإعلانات تقدم رؤية شيقة وغير تقليدية لتطور المجتمعات على مستويات مختلفة.

ويستند الكتاب إلى أكثر من 350 إعلاناً منشوراً في الصحف والمجلات المصرية في الفترة من 1880 إلى 1980، حيث يكشف عن كيف عكست الأفكار الترويجية ملامح مجتمع كان يتغير باستمرار، وفي الوقت نفسه أسهمت في تشكيل أفكاره وتطلعاته.

واعتمدت المؤلفة في إعداد العمل على بحث أرشيفي واسع شمل آلاف الإعلانات المحفوظة في مكتبة الكتب النادرة والمجموعات الخاصة بالجامعة، انطلاقاً من رغبتها في أن يفهم أبناء الجيل الجديد تطور مجتمعهم من زاوية تاريخية مختلفة تتسم بالحيوية والطرافة.

يرصد الكتاب رحلة الإعلان المصري عبر خمس مراحل رئيسية، تبدأ بما قبل عام 1920، حين لعبت الصحف والمطبوعات المختلفة دوراً في وضع الأسس الأولى لصناعة الإعلان في مصر، ثم ينتقل إلى عشرينات وثلاثينات القرن العشرين، وهي الفترة التي شهدت ازدهاراً ملحوظاً في حركة النشر، وانعكس ذلك بصورة واضحة على شكل الإعلانات ومضامينها.

وفي أربعينات القرن العشرين، توقفت المؤلفة أمام مرحلة «التمصير»، وما صاحبها من تغير في الطريقة التي قدمت بها الإعلانات، وشيوع مفاهيم مثل الرفاهية والترفيه والصحة والنظافة، ثم تأتي ثورة 1952 لتحدث تحولاً عميقاً في المشهد الاقتصادي والصناعي، خاصة مع سياسات التأميم والتوسع في الصناعات المملوكة للدولة، وهو ما ترك أثره بدوره على سوق الإعلان والرسائل التي يقدمها.

ومع السبعينات، دخلت مصر مرحلة مختلفة مع الاتجاه نحو اقتصاد السوق والانفتاح، فتبدلت طبيعة المنتجات المطروحة في السوق، وظهرت معها تطلعات ورغبات جديدة لدى الناس وأنماط مختلفة للحياة والاستهلاك، قبل أن يصل البحث إلى الثمانينات، متابعاً التحول الذي أحدثه انتشار الإعلان التلفزيوني، وكيف بدأ هذا الوافد الجديد في تغيير موقع الإعلان المطبوع وطريقة حضوره وتأثيره.

واللافت أن قراءة الإعلانات المصرية على امتداد مائة عام لم تكن وسيلة للتعرف على المنتجات التي كانت رائجة في كل فترة زمنية فحسب، وإنما كشفت أيضاً عن الكثير من ملامح الحياة السياسية والاجتماعية في تلك الفترات.

وعلى سبيل المثال، في الخمسينات والستينات حضر جمال عبد الناصر بقوة في الإعلانات، سواء من خلال إعلانات التهنئة والدعم، أو تلك التي روجت لأفكار المرحلة وتوجهاتها، إلى جانب الإعلان عن المنتجات نفسها، كما برز في الوقت ذاته الاهتمام المتزايد بالصناعات الوطنية، مع انتشار الإعلانات التي تروج للمنتجات المصرية.

ومع تغير المرحلة السياسية، ظهر أنور السادات أيضاً في سياقات إعلانية تعكس طبيعة الحقبة وتوجهاتها الجديدة من حيث الانفتاح على الغرب والولايات المتحدة، كما سبق أن ظهرت صور زعماء سياسيين مثل سعد زغلول ومصطفى النحاس باشا في إعلانات لبعض المنتجات الوطنية في مرحلة ما قبل عبد الناصر وثورة يوليو (تموز).