طهران على عتبة «منعطف استراتيجي» وتعاملها مع العقوبات محفوف بالمخاطر

دعوة الغربيين لعودتها إلى المفاوضات ليست مضمونة النتائج والتصعيد النووي قد يقودها إلى حرب مفتوحة

الإيرانيون يتسوقون في بازار طهران الرئيسي الاثنين (إ.ب.أ)
الإيرانيون يتسوقون في بازار طهران الرئيسي الاثنين (إ.ب.أ)
TT

طهران على عتبة «منعطف استراتيجي» وتعاملها مع العقوبات محفوف بالمخاطر

الإيرانيون يتسوقون في بازار طهران الرئيسي الاثنين (إ.ب.أ)
الإيرانيون يتسوقون في بازار طهران الرئيسي الاثنين (إ.ب.أ)

بعيداً عن السردية الرسمية التي تصف الرد بـ«القاسي» على إعادة تفعيل العقوبات الدولية، تجد السلطات الإيرانية نفسها في وضع بالغ الحرج إزاء التبعات المترتبة على أي خيار يرسو عليها قرارها للتعامل مع الوضع المستجد.

وإذا كان وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، يأمل تجميد السير بالعقوبات، كما بدا واضحاً في رسالته التي وجهها الأحد إلى أمين عام الأمم المتحدة، يحثه فيها على «منع أي محاولة لإعادة تفعيل آليات العقوبات، بما في ذلك لجنة العقوبات وهيئة الخبراء»، فقد جاء الرد سريعاً من الاتحاد الأوروبي الذي أعلنت رئاسته، في بيان الاثنين، أنه «أعاد اليوم (الاثنين) فرض عقوبات على إيران، رداً على استمرارها في عدم الامتثال للاتفاق النووي». وحرص الاتحاد على إعادة تأكيد أن «الباب ما زال مفتوحاً أمام المفاوضات الدبلوماسية».

كذلك، نشرت «الترويكا الأوروبية» بياناً جاء فيه أنها ستواصل «المسار الدبلوماسي والمفاوضات»، معتبرة أن «إعادة فرض عقوبات الأمم المتحدة لا تعني نهاية الدبلوماسية»، ودعت «الترويكا» طهران إلى «عدم اتخاذ أي إجراءات تصعيدية، ومواصلة الامتثال لتعهداتها الملزمة قانوناً والمتعلقة بالضمانات». وسبق لـ«الترويكا» أن أصدرت بياناً مشابهاً ومطولاً صباح الأحد الماضي.

وأورد البيان الأوروبي القطاعات المعنية بالعقوبات، التي تشمل تجميد أصول البنك المركزي الإيراني وبنوك إيرانية أخرى، وحظر سفر بعض المسؤولين الإيرانيين، وكذلك شراء النفط الإيراني ونقله وبيعه، أو تجارة الذهب، وبعض المعدات البحرية وكذلك الخاصة بالصناعتين النووية والباليستية... وفعّلت بريطانيا الشيء نفسه؛ إذ أعلنت، الاثنين، أنها أضافت 71 اسماً جديداً لنظام العقوبات.

ويستعيد بيان الاتحاد ما جاء في إعلان «الترويكا الأوروبية» يوم الأحد، حيث شددت على أمرين متلازمين: الأول، أن إعادة فرض العقوبات لا تعني «نهاية الدبلوماسية». والثاني، دعوة إيران لـ«الابتعاد عن أي عمل تصعيدي». وهذه المقاربة تبنتها واشنطن بلسان وزير خارجيتها ماركو روبيو. لذا، فالسؤال المطروح اليوم بقوة في طهران، ولكن أيضاً في العواصم المعنية، يدور حول الخيارات التي ستعتمدها طهران في الأسابيع والأشهر المقبلة، رداً على عودة العقوبات؟

صعوبة العودة إلى طاولة المفاوضات

تقول مصادر دبلوماسية أوروبية في باريس إن في جعبة إيران مجموعة من الخيارات التي تستطيع اللجوء إليها للتعامل مع العقوبات المستجدة. إلا أنها تركز على عاملين رئيسيين يمكن أن يتحكما بقرارها: الأول، أن طهران ترسخ مجدداً تحت عقوبات ثقيلة فرضت أول مجموعاتها الست تحت البند السابع لمجلس الأمن، لدى صدور القرار رقم 1737 في 23 ديسمبر (كانون الأول) عام 2006، بعد أن رفعت عنها طيلة عشر سنوات، وهو ما يجعل موقعها الحالي أضعف مقارنة بما كانت عليه قبل تفعيل العقوبات مجدداً.

والثاني، أن المعروض عليها اليوم أحد أمرين: إما الخضوع للعقوبات القديمة والجديدة بانتظار أن يتغير «شيء ما»، أو قبول الشروط الثلاثة التي سبق لها أن رفضتها، وهي التعاون الكامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومفتشيها؛ بمعنى إعطائهم حرية الحركة على الأراضي الإيرانية لتفتيش المواقع النووية التي يريدون تفتيشها، والكشف عن مصير الكمية الكبرى من اليورانيوم عالي التخصيب (440 كلغ)، والانخراط في مفاوضات جدية مع الطرف الأميركي، الذي هو، حقيقة، مهندس المفاوضات ومرجعها مع إيران.

وكشف الرئيس مسعود بزشكيان سراً بخصوص النقطة الثانية، وهو أن الجانب الأميركي طالب بتسليمه كل اليورانيوم المخصب مقابل رفع العقوبات لمدة ثلاثة أشهر.

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان متحدثاً للصحافة في نيويورك في 26 سبتمبر (أ.ب)

بناء على ما سبق، يمكن اعتبار أن خيار العودة إلى المفاوضات للتوصل إلى اتفاق نووي جديد سيكون حكماً أكثر تشدداً من اتفاق 2015؛ إذ إنه يبدو أنه سيكون بالغ الصعوبة؛ لأنه سيعني، وفق المصادر المشار إليها، خضوع واستسلام إيران للغربيين.

وأبرز الصعوبات تمسك واشنطن بحرمان إيران من تخصيب اليورانيوم، لا بل تفكيك مجمل برنامجها النووي، وهو ما تطالب به إسرائيل. وهذا الشرط يفسر فشل خمس جولات من المفاوضات مع الطرف الأميركي، وثلاث جولات مع الأوروبيين، آخرها حصلت في نيويورك، على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة.

كذلك، فإن بزشكيان قد لمح إلى أن مطالب أخرى «غير المشار إليها» يمكن أن تثار في حال قبول التفاوض مجدداً، وعلى رأسها برنامج إيران الباليستي، وهو ما ترفضه قطعاً. ثم إن تياراً داخلياً يرفض الخضوع، كما أن المرشد الإيراني علي خامنئي الذي بيده القرار النووي، اعتبر مؤخراً أن لا فائدة من الحوار مع واشنطن.

مصير مفتشي الوكالة الدولية

ثمة من يرى أن في مستطاع طهران أن تكتفي بالتهديدات، وألا تقوم بأي إجراء، معتمدة على ما يمكن تسميته «الصبر الاستراتيجي». فإيران، من زاوية أخرى، تعول على رئاسة روسيا لمجلس الأمن خلال الشهر القادم، وتحضر، وفق ما فهم من تصريحات كبار مسؤوليها، لمعركة دبلوماسية جديدة في مجلس الأمن، بمناسبة انتهاء مفعول اتفاق عام 2015 يوم 18 أكتوبر (تشرين الأول).

وأحد المخارج المتوافرة، هو العمل على تعزيز علاقاتها مع روسيا من جهة، والصين والهند من جهة أخرى. الدولتان الأخيرتان تمثلان الجهة الرئيسية لصادراتها من النفط رغم العقوبات. وثمة جانب آخر لـ«الصبر الاستراتيجي» معناه التعويل على تغييرات سياسية في الدول الغربية، وخصوصاً انتظار رحيل الرئيس ترمب عن البيت الأبيض.

والحال، أن العديد من جولات المفاوضات جرت في فيينا وفي عواصم أخرى إبان ولاية الرئيس الديمقراطي جو بايدن. إلا أنها لم تفض إلى نتيجة إيجابية. كذلك، فإن ترمب لن تنتهي رئاسته إلا بعد أكثر من عامين، وبالتالي فإن التعويل على رحيله سيكون توهماً ثقيل النتائج.

هذه الرهانات، وفق أكثر من مصدر في باريس، غير مضمونة؛ لأن العقوبات أصبحت أمراً واقعاً. وسيكون من الصعب على السلطات الإيرانية أن تتجاهله وأن تتناسى ما هددت به، خلال أسابيع طويلة، من «إجراءات قاسية»؛ رداً على عودة العقوبات، وعلى ما تعتبره اعتداء عليها.

وفي هذه الحال، فإن أول عناصر الرد المرجحة تتناول ترحيل المفتشين الدوليين القلائل الموجودين في إيران، ووقف التعاون مع الوكالة الدولية التي تحملها طهران مسؤولية توفير الحجة لـ«الترويكا الأوروبية» لإعادة تفعيل آلية «سناب باك».

غير أن خياراً كهذا، في حال اعتماده، سيجعل برنامج إيران النووي بعيداً عن الأنظار، ما سيثير قلقاً واسعاً في العالم الغربي، ويزيد من الشكوك إزاء خطط طهران الحقيقية، خصوصاً أن الغربيين يبدون متشككين إزاء تأكيداتها أنها لا تسعى لتتحول إلى قوة نووية. فطهران تستطيع، من غير أن تعلن ذلك، الارتقاء بالتخصيب أبعد من 60 المائة، وربما الوصول إلى نسبة 90 في المائة.

وبعد الدمار الذي لحق بمواقعها في شهر يونيو (حزيران) جراء القصف الإسرائيلي - الأميركي، بمقدورها إعادة بناء ما تدمر واستبدال الطاردات المركزية التي دمرت بأخرى أحدث منها؛ ما سيمكنها من تسريع برنامجها. وبكلام آخر، تستطيع إيران دفع برنامجها النووي إلى الأمام، والاقتراب من حافة اكتساب القدرات النووية، وهو ما يرفضه الغربيون بقوة.

الخروج من معاهد منع الانتشار

في سياق الردود الممكنة، يبرز الخروج من معاهدة منع انتشار السلاح النووي التي وقعتها إيران في عهد الشاه باعتباره من الخطوات الرئيسية الممكنة، بحيث تتحرر من أي قيود حول برنامجها.

وفي هذا السياق، عَدّ إبراهيم رضائي، الناطق باسم لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان - في رأيه - أنه يتعين على إيران الانسحاب من المعاهدة؛ إذ لا سبب يدعوها للبقاء طرفاً فيها. لكنه استدرك أن قرار كهذا مرتبط بـ«القيادات والسلطات الثلاث»، موضحاً أن البرلمان لم يتخذ أي قرار بهذا الشأن.

ولا شك أن خطوة كهذه ستكون تصعيدية بكل معنى الكلمة. وإذا أرادت إيران الذهاب بعيداً أكثر من ذلك، فباستطاعتها الإعلان عن تخليها عن «عقيدتها النووية» الصادرة بفتوى من المرشد الإيراني، التي تمنع البلاد من السعي إلى امتلاك السلاح النووي.

وهذه «العقيدة» تعد الحجة الرئيسية التي تلجأ إليها طهران تقليدياً للرد على من يتهمها بعكس ما تدعيه. والتخلي عن العقيدة النووية كما الخروج من معاهدة منع الانتشار يعنيان الكثير. فدبلوماسياً؛ ستفرض عزلة على إيران، وستدان في المحافل الدولية، ولن يكون بوسعها الاتكاء إلى دعم روسي أو صيني، فضلاً عن فرض عقوبات جديدة عليها متعددة الأشكال.

وترى المصادر الأوروبية في باريس أن حرباً جديدة من المرجح اندلاعها بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة؛ هدفها القضاء على قدرات إيران النووية والباليستية قبل أن تصبح واقعاً مهيمناً في الشرق الأوسط.

وسيكون، عندها، من الصعب استبعاد مشاركة بريطانية أو غير بريطانية، بالنظر إلى أن منع إيران من التحول إلى قوة نووية هدف معلن للغربيين جميعاً، وقد ورد في الفقرة الأولى من بيان «الترويكا» الصادر صباح الأحد. والتخوف الغربي أن تطوراً كهذا سيعني إطلاق السباق النووي في الشرق الأوسط، ويعد أيضاً تهديداً جدياً لمعاهدة منعه.

اليوم، تجد إيران نفسها أمام مفترق استراتيجي لا يتناول فقط برنامجها النووي، بل يمكن أن يهدد مصير النظام. فتفعيل الحل الدبلوماسي الذي طالب به، مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، الاثنين، عقب لقائه وزير خارجية ألمانيا، يوهان لادفول، أقرب اليوم إلى السراب. فكيف لاتفاق لم ير النور خلال نحو أربعة أشهر أن يصبح اليوم في متناول اليد. ومن الجانب المقابل، فإن عناد طهران وسيرها في طريق التصعيد يرجح أن يقود إلى حرب جديدة لن تكون هذه المرة، على ما يعتقد، تشبه حرب الـ12 يوماً.


مقالات ذات صلة

احتجاجات إيران تدخل يومها الرابع وتحذيرات من «زعزعة الاستقرار»

شؤون إقليمية متظاهرون في طهران خرجوا إلى الشوارع احتجاجاً على الأوضاع الاقتصادية وتراجع العملة الإيرانية (أ.ف.ب)

احتجاجات إيران تدخل يومها الرابع وتحذيرات من «زعزعة الاستقرار»

دخلت أحدث موجة من الاحتجاجات المعيشية في إيران يومها الرابع، وقال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إن طهران تواجه ضغوطاً متعددة.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
شؤون إقليمية صورة نشرها حساب الخارجية الأميركية الناطق بالفارسية تُظهر انتشار قوات مكافحة الشغب الإيرانية وسط طهران

احتجاجات إيران تنتقل من البازار إلى الجامعات

اتسعت الاحتجاجات في إيران لليوم الثالث على التوالي، مع انتقالها من الأسواق التجارية في طهران إلى جامعات ومدن أخرى.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
شؤون إقليمية ترمب ونتنياهو على هامش مؤتمر صحافي مشترك في منتجع مار-إيه-لاغو بولاية فلوريدا (أ.ف.ب)

الرئيس الإيراني يرد على ترمب: رد قاسٍ ورادع على أي هجوم

قال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الثلاثاء، إن رد بلاده على أي هجوم سيكون «قاسياً ورادعاً»، فيما بدا أنه رد مباشر على تحذير أطلقه الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
شؤون إقليمية طفل يجلس فوق رأس حربي لصاروخ باليستي في المعرض الدائم التابع لـ«الحرس الثوري» بضواحي طهران نوفمبر الماضي (أ.ب)

مستشار خامنئي: أي اعتداء سيقابَل برد قاسٍ وفوري

قال علي شمخاني المستشار السياسي للمرشد الإيراني إن القدرة الصاروخية والدفاعية لإيران لا يمكن احتواؤها، ولا تحتاج إلى إذن من أحد لتطويرها.

«الشرق الأوسط» (طهران)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلتقي برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال اجتماع ثنائي في مقر إقامة ترمب مارالاغو في بالم بيتش بفلوريدا 29 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)

ترمب: سأدعم هجوماً سريعاً على إيران إذا عاودت بناء برنامجها النووي

أكد الرئيس الأميركي ترمب خلال لقائه رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، الاثنين، أنه سيدعم هجوماً سريعاً على إيران إذا عاودت بناء برنامجها النووي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

تقرير: إسرائيل تدرس خطة إنشاء سجن محاط بالتماسيح

إسرائيل تخطط لإقامة سجن محاط بالتماسيح (أ.ب)
إسرائيل تخطط لإقامة سجن محاط بالتماسيح (أ.ب)
TT

تقرير: إسرائيل تدرس خطة إنشاء سجن محاط بالتماسيح

إسرائيل تخطط لإقامة سجن محاط بالتماسيح (أ.ب)
إسرائيل تخطط لإقامة سجن محاط بالتماسيح (أ.ب)

وصل نائب مفوض مصلحة السجون الإسرائيلية إلى مزرعة التماسيح في حيمات غادير، كجزء من خطة تستهدف إقامة سجن محاط بالتماسيح.

وذكرت قناة «آي 24 نيوز» الإسرائيلية، اليوم، أن زيارة المسؤول الإسرائيلي تستهدف القيام بجولة تعليمية لغرض إنشاء السجن الذي خطط له وزير الأمن القومي، إيتمار بن غفير، والذي من المخطط أن يُحاط بالتماسيح، وهو مُستوحى من النموذج الأميركي للرئيس دونالد ترمب.

ووفق نموذج ترمب، يقع السجن الأميركي في منتزه إيفرجليدز الوطني بولاية فلوريدا، وهو مكان توجد فيه تماسيح بشكل طبيعي، لكنها ليست بالضرورة مُحاطة بجدران.

ومن المفترض أن يخلق خطر الهروب من السجن رادعاً بين السجناء.

وجرى طرح فكرة إنشاء سجن محاط بالتماسيح في اجتماع بين الوزير بن غفير ومفوض مصلحة السجون كوبي يعقوبي، في ظل زيادة الدوافع لدى السجناء للهروب من السجن.


بزشكيان: معيشة المواطنين «خط أحمر»

بزشكيان وإلى يمينه رئيس القضاء غلام حسين محسني إجئي يتوسطان قادة «الحرس الثوري» في مراسم الذكرى السادسة لمقتل الجنرال قاسم سليماني في طهران اليوم (الرئاسة الإيرانية)
بزشكيان وإلى يمينه رئيس القضاء غلام حسين محسني إجئي يتوسطان قادة «الحرس الثوري» في مراسم الذكرى السادسة لمقتل الجنرال قاسم سليماني في طهران اليوم (الرئاسة الإيرانية)
TT

بزشكيان: معيشة المواطنين «خط أحمر»

بزشكيان وإلى يمينه رئيس القضاء غلام حسين محسني إجئي يتوسطان قادة «الحرس الثوري» في مراسم الذكرى السادسة لمقتل الجنرال قاسم سليماني في طهران اليوم (الرئاسة الإيرانية)
بزشكيان وإلى يمينه رئيس القضاء غلام حسين محسني إجئي يتوسطان قادة «الحرس الثوري» في مراسم الذكرى السادسة لمقتل الجنرال قاسم سليماني في طهران اليوم (الرئاسة الإيرانية)

قال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إن حكومته عازمة على تنفيذ إصلاحات اقتصادية تستهدف القضاء على الريع والتهريب والرشوة، رغم ما وصفه بصعوبة هذا المسار، مشدداً على أن الحفاظ على معيشة المواطنين يمثل «خطاً أحمر» لحكومته، في وقت دخلت فيه موجة الاحتجاجات المعيشية في إيران يومها الخامس، واتسع نطاقها جغرافياً.

وحذّر بزشكيان من ضغوط تُمارس على وزراء ومسؤولين لإرباك مسار الإصلاحات وإحداث حالة من عدم الاستقرار، في ظل مطالب المحتجين بخطوات ملموسة لمعالجة الأزمة الاقتصادية وتراجع العملة.

وأضاف خلال مراسم رسمية في طهران لإحياء الذكرى السادسة لمقتل الجنرال قاسم سليماني، أن الحكومة ماضية في نقل الدعم من بداية سلسلة التوزيع إلى نهايتها وتحويله مباشرة إلى حسابات المواطنين، مؤكداً أن «العدالة لا تتحقق بمنح موارد البلاد لفئة محددة ومنحها الدولار المدعوم، ثم بيع السلع للمواطنين بسعر السوق».

وردّ الرئيس الإيراني على انتقادات طالت بعض التعيينات الحكومية، قائلاً إن حكومته لم تعتمد في اختيار مسؤوليها على العلاقات الشخصية أو الانتماءات السياسية، مضيفاً: «لم يأتِ أحد إلى هذه الحكومة بصفته صديقاً لي، وجميع أعضاء الحكومة جرى اختيارهم على أساس الكفاءة والتخصص».

وتأتي تصريحات بزشكيان في وقت دخلت فيه الاحتجاجات المعيشية يومها الخامس، مع انتقالها من طهران إلى مدن أصغر، وعودة التحركات الليلية، وسط تصعيد أمني وقضائي، وتوسع في حملة التوقيفات، وسقوط قتلى للمرة الأولى منذ بدء الموجة الحالية، بينهم مدنيون وعنصر من قوات «الباسيج» التابعة لـ«الحرس الثوري»، بحسب تقارير رسمية.

صورة نشرها حساب «الخارجية» الأميركية الناطق بالفارسية تُظهر انتشار قوات مكافحة الشغب الإيرانية وسط طهران

وكانت التحركات قد انطلقت من الأسواق والأنشطة التجارية احتجاجاً على تراجع الريال وغلاء الأسعار، قبل أن تتسع تدريجياً خارج العاصمة، مع تسجيل احتجاجات ومواجهات في محافظات عدة، من بينها جهارمحال وبختياري ولُرستان، إضافة إلى مدن في الغرب والوسط والجنوب، وفق مقاطع متداولة وتقارير إعلامية.

وفي موازاة المسار الأمني، تعاملت حكومة طهران مع الاضطرابات عبر طرح خيار الحوار، في مقاربة بدت أكثر ميلاً إلى التوافق مقارنة بكيفية تعاطيها مع معظم موجات الاحتجاج السابقة، في حين قال ناشطون إن السلطات عززت في الوقت نفسه انتشار قوات الشرطة في الشوارع.

كما دخلت وسائل الإعلام الإيرانية، ولا سيما وكالتَي «فارس» و«تسنيم» التابعتين لـ«الحرس الثوري»، على خط تغطية الاحتجاجات منذ اليوم الثاني، في مسعى لإعادة تأطير المشهد، عبر التركيز على محدودية نطاق التحركات، وإبراز رواية تفصل بين المطالب المعيشية وما تصفه بمحاولات «استغلال» أو «اختراق» أمني.

وفي هذا السياق، قالت وكالة «فارس» الخميس إن مستوى الحضور في الشوارع خلال الاحتجاجات الأخيرة كان أقل مقارنة بجولات سابقة، رغم اتساع حالة الاستياء من الغلاء وعدم الاستقرار الاقتصادي.

وذكرت الوكالة أن الشرطة تعاملت مع التحركات بـ«ضبط نفس»، وسعت إلى تجنب الاحتكاكات غير الضرورية ومنع تصعيد التوتر.

وأضافت «فارس» أن السلطات ترى فارقاً بين هذه التحركات وما تشهده دول أخرى، مشيرة إلى ما تصفه بوجود شبكات معارضة مدعومة من الخارج، خصوصاً الولايات المتحدة وإسرائيل، ومعتبرة أن غالبية المحتجين لم تنخرط في مسارات عنيفة.

وفي المقابل، تحدثت الوكالة عن «تحركات محدودة» لعناصر وصفتها بـ«المشاغبة»، وقالت إن بعضها كان منظماً ومدرباً، وإن التعامل الأمني معها جاء في إطار منع الانزلاق إلى الفوضى، مؤكدة أن «إدارة الاحتجاجات ميدانياً ويقظة الشارع» أسهمتا، وفق تعبيرها، في احتواء التوتر خلال هذه المرحلة.

شرطة مكافحة الشغب تطلق الغاز المسيل للدموع لتفريق متظاهرين خرجوا إلى الشوارع احتجاجاً على الأوضاع الاقتصادية في طهران (إ.ب.أ)

وبحسب «فارس»، فقد تدرب هؤلاء على أساليب تحريض المواطنين وتحويل مسار الاحتجاجات السلمية، وكان لافتاً وجود نساء بين من تصفهم بـ«القادة». كما أشارت إلى أن خطط المشاغبين تقوم على إبقاء التجمعات حتى ساعات متأخرة من الليل، معتبرة أن هذه الأوقات «لا تندرج ضمن الاحتجاجات المدنية»، بل تهدف إلى «إثارة الفوضى وانعدام الأمن».

وختمت الوكالة بالقول إن المعلومات المتوافرة تفيد بأن عدداً من خلايا الشغب التي أُوقفت أخيراً كانت قد تلقت تدريبات منظمة، وكُلفت بإثارة الاستفزازات بهدف دفع الشرطة إلى ردود فعل عنيفة وتأجيج الأوضاع، معتبرة أن «المقاربة المهنية للشرطة ويقظة المواطنين» شكّلتا عاملين أساسيين في إحباط السيناريوهات العنيفة، والحفاظ على الأمن الوطني خلال هذه المرحلة.

وتأتي هذه التطورات في لحظة حرجة للمؤسسة الحاكمة، في ظل عقوبات غربية، وتضخم مرتفع، وتراجع حاد في قيمة العملة؛ إذ فقد الريال أكثر من ثلث قيمته أمام الدولار خلال العام الماضي، في حين تجاوز معدل التضخم السنوي 50 في المائة في ديسمبر (كانون الأول)، وفق الإحصاءات الرسمية، ما أدى إلى تآكل القدرة الشرائية وارتفاع تكلفة المعيشة... وهي عوامل تربطها تقارير اقتصادية مباشرة باندلاع موجة الاحتجاجات الحالية.


الوحدة الدينية بالجيش الإسرائيلي تعود لعملياتها في سوريا

قوات إسرائيلية تتحرك داخل المنطقة العازلة بين إسرائيل وسوريا في مرتفعات الجولان يوم 10 ديسمبر 2024 (إ.ب.أ)
قوات إسرائيلية تتحرك داخل المنطقة العازلة بين إسرائيل وسوريا في مرتفعات الجولان يوم 10 ديسمبر 2024 (إ.ب.أ)
TT

الوحدة الدينية بالجيش الإسرائيلي تعود لعملياتها في سوريا

قوات إسرائيلية تتحرك داخل المنطقة العازلة بين إسرائيل وسوريا في مرتفعات الجولان يوم 10 ديسمبر 2024 (إ.ب.أ)
قوات إسرائيلية تتحرك داخل المنطقة العازلة بين إسرائيل وسوريا في مرتفعات الجولان يوم 10 ديسمبر 2024 (إ.ب.أ)

استبدل الجيش الإسرائيلي قواته العاملة في الجنوب السوري، من الكتيبة «55» إلى كتيبة «الحشمونائيم» الدينية، التي تضم جنوداً من التيار الحريدي المتزمت دينياً.

وقد انتشرت القوة على الحواجز العسكرية والمواقع التسعة التي أقامها الجيش الإسرائيلي في المنطقة التي احتلها في ديسمبر (كانون الأول) من سنة 2024، بعد سقوط نظام بشار الأسد.

وكانت هذه القوات ترابط في المرتفعات السورية المحتلة قبيل الحرب على غزة، لكنها استُدعيت للقيام بمهمات عسكرية في القطاع، ثم في الضفة الغربية. وأعيدت إلى سوريا، ثم نُقلت منها إلى غزة. والآن تمت إعادتها من جديد.

مركبات عسكرية إسرائيلية تمر عبر سوريا بالقرب من خط وقف إطلاق النار بين مرتفعات الجولان المحتلة وسوريا كما شوهدت من مجدل شمس في مرتفعات الجولان يوم 15 ديسمبر 2024 (رويترز)

وقال الجيش الإسرائيلي في بيان نشره الخميس، إن هذه الكتيبة التابعة لـ«لواء المشاة» باشرت تنفيذ أنشطة ميدانية بعد خضوعها لسلسلة تدريبات عسكرية، شملت عمليات قتالية وعمليات شرطية (عمليات تفتيش محددة الهدف)، وجمع معلومات استخباراتية، بزعم إزالة التهديدات الأمنية وضمان أمن المدنيين في إسرائيل، وتقصد بهم المستوطنين اليهود في منطقة الجولان المحتلة منذ عام 1967.

وأضاف البيان أن «اللواء» سيواصل العمل في «ساحات مختلفة»، مع التأكيد على توفير الظروف التي تتيح للجنود «الحريديم» الحفاظ على نمط حياتهم الديني في أثناء الخدمة العسكرية.

ويأتي هذا الانتشار بعد أيام من إعلان الجيش الإسرائيلي، في 28 ديسمبر 2025، انتهاء مهام لواء الاحتياط رقم «55» في سوريا، بعد أكثر من 100 يوم من النشاط الميداني المتواصل، مشيراً إلى اختتام مهامه في المنطقة.

يقول زعماء «الحريديم» إن إجبار طلبة المعاهد الدينية على الخدمة العسكرية ينذر بتدمير هويتهم (أ.ب)

و«الحريديم» هم تيار يهودي يعتبر الأكثر تشدداً دينياً داخل المجتمع الإسرائيلي؛ إذ يقوم نمط حياتهم على التزام صارم بتعاليم التوراة، ورفض مظاهر الحداثة الغربية، بما في ذلك الاختلاط الاجتماعي والتكنولوجيا ووسائل الإعلام، مع العيش في مجتمعات مغلقة نسبياً. وقد أقيمت الكتيبة الخاصة بهم للخدمة سنتين (وليس ثلاثاً مثل بقية الجنود)، وحرصوا على عدم الاختلاط مع جنود غير متدينين، في إطار طمأنة قيادتهم الدينية بأنهم سيبقون متدينين بعد الخدمة ولن يتعلموا العلمانية.

طفل يتابع جنوداً إسرائيليين ينفذون دورية في بلدة جباثا الخشب السورية بالمنطقة العازلة التي تشرف عليها الأمم المتحدة بمرتفعات الجولان المحتلة (أرشيفية - أ.ف.ب)

ولكن غالبية القيادات الحريدية ترفض منذ تأسيس إسرائيل أن يخدم أبناؤها في الجيش؛ إذ يعتبرونه مؤسسة علمانية تمثل مشروعاً سياسياً يتعارض مع الشريعة اليهودية، ويهدد الهوية العقائدية لـ«الحريديم». وبسبب هذا الموقف تم الاتفاق معهم على منظومة عمل تعفي كل من يتعلم الدين منهم. لكن القيادة العسكرية والسياسية الإسرائيلية تحاول تغيير هذه المنظومة. وهناك قرار في محكمة العدل العليا يلزم الجيش باستدعاء أكثر من 60 ألف شاب حريدي إلى الخدمة.

وعندما سئل قادتهم عن سبب رفضهم، وكيف يقبلون أن يمتنع شبانهم عن خدمة العلَم في وقت الحرب، أجابوا: «لو كنا نحن في الحكم لأقمنا سلاماً مع العرب وما احتجنا إلى جيش». غير أن المجندين بينهم يتصرفون مثل بقية الجنود في الجيش الإسرائيلي؛ كجيش احتلال، ومن خلال عداء للعرب.