في عامه الستين حذاء «بيل فيفييه» يتألق بالتطريز ويدخل قصراً

كيف نجحت السينما وكاثرين دونوف في إخراج مُبدعه من الظل إلى الضوء

المدير الفني للدار منذ عام 2018 غيراردو فيلوني في حوار دائم مع المؤسس (روجيه فيفييه)
المدير الفني للدار منذ عام 2018 غيراردو فيلوني في حوار دائم مع المؤسس (روجيه فيفييه)
TT

في عامه الستين حذاء «بيل فيفييه» يتألق بالتطريز ويدخل قصراً

المدير الفني للدار منذ عام 2018 غيراردو فيلوني في حوار دائم مع المؤسس (روجيه فيفييه)
المدير الفني للدار منذ عام 2018 غيراردو فيلوني في حوار دائم مع المؤسس (روجيه فيفييه)

لم أكن على علم باللائحة الطويلة لأيقونات الموضة اللواتي وقعن في غرام «روجيه فيفييه»، أو تحديداً حذاء «بيل فيفييه» Belle Vivier إلى أن وصلت إلى مبنى الدار الجديد، وتنقلت بين أرجائه وأرشيفه، لأكتشف صوراً لجاكي كيندي أوناسيس، وصوفيا لورين، ومارلين ديتريش، وأودري هيبورن، وغيرهن.

قبل هذه الزيارة، كانت الصورة الوحيدة العالقة بذهني مشهد النجمة الفرنسية كاثرين دونوف في فيلم «بيل دو جور» Belle de Jour الذي شكل صدمة سينمائية عند صدوره في عام 1967.

حذاء «بيل فيفييه» الأيقوني يحتفل هذا العام بميلاده الـ60 (روجيه فيفييه)

حوار دائم بين الماضي والحاضر (روجيه فيفييه)

صورة امرأة فرنسية من الطبقة البورجوازية في أزياء من تصميم الراحل إيف سان لوران. وطبعاً ذلك الحذاء ذو الإبزيم المستطيل، والكعب العريض والمريح الذي نافس الأزياء جمالاً، وأناقة. بعد هذا الفيلم تغير كل شيء بالنسبة لروجيه فيفييه. كان هذا التصميم ولا يزال فألاً حسناً على الدار.

عيد ميلاد سعيد

مرت 60 عاماً على ولادته، ولا يزال أيقونياً يتجدد في كل موسم. بتطريزاته وفخامته دخل هذا الموسم قصراً مهيباً. فقد غيّرت الدار مقرها الرئيس، وأصبح لها عنوان جديد في قلب سان جيرمان دي بريه (Saint - Germain - des - Prés). منطقة ارتبطت في المخيلة بالمصمم إيف سان لوران، وفي التاريخ الباريسي بالطبقة البورجوازية.

المبنى الجديد كان قصراً ولا يزال يعتبر تحفة معمارية باريسية مميزة بكل المقاييس حوار دائم بين الماضي والحاضر (روجيه فيفييه)

تصل إلى 98 شارع الـUniversité، فيقابلك مبنى فخم أشبه بتحفة معمارية تعكس ثلاثة قرون من التاريخ الباريسي. تكتشف أن من صممه ونفذه في عام 1729 هو المهندس المعماري الملكي جاك جيليه دو لا فونتين (Jacques Gilet de la Fontaine). اختارته الدار لتستعيد من خلاله مكانتها المستحقة بين الدور العالمية الكبرى، ولتجعل منه تجربة فنية تخاطب الحواس عبر الفخامة والحرفية الباريسية. ففي كل طابق صالون أشبه بمتحف يستعرض جانباً من تاريخها، وإبداعاتها.

اللقاء مع غيراردو فيلوني

غيراردو فيلوني في مكتبه (روجيه فيفييه)

في هذا القصر، كان اللقاء مع المدير الإبداعي للدار غيراردو فيلوني. بدا سعيداً، وفخوراً بالمكانة التي وصلت إليها الدار في عهده. التحق بها في عام 2018، وهو ما اعتبره آنذاك «حلماً تحقق».

كانت ابتسامته عريضة وهو يفتح الباب لاستقبالي في صالون تتوسطه نافذة تمتد حتى السقف، وتخترقها أشعة شمس ظلت تلعب مع ضيوف أسبوع باريس لربيع وصيف 2026 لعبة «الغميضة»: تظهر حيناً، وتختفي حيناً آخر لتتهاطل الأمطار بغزارة. تحيط بهذه النافذة جدران مزينة بصورة أرشيفية لشخصيات بارزة تعاملت مع المؤسس، أو مع مصممين تسلموا المشعل من بعده.

جانب من مكتب المصمم غيراردو فيلوني حوار دائم بين الماضي والحاضر (روجيه فيفييه)

يجلس غيراردو على كرسيه وهو يقول بسعادة واضحة: «هذا مكتبي الخاص من الآن فصاعداً». أسأله إن كانت له يد في تصميم القصر بعد أن أصبح ملكاً للدار، فيجيب بالنفي ولسان حاله يقول إنه يريد ترك «الخبز لخبازه». يكفيه تكريس وقته لإبداع مجموعات تعكس مهارة الدار، وحرفيتها، وتجعلها تواكب تطورات العصر. فهذه مهمة تتطلب منه كل الجهد، والتركيز. يقول مازحاً: «اقتصر دوري باعتبار أنني مهندس فني على تصميم هذا المكتب فحسب». قال هذا وهو يفتح ذراعيه ويدور بعيونه في كل جنباته في لغة جسد تنطق: «هذه مملكتي الخاصة». تدرجات الوردي والأخضر كانت الغالبة على المكان، مع سجادة صينية على طراز آرت ديكو، وكراسي عتيقة، ومكتب نحتِي من تصميم دوتشيو ماريا غامبي (Duccio Maria Gambi). بينما تتراص على الرفوف صناديق أرشيفية تحتوي على النماذج القديمة، في إشارة إلى أولى استكشافاته في الأرشيف. لمسات شخصية أخرى زينت المكتب، مثل صورة لكلب، أكواب قديمة، وكتب عن الفن، والحدائق. كان الاستوديو بمثابة معرض مصغر لإرث الدار، لكنه يعكس رؤيته الشابة، وشخصيته الإيجابية.

علاقة الدار بالسينما

صارحته بأنني لم أرَ من قبل صوراً لجاكي كيندي تنتعل حذاء «بيل فيفييه» الشهير، فابتسم نافياً عني أي إحراج: «لست الوحيدة. قلة من الناس تعرف ذلك، شأنها شأن مارلين ديتريش، وصوفيا لورين، وأودري هيبورن، وغيرهن كثيرات. فقد كان روجيه فيفييه يعشق السينما، ويُقدر النجمات».

علاقة الدار بالسينما مستمرة في مناسبات السجاد الأحمر كما في الحملات الترويجية (روجيه فيفييه)

العلاقة بالسينما لا تزال مستمرة، بل تُعد من القواسم المشتركة بين المؤسس روجيه وغيراردو. فهذا الأخير يلتقطها في كل فرصة، سواء عبر التعاون مع نجمات من عصرنا، أو من خلال تصويره حملات ترويجية ذات طابع سينمائي. خير مثال على ذلك حملته لموسم خريف وشتاء 2025/2026 مع النجمة الفرنسية إيفا غرين. كشف فيها عن تصميم «La Rose Vivier»، الذي جمع بين الشاعرية والحِرفيّة. تخيّلها فيلوني كأنها فيلم سينمائي، تجري أحداثه في سكون قصر باريسي، تتأمل فيه إيفا غرين لوحة من الورود، قبل أن تنجذب إلى عالمها الساحر، وتدخله وهي ترتدي حذاء الموسم الأنيق Virgule Slingbacks، ثم حذاء «بيل فيفييه» Belle Vivier بنمط جلد العجل المخملي، وطبعة الفهد.

جانب من صالون خاص بالتصاميم التي أبدعها المؤسس يخلد إرثه (روجيه فيفييه)

يعترف غيراردو بأن «السينما لعبت دوراً محورياً في شهرة الدار عالمياً»، موضحاً أن روجيه فيفييه كان فناناً حقيقياً، ابتكر كعوباً بأشكال ثورية في عصره، مثل كعب ملتوٍ على شكل «فاصلة»، بينما رصع بعضها بالأحجار الكريمة، مثل الحذاء الذي صممه خصيصاً للملكة الراحلة إليزابيث الثانية بمناسبة تتويجها، وكان مرصعاً بالياقوت، وهلم جراً من الابتكارات التي لا تزال تُلهم مصممين أتوا من بعده إلى اليوم.

روجيه فيفييه ساهم أيضاً في نجاح «ذي نيولوك» التشكيلة التي أطلقها كريستيان ديور في عام 1947 بعد تقشف الحرب العالمية الثانية. كانت بمثابة ثورة في عالم الأزياء، أعاد فيها كريستيان ديور للمرأة أنوثتها، وساعده فيفييه على تحقيق رؤيته.

صورة من القسم المخصص للأرشيف (روجيه فيفييه)

اعتمد الكعب المدبب (ستيليتو) بشكله الهندسي المعاصر بدل الكعب المربع الخشن الذي كان سائداً في الأربعينات، الأمر الذي أضفى على اللوك الجديد مزيداً من الرقي، والأنوثة. هو أيضاً من صمم أحذية التشكيلة التاريخية التي قدمها الراحل إيف سان لوران في السبعينات تحت عنوان «موندريان». تجسدت مساهمته في حذاء بإبزيم أمامي، وكعب عريض ومنخفض مواكباً لتحرر المرأة آنذاك.

رغم كل هذه المساهمات، بقي روجيه فيفييه في الظل، إلى أن أخرجته السينما إلى الأضواء، فأصبح اسمه مرادفاً للأناقة والابتكار الفني. يُفسِر غيراردو الأمر بأن «السينما تنقل المشاعر بسرعة أكبر عبر تعابير الوجه والصوت والموسيقى». مضيفاً: «وكل هذه عناصر تُلهمني لتبني منظوراً سينمائياً في تصاميمي، وحملاتي الترويجية».

60 عاماً من الأناقة

جانب من صالون يستعرض إرث الدار في المبنى الجديد (روجيه فيفييه)

هذا العام يتزامن مع الذكرى الستين لولادة أيقونة الدار «بيل فيفييه». لهذا كان من البديهي أن تتمحور مجموعة ربيع وصيف 2026 حول هذا التصميم. ولأن تجديد أيقونة تاريخية تضع أي مبدع على المحك، قرر غيراردو أن يلعب على التطريز، والترصيع، عوض البساطة التي تميز بها هذا التصميم في الستينات عند ولادته. يقول: «اكتشفت أن روجيه فيفييه ابتعد عن التفاصيل الكثيرة، واكتفى بالبساطة، لهذا ارتأيت أن ألعب على هذا الجانب الغائب، بإضافة لمسات مستوحاة من الأزياء الراقية بكل ما تتضمنه من فخامة، وسخاء فني». والنتيجة كانت أحذية مصنوعة من الجلد الفاخر بتطريزات فنية، وأحجار ناعمة، ودقيقة». أجمل ما فيها أنها رغم تفاصيلها البراقة تظل مناسبة للنهار أيضاً «فأنا أؤمن بأن الموضة يجب أن تكون ممتعة، وتدخل السعادة في النفوس في أي وقت. يمكن مثلاً ارتداء حذاء فاخر ومرصع مع بنطلون جينز و«تي-شيرت» من دون أن يبدو المظهر نشازاً»، وفق قوله.

ربيع وصيف 2026... تألق واضح

مجموعة غيراردو لربيع وصيف 2026 تتألق بالأحجار والتطريز (روجيه فيفييه)

ويبدو أن التطريز والترصيع، على حد سواء، أصبحا مكمن قوته. فعندما التحق بالدار في عام 2018 واجه تحديات جائحة كورونا بذكاء. فهم سريعاً حاجة الزبون في تلك الظرفية للراحة، فحوّل الحذاء الرياضي إلى نجم مرصَّع بالأحجار الكريستالية، ضارباً عصفورين بحجر واحد: إطلالة متميزة، ومريحة في آنٍ واحد.

يقول غيراردو إن قراءة الأوضاع والتكيف معها واجب «لأن الموضة تتغير باستمرار، وبالتالي لا يمكن التكهن بمستقبلها. لهذا يبقى البحث عن التوازن بين العملي والأنيق هو المطلوب». ويتابع: «نشهد الآن عودة اكتشاف الأنوثة بعد سنوات من الأسلوب الرياضي الذي فرضته جائحة كورونا، وهذا يعني عودة الكعب المميز، بكل أشكاله وارتفاعه، على شرط أن يبقى مريحاً. أما الحذاء الرياضي فلن يختفي من خزانة المرأة، بل سيبقى عنصراً أساسياً فيها».

لقطة فنية للمصمم غيراردو فيلوني (روجيه فيفييه)

ما يُحسب لغيراردو أنه يقرأ تغيرات العصر، ويلبي متطلباته، دون أن يقطع صلته بالأرشيف «فمهما كانت الضغوطات الخارجية، يبقى همنا الأساسي الحرفية، والتميز. حتى محاولاتنا لاستقطاب زبائن جدد تقوم على الإرث العريق، وليس على الصرعات»، وفق قوله. يستدل على هذا بالخطوة الأخيرة التي قامت بها الدار، وتتمثل في الانتقال إلى المبنى الجديد. «إنه مساحة للتفاعل مع الزبائن، خاصة من الجيل الجديد». تُقدم فيه الدار تصاميم مبتكرة، وأنيقة، على خلفية من التاريخ العريق، والمتسلسل، وأرشيف لا يتوقف عن التطور منذ بداية روجيه فيفييه، ووصولاً إلى غيراردو فيلوني.


مقالات ذات صلة

«فاشن تراست أرابيا»: تشكيل جيل جديد من المصممين العرب

لمسات الموضة من أعمال السعودي زياد بوعينين (فاشن تراست أرابيا)

«فاشن تراست أرابيا»: تشكيل جيل جديد من المصممين العرب

من أبرز التحديات التي تواجه المصممين الناشئين صعوبة اختراق الأسواق العالمية، وهذا ما تحاول مبادرة «فاشن تراست أرابيا» تحقيقه بشراكتها مع متجر «هارودز».

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة تستهدف المنصة جذب أنظار العالم إلى المصممين البريطانيين الشباب (مجلس الأزياء البريطاني)

هل تنقذ باريس الموضة البريطانية من تداعيات الأزمة الاقتصادية؟

لا يختلف اثنان أن لندن تواجه تحديات متزايدة في الحفاظ على زخمها التجاري في مرحلة ما بعد «بريكسيت» وعدم استقرار الاقتصاد العالمي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة ياسين بونو وعبد الصمد الزلزولي وأزياء بتوقيع دار «بيغناتيلي» الإيطالية (.أ.ف.ب)

كأس العالم 2026 «تلعب» باحترافية على علاقة الموضة بكرة القدم

في التسعينات كانت القوة الإعلانية للعارضات «السوبر» تبعهم النجوم وفي المرحلة الحالية يبدو أنهم سلموا المشعل لنجوم كرة القدم.

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة عثمان في مزارع الورود بعيداً عن ملاعب كرة القدم (هنري جاك)

«هنري جاك» تكشف عن عطر ديمبيلي المفضل

مع اقتراب بطولة كأس العالم، وبينما تتجه أنظار عشاق كرة القدم إلى المستطيل الأخضر، تدور منافسة أخرى خارج الملاعب بين دور الرفاهية العالية للفوز بأسماء قادرة على…

«الشرق الأوسط» (لندن)

«فاشن تراست أرابيا»: تشكيل جيل جديد من المصممين العرب

من أعمال السعودي زياد بوعينين (فاشن تراست أرابيا)
من أعمال السعودي زياد بوعينين (فاشن تراست أرابيا)
TT

«فاشن تراست أرابيا»: تشكيل جيل جديد من المصممين العرب

من أعمال السعودي زياد بوعينين (فاشن تراست أرابيا)
من أعمال السعودي زياد بوعينين (فاشن تراست أرابيا)

وصل الفائزون بجائزة «فاشن تراست أرابيا» لعام 2025 إلى لندن مؤخراً. جاؤوا من بلدانهم يحملون معهم أحلامهم الكبيرة وطموحات تتجاوز حدودها المحلية. لكن لندن هنا ليست مجرد محطة احتفالية عابرة، بل جزء من خُطَّة استراتيجية تسعى إلى ربط المواهب الناشئة في المنطقة العربية وصناعة الأزياء العالمية عبر مزيج من الإرشاد المهني، وفرص البيع بالتجزئة والانخراط المباشر مع شبكة الفاعلين في القطاع.

انطلقت الفعاليات بحفل استقبال جمع الفائزين بعدد من الأسماء المبدعة والمؤثرة في مجالات الأزياء والتصميم والثقافة، مثل إميليا ويسكتيد وديفيد كوما وغيرهم من المصممين. لقاء لم يكن مجرد مناسبة اجتماعية، بل مساحة عمل ممتدة، كون هذا الحفل الافتتاحي فقط تمهيداً لثلاثة أيام من الجلسات المهنية ركَزت على بناء العلامة التجارية لكل واحد منهم، من خلال فهم استراتيجيات التجزئة والقيادة والتواصل وريادة الأعمال. فالنجاح حالياً لا يقتصر على التطوير الإبداعي، وبالتالي لا تكتفي «فاشن تراست أرابيا» منذ تأسيسها في عام 2018 بدعم هذا الجانب وحده ولا على تسليط الضوء على المواهب العربية، بل تسعى لتوفير أدوات عملية ولوجستية تساعدهم على تطوير مشاريع قابلة للاستمرار والنمو، ومع الوقت بناء علامات تتحول إلى حضور عالمي يتنافس مع الكبار.

وهذا ما تؤكده تانيا فارس، الشريكة المؤسسة لـ«فاشن تراست أرابيا» قائلةً: «إن دعم المواهب العربية لا يقتصر على الظهور الإعلامي والمظاهر الاحتفالية، بل يقوم على توفير أدوات فعالة تُمكِّنهم من تطوير مشاريع مستدامة»، مشيرةً إلى أهمية الجمع بين الإرشاد وخلق الفرص التجارية ضمن بيئة واحدة.

فمن أبرز التحديات التي تواجه المصممين في بداياتهم القدرة على اختراق منافذ تسويقية تؤمن بموهبتهم وتمنحهم مساحة للعرض. هنا تلعب المبادرات الداعمة دوراً حاسماً، عبر إدخال المواهب الناشئة مبكراً في شبكة من العلاقات المهنية. بالنسبة إلى «فاشن تراست أرابيا» نجحت في ربط شراكة مع متجر «هارودز» بلندن، عمرها قبل أربع سنوات.

بموجب هذه الشراكة، توفِّر «هارودز» منصة عرض ثابتة للفائزين، بشكل حصري سواء داخل المتجر أو عبر المنصة الرقمية الخاصة به، إضافةً إلى الترويج لهم عبر باقي قنواته التسويقية. الآن وأكثر من أي وقت مضى تزيد أهمية هذه الشراكة بالنظر إلى الوضع الاقتصادي العالمي غير المستقر نسبياً، حيث أصبحت فرص الظهور الدولي للمصممين الناشئين مرتبطة بالشراكات الكبيرة وبدور الأزياء العالمية، فيما يعاني المصممون المستقلون والشباب من شُح الفرص.

إلى جانب البُعد الذي توفره الشراكات مع متاجر مثل «هارودز»، فإن تأثير «فاشن تراست أرابيا» لا يقتصر على فتح أبواب العرض أو خلق فرص للبيع فحسب، بل يمتد إلى كشف المهارات التي تتوفر في المنطقة العربية من خلال مصممين يتمتعون بخيال خصب ورغبة في التفوق. وكالعادة، عكس الفائزون في دورة 2025، تبايناً في أساليبهم ومدارسهم الإبداعية. القاسم المشترك بينهم كان التشبث بالهوية. في أعمال المصرية فرح رضوان، مؤسِّسة علامة «RYR» ظهر جلياً تعاملها مع المجوهرات كمساحة للذاكرة أكثر من كونها امتداداً للتراث. ورغم استلهامها من تقاليد الصاغة في مصر القديمة، فإنها لا تُقدِّمها بترجمة حرفية أو بنزعة حنين إلى الماضي بل كإعادة صياغة داخل سياق معاصر يجمع روح باريس والقاهرة. هذا التداخل الجغرافي في عملية الإنتاج، والجمع في القطعة الواحدة بين الحرفة اليدوية والمواد الحديثة مثل الفضة الإسترليني والذهب عيار 18 قيراطاً والجلود والأحجار المختارة، هو ما يمنح أعمالها طبقة من التميز.

المغربية ليلي روكني، في المقابل، وهي مؤسسة «TALEL»، تتحرك في اتجاه مختلف. فهي تميل إلى خضِّ الهدوء البصري ولا تؤمن بإعادة تفسيره. عملية التصميم بالنسبة إليها تقوم على إدخال عناصر غير متوقعة في البنية الشكلية، سواء عبر النسب أو المواد أو العلاقة بين الأجزاء، بحيث تُصبح الحقيبة كتلة معمارية صغيرة مستلهَمة أحياناً من الفن المغربي وأحياناً من المدرسة الفرنسية. مشاركتها في مسابقة «فاشن تراست أرابيا» كانت لهدف واضح: «أتوق إلى تنمية علامتي عالمياً وتعزيز الجانب التجاري، وفي الوقت ذاته أتوق إلى اختبار أفكار جديدة ومبتكرة».

في جانب الأزياء الجاهزة، لا يختلف المغربي يوسف إدريسي، مؤسِّس علامة «لات فور وورك Late for Work»، كثيراً عن ليلى في رغبته في خض المتعارف عليه وخلق مقاربة تستند إلى تفكيك التصاميم التقليدية وإعادة تركيبها من الداخل. فالعلامة، وفق تصريحه، تنطلق من حس نقدي تتحول فيه التناقضات، بل حتى ما يعدّه البعض «عيوباً»، إلى جزء من اللغة التصميمية. يُوظِّف القصَّات غير المكتملة، والخطوط غير المتوازنة كعناصر تفاعلية مع الجسد. حسب قوله: «إنها نوع من العبثية المقصودة والبنية المدروسة».

في المقابل، ينتمي السعودي زياد بوعينين، الفائز بجائزة أفضل مصمم لأزياء المساء والسهرة، إلى مدرسة مختلفة تميل إلى التصاميم الكلاسيكية بلغة معاصرة بدل تفكيكها. يستمد خبرته وأفكاره من تنقلاته بين الخُبر وطوكيو ونيويورك وميلانو ولندن، وهو ما يمنح تصاميمه نكهة عالمية. يقول إنه عندما أطلق علامته بشكل رسمي عام 2021، انطلق من فكرة دمج الفن والثقافة بمرونة وانسيابية، مع مراعاة مفهوم الاستدامة كجزء أساسي من عملية التصميم المعاصر. ويؤكد بوعينين أن الاستدامة لا تتعارض مع الفخامة، بل هي جزء لا يتجزأ من خط الـ«هوت كوتور» بحكم أنه قائم على الحرفية العالية كما على عنصر توارث الأجيال للقطعة. رغم ما حققه من نجاح يتمثل في لائحة مهمة من الزبونات المهمات، فإن فوزه بجائزة أفضل مصمم في مسابقة «فاشن تراست أرابيا» هذا العام، فتح له أبواباً جديدة «من العلاقات مع صناع موضة ومؤثرين لهم وزن». فكلما توسَعت دائرة المعارف زادت المعرفة، وفق رأيه.


هل تنقذ باريس الموضة البريطانية من تداعيات الأزمة الاقتصادية؟

تستهدف المنصة جذب أنظار العالم إلى المصممين البريطانيين الشباب (مجلس الأزياء البريطاني)
تستهدف المنصة جذب أنظار العالم إلى المصممين البريطانيين الشباب (مجلس الأزياء البريطاني)
TT

هل تنقذ باريس الموضة البريطانية من تداعيات الأزمة الاقتصادية؟

تستهدف المنصة جذب أنظار العالم إلى المصممين البريطانيين الشباب (مجلس الأزياء البريطاني)
تستهدف المنصة جذب أنظار العالم إلى المصممين البريطانيين الشباب (مجلس الأزياء البريطاني)

لا يختلف اثنان أن لندن تواجه تحديات متزايدة في الحفاظ على زخمها التجاري في مرحلة ما بعد «بريكسيت» وعدم استقرار الاقتصاد العالمي. صناعة الموضة لم تسلم من تبعات هذه المرحلة لكنها لم تستسلم لها، وتعمل على إيجاد حلول مستدامة. تاريخها يشهد لها بقدرتها على الصمود ومواجهة التحديات. كانت دائما الحلقة الأضعف بين العواصم العالمية: نيويورك، ميلانو، باريس، إلا أنها كانت تتفوق عليهم بخصوبتها في إنجاب مُبدعين شباب. جعلت من دمائهم الفائرة وجموحهم المجنون للابتكار ورقتها الرابحة دائماً، بحيث كانت تُصدِرهم لهذه العواصم لإنعاش ما يمكن إنعاشه من بيوت أزياء عريقة، وليس أدل على هذا من جون غاليانو في «ديور» سابقاً وألكسندر ماكوين في «جيفنشي» وفيبي فيلو في «سيلين» وستيلا ماكارتني في «كلوي» و«لويز تروتر» حالياً في دار «بوتيغا فينيتا»، وهلم جراً، من الأسماء التي تركت بصماتها في باريس وميلانو.

من عرض علامة «لابروم» (موقع لابروم)

فهذه الدماء الشابة جعلت من أسبوع لندن في فترة من الفترات أقوى من ميلانو ونيويورك من ناحية الابتكار. لكن شتان بين الأمس واليوم. فالأوضاع الاقتصادية في بريطانيا عموماً ووضع صناعة الموضة في لندن خصوصاً، ليسا في أفضل حالاتهما هذه الأيام. صحيح أن لندن لم تفقد روحها الإبداعية، إلا أن محاولات ترويض هذا الإبداع لإرضاء الجانب التجاري باتت ملموسة. ثم جاءت الأزمة الاقتصادية العالمية، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ثم الحروب المتتالية، لتزيد الوضع تعقيداً. لهذا كان لا بد من البحث عن منفذ يفتح أماما مصمميها أبواب الأسواق العالمية بشكل مستدام. وهنا أعلن المجلس البريطاني للأزياء التزامه بتعزيز منصة «London Show Rooms» التي تقام خلال أسبوع الموضة الرجالي في باريس بين 25 و30 يونيو (حزيران) الحالي، وذلك لأربع سنوات قادمة، في محاولة لتوفير مساحة أكثر تركيزاً خلال واحدة من أكثر الفترات أهمية في روزنامة الموضة العالمية: أسبوع الموضة الرجالية.

من تصاميم «بالمر هاردينغ» (موقع مجلس الأزياء)

شرحت لورا وير، الرئيسة التنفيذية للمجلس الفكرة قائلة إن البرنامج «يهدف إلى تعميق حضورنا في الأسواق العالمية الرئيسية عبر توفير فرص مستدامة لنمو أعمال المصممين البريطانيين وتعزيز مرونتهم التجارية، وباريس تُمثّل محوراً أساسياً في هذه الرؤية. فهي بوابة مهمة للتوسع الدولي وتمكين المصممين من الوصول إلى جماهير جديدة وشراكات وفرص عالمية».

اختار المجلس للمشاركة في هذا المعرض عدداً من الأسماء الواعدة مثل كليو بيبيات، يودون تشوي، لابروم لندن، نيكولاس دايلي، بالمر أند هاردينغ، توندولو، وآخرين.

أغلب المشاركين في المعرض من خريجي برامج داعمة للشباب الواعدين (موقع مجلس الأزياء)

أغلبهم استفادوا من برامج دعم المواهب التابع للمجلس البريطاني للأزياء «نيو جين» و«فاشن إيست» ويأتي هذا التوسع ضمن برنامج «بي.إف.سي إنترناشيونال» أحد المحاور الرئيسية لاستراتيجية المجلس «BFC 2030: Access, Creativity, Growth» التي تركز على تعزيز فرص الوصول إلى الأسواق الدولية ودعم الإبداع وتحقيق نمو مستدام للمصممين البريطانيين الشباب. وبحسب المجلس، فإن الخطوة تُمثّل مرحلة جديدة لتطوير معرضها الباريسي كمنصة تستقبل حضوراً عالمياً أوسع، مع خطط مستقبلية لإطلاق صيغ عرض جديدة وشراكات وأنشطة تسويقية تهدف إلى ربط المصممين البريطانيين بأسواق وفرصة دولية إضافية.


حذاء شاكيرا الرياضي يكتب فصلاً جديداً في أناقة المستطيل الأخضر

حذاء شاكيرا الرياضي يكتب فصلاً جديداً في أناقة المستطيل الأخضر
TT

حذاء شاكيرا الرياضي يكتب فصلاً جديداً في أناقة المستطيل الأخضر

حذاء شاكيرا الرياضي يكتب فصلاً جديداً في أناقة المستطيل الأخضر

في العاصمة المكسيكية مكسيكو سيتي، حيث تتمازج حرارة المدرجات بشغف الساحرة المستديرة، لم تكتفِ النجمة الكولومبية شاكيرا بإشعال الحماس عبر أغنية المونديال الرسمية «داي داي»، بل خطفت الأضواء بـ«ضربة معلم» في عالم الموضة الرياضية.

تحول حذاء النجمة على العشب الأخضر من مجرد تفصيل متمم للإطلالة إلى بيان فني صاخب يعيد تعريف أزياء الملاعب، ويمزج بكبرياء بين التمرد الأنثوي ومتطلبات الأداء الحركي الفائق في افتتاح كأس العالم 2026.

شاكيرا تألقت في تقديم الحفل الموسيقي (رويترز)

هندسة الجاذبية على المستطيل الأخضر

في وقت كان العالم يترقب فيه دوران الكرة، اختارت شاكيرا أن تؤسس لمنطقها الخاص في الحركة، حيث اعتلت المسرح بحذاء رياضي ضخم ذي منصة مرتفعة (Platform) من العلامة النيويوركية المتمردة R13.

الحذاء، الذي ينتمي إلى طراز «Riot High-Top» والمصنوع من الجلد الأبيض الناصع، جاء بكعب شاهق يصل إلى 4.45 سنتيمتر مدعوماً بقاعدة سميكة بارتفاع 3.8 سنتيمتر.

هذا الخيار الاستثنائي شكّل تحدياً صارخاً للقواعد التقليدية لملابس الملاعب، مانحاً النجمة قامة ممشوقة وثباتاً راسخاً تناغم بدقة مع لوحات فرقتها الراقصة.

من ثورة «الحفاء» إلى صخب الـ «غرانج» (Grunge) النيويوركي

شاكيرا تقدمت الفنانين في حفل افتتاح كأس العالم 2026 (رويترز)

تاريخياً، ارتبطت هوية شاكيرا المونديالية بالتحرر، ففي نسخة جنوب أفريقيا 2010 وأغنيتها الشهيرة «واكا واكا»، آثرت الغناء حافية القدمين لتكريس اتصالها العضوي بالأرض.

أما في مكسيكو سيتي، فقد عكس الحذاء الرياضي المستوحى من كلاسيكيات كرة السلة تحولاً جذرياً نحو جماليات الـ«Grunge» المعاصرة.

لقد كان هذا التصميم بمثابة درع ذكي، أمن لركبتيها وكاحليها الحماية القصوى أثناء أداء رقصاتها المعقدة والسريعة، لتثبت للعالم أن الأناقة الرفيعة لا تقصي الكفاءة البدنية.

فلسفة اللون وتناغم الإيقاع البصري

لم يكن اختيار الحذاء الأبيض معزولاً عن سياقه الفني، بل جاء بتنسيق مبتكر صممته دار Off-White بالتعاون مع منسق أزيائها نيكولاس برو. وتمثلت اللمسة الذكية في استبدال الأربطة التقليدية بأخرى ذات لون أصفر فوسفوري مشع تحاكي روح العلم الكولومبي وتتناغم مع بدلتها الرياضية، بينما أضفت نظارات بالنسياغا Balenciaga المستقبلية هالة من الغموض الثوري. هذا المزيج المدروس يعكس كيف تحول الرموز الفنية «المستطيل الأخضر» إلى منصة عرض أزياء عالمية تحاكي جيل الحداثة.