تركيا تبحث نموذجاً لنزع أسلحة «الكردستاني»: كيف تتغلب على الخلافات والمصاعب؟

خبراء أكدوا لـ«الشرق الأوسط» ضرورة بناء الثقة ووضع قوانين تسهل الحل

قامت مجموعة من قيادات وعناصر حزب «العمال الكردستاني» بإلقاء السلاح في مراسم رمزية في السليمانية في شمال العراق في 11 يوليو الماضي تأكيداً للمضي في تنفيذ دعوة عبد الله أوجلان لحل الحزب (رويترز)
قامت مجموعة من قيادات وعناصر حزب «العمال الكردستاني» بإلقاء السلاح في مراسم رمزية في السليمانية في شمال العراق في 11 يوليو الماضي تأكيداً للمضي في تنفيذ دعوة عبد الله أوجلان لحل الحزب (رويترز)
TT

تركيا تبحث نموذجاً لنزع أسلحة «الكردستاني»: كيف تتغلب على الخلافات والمصاعب؟

قامت مجموعة من قيادات وعناصر حزب «العمال الكردستاني» بإلقاء السلاح في مراسم رمزية في السليمانية في شمال العراق في 11 يوليو الماضي تأكيداً للمضي في تنفيذ دعوة عبد الله أوجلان لحل الحزب (رويترز)
قامت مجموعة من قيادات وعناصر حزب «العمال الكردستاني» بإلقاء السلاح في مراسم رمزية في السليمانية في شمال العراق في 11 يوليو الماضي تأكيداً للمضي في تنفيذ دعوة عبد الله أوجلان لحل الحزب (رويترز)

توشك لجنة «التضامن الوطني والأخوة والديمقراطية» التي شكّلها البرلمان التركي لوضع الأساس القانوني لنزع أسلحة حزب «العمال الكردستاني» على الانتهاء من عملها بحسب الإطار الزمني المحدد بنهاية شهر سبتمبر (أيلول) الحالي، بينما لا يزال البحث جارياً عن نموذج صالح لتحقيق هذه الخطوة.

المهمة الأساسية للجنة، التي تشكلت في 5 أغسطس (آب) الماضي من 51 عضواً من أحزاب البرلمان على أساس عدد مقاعد كل حزب، هي: «الإشراف على عملية نزع السلاح ومراقبتها» بحسب رئيس البرلمان، نعمان كورتولموش الذي يترأس اللجنة أيضاً.

يعود البرلمان من عطلته الصيفية في الأول من أكتوبر (تشرين الأول)، لتنطلق أعمال دورته التشريعية الجديدة، ويفترض أن تكون اللجنة أعدت حتى هذا الموعد اقتراحات بتعديلات على بعض القوانين المتعلقة بالأساس بعملية نزع أسلحة «العمال الكردستاني»، وطريقة تسليمها، أو التخلص منها، وتنظيم عودة عناصره من غير المتورطين في الجرائم، وإلى أين ستذهب كوادره القيادية بعد مغادرة جبل قنديل في شمال العراق.

لكن، ومع بقاء أيام قليلة على افتتاح الدورة الجديدة للبرلمان، لا يزال النقاش دائراً حول النموذج الذي ستتبعه تركيا لحل حزب «العمال الكردستاني»، ونزع أسلحته، ولا يزال هناك تباعد كبير بين رؤية الدولة ورؤية الأكراد بشأن القوانين التي على أساسها سيتم نزع الأسلحة، وأي الخطوتين تسبق الأخرى.

ترصد «الشرق الأوسط» هنا الأجواء التي تحيط بعمل اللجنة البرلمانية، ورؤية كل جانب، ورؤية الأكاديميين والحقوقيين لكيفية سير «عملية السلام الداخلي» التي بدأت فعلياً بالدعوة التي أطلقها زعيم حزب «العمال الكردستاني» السجين في تركيا، عبد الله أوجلان، لحل الحزب، ونزع أسلحته في 27 فبراير (شباط) الماضي استجابة لمبادرة «تركيا خالية من الإرهاب»، التي أطلقها «تحالف الشعب»، المؤلف من حزبي «العدالة والتنمية» الحاكم و«الحركة القومية».

بحث عن نموذج خاص

كرر رئيس البرلمان نعمان كورتولموش التأكيد على مهمة اللجنة، وهي الإشراف على عملية نزع أسلحة «العمال الكردستاني»، ومراقبتها نيابةً عن الأمة، واتخاذ الخطوات اللازمة لتطبيق اللوائح القانونية التي تتطلبها، مع ضمان التوافق المجتمعي.

وقال كورتولموش إن اللجنة تدرس نماذج حل النزاعات في مناطق مختلفة، من أميركا اللاتينية إلى آسيا، ومن أفريقيا إلى أوروبا، وإن «ما نسعى إليه حالياً هو تقديم نموذج تركي عبر تحليل مفصل لمفاوضات السلام، والخطوات المتخذة فيما يتعلق بحل النزاعات، لكننا ندرك أيضاً أن ما نقوم به هو تقديم نموذج فريد وناجح يضع تركيا ضمن الأدبيات العالمية لتحقيق السلام، ويسجل اسمها في تاريخ الديمقراطية».

رئيس البرلمان التركي نعمان كورتولموش متحدثاً في افتتاح إحدى جلسات اللجنة البرلمانية لنزع أسلحة "الكردستاني" (موقع البرلمان)

وأكد كورتولموش، خلال افتتاحه الاجتماع العاشر للجنة الأربعاء الماضي، أن «من أهم القضايا أن تُعلن (المنظمة الإرهابية) (العمال الكردستاني) فوراً نزع سلاحها الكامل، وأن تستجيب، بكل عناصرها، لدعوة إيمرالي (في إشارة إلى أوجلان). هذا سيمهد الطريق، ويطمئن السياسة التركية لاتخاذ الخطوات اللازمة».

استعرضت اللجنة، خلال ذلك الاجتماع، نموذج حل الصراع الذي استمر لمدة 40 عاماً بين جبهة «مورو» الإسلامية للتحرر وحكومة الفلبين، والتي انتهت بتوقيع اتفاق شامل في 27 مارس (آذار) 2014، قامت الجبهة بموجبه بتسليم أسلحتها إلى طرف ثالث، تم الاتفاق بشأنه مع الحكومة، وتم الاستماع إلى السفيرين التركيين السابقين، فاتح أولوصوي، وحسين أوروتش، اللذين عملا وسيطين في إنهاء الصراع في الفلبين.

وسبق أن أكد مسؤولون أتراك أن تركيا ستتوصل، بناء على دراسة نماذج في أنحاء العالم لحل المنظمات الإرهابية والمسلحة، إلى نموذجها الخاص فيما يتعلق بنزع أسلحة «العمال الكردستاني»، وذلك بعد أن أعلنت قياداته في جبل قنديل في شمال العراق الاستجابة لدعوة أوجلان، التي أطلقها في 27 فبراير الماضي لحل الحزب، وإلقاء أسلحته.

عائلات كردية في ديار بكر تتجمع أسبوعياً عند المقر الإقليمي لحزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» المؤيد للأكراد للمطالبة بالكشف عن مصير أبنائهم المختطفين من جانب حزب «العمال الكردستاني» (أ.ف.ب)

تعليقاً على مناقشات اللجنة، وما ذهب إليه كورتولموش، رأى الكاتب المتخصص في تحليل القضية الكردية في تركيا، ألب أصلان أوزرديم، أن تركيا تتمتع بفرصة تاريخية لحل نزاعها بنفسها، والمساهمة بنموذج فريد في أدبيات السلام العالمية، وأن هذا النموذج يجب أن يستفيد من الثراء الثقافي التركي، مع الحفاظ على الوفاء بالمعايير العالمية للديمقراطية، وحقوق الإنسان.

وعد أوزرديم في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن نموذج السلام الفريد في تركيا لا ينبغي أن يكون مجرد شعار، بل رؤية لنهج شامل ومستدام يمزج قيم السلام العالمية مع ديناميكيات تركيا الاجتماعية والثقافية والتاريخية، مضيفاً أن «المستقبل الذي نتصوره بعد صمت المدافع سيحدد نجاح هذا النموذج».

ولفت إلى أن جهود السلام العالمية اتبعت في الغالب، حتى الآن، أساليب غربية التوجه، وكثيراً ما فشلت النماذج التي تتجاهل الديناميكيات المحلية، ولذلك فإن على تركيا عند وضع نموذجها الخاص أن تُراعي معنى السلام في الحياة اليومية للناس، ويجب أن يكون إنهاء الصراع أكثر من مجرد «مشروع»، بل يجب أن يتطور إلى رؤية لـ«سلام يومي» لا يقتصر على المفاوضات على الطاولة، بل يتغلغل في صميم المجتمع.

وأوضح أن لعمليات السلام معايير عالمية هي: التفاوض، وتدابير بناء الثقة، ونزع السلاح، وآليات العدالة، والمصالحة الاجتماعية، إلا أن هذه المبادئ وحدها لا تكفي، ولا بد من وضع رؤية ملموسة، وخريطة طريق لما بعد السلام، لأنه في بيئة لا تُلبّى فيها التوقعات الاجتماعية، ولا تُعالج فيها المظالم، ولا تُعزّز فيها المؤسسات، يُمكن أن تعود ديناميكيات الصراع بسهولة.

خلاف عميق

يحيط خلاف عميق بعمل اللجنة البرلمانية، يتعلق بما يجب أن يأتي أولاً: نزع الأسلحة، أم القوانين التي تنظم هذه العملية، وتشجع عليها، وتضمن إتمامها، وتقديم الضمانات لمن يتخلون عن أسلحتهم، ووضع السجناء السياسيين، والحقوق الديمقراطية للأكراد.

عبر كبير مستشاري الرئيس التركي للشؤون القانونية، محمد أوتشوم، عن وجهة نظر مفادها بأن عمل لجنة «التضامن الوطني والأخوة والديمقراطية» ينبغي أن يتم على 3 مراحل من أجل الانتقال إلى «تركيا خالية من الإرهاب»، هي: إجراء أنشطة الاستماع، واقتراح قوانين لتسيير المرحلة الانتقالية، ووضع تقرير يتضمن منظوراً للنهوض بالديمقراطية.

ورهن أوتشوم، في بيان عبر حسابه في «إكس» الأحد، المرحلة الثانية المتعلقة باقتراح القوانين بالتأكيد العملي على نزع الأسلحة بشكل نهائي، لافتاً إلى أن اللجنة قد تأخذ في الاعتبار في تقاريرها التجارب السابقة، وعملية الحل (2013–2015)، ومنها تقرير لجنة التحقيق التابعة للبرلمان الذي أُعد في نوفمبر (تشرين الثاني) 2013، والتقارير التي أعدتها لجنة الحكماء.

ورد رئيس نقابة المحامين السابق في مدينة ديار بكر، كبرى مدن جنوب شرقي تركيا ذات الأغلبية الكردية، محمد أمين أكتار على بيان أوتشوم، الذي أشار فيه إلى أنه يجب على حزب «العمال الكردستاني» نزع أسلحته أولاً حتى تبدأ عملية وضع اللوائح القانونية، متسائلاً: «يقولون إنه يجب نزع الأسلحة، ثم سنغيّر القوانين. أين سينزعون أسلحتهم؟ وماذا سيحدث لمن ينزعون الأسلحة؟ هل سيتم اقتيادهم، والزج بهم في السجون؟».

زعيم حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان أطلق في 27 فبراير الماضي نداء لحل الحزب وإلقاء أسلحته من محبسه في سجن إيمرالي (إ.ب.أ)

وقال إن «عملية السلام لا يمكن أن تنجح إلا بسن قوانين جديدة، أولاً: يجب سن القانون، ثم إلقاء الأسلحة»، لافتاً إلى أن الدولة عرفت القضية بأنها «إرهاب» فقط، وأعلنت أن هدفها الأساسي هو نزع أسلحة حزب «العمال الكردستاني».

وأضاف أكتار: «منذ البداية، اختلف الأكراد والدولة في وصف هذه العملية، يأمل الأكراد عموماً أن نتوصل إلى حل خلال هذه العملية، لكن الدولة تنظر إليها بشكل مختلف، يقول مسؤولو حزب (العدالة والتنمية) الحاكم إن القضية ببساطة هي نزع سلاح حزب (العمال الكردستاني)، والقضاء عليه».

مطالب كردية

وشدد أكتار على ضرورة توفير الضمانات القانونية، وسن قانون يمنع معاقبة من يسلم سلاحه، أو التحقيق معه، عاداً أنه من دون مثل هذا القانون لن يكون هناك أمل، ولا ثقة في المجتمع.

وأضاف أكتار أنه بالنسبة لمن شاركوا في العمل المسلح، يمكنهم إسقاط القضايا عن الذين بقوا في الخارج لمدة 5 إلى 10 سنوات، ولم يرتكبوا أي جريمة.

وتابع أنه يمكن انطلاقاً من روح الأخوة إطلاق سراح السجناء السياسيين، وتنفيذ أحكام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بشأن الإفراج عن السياسي الكردي صلاح الدين دميرطاش، وباقي النواب والسياسيين المعتقلين.

عناصر من حزب «العمال الكردستاني» أثناء تجميع أسلحتهم لإحراقها في مراسم رمزية أقيمت في السليمانية في 11 يوليو الماضي استجابة لدعوة أوجلان (أ.ف.ب)

وقال

أكتار: «يرى المجتمع الكردي أن الدولة لم تتخذ أي خطوات ملموسة حتى الآن، وهناك تعريف فضفاض للإرهاب في تركيا لدرجة يصعب وصفها، حتى رقصة الهالاي يُمكن اعتبارها عملاً إرهابياً، حضور جنازة، أو مجلس عزاء، أو النشر على مواقع التواصل الاجتماعي، كل ذلك يندرج تحت بند الإرهاب، مهما قال أو تصرّف الأكراد، فإن الدولة تتهمهم بالإرهاب، وتُجرّمهم، لذلك يجب أولاً استئصال هذه العقلية، وتوضيح القوانين».

واقترح إنشاء لجنة تقصي حقائق للتحقيق في الجرائم المرتكبة في الماضي، والتي لم يتم التوصل إلى مرتكبيها، قائلاً إن المتحدث باسم حزب «العدالة والتنمية» الحاكم، عمر تشيليك، يقول إن «الهدف ببساطة هو نزع أسلحة (العمال الكردستاني)، ألقوا أسلحتكم، وسنترك الأكراد وشأنهم».

وأضاف أكتار: «هذا أمر غير مقبول، يجب إنشاء لجنة تقصي حقائق للتحقيق في إحراق 4 آلاف قرية في جنوب شرقي البلاد، وآلاف جرائم القتل التي لم تُحل، هل من الممكن تحقيق العدالة في هذه القضايا أم لا؟».

الدستور واللغة الكردية

وعن إصرار حزب «الحركة القومية»، الشريك الأساسي لحزب «العدالة والتنمية» في «تحالف الشعب» على الحفاظ على المواد الأربع الأولى من الدستور، رأى أكتار أنه يمكن إجراء العديد من الإصلاحات المهمة لمنح الأكراد حقوقهم دون تغييرها.

وأوضح أنه يمكن جعل اللغة الكردية لغة التعليم، فهذه المواد تنص على أن «اللغة الرسمية للبلاد هي التركية»، لكنها لا تنص على أن «لغة التعليم هي التركية» دائماً، كما يمكن زيادة صلاحيات الحكومات المحلية.

طلب رئيس البرلمان نعمان كورتولموش خلال جلسة لأمهات ضحايا الصراع مع «العمال الكردستاني» عدم الحديث باللغة الكردية (موقع البرلمان التركي)

وتساءل أكتار: «كيف يمكن أن نتحدث عن حل ديمقراطي للمشكلة الكردية، وعن تحقيق السلام والتضامن، بينما منع رئيس البرلمان «أمهات السلام» (أمهات ضحايا الصراع مع «العمال الكردستاني») من الحديث بلغتهم الأم داخل اجتماع لجنة (التضامن الوطني والأخوة والديمقراطية) المعنية بتقديم اقتراحات الحل؟».

بدورها، ذهبت المتحدثة باسم لجنة اللغة والثقافة والفنون في حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب»، المؤيد للأكراد والذي يتولى الاتصالات بين الحكومة والبرلمان والأحزاب وأوجلان، جميلة تورهالي، إلى ضرورة الاعتراف بمكانة الأكراد، وضمان هذه المكانة في جميع جوانب الدستور والقوانين الأخرى، وأن تستمع اللجنة إلى آراء مختلف شرائح المجتمع في هذا الصدد.

وقالت إن حزبها عقد اجتماعات مع ممثلي 43 مؤسسة معنية باللغة في ديار بكر لمناقشة مطالبهم المتعلقة بتحديد مكانة للغة الكردية، والتعليم بلغتهم الأم، وسينقل ممثلو الحزب في اللجنة البرلمانية مقترحاتهم إلى البرلمان.

وقالت إن هناك ما لا يقل عن 25 مليون كردي في تركيا، لكن للأسف لا يتمتعون بأي وضع قانوني، سواء من حيث استخدام اللغة، أو العيش بحرية في إطار ثقافتهم، فضلاً عن انعدام حرية التعبير.

وأضافت أن «مكانة اللغة هي مكانة الأكراد، فإذا منحت مكانة للغة وللثقافة، فإنها تعد بمثابة مكانة للأمة نفسها... هدفنا الأساسي، بالطبع، هو الاعتراف بمكانة الأكراد، وضمان هذه المكانة في جميع القوانين الأخرى، بدءاً من الدستور».

مرحلة مختلفة

من جانبه، رأى أستاذ القانون، دنيز أولكه كايناك، أن هناك الآن مرحلة مختلفة عن العملية السابقة للسلام الداخلي عام 2013، وأن وضعاً ومشهداً استراتيجياً جديدين يتشكلان في الشرق الأوسط، وأن الأمر لا يمكن حله من خلال الإجراءات المتخذة داخل تركيا، فالقضية لها أبعاد دبلوماسية وعسكرية واقتصادية، وتحتاج إلى تقييم من جوانب متعددة.

وأوضح أنه لا ينبغي تعريف القضية بأنها «قضية كردية»، ففي تركيا لا يمكن منح الديمقراطية أو الحقوق للأكراد تحديداً، لا يمكن منح أي كردي أي شيء لمجرد كونه كردياً، أو لعلوي لمجرد كونه علوياً، لكن يجب منحهم جميعاً حقوقهم الكاملة لمجرد أنهم مواطنون في جمهورية تركيا.

وأضاف: «يجب أن نطالب بالديمقراطية وحقوق الإنسان في جميع أنحاء تركيا لجميع المواطنين، وإذا أردنا السلام، فعلينا أن نسعى إلى السلام في المنطقة بأكملها».

واتفقت الأكاديمية، إسراء تشوهادار، مع ما ذهب إليه الكاتب ألب أصلان أوزرديم، مشددة على الأهمية الحاسمة لبناء الثقة، وأن من أهم العوامل التي تضمن نجاح عمليات السلام قدرتها على توليد الرضا الاجتماعي، وأن مشاركة الجهات المجتمعية الفاعلة في العملية الجارية الآن في تركيا هي أمر بالغ الأهمية، لضمان شرعيتها، والحد من تأثير الجهات التي قد تسعى لتخريبها.

اللجنة البرلمانية استمعت إلى آراء أكاديميين حول النموذج الذي يمكن تطبيقه لنزع أسلحة «العمال الكردستاني» (البرلمان التركي - إكس)

وذهبت الدكتورة سيفتاب يوكوش خازندار أوغلو، التي شاركت في جلسات اللجنة البرلمانية، إلى أن السلام يتطلب تطوير منظور يتجاوز الحسابات السياسية، والسياسات الحالية، وأن تغيير العقلية التي تم التعامل بها مع المشكلة حتى الآن، وتوافر الإرادة السياسية القوية والحازمة، مع تجنب الخطوط الحمراء هي أمور بالغة الأهمية.

ورأت أن التدابير القانونية لعملية نزع أسلحة حزب «العمال الكردستاني» يمكن أن تبدأ من إتاحة إمكانية إطلاق سراح السجناء، والمُدانين السياسيين بقانون تنفيذ التدابير الأمنية، وعلى المديين المتوسط ​​والطويل يمكن ضمان التنفيذ الفعلي لمطلب استقلالية الحكومات المحلية.

وأضافت أنه يمكن التصديق على بروتوكول لمنع جميع أشكال التمييز، واعتباره وسيلةً لإلغاء المواد التي قد تؤدي إلى التمييز، والتهميش.

تجمع المئات في إحدى ساحات ديار بكر في جنوب شرقي تركيا لمشاهدة نداء أوجلان لحل «العمال الكردستاني» في 27 فبراير عبر شاشة عملاقة في الميدان الرئيس في المدينة (أ.ف.ب)

بدورها، رأت أستاذة القانون، عائشة بتول تشيليك، أن وقف الصراع وسقوط الضحايا هما الخطوة الأولى في عمليات السلام، وأن الأمن تعطى له الأولوية في هذه العمليات، لكنها أكدت أنه لا ينبغي أن يقتصر الأمر على ذلك، ولا بد من ضمان حق العودة لعناصر حزب «العمال الكردستاني»، وتحسين النسيج الاجتماعي، والعلاقات بين مختلف الفئات، مع أهمية توضيح المكاسب المحتملة للسلام للمجتمع، وللفئات المقاومة.

واقترحت إطلاق مبادرة مماثلة لعمل لجنة الحكماء التي تم تشكيلها خلال فترة عملية السلام السابقة في 2013، مع التأكيد على ضرورة ضمان سلامة وأمن من سيتركون السلاح، وضمان مكانتهم في المجتمع، وقالت إنه عندما يتخذ أحد الطرفين خطوة لبناء الثقة، يجب على الطرف الآخر أن يبادله بالمثل، فالثقة تُبنى على طول الطريق.

بناء الثقة

وشدد الأكاديمي وهاب جوشكون، وهو أحد الذين شاركوا في جلسة الاستماع الخاصة بوضع نموذج لحل منظمة حزب «العمال الكردستاني» ونزع أسلحته، على ضرورة تعزيز ثقة الأطراف من خلال تدابير بناء الثقة، ومنع الشعور بأن الحل يفيد طرفاً، ويتسبب في خسارة طرف آخر، وتطوير رؤية مفادها بأن الحل سيفيد الجميع، واستخدام لغة بناءة وحاسمة تراعي الحساسيات.

وأشار إلى أن إحدى المهام الرئيسة للجنة البرلمانية يجب أن تكون إعداد مشروع قانون من شأنه القضاء التام على الأسلحة. على أن تتم صياغته بنهج يُمكّن أعضاء «العمال الكردستاني» من نزع أسلحتهم، ويشجع عودتهم إلى الحياة الاجتماعية، ويراعي النظام العام، ويؤدي إلى شعور المجتمع بالعدالة، ويحمي حقوق الضحايا عبر وضع آليات شفافة، وقابلة للتقييم.

لا يزال مصير مسلحي «العمال الكردستاني» ممن سيلقون أسلحتهم مجهولاً ويطالب حقوقيون بوضع تشريعات تمنح حق العودة لمن لم يتورط منهم في الجرائم (أ.ب)

وأضاف أنه ينبغي وقف التحقيقات، والملاحقات القضائية المتعلقة بحزب «العمال الكردستاني»، وتنفيذ برامج مثل التعليم، والرعاية الصحية، والتدريب المهني، والدعم النفسي والاجتماعي، والإسكان، ودعم الدخل لتسريع الاندماج الاجتماعي، ووضع تدابير خاصة للنساء، والأطفال، وأعضاء المنظمة المرضى، مع تطبيق القانون لفترة محددة، وليس إلى أجل غير مسمى، ومراقبة تطبيقه، والإشراف عليه، ويمكن تشكيل لجنة مستقلة للتحقيق.

وحدد أن مشروع القانون يمكن أن يشمل 4 فئات هي: أعضاء حزب «العمال الكردستاني» الذين لم يُحاكَموا أو يُحقَّق معهم، والمُدانون في قضايا مُتعلقة بالحزب، والمُسجونون في القضايا، والمقيمون في الخارج على خلفية قضايا مُتعلقة بالحزب.

وذكر أنه يمكن منح رئيس الجمهورية صلاحيات عامة لاتخاذ التدابير اللازمة في مجالات السياسة، والقانون، والاقتصاد الاجتماعي، وعلم النفس، والثقافة، وحقوق الإنسان، والأمن، ونزع السلاح، والمسائل ذات الصلة.

ولفت جوشكون إلى قانون القضاء على الإرهاب وتعزيز التكامل الاجتماعي الذي صيغ خلال عملية السلام السابقة في 2013، والذي تضمن مادة تمنح الرئيس هذه الصلاحيات.


مقالات ذات صلة

برلمان تركيا يقر «القانون الإطاري» لدمج عناصر «الكردستاني» في المجتمع

شؤون إقليمية جانب من جلسة البرلمان التركي التي عقدت الاثنين لمناقشة «مشروع القانون الإطاري» لدمج أعضاء «حزب العمال الكردستاني» في المجتمع (الموقع الرسمي للبرلمان)

برلمان تركيا يقر «القانون الإطاري» لدمج عناصر «الكردستاني» في المجتمع

وافق البرلمان التركي في الجولة الأولى من التصويت على «مشروع القانون الإطاري للسلام» الذي يحدد الخطوات التي ستُتخذ تجاه حل «حزب العمال الكردستاني» ونزع أسلحته...

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
الولايات المتحدة​ ترمب وبجانبه وزير الحرب بيت هيغسيث خلال اجتماع الحكومة في البيت الأبيضء يوم 27 مايو (رويترز)

«البنتاغون» يضغط على شركات الدفاع لزيادة إنتاج الأسلحة

استخدمت واشنطن خلال الشهر الأول من الحرب مع إيران أكثر من 850 صاروخ كروز من طراز «توماهوك»، و1000 صاروخ اعتراضي من منظومتي «باتريوت» و«ثاد»، وفق تقارير.

هبة القدسي (واشنطن)
الولايات المتحدة​ جندي أميركي يُجري أعمال صيانة على منظومة «باتريوت» للدفاع الجوي في موقع غير معلن بالشرق الأوسط (الجيش الأميركي - أ.ف.ب) p-circle

«البنتاغون» يحث على زيادة إنتاج الأسلحة وسط مخاوف من نفاد المخزونات

دفعت المخاوف المتزايدة بشأن تراجع مخزونات الأسلحة الأميركية البنتاغون إلى الضغط على شركات الصناعات الدفاعية لتسريع إنتاج الأسلحة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية البرلمان التركي يبدأ الاثنين مناقشة مشروع قانون يسمح بعودة واندماج مسلحي حزب «العمال الكردستاني» بعد التأكد من نزع أسلحتهم (الموقع الرسمي للبرلمان)

تركيا: خطوة واحدة لإقرار قانون يُعيد دمج عناصر «الكردستاني» بالمجتمع

يناقش البرلمان التركي، الاثنين، مشروع «قانون تعزيز التضامن والاندماج الاجتماعي» الذي يعد إطاراً قانونياً لـ«عملية السلام» القائمة على حل حزب «العمال الكردستاني»

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية تصاعدت المطالب الكردية بإطلاق سراح زعيم حزب «العمال الكردستاني» السجين في تركيا بالتزامن مع بدء البرلمان مناقشة مشروع قانون يحدد ضمانات لعودة مسلحي الحزب (أ.ف.ب)

تركيا: ماراثون برلماني لإقرار قانون «السلام»... وتمسُّك كردي بـ«حرية أوجلان»

دخل البرلمان التركي الجمعة ما يشبه الماراثون للإسراع بإقرار «قانون السلام» وسط تحذيرات من تحوله إلى إدارة عفو عام عن قيادات «العمال الكردستاني».

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

«العنف التوليدي» تحت الأضواء بمصر بعد صخب في «السوشيال»

صورة نشرها موقع «القصر العيني» تُظهر أطباء أثناء ممارستهم عملهم داخل المستشفى
صورة نشرها موقع «القصر العيني» تُظهر أطباء أثناء ممارستهم عملهم داخل المستشفى
TT

«العنف التوليدي» تحت الأضواء بمصر بعد صخب في «السوشيال»

صورة نشرها موقع «القصر العيني» تُظهر أطباء أثناء ممارستهم عملهم داخل المستشفى
صورة نشرها موقع «القصر العيني» تُظهر أطباء أثناء ممارستهم عملهم داخل المستشفى

قبل بضعة أسابيع، فجرت الطبيبة المصرية الشابة أمنية سويدان جدلاً واسعاً، بتدوينة نشرتها على «فيسبوك»، حول العنف الذي تتعرض له نساء خلال الولادة، وفق ما يعرف اصطلاحياً بـ«العنف التوليدي»، وهو حديث أُثير لأول مرة في مصر على نطاق واسع، رغم أن الأحداث التالية أظهرت أن مثل هذه التجاوزات فعل قديم ومتكرر، وتتعرض له آلاف النساء، وسط تساؤلات عالقة عن مصير مقترفيه.

عدّدت سويدان، التي هجرت الطب من أجل الإخراج السينمائي، أشكالاً للعنف بين لفظي وجسدي وجنسي، تعرّضت له نساء داخل مستشفى الشاطبي خلال قضائها «فترة الامتياز»، أو التدريب المؤهل لممارسة المهنة، قبل عدة سنوات. المنشور الذي بدأ بعبارة تحذيرية على أنه «تريغر» قادر على إيقاظ ذكريات مؤلمة لدى من يشاهدنه، شجّع مئات النساء على كتابة تجاربهن المؤلمة، التي تنوعت بين مستشفيات حكومية وخاصة، ومع أطباء ذكور وإناث على السواء، بالإضافة إلى الجسم التمريضي.

من ضمن ما حكته سويدان، في 15 يونيو (حزيران) 2026، شتائم وإهانات واستهزاء بالألم تتعرض له نساء من أطباء وممرضين خلال الوضع (الولادة)، تجتمع كلها تحت اسم «العنف اللفظي»، فيما تتعرض أخريات لعنف جسدي موصوف من ضرب وضغط على البطن والفم لمنعهن من الصراخ، بالإضافة إلى الحديث عن الأعضاء الحميمة للسيدات والتندر عليها والتحرش الجنسي بذريعة تحفيز بعض السيدات لتسريع الطلق، وتكرار الكشف على نحو غير ضروري، وصولاً إلى الامتناع عن تقديم الرعاية الصحية لبعض الحالات.

مدخل مستشفى الشاطبي بمحافظة الإسكندرية. (مواقع التواصل الاجتماعي)

ذاكرة الألم

«كل ليلة لمدة 3 شهور، كنت أتذكر ما حدث معي وأبكي»، كان ذلك جزءاً من مضمون رسالة أرسلتها صديقة شخصية للناشطة النسوية صاحبة منصة «أحكي»، ناميس عرنوس، ونشرتها الأخيرة مصحوبة بتعليق منها على العنف التوليدي على صفحتها بـ«فيسبوك» بتاريخ 17 يونيو الماضي.

حكت صاحبة الشهادة أنها عند ولادتها في مستشفى خاص، سخر الطبيب في الطوارئ ضاحكاً من ألم الطلق. ولما بدا عليها الامتعاض، أخضعها لفحص نسائي «عنيف لدرجة النزف»؛ تقول صاحبة الشهادة. وتضيف: «كنت قرأت عن فحص النساء قبل ولادتي، وما تعرضت له لا يمت له بصلة»، مشيرة إلى أن طبيباً قبل دخولها العمليات للولادة القيصرية جاء لها واعتذر ثم انصرف، ولا تعلم إن اتخذ أي إجراء بحق الطبيب المخالف.

وصفت دعاء أبو صالح، ممن كتبن شهادتهن عن العنف التوليدي على «فيسبوك»، تجربة ولادتها الثانية بأنها «أسوأ ساعات مرت علي في حياتي»، مشيرة إلى تأفف الطبيبة المشرفة على ولادتها وتلكؤها بمعاينتها. وكانت دعاء تتمسك بالولادة الطبيعية، لكنها واجهت تعنت الطبيبة، ورفضها الكشف عليها لفترة طويلة، وقالت: «جهاز قياس نبض الجنين بدأ يعطي إنذارات، وأنا أرجو الممرضة أن تستدعي الطبيبة لتكشف علي ولكنها رفضت»، مشيرة إلى أنها قدمت شكوى فيها، لكن ذلك لم ينه الألم النفسي لذلك اليوم في ذاكرتها.

أما نادية أبو زيد، فقالت: «أنا ولدت بالحيا»، في إشارة إلى شدة الألم خلال تعرضها لولادة قيصرية بتخدير لم يأخذ مفعوله تماماً. وكان الطبيب أعطاها البنج، وسألها عما إذا كانت تشعر بشيء، وقبل أن تُجيب أو تُمنح وقتاً «كانت بطني بتتشق وأنا بصرخ». وبقيت تصرخ لفترة، حتى جاء طبيب من الخارج وأعطاها بنجاً مرة أخرى، لكن المشرط كان قد فعل فعله في جسدها ونفسها. وتضيف بعد الولادة مباشرة: «كانت تأتي ممرضة وتضغط على جرحي بحجة إخراج الدم الفاسد».

نائبة وزير الصحة خلال جولة في بني سويف داخل مستشفى توليدي في يونيو 2026. (وزارة الصحة المصرية)

شاهدة أضحت متهمة

رغم الشهادات المتعددة التي ضجت بها وسائل التواصل المصرية وتحولت لقضية رأي عام، ألقت قوات الأمن القبض على سويدان، غداة كتابة المنشور، باتهامات «التعدي على قيم الأسرة المصرية ونشر أخبار كاذبة».

صدم القبض عليها كثيرين، خصوصاً مع اختلاف نهج ما اعتادت عليه النيابة العامة المصرية ووزارة الداخلية خلال السنوات الماضية، من فتح قضايا لمجرد نشر شهادات أو فيديوهات عنها عبر السوشيال ميديا، أما في حالة سويدان فتحولت «الشاهدة إلى متهمة»، حسب وصف المحامية الحقوقية عزيزة الطويل لـ«الشرق الأوسط».

في اليوم التالي، أفرجت النيابة العامة على سويدان على ذمة القضية، ونشرت بياناً تصفها فيه بأنها تعاني من مرض نفسي مزمن، وبعد نحو أسبوعين صدر الحكم عليها من المحكمة الاقتصادية، ببراءتها من تهمة التعدي على قيم الأسرة المصرية، والإدانة في نشر أخبار كاذبة، وسجنها 6 شهور مع إيقاف التنفيذ على ذلك، وغرامة 20 ألف جنيه (الدولار نحو 50 جنيهاً) بتاريخ 4 يوليو (تموز) 2026.

لم تعترف الجهات القضائية والرسمية بشهادات السيدات، وحتى الأطباء الذي تجرأوا وأكدوا أيضاً عبر شهاداتهم الشخصية ما قالته سويدان.

الطبيب أيمن العطار، كتب في منشور على «فيسبوك»، عن واقعة حدثت عام 2000 أمامه في مستشفى القصر العيني، قائلاً: «أثناء توليد إحدى السيدات وكانت تشعر بألم شديد، كان النائب (الطبيب المشرف) يصيح فيها بطريقة مهينة لكي تحزق (الضغط على عضلات البطن)، ويبدو أنها لا تفعل ذلك، المهم في لحظة ما شتمها وضربها بقوة على فخذيها ضربة يميناً ويساراً».

وقالت الطبيبة سارة ناصر إنها خلال حضورها ولادة في مستشفى الشاطبي، خلال فترة امتيازها، كانت السيدة مرعوبة وتصرخ من الألم، فجاء الطبيب وعنفها وسبها حتى تصمت.

مع تجاهل كل هذه الشهادات النسائية والطبية، فتحت الجهات الرسمية، مثل جامعة الإسكندرية باب التحقيق فيما نُشر، وفق بيان نشرته في اليوم التالي لتفجير القضية، وناشدت من لديهن شهادات تقديمها للجامعة، ولما سألت «الشرق الأوسط» المتحدث باسم وزارة التعليم العالي، عادل عبد الغفار عن نتيجة التحقيقات رفض التعليق قائلاً: «الأمر أصبح أمام القضاء».

الواجهة الأمامية لمبنى جامعة الإسكندرية. (الشرق الأوسط)

قل: «ولادة آمنة» ولا تقل: «عنف توليدي»

اختلف تعامل الجهات المعنية في مصر تجاه الأزمة، لكنها اتفقت على تجنب مصطلح «العنف التوليدي»، فحتى الجهة التي تفاعلت مع الأزمة إيجابياً وهي نقابة الأطباء، استخدمت بدلاً منه «الولادة الآمنة» بهدف تجنب أي تجاوزات قد تحدث.

التحفظ المصري، يقابله انفتاح عالمي على المصطلح الذي ذكرته منظمة الصحة العالمية لأول مرة في عام 2014، عادّةً في بيان أن «سوء المعاملة أثناء الولادة انتهاك لحقوقهن»، ودعت إلى مزيد من الحوار والبحث والتوعية في هذا الملف. وفي عام 2019 أظهرت دراسة للمنظمة داخل أربع دول: «غانا، وغينيا، وميانمار، ونيجيريا»، أن أكثر من ثلث النساء تعرضن لسوء معاملة أثناء الولادة داخل المستشفيات.

وإذا كانت السيدات اليوم أكثر جرأة في الإفصاح عما مررن به، فإن تلك الحوادث نفسها قديمة ومتجذرة. فقبل 35 عاماً، وضعت هيام محمد (53 سنة) مولودها الأول في مستشفى الحسين الجامعي، بعد 5 ساعات قضتها في مستشفى الزهراء بمنطقة العباسية وسط القاهرة، حيث نهرها الطبيب المباشر لحالتها بسبب صراخها: «إنتِ مش هتولدي، إنتِ هتموتي». وقتها أصرت على مغادرة المستشفى: «قلبي انقبض وحسيت إني هموت فعلاً».

ومثلها ماجدة محمود (اسم مستعار)، التي تحدثت إلى «الشرق الأوسط» أنها لجأت في عام 1987 إلى مستشفى ناصر الحكومي في شبرا، وهي تشكو من ألم في الرحم. وتقول: «طيلة 10 أيام، كنت أنا والمريضات الأخريات مكشوفات قدام بعض وقدام الدكاترة، مفيش واحدة تقدر تعترض، ودكاترة كتير بيجوا يشوفونا، ومحدش بيقولي عندي إيه».

الموافقة المستنيرة

صنفت الطبيبة المصرية فريدة محجوب، والباحثة في ملف العنف التوليدي، أشكاله إلى 14 صنفاً، من ضمنها «غياب الخصوصية، والموافقة المستنيرة»، أي إعلام المريضة بكيفية إجراء الفحص وهدفه قبل أن تتعرض السيدة له، وضرورة أخذ موافقتها عليه.

وأضافت محجوب، في فيديو على «فيسبوك» بتاريخ 17 يونيو، أنها تفاجأت بغياب الوعي لدى بعض الأطباء وأطقم التمريض، قبل السيدات المقبلات على الولادة. وتقول: «في أمهات متعرفش إن من حقها إن الدكتور ميزعلقهاش»، وذلك في دراسة أعدتها داخل مستشفى القصر العيني عام 2018 عن «العنف التوليدي».

ورصدت الدراسة، التي لم تُنشر بعد، أن 90 في المائة من العينة العشوائية، تعرضت لشكل واحد على الأقل من 11 شكلاً من أشكال العنف التوليدي.

جدل واسع تعرض نساء لتجاوزات خلال الولادة في مصر. (جامعة الإسكندرية)

الفقيرات الأكثر عرضة للعنف

تستقبل المستشفيات الحكومية والجامعية، التي تقدم خدماتها بالمجان أو بأسعار رمزية، مئات الآلاف من النساء للوضع سنوياً، وأكثرهن من غير المقتدرات، واشتكت 5 حالات تحدثت مع «الشرق الأوسط» من التعنيف، فيها أشادت واحدة بتجربتها.

ويقع أكثر من 30 في المائة من المصريين تحت خط الفقر، وفق تقديرات رسمية.

في مارس (آذار) عام 2023، خضعت ميادة إبراهيم (32 عاماً) لولادتها الأولى في مستشفى الشاطبي؛ تتذكر اليوم الذي أمرتها فيه طبيبتها بالتوجه إلى المستشفى على وجه السرعة لأن «التاسع بيخلص وابني مقلوب، ولازم أولد قيصري». عند الباب مُنع زوجها من مرافقتها، وتعرضت للإهانة والسخرية من ممرضة ثم خلال أول كشف للطبيب، وفي رد فعل على وجعها وقف قربها وراح يضحك ويسخر منها.

«اتحجزت في عنبر النساء وكل شوية يدخل دكتور من الامتياز ويكشف عليّ»، تقول ميادة لـ«الشرق الأوسط»، وحين سألناها: «عشرة أطباء مثلاً»، ردت: «أكثر»، ولم يخبرها أحد عن سبب الكشف، ولم يطلب أحد إذناً به وهي أصلاً ستلد قيصري. بعد الولادة: «خدوا ابني وخرجوه لزوجي، مشوفتوش غير لما روحت البيت بعد ساعات من الولادة، حتى ما سمحوش أرضعه أول رضعة».

حملة «الساعة الذهبية»

ذلك كله يخالف ما تتبناه وزارة الصحة حالياً من حملة للتوعية بأهمية «الساعة الذهبية» في إطار التشجيع على الولادة الطبيعية، وهي الساعة الأولى بعد الوضع، يمنح خلالها المولود للأم لملامسة جلدها والشعور بنبضات قلبها ما يساعد على انتظام نبضه وتثبيت حرارة جسمه.

وتأتي تلك الحملة بعدما سجّلت مصر أرقاماً قياسية في أعداد الولادة القيصرية، على الرغم من مخاطرها وتبعاتها الصحية، التي قفزت من 52 في المائة عام 2014 إلى 72 في المائة عام 2024؛ وفقاً للمسح الصحي للأسرة المصرية، فيما توصي منظمة الصحة العالمية بنسبة لا تتراوح أكثر من 10 إلى 15في المائة من مجموع الولادات. هذا علماً بأن غالبية هذه الولادات القيصرية تجري لأسباب غير طبية، ومن دون «موافقة مستنيرة» من السيدة نفسها.

لم تستطع منار سعيد (اسم مستعار)، وهي ربة منزل وزوجها سائق تاكسي، من محافظة الإسكندرية، أن تتحمل تكلفة الولادة في مركز أو مستشفى خاص قبل 3 أعوام. وتقول: «تابعت مع طبيب يعمل في مستشفى (يتبع وزارة الصحة)، على أمل أن ألد معه في المستشفى، بأسعار رمزية».

يوم الولادة، فاجأها الطبيب بطلب أضعاف المبلغ حتى تلد في القسم الاقتصادي، وحين سألته عن الفارق «كشف الستار عن سيدة تلد وهي غرقانة في دمها وحولها 7 أو 8 طلبة امتياز طب بيتعلموا فيها»، تقول منار: «من خوفي فقدت الوعي ولم أشعر إلا وأنا على السرير بعد الوضع».

تقول سناء سمير (اسم مستعار) لـ«الشرق الأوسط»، وهي مدرسة للغة الفرنسية خضعت للولادة في مستشفى الدمرداش عام 2019، إنها «شعرت بالمسؤولية بعد حديث سويدان، لحماية النساء غير القادرات بمشاركة قصتها»، موضحة أنها تستطيع مادياً الولادة في مستشفى خاص، لكن «الدكتور طلب مني أن أذهب للدمرداش لأني هولد في السابع والطفل سيحتاج إلى حضّانة»، وذلك بعد أزمة تعرضت لها في الحمل، ووعدها بأن يقوم هو بنفسه بتوليدها هناك.

«في الطريق إلى غرفة العمليات رأيت سيدة تلد في الممر وأخرى في الأسانسير، الوضع فوضوي ومرعب» تقول لـ«الشرق الأوسط». وفي غرفة العمليات «لم تتوفر الخصوصية الكافية»، صرخت سناء من الألم، فنهرها الطبيب وتدخلت طبيبة شابة في الامتياز، هدأتها وأخبرتها أنه عند مجيء الطلق عليها «الحزق لا الصراخ» لمساعدة الهواء المحتبس على دفع الجنين إلى مجرى الولادة عوضاً عن إخراجه من الفم فتزيد الانقباضات. وتعلق سناء: «لم أكن أعلم هذه المعلومة ولم يحضّرني لها أحد».

ملصق إرشادي نشرته وزارة الصحة المصرية ضمن حملة للحد من معدلات الولادة القيصرية

لماذا لا تشتكي النساء؟

سألت «الشرق الأوسط» السيدات عن أسباب عزوفهن عن تقديم شكوى رسمية، وهو ما تعد المؤسسات غيابه دليلاً على أن ما يثار مفتعل ومبالغ فيه، وكان جهل أكثر من حالة بأسماء المتورطين في العنف ضدهم سواء من أطقم التمريض أو الأطباء سبباً، مع عدم قدرتهن بعد الوضع على التفكير في الشكوى، خصوصاً وأن بعضهن ولدن أطفالاً خضعوا لعلاج لفترة حتى تحسنت أوضاعهم.

أخريات كن غير قادرات على التمييز أن ما حدث لهن هو «عنف توليدي» مثل منار، التي روت لـ«الشرق الأوسط» أكثر من موقف وقالت في بداية حديثها، ما حدث معي «سوء معاملة مش عنف توليدي»، رغم أن «سوء المعاملة» خلال الوضع جزء من العنف التوليدي.

أما ميادة إبراهيم، فقالت لـ«الشرق الأوسط»، «إحنا سكتنا، وقت ما عملوا فينا كده، وعلشان إحنا غلابة سكتنا، شكوى إيه اللي هنقدمها؟»، في نمط متكرر لشعور الضحية بالذنب.

ورأت سناء أن «شهادتها سواء عبر (فيسبوك) أو من خلال الإعلام تكفي لتوعية أخريات حتى لا يتعرضن لما تعرضت له خصوصاً الفقيرات»، فاقدة الأمل في المقابل أن تؤدي شكواها في المسارات الرسمية لنتيجة.

لقطة مأخوذة من فيديو لمبنى مستشفى الدمرداش الجامعي. (وزارة الصحة)

الولاية الطبية

تقدم المحامية الحقوقية عزيزة الطويل، تفسيرات إضافية لأسباب صمت النساء وعدم التقدم بشكوى تقتص لهن عند التعرض لتجاوز لا سيما من الناحية الطبية، أولها يتعلق بالسياق العام لمعاملة النساء بعدّهن «ناقصات الأهلية الطبية». وتقول الطويل لـ«الشرق الأوسط»: «على سبيل المثال، يرفض الأطباء إجراء عمليات للنساء حتى لو كانت منقذة للحياة مثل استئصال الرحم في حالة الورم، إلا بعد الحصول على موافقة الزوج»، عادّةً أن ذلك، يُشعر النساء بأن حقوقهن مهدرة، وأنهن لا يملكن القرار القانوني والطبي في أجسادهن، وبالتالي فإن الشكوى لن تأتي بنتيجة.

ووفق التقرير السنوي للمركز المصري لحقوق النساء، عن عام 2025، فقد «سجل العنف ضد المرأة تصاعداً ملحوظاً في وتيرة وشدة الجرائم الموجهة ضدهن، امتدت من الفضاء الخاص إلى العام. ولم يقتصر الأمر على جرائم قتل الزوجات والمشاجرات العائلية (...) بل تجاوزها إلى محاولات منهجية لفرض الوصاية الذكورية، وترهيب النساء في الأماكن العامة».

وتشير الطويل إلى أسباب اقتصادية في عزوف النساء عن التقدم بشكوى: «لا يوجد وسائل سهلة للشكوى، فالشكوى الجنائية تتطلب وقتاً وجهداً ومالاً في ظل طول مدد التقاضي في المحاكم المصرية، حتى الشكاوى التأديبية تحتاج إلى رسوم، ومحامٍ لمتابعتها في الأغلب مع تعقيد إجراءاتها». ولفتت إلى أن الشكوى في نقابة الأطباء تتكلف 750 جنيهاً رسوماً، وغير مضمونة النتائج، ومعتمدة في حكمها على تجربة خاضتها بنفسها مع موكلة عندها لتقديم شكوى في طبيب نهاية عام 2024.

وأرجع عضو مجلس نقابة الأطباء شادي صفوت، رسوم الشكاوى إلى «جدية الشكوى»، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «عدم فرض رسوم يجعل من السهل التقدم بشكوى كيدية».

أما السبب الثالث وفق الطويل فهو «اليأس من الوصول لنتيجة»، مستشهدة بواقعة هي كانت طرفاً فيها لشابة عشرينية تعرضت لـ«تحرش جنسي من طبيبها وتقدمت بشكوى للنقابة، لنكتشف أن الطبيب نفسه مقدم ضده أكثر من شكوى سابقة، ولم يتم اتخاذ أي قرار بحقه حتى الآن».

خطاب رسمي صامت

كل ذلك الضجيج ووزارة الصحة المصرية لم تصدر بياناً واحداً يُعلق على الأزمة. لم تنشر حتى أرقاماً للشكاوى أو إيضاحات، بل سلكت نهجاً «دعائياً»، للرد على ما عدّته «دعاية مضادة» تستهدف مستشفياتها.

وتنقسم المستشفيات العامة في مصر إلى مستشفيات حكومية تتبع وزارة الصحة، ومستشفيات جامعية تتبع وزارة التعليم العالي، التي يتلقى فيها طلاب الطب تدريبهم ويعرف ذلك بفترة الامتياز، مثل القصر العيني في القاهرة، والشاطبي في الإسكندرية، وتظل وزارة الصحة هي المظلة الأوسع المعنية بالقطاع الصحي ككل.

تتبعت «الشرق الأوسط» خطاب الوزارة عقب الأزمة لمدة أسبوعين، بتحليل محتوى صفحتها الرسمية على «فيسبوك»، فكانت نسبة المحتوى المتعلق بصحة النساء 10.3 في المائة فقط من مجمل المنشورات خلال فترة البحث، بعدد 20 بوستاً من بين 194 بوستاً، واشتبكت الوزارة مع «العنف التوليدي» في 5 منشورات منها، وهي عبارة عن مقاطع فيديو دعائية، مصورة بجودة عالية، تُظهر الجودة والانضباط والنظافة في المستشفيات الجامعية والحكومية مثل «الشاطبي، والدمرداش، والجلاء، وأحمد ماهر».

أظهرت المقاطع سيدات بعد وضعهن يحملن أطفالهن ويحكين تجربتهن «الممتازة والمميزة»، في الولادة بهذه المستشفيات، وقالت سيدة في فيديو عن مستشفى أحمد ماهر، المنشور بتاريخ 23 يونيو الماضي «والله مفيش نظرة اتنظرت لي من دكتور مش كويسة، جيت هنا أكني جيت مستشفى خاص». وكأن الأزمة أصبحت بين المستشفيات الحكومية والخاصة، وليست بين تجاوزات قد تحدث في أي منها كما قد تحدث في أي بلد آخر، علماً بأن شهادات كثيرة عبر السوشيال ميديا حكت عن تجاوزات في مستشفيات خاصة، وبعضها حتى من طبيبات نساء.

بين صحة النساء ونظام الطيبات

لم تضع الوزارة هدف توعية النساء بحقوقهن خلال الولادة في خطتها للتعامل مع الأزمة، أو حتى التوعية بالصحة الإنجابية عموماً رغم الطفرة التي يشهدها الخطاب الإعلامي للوزارة من حملات ضخمة لمواجهة الإدمان والتدخين، أو للاشتباك مع أزمة «الطيبات» التي شهدتها مصر خلال الشهور الماضية.

و«الطيبات» هو نظام غذائي ادعى واضعه الطبيب السابق الراحل، ضياء العوضي، قدرته على شفاء الأمراض كافة والوصول بمتبعه إلى أفضل النتائج. يحظر النظام تناول الخضراوات والبيض واللحوم البيضاء، ويسمح بتناول السكر بكميات كبيرة، ويدعو للتوقف عن تناول الأدوية. اكتسب النظام شهرة واسعة بعد وفاة العوضي في 21 أبريل (نيسان) الماضي، وكان قد مُنع من مزاولة مهنة الطب قبل وفاته بشهور. وأطلقت وزارة الصحة حملة توعوية كبيرة تقدم خطاباً صحياً بديلاً، وتشدد على أهمية تناول الأطعمة التي منعها العوضي، وتصحيح المفاهيم حولها، علماً بأن الوزارة استمرت في نشر الحملة خلال فترة البحث، بواقع 5 منشورات.

ويحتل المضمون التوعوي المرتبة الأولى بين محتوى الوزارة، متجاوزاً حتى المضمون الإعلامي الخاص ببيانات الوزارة، بنسبة 61.9 في المائة من مجمل المحتوى. ويتنوع هذا المضمون بين حملات بعضها موسمية مما يرتبط بيوم عالمي لمرض معين، وأخرى دائمة مثل كبسولة الصحة، وهي فيديوهات قصيرة يظهر فيها طبيب أو طبيبة للتوعية أو الرد عن تساؤل يُثار حول مرض معين.

سألت «الشرق الأوسط» المتحدث باسم وزارة الصحة الدكتور حسام عبد الغفار، في رسالة عبر «واتساب»، عما إذا كانت الوزارة تنوي استغلال الأزمة الأخيرة في حملات توعوية للمريضات بحقوقهن، ولم نتلق رداً حتى نشر التحقيق. السؤال نفسه توجهنا به إلى نائبة وزير الصحة الدكتورة عبلة الألفي، خصوصاً وأنها المعنية بالتوعية ضد مخاطر الولادة القيصرية، في ظل زيادة معدلاتها إلى نحو 72 في المائة، لكن لم نتلق رداً منها أيضاَ.

وعلى أهمية الحملات السوشيالية، يظل قطاع كبير من المتضررات أو المتضررات المحتملات من العنف التوليدي، خصوصاً من الطبقات الفقيرة أو اللواتي يفتقرن للقراءة والكتابة، بعيداً عن هذا النوع من المضمون، لذا لا بد من استهدافهن بحملات تلفزيونية أو حملات طرق للأبواب.

تقول وزارة الصحة المصرية إنها تركز على تقليل الولادات القيصرية بعد ارتفاع نسبتها. (موقع الوزارة)

ميثاق «الولادة الآمنة»

في 6 يوليو 2026، صدر أول رد فعل إيجابي مع الحراك الأخير حول «العنف التوليدي» من نقابة الأطباء المصرية، «الميثاق الوطني لتعزيز الرعاية الآمنة والكريمة أثناء الحمل والولادة»، في نتاج لورشة عمل أقامتها النقابة في 23 يونيو الماضي، الذي رغم شموليته، يظل تطبيقه صعباً تحت عقبات خاصة بنقص الكادر الطبي والإمكانات الطبية مقارنة بعدد السكان، ومع غياب الجهة المنوط بها تنفيذ معظم مراحله، سواء في ورشة العمل أو بالأسماء والجهات الواضعة الميثاق في ختامه.

يبدأ الميثاق خطته بعنصر «التوعية»، والمنوطة بتقديمه وفق الميثاق، وزارة الصحة، وإدارات المستشفيات، ومنظمات المجتمع المدني والإعلام، ويقترح فيه تقديم جلسة تثقيفية موثقة ضمن متابعة الحمل، ونشر ميثاق عن حقوق الأم في جميع المنشآت الصحية.

ينتقل الميثاق إلى ضمان الخصوصية داخل الغرف بالستائر في حد أدنى، وتوفير وسائل تخفيف الألم، والسماح بوجود مرافق أو داعم للولادة. كما ينص على ضرورة توثيق موافقة الأم على التدخلات الطبية غير الطارئة (الموافقة المستنيرة)، ثم إلى الإمكانات الطبية، بتنمية الموارد البشرية وبناء القدرات والكوادر المساعدة، من خلال تدريب الفرق الطبية ومقدمي الخدمة على التواصل والموافقة المستنيرة، وتفعيل برنامج القابلات، والاستعانة بالأخصائيين الاجتماعيين ومقدمي المشورة لتقديم الدعم للأمهات أثناء الولادة، وتحسين بيئة العمل ودعم مقدمي الخدمة، بداية من توفير القوى البشرية بأقسام النساء والتوليد والطوارئ بما يتناسب مع عدد من يتردد على الخدمة، وتنظيم ساعات العمل والمناوبات بأجر عادل، وزيادة بدل (المقابل المادي) المناوبات، وتوفير الدعم النفسي للعاملين.

ورشة عمل في نقابة الأطباء المصرية انبثقت عنها وثيقة «الولادة الآمنة». (موقع النقابة)

نظرياً، تحل هذه الوثيقة أزمة العنف التوليدي، بل وأزمة الأطباء في مصر، لكنها تصطدم بالواقع الذي يتسم بنقص الأطباء مقارنة بعدد السكان، وكذلك الإمكانات الطبية، بل ومنظومة الأجور التي يطالب الأطباء منذ سنوات بتحسينها.

وقبل أيام من صدور هذا الميثاق، أشار الوكيل العام لنقابة الأطباء جمال عميرة، إلى الضغط الواقع على الأطباء، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن «مصر تحدث بها 5 آلاف ولادة يومياً، فلو اشتكى 10 مش رقم»، مؤكداً في الوقت نفسه سعيهم إلى أن تكون الخدمة الطبية على أعلى مستوى ومرضية، لكنه أشار إلى أنه «حتى يحدث ذلك نحتاج إلى ضعف عدد الأطباء الموجود حالياً في مصر».

يوجد 11.8 طبيب في مصر لكل 10 آلاف نسمة عام 2024، وفق عدد الأطباء خلال العام نفسه الذي نشره الجهاز المركزي للإحصاء. وتبتعد هذه النسبة عن النسب العالمية 17.2 طبيب لكل 10 آلاف نسمة. زيادة عدد الأطباء في مصر ليست أمراً سهلاً، فبخلاف هجرة الأطباء «تحتاج زيادة الأعداد التوسع في كليات الطب، وهو ما ترفضه النقابة وتحذر منه في ظل غياب المستشفيات الجامعية، ما يضعنا أمام طبيب غير مؤهل... الأزمة متشعبة ومتشابكة» يقول عميرة.

وعلقت الطبيبة والباحثة فريدة محجوب على الميثاق، وهي ضمن من شارك في وضعه: «الحركة على مستوى السياسات الصحية والتغيير يحتاج إلى تشبيك معتبر ومجهود سنين. واللحظة الحالية تحتاج إلى عمل مع كل الأطراف وعلى كل المستويات»، مشيرة إلى أن الأهم بالنسبة لها «معرفة النساء بحقوقهن، وأن من يخطئ يُحاسب بآلية شكوى ومساءلة واضحة».

ونصت الوثيقة فيما يتعلق بالشكوى على «إنشاء خط ساخن لتلقي الشكاوى في وزارة الصحة والمستشفيات الجامعية والنقابات المهنية، وتوفير الحماية للشاكي، مع تحديد إطار زمني للتحقق من الشكوى».

وحتى تاريخ النشر، لم تتفاعل وزارة الصحة المصرية مع الوثيقة أو تصدر أي بيانات أخرى عن آليات تطبيقها، أو تجيب عن استفسارات الصحافة والسيدات.


واشنطن تضبط ساعة الشرق الأوسط على توقيتها... إسرائيل حليف لا قائد

لوحة دعائية ضخمة مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل تظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو معلقة على مبنى في طهران وكتب عليها بالفارسية «ستغرق في بحر انتقام الشعب الإيراني» (إ.ب.أ)
لوحة دعائية ضخمة مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل تظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو معلقة على مبنى في طهران وكتب عليها بالفارسية «ستغرق في بحر انتقام الشعب الإيراني» (إ.ب.أ)
TT

واشنطن تضبط ساعة الشرق الأوسط على توقيتها... إسرائيل حليف لا قائد

لوحة دعائية ضخمة مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل تظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو معلقة على مبنى في طهران وكتب عليها بالفارسية «ستغرق في بحر انتقام الشعب الإيراني» (إ.ب.أ)
لوحة دعائية ضخمة مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل تظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو معلقة على مبنى في طهران وكتب عليها بالفارسية «ستغرق في بحر انتقام الشعب الإيراني» (إ.ب.أ)

لم تعد العلاقة الأميركية - الإسرائيلية تُقاس بحجم السلاح الذي تمنحه واشنطن لتل أبيب فحسب، ولا بعدد المرات التي تحميها فيها داخل المؤسسات الدولية، بل أصبح الاختبار الحقيقي اليوم في مكان آخر: من يملك فعلاً حق رسم نهاية الحروب وترتيب الخرائط بعدها؟

فالذي يطفو على سطح العلاقة ليس انشقاقاً استراتيجياً ولا تراجعاً أميركياً عن الالتزام بأمن إسرائيل، بل صراع متزايد على حدود القوة، وعلى الجهة التي ستقرر شكل النظام الإقليمي بعد سلسلة الحروب التي أعادت فتح ملفات الشرق الأوسط كلها دفعة واحدة.

فإدارة الرئيس دونالد ترمب لا تزال تسلّح إسرائيل وتحميها سياسياً، وتنسق معها عسكرياً في الحرب على إيران، لكنها لم تعد مستعدة لمنح حكومة بنيامين نتنياهو حق تقرير توقيت الحروب ونهاياتها، أو تعطيل علاقات واشنطن مع تركيا والسعودية ودول الخليج ومصر والعراق وسوريا ولبنان. بهذا المعنى، لا تواجه إسرائيل خصماً أميركياً، بل حليفاً قرر أن يستعيد موقع القيادة.

من يقود سياسة الشرق الأوسط؟

هذا التحول يدحض المقولة الرائجة بأن تل أبيب هي التي تقود السياسة الأميركية في الشرق الأوسط. تستطيع إسرائيل التأثير في القرارات الأميركية، وقد تدفع واشنطن نحو خيارات لم تكن في مقدمة أولوياتها، لكن الوقائع الأخيرة تظهر أن الإدارة الأميركية تحتفظ بسلطة ضبط الإيقاع وفرض التسويات عندما تتعارض الأجندة الإسرائيلية مع المصالح الأميركية الأوسع، من أمن القوات والأسواق والطاقة إلى تماسك حلف شمال الأطلسي ومستقبل النفوذ الأميركي في المنطقة.

وتتجسد هذه الحقيقة في سلسلة وقائع متزامنة تبدأ باحتضان ترمب للرئيس التركي رجب طيب إردوغان رغم اعتراض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ثم مطالبة إسرائيل بإعادة نشر قواتها خارج سوريا ولبنان، ودفاع نائبه جي دي فانس عن التفاوض مع إيران في مواجهة الضغوط الإسرائيلية، وصولاً إلى رهان ترمب على الدولة والمؤسسة العسكرية والأمنية الرسمية في كل من لبنان والعراق بدلاً من تحويلهما إلى ساحتي حرب مفتوحتين. وليس البديل الأميركي إقصاء إسرائيل، بل إنهاء احتكارها تعريف مصالح المنطقة وترتيب أولوياتها.

ومن هذه الزاوية، تبدو تركيا المدخل الأوضح لفهم حدود النفوذ الإسرائيلي داخل القرار الأميركي.

إردوغان لدى استقباله ترمب في أنقرة قبيل انطلاق أعمال قمة الناتو يوم 7 يوليو الحالي (رويترز)

تركيا تكسر الاحتكار

يشكل الملف التركي أوضح اختبار لهذا التحول في العلاقة الأميركية الإسرائيلية. فقد طلب نتنياهو من ترمب، قبيل قمة «الناتو» في أنقرة، كبح خطاب إردوغان ومنع تزويد تركيا بتقنيات تعزز سلاحها الجوي. وربط رئيس الوزراء الإسرائيلي بين بيع مقاتلات «إف-35» أو محركات متطورة لأنقرة وبين المحافظة على التفوق الجوي الإسرائيلي، معتبراً في مقابلة مع «فوكس آند فريندز» أن النظام التركي «مصاب» بفكر «الإخوان المسلمين» وأن تسليحه سيخلّ بتوازن القوى.

جاء ذلك بعد وصف إردوغان الصهيونية بأنها «آيديولوجيا إبادة»، وقول وزير خارجيته هاكان فيدان إن الحكومة الإسرائيلية أصبحت «مشكلة للعالم بأسره»، وفق تفاصيل أوردها موقع «أكسيوس».

لكن واشنطن تنظر إلى تركيا من زاوية مختلفة. فهي صاحبة ثاني أكبر جيش في «الناتو»، وقوة مؤثرة في سوريا والبحر الأسود، ووسيط استخدمته الإدارة في غزة وإيران وملفات أخرى. لذلك مضت واشنطن في حزمة تزيد قيمتها على 700 مليون دولار لتزويد مشروع المقاتلة التركية «قآن» بمحركات أميركية، رغم أن العودة الكاملة إلى برنامج «إف-35» لا تزال مرهونة بتخلي أنقرة عن منظومة «إس-400» الروسية (الحالي العمل على مخارج لها) وبقيود قانونية أميركية.

وفي قمة أنقرة، أعلن ترمب أنه سيلغي العقوبات المفروضة على تركيا وأنه منفتح على بيعها «إف-35»، وإن لم يتخذ القرار النهائي. كما أشاد بإردوغان ودافع عنه في مواجهة الاعتراض الإسرائيلي، في مشهد وصفته «رويترز» بأنه مكسب سياسي كبير للرئيس التركي. وبذلك تعاملت الإدارة مع خطاب أنقرة المناهض لإسرائيل باعتباره خلافاً يمكن احتواؤه، لا سبباً لإخراج تركيا من الحسابات الإقليمية.

وبالنسبة إلى إسرائيل، تمثل تركيا قوة منافسة تجمع بين القدرة العسكرية والخطاب العقائدي والامتداد داخل سوريا والعلاقة بحماس. أما واشنطن فتراها شريكاً صعباً، لكنه لا غنى عنه. والخلاف هنا ليس على تقييم إردوغان أخلاقياً، بل على ما إذا كان أمن إسرائيل يمنحها حق الاعتراض على تسليح حليف أطلسي تحتاج إليه الولايات المتحدة في ملفات تتجاوز الصراع العربي - الإسرائيلي.

وإذا كان الملف التركي يكشف حدود الاعتراض الإسرائيلي على شراكات واشنطن، فإن الملف الإيراني يكشف حدود قدرة إسرائيل على تحديد سقف الحرب ونهايتها.

لوحة دعائية ضخمة مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل تظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو معلقة على مبنى في طهران وكتب عليها «ستغرق في بحر انتقام الشعب الإيراني» (إ.ب.أ)

إيران: من يبدأ ومن يختم؟

تكشف الحرب مع إيران حدود التباعد وحدود التحالف في آن واحد. فالولايات المتحدة وإسرائيل بدأتا عملياتهما في 28 فبراير (شباط) الماضي بتنسيق عسكري عميق، ولا تزال واشنطن توفر لإسرائيل قدرات لا تستطيع تأمينها منفردة. وقبل التصعيد الأخير، أبلغت الإدارة تل أبيب أنها سترسل عشرات طائرات التزود بالوقود الإضافية إلى المطارات الإسرائيلية، فيما كانت خطط ضرب منشآت نووية وبنى تحتية إيرانية تُناقش في غرفة العمليات بالبيت الأبيض، وفق «أكسيوس». وهذا وحده ينفي الحديث عن انتقال واشنطن إلى معسكر مناوئ لإسرائيل. غير أن الشراكة في الحرب لم تنتج عملياً اتفاقاً على نهايتها.

حكومة نتنياهو تريد إزالة القدرات النووية والصاروخية الإيرانية جذرياً، والإبقاء على حرية استئناف القتال وضرب حلفاء طهران. أما ترمب، فعليه أن يوازن بين هذه الأهداف وبين سلامة القوات الأميركية، وحرية الملاحة في مضيق هرمز، وأسعار الطاقة، والتكلفة السياسية لحرب مفتوحة. وبعد أيام متتالية من الغارات الأميركية في موجة التصعيد الأخيرة، كانت قطر ومصر وباكستان وعُمان تدفع نحو هدنة لعشرة أيام تتيح التفاوض على الملاحة في المضيق؛ وهي مبادرة لم يقبلها الطرفان بعد.

وبلغ التوتر ذروته عندما قال جي دي فانس إن أشخاصاً داخل الحكومة الإسرائيلية حاولوا التأثير في الرأي العام الأميركي لإبقاء الحملة العسكرية مستمرة «إلى أجل غير مسمى». وأضاف أنه لا يعترض على محاولات الدول التأثير في واشنطن، بل على تحولها إلى «عامل يشوّه الحكم السياسي الأميركي». لكنه شدد، في الوقت نفسه، على أن ترمب كان سيعارض امتلاك إيران سلاحاً نووياً حتى من دون ضغط إسرائيلي.

كما نقل «أكسيوس» عن مسؤول كبير في الإدارة قوله إن نتنياهو قدم «وعوداً كثيرة» بشأن حرب إيران لم تتحقق، في إشارة إلى تقديرات إسرائيلية متفائلة حول سرعة انهيار قدرات طهران. وتفسر هذه التجربة تشدد البيت الأبيض في فحص المطالب الإسرائيلية وعدم التعامل معها باعتبارها حقائق مسلّماً بها.

الخلاصة أن إسرائيل استطاعت التأثير في توقيت الحرب وبيئتها، لكنها لم تحصل على تفويض بتحديد مدتها أو تسويتها. وقد دعا ترمب إسرائيل وإيران في يونيو (حزيران) إلى التوقف الفوري عن إطلاق النار عندما أوشك اتفاق سابق على الانهيار. القيادة الأميركية، إذن، لا تعني دائماً ضبط النفس؛ فقد تقود واشنطن التصعيد بنفسها، لكنها تصر على أن يكون قرار الحرب والسلام أميركياً.

لبنان: الدولة قبل «المنطقة الأمنية»

الإشكالية نفسها تظهر في لبنان وإن بأدوات مختلفة؛ فهنا لا يدور الخلاف حول خطر «حزب الله» بقدر ما يدور حول الطريقة الأجدى لمعالجته.

الاختلاف يتبلور في مشروعين: مشروع أميركي يريد إعادة بناء سلطة الدولة تدريجياً، ومشروع إسرائيلي يعطي الأولوية لحرية العمل العسكري المباشر. وقد وفَّر الاتفاق الإطاري الموقع في 26 يونيو (حزيران) الماضي مختبراً عملياً لهذا التباين، إذ نص على نزع سلاح «حزب الله»، وانسحاب إسرائيلي مرحلي، وفتح الطريق نحو علاقات سلمية.

وخلال استقباله الرئيس جوزيف عون في البيت الأبيض، وصف ترمب لبنان بأنه بلد «عومل بصورة سيئة جداً»، وتعهد بمساعدته، مع إقراره بوجود «مشكلة اسمها حزب الله». وقدم عون خطة مكتوبة لحصر السلاح بيد الدولة وتأمين الانسحاب الإسرائيلي، قائلاً لترمب إن نجاح المسار يمكن أن يصبح جزءاً من إرثه.

وبالتزامن، بدأ الجيش اللبناني الانتشار في زوطر الغربية بعد انسحاب القوات الإسرائيلية، ضمن برنامج «المناطق النموذجية» الذي يشمل أيضاً صريفا وفرون.

وتتلخص الفكرة في انتقال المنطقة إلى الجيش اللبناني، وتنظيفها من الذخائر غير المنفجرة والبنى المسلحة، ثم تكرار التجربة في مناطق أخرى. وقال مسؤول عسكري إسرائيلي إن الاختبار يهدف إلى إثبات أن الجيش اللبناني هو الجهة الرسمية الوحيدة المخولة حمل السلاح.

لكن الخلاف يبرز عند تحديد الجدول الزمني والجهة التي تصادق على نجاح التجربة. تريد بيروت وواشنطن منح الجيش مهلة ودعماً مالياً ولوجستياً لبسط سيادته، بينما تطالب إسرائيل بالتحقق بنفسها من إزالة أسلحة «حزب الله» وبإبقاء مناطق أمنية وحرية تدخل إذا فشل التنفيذ. ونقل «أكسيوس» أن ترمب قال لنتنياهو عن الوجود الإسرائيلي في سوريا ولبنان: «لا يريدونكم هناك، عليكم إعادة الانتشار»، بينما رد مكتب نتنياهو بالتشديد على الحاجة إلى مناطق أمنية على الحدود.

واشنطن لا تطالب إسرائيل بانسحاب غير مشروط ولا تتجاهل سلاح «حزب الله»؛ لكنها تريد أن يصبح الانسحاب أداة لتقوية الدولة، لا أن يتحول الاحتلال إلى بديل دائم عنها. وتراهن على عون والجيش لعزل الحزب وسحب لبنان من النفوذ الإيراني، في حين تشكك إسرائيل في قدرة الدولة وتفضل الاحتفاظ بضمانة القوة المباشرة.

وقد يفتح الاتفاق، إذا نجح، طريقاً نحو إنهاء حالة العداء، وربما نحو اندماج إقليمي أوسع. لكن عون لم يوافق حتى الآن على لقاء نتنياهو، وربط أي حديث عن السلام بالمبادرة العربية؛ ولذلك فإن الحديث عن انضمام لبناني سريع إلى «اتفاقيات إبراهيم» لا يزال طموحاً أميركياً - إسرائيلياً أكثر منه قراراً لبنانياً.

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب واللبناني جوزيف عون في البيت الأبيض (أ.ب)

سوريا والعراق: سيادة دول أم ساحات مفتوحة؟

من لبنان يتسع النقاش إلى سوريا والعراق، حيث تتكرر المعضلة: هل تُدار بقايا النفوذ الإيراني عبر بناء الدولة، أم عبر إبقاء الجبهات مفتوحة؟ ففي هذين البلدين تسعى واشنطن إلى تحويل ضعف النفوذ الإيراني إلى فرصة لبناء دولتين أقل ارتهاناً للميليشيات، بينما تنظر إسرائيل إلى البلدين أساساً بوصفهما ممرات للسلاح ومنصات لتهديد حدودها.

في سوريا، التقى ترمب الرئيس أحمد الشرع على هامش قمة الناتو في أنقرة، ثم طلب من نتنياهو البدء بسحب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي احتلتها بعد سقوط نظام بشار الأسد. وأقرّ مسؤول أميركي إن وجودها يخلق توتراً قد يقود إلى تصعيد. وكانت الإدارة قد أمضت أشهراً في محاولة التوصل إلى اتفاق أمني يضمن حدود إسرائيل ويعيد الأراضي تدريجياً إلى دمشق، قبل أن تخلص إلى أن حكومة نتنياهو لا تريد تقديم التنازلات المطلوبة، وفق تقارير صحافية.

المقاربة الأميركية تقوم على دعم سلطة مركزية سورية تستطيع منع عودة التنظيمات المتطرفة، ودمج القوى الكردية في مؤسسات الدولة، والعمل مع تركيا والأردن. وقد رحبت واشنطن باتفاق وقف النار والاندماج المرحلي بين الحكومة السورية و«قوات سوريا الديمقراطية» في يناير (كانون الثاني) باعتباره «محطة تاريخية». أما إسرائيل فتطالب بحزام أمني طويل الأمد، وتقول إن الانسحاب قد يسمح بتكرار هجوم شبيه بالسابع من أكتوبر على حدودها الشمالية.

وفي العراق، لا تستطيع واشنطن التعامل مع الدولة كساحة قصف فقط؛ فلديها قوات وعلاقات اقتصادية وأمنية ومصلحة في منع انهيار النظام السياسي. وقد أبرز استقبال ترمب رئيس الوزراء العراقي الجديد علي الزيدي هذه الأولوية. فالزيدي، الذي شارك قبل أيام في مراسم تشييع المرشد الإيراني السابق، تحدث في البيت الأبيض عن تعزيز العلاقات الاقتصادية مع الولايات المتحدة، وإنجاز انسحاب القوات الأميركية المقرر في سبتمبر (أيلول)، ووضع جميع الأسلحة تحت سلطة الدولة. وكان نزع سلاح الفصائل المدعومة من إيران محوراً رئيسياً في محادثاته مع الإدارة الأميركية.

إسرائيل، في المقابل، تقيس العراق بمعيار الصواريخ والمسيَّرات وممرات الإمداد. وقد أدت غارات على مواقع «الحشد الشعبي» في مارس (آذار)، نسبتها بغداد إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، إلى مقتل 15 عنصراً وأثارت احتجاج الحكومة العراقية. ولهذا تفضل واشنطن، كلما أمكن، نزع السلاح عبر الحكومة العراقية، لأن الضربات غير المنضبطة قد تقوي خصومها وتحوّل العراق مجدداً إلى ساحة مواجهة أميركية - إيرانية.

غير أن أي هندسة إقليمية لا يمكن أن تكتمل من دون العودة إلى الملف الفلسطيني، بوصفه العقدة التي تحدد حدود التطبيع العربي مع إسرائيل.

فلسطين... القفل والمفتاح

لا تستطيع واشنطن بناء منظومة إقليمية تضم السعودية ومصر وتركيا ودول الخليج إذا بقي الاندماج الإسرائيلي منفصلاً تماماً عن القضية الفلسطينية. وقد طلب ترمب في مايو (أيار) من السعودية وقطر وباكستان وتركيا ومصر والأردن الانضمام جماعياً إلى «اتفاقيات إبراهيم» بعد تسوية حرب إيران. غير أن الدعوة لم تلقَ استجابة، لأن المزاج الشعبي في تلك الدول ومواقف حكوماتها لا يسمحان بتطبيع مجاني في ظل واقع غزة والضفة الغربية.

السعودية، وهي الجائزة الكبرى للمشروع الأميركي، أبلغت واشنطن مراراً أنها تحتاج إلى خريطة طريق موثوقة نحو دولة فلسطينية. وفي المقابل، يرفض نتنياهو وحلفاؤه اليمينيون قيام تلك الدولة، ويتمسكون بمقاربة «السلام مقابل السلام»، أي التطبيع الإقليمي من دون أي تنازل سياسي للفلسطينيين. وهو ما دعا الرياض إلى القول إنها لا ترى إمكاناً قريباً للتطبيع ما دام هذا الرفض قائماً.

أما خطة ترمب لغزة، فتتضمن إعادة إعمار بمليارات الدولارات وقوة استقرار دولية وحكماً فلسطينياً تكنوقراطياً وانسحاباً إسرائيلياً مرحلياً، لكنها تعثرت عند الانتقال إلى المرحلة الثانية. وتواصل إسرائيل السيطرة على مساحات واسعة وبناء حاجز ترابي يمتد أكثر من 23 كيلومتراً داخل القطاع، ما يثير مخاوف من تكريس تقسيم دائم وفق العديد من المراقبين. ومن دون معالجة ذلك، يصعب إقناع الدول العربية بتمويل إعادة الإعمار أو تحمل أي مسؤوليات أمنية وسياسية في غزة.

هنا يصبح الملف الفلسطيني جزءاً من الخلاف الأميركي - الإسرائيلي على هندسة المنطقة ومستقبلها السياسي لا بصفتها مجرد قضية إنسانية مؤجلة. واشنطن تريد توظيف ضعف إيران لبناء شبكة شراكات عربية - إسرائيلية تحت قيادتها؛ واليمين الإسرائيلي يريد توظيف الضعف نفسه لتوسيع السيطرة الإقليمية من دون كلفة فلسطينية. وبين المنهجين تقف السعودية ومصر وتركيا والخليج بوصفها قوى لم تعد الولايات المتحدة مستعدة لتجاهل شروطها.

وتنعكس هذه التوازنات الإقليمية، في النهاية، على الداخل الإسرائيلي نفسه، حيث يصبح صندوق الاقتراع اختباراً لقدرة نتنياهو على الاستمرار في إدارة التحالف بالشروط القديمة.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال فعالية بالقدس في يونيو 2026 (رويترز)

صندوق الاقتراع المقرر الأخير

هذه التوازنات كلها ستوضع في ميزان الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، وهي الأولى منذ هجوم السابع من أكتوبر والحروب في غزة ولبنان وإيران. وقد أعلن نتنياهو ترشحه مجدداً، لكنه يواجه تحدياً متصاعداً من رئيس الأركان السابق غادي آيزنكوت، الذي تظهر استطلاعات الرأي أنه قادر على منافسته من موقع أمني متشدد، لا من موقع يساري تقليدي.

وتراجع موقع نتنياهو في واشنطن بصورة واضحة. فبعد ست زيارات سريعة إلى البيت الأبيض منذ عودة ترمب، حاول لأكثر من أسبوعين الحصول على موعد جديد، قبل أن يحدد أخيراً الثلاثاء، في وقت وصف فيه موقع «أكسيوس» مكانته بأنها باتت هشة لدى الديمقراطيين وداخل الدائرة الترمبية وقاعدة «ماغا».

ويتزامن ذلك مع تغير أوسع في الرأي العام. فقد أظهر استطلاع مركز «بيو» للأبحاث أن 60 في المائة من الأميركيين يحملون نظرة سلبية إلى إسرائيل، بينهم 80 في المائة من الديمقراطيين و41 في المائة من الجمهوريين، مع ارتفاع الرفض خصوصاً بين الجمهوريين دون الخمسين.

لكن لا توجد أدلة علنية تثبت أن إدارة ترمب قررت إسقاط نتنياهو أو التدخل المنظم لاستبداله. فترمب دافع عنه في مواجهة مذكرة المحكمة الجنائية الدولية، وضغط سابقاً لمنحه عفواً في قضايا الفساد، وأعلن أنه لن يُعتقل في أميركا، رداً على تهديدات عمدة نيويورك زهران ممداني، ولا تزال إدارته توفر لإسرائيل حماية وتسليحاً استثنائيين. الأصح أن واشنطن لم تعد مستعدة لتكييف مشروعها الإقليمي مع احتياجات نتنياهو الانتخابية، وأن سياساتها قد تساعد خصومه بصورة غير مباشرة إذا أقنعوا الناخب الإسرائيلي بأن استمرار حكومته يهدد العلاقة مع الحليف الأميركي.

في المحصلة، لا تقف إسرائيل أمام خيار بين التحالف مع الولايات المتحدة أو القطيعة معها، بل أمام امتحان أكثر تعقيداً: هل تقبل أن تكون شريكاً مركزياً داخل مشروع تقوده واشنطن، أم تصر على تحويل التحالف إلى تفويض مفتوح يتيح لها فرض الوقائع العسكرية ثم مطالبة أميركا بتغطيتها؟

التحالف الأمني سيبقى، وربما يزداد عمقاً، لكن شروطه السياسية تتغير. فالولايات المتحدة لا تنسحب من الشرق الأوسط، ولا تتخلى عن إسرائيل، لكنها تقول بوضوح إن أمن إسرائيل لا يمنح حكومتها حق الفيتو على علاقات أميركا الإقليمية، ولا على مستقبل الدول التي تريد واشنطن إعادة إدخالها في معادلة الاستقرار.

هذه هي الرسالة الأهم في لحظة ما بعد الحروب: إسرائيل باقية حليفاً أول، لكنها لم تعد القائد الوحيد للخرائط الجديدة.


إجهاضات قسرية وولادات مبكّرة... فاتورة حرب تدفعها أمهات غزة

TT

إجهاضات قسرية وولادات مبكّرة... فاتورة حرب تدفعها أمهات غزة

سيدة فلسطينية مصابة تحمل طفلها حديث الولادة بأحد مستشفيات غزة (رويترز)
سيدة فلسطينية مصابة تحمل طفلها حديث الولادة بأحد مستشفيات غزة (رويترز)

في لحظة ما وللوهلة الأولى لدى دخولك مشرحة مجمع ناصر الطبي في خان يونس جنوب قطاع غزة، قد تعتقد أن الجثامين الصغيرة الموجودة تعود لأطفال فلسطينيين قتلتهم الحرب الإسرائيلية التي لم تتوقف منذ 3 أعوام؛ هنا، في المشرحة يبقى المشهد هو الشاهد الأكبر على كواليس آلة القتل والدمار.

18 جثماناً لأطفال كانوا في طريقهم ليبصروا النور، وآخرون توفوا بعد وقت قصير من ولادتهم، نتيجة ظروف مختلفة تتقاطع كلها عند الحرب على قطاع غزة، التي كانت ولا تزال هي السبب الرئيس لهذه «المجزرة» المستمرة في مشرحة ناصر.

فقد شهدت الأشهر القليلة الماضية، ارتفاعاً حاداً وغير مسبوق في معدلات الإجهاض القسري وتشوه الأجنة ووفيات الأطفال الخدج الذين يولدون قبل موعد الولادة الطبيعية.

أطفال حديثو الولادة بعد إخراجهم من الحضّانات بمستشفى الشفاء بغزة في أعقاب انقطاع التيار الكهربائي الأحد (رويترز)

الأشهر القليلة الماضية، تعدّ مفصلاً زمنياً بعد عامين من معاناة الغزيين عموماً والنساء خصوصاً، ليس من المعارك المباشرة فحسب، بل من الجوع وسوء التغذية وتفشي الأمراض وغياب الرعاية الصحية التي لا يمكن إلا أن تؤدي إلى إنهاك الأجساد وفقدان قدرتها على احتضان الأجنة.

الحياة القاسية والصعبة التي تمر بها الأمهات الفلسطينيات وخاصةً الحوامل منهن، شكلت أهم عامل لعمليات الإجهاض التي فرضها الأمر الواقع في قطاع غزة، حيث لا يزال السكان يعانون آثار موجتين كبيرتين من المجاعة مرّت عليهم، فكان خيار الإجهاض قسرياً إسعافياً لا اختيارياً.

​نساء فلسطينيات يبحثن في الرمال عن البقوليات أو الأرز بالنصيرات وسط قطاع غزة خلال مهمة إنزال جوي (أ.ف.ب)

معاناة الحوامل

مها الأسطل (31 عاماً) من سكان خان يونس جنوب قطاع غزة، واحدة من بين عشرات النساء اللواتي أجهضن مؤخراً، لكن غالبيتهن رفضن الظهور أمام الكاميرا والحديث للإعلام. لكن مها التي تحلّت بالشجاعة تحدثت عن معاناتها عندما فوجئت بقرار الأطباء المفاجئ بضرورة إجهاض طفلها الذي غمرتها السعادة بالحمل به.

تقول الأسطل لـ«الشرق الأوسط» من داخل مجمع ناصر الطبي، إنها جاءت لإجراء فحص دوري، فأبلغها الطبيب المختص بضرورة إجراء عملية إجهاض؛ لأن هناك خطراً على صحتها وصحة جنينها الذي كان في شهره الثاني فقط ويعاني انخفاضاً واضحاً في النبض، موضحة أن الطبيب شرح لها أن الأسباب تعود بشكل رئيسي إلى عدم توفر الراحة لها والغذاء الطبيعي الجيد الذي يدعمها صحياً وجنينها للحفاظ على نمو سليم.

ولفتت الأسطل إلى 3 سنوات عجاف عانت خلالها، كما بقية سكان القطاع من انعدام الغذاء والمياه النظيفة، وغير ذلك مما يعينها على الحفاظ على صحتها، لافتةً إلى أن عودة العمل بمعبر كرم أبو سالم مؤخراً وإدخال بعض الاحتياجات الضرورية، خطوة جيدة لكنها غير كافية لمساعدة الجسد على تعويض ما فقده في الفترة الماضية.

في غزة أصبح الحمل والولادة بالنسبة لمعظم النساء يسببان التوتر والخوف (أ.ب)

وعن أسباب إجهاضها تقول: «الواقع صعب، لا علاجات، ولا رعاية صحية، ولا فيتامينات تعوض نقصاً ولا شيء البتة»، مشيرةً إلى أنها في كل مرة كانت تتوجه إلى العيادة الصحية الخاصة بالحوامل، كانت تضطر إلى التنقل لمسافات واستخدام مواصلات متعددة غير آمنة، بالإضافة إلى فترات الانتظار الطويلة في ظروف غير مريحة خاصةً وأن العيادة هي الوحيدة لسكان خان يونس.

ويقول زوجها أحمد الأخرس (36 عاماً)، إنه على رغم تظاهره وزوجته بالقوة بعدما فقدا جنينهما، فإن الحقيقة أصعب بكثير بعدما اختفى كل شيء في لحظة واحدة.

وأضاف بحسرة الأب الذي كان يتمنى أن يستقبل طفله بظروف أفضل: «كان عنا أحلام وبنفكر شو نختار اسم، وكنت مثل أي أب بأفكر كيف بدي ابني مستقبل لطفلنا، ولكن بلحظة فقدته وفقدت كل شيء... نعيش حياة صعبة وشايلين هم، ومش عارفين وين رايحين. نعيش ضغطاً نفسياً كبيراً والحرب مستمرة، وحتى لو توقف القصف، لكننا عملياً نحارب من أجل حياتنا والعيلة».

طفل من الخدج داخل حاضنة في مستشفى الشفاء بغزة (رويترز)

أحلام ضاعت

حال مها الأسطل يشبه حال العشرات إن لم يكن المئات من الأمهات الغزيات. أنعام أبو فسيفس (43 عاماً) وافقت بعد عناء على الحديث لـ«الشرق الأوسط» عن تجربتها، وهي التي تعيش في صف مدرسي بعدما تحولت المدرسة مركز إيواء للنازحين.

اضطرت أبو فسيفس، إلى إجهاض جنينها وهو في شهره السادس، بعدما مرت بمشاكل صحية كثيرة وظروف صعبة، وعدم توفر علاج تثبيت الحمل وأدوية أخرى لا تملك هي أو زوجها الإمكانات المالية لشرائها إن توفرت في الصيدليات. وتصف الصعوبة بشكل أساسي في وضعها النفسي والحياتي اليومي من اضطرارها إلى الوقوف في طوابير المياه الصالحة للشرب وقتاً طويلاً ونقل الغالونات إلى المدرسة، ثم اضطرارها إلى الطبخ على الحطب في ظروف منهكة.

أبو فسيفس التي كانت تُمنّي النفس أن يكون جنينها المقبل طفلة تكون أختاً لابنتها الوحيدة البالغة 13 عاماً، وتنضم لأخوتها الذكور، لم يكتمل حلمها بعدما أجهضت، عادَّةً أن ما جرى جزء من حياة الفقد والوجع الذي يعيشه سكان قطاع غزة على مدار الساعة.

الأطفال الخدج والنازحون يتعرّضون لخطر فقدان الحياة نتيجة الهروب من نيران القصف والاستهداف المباشر للمستشفيات (يونيسيف)

أرقام صادمة

كشف مدير الإغاثة الطبية بقطاع غزة، بسام زقوت، عن أن قطاع غزة، سجل 3958 حالة إجهاض لدى النساء الحوامل خلال النصف الأول من العام الحالي (2026) فقط، مبيناً أن هذا الارتفاع اللامسبوق يعود إلى ظروف لا إنسانية تعيشها الحوامل من تنقل عبر طرقات وعرة ووسائل نقل غير آمنة، وحالات الهلع المستمر جراء القصف، إضافة إلى النوم على الأرض، وانعدام المياه النظيفة أو الساخنة ومواد النظافة، وانتشار المكاره الصحية داخل مخيمات النزوح.

ووفقاً للبيانات الأخيرة الصادرة عن وزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة، فإن الإجهاض بات يمثل خطراً مباشراً يهدد الأمهات والأجنّة على السواء تهديداً مباشراً والنمو السكاني في القطاع بشكل عام.

ويشرح الدكتور أسعد النواجحة، اختصاصي أطفال وحديثي الولادة في مجمع ناصر الطبي بخان يونس، أن حياة السكان في الخيام، وسوء التغذية، والظروف الصعبة العامة التي يعيشها كل السكان في قطاع غزة بسبب الحرب، أدت إلى ازدياد ملحوظ وبشكل كبير في حالات الإجهاض، وكذلك المواليد الخدج والتي تشير إلى الولادة المبكرة قبل موعدها لدى الأمهات.

طفلة فلسطينية نازحة مصابة بجدري الماء تقف بجوار والدتها داخل خيمة في خان يونس جنوب غزة (أ.ف.ب)

وأوضح النواجحة لـ«الشرق الأوسط»، أن «ذلك كله يتسبب بعدم اكتمال الحمل، أو الولادة المبكرة التي يحتاج بعدها الخدج إلى التنفس الاصطناعي والعناية المركزة، وهي غير متوفرة فتنتهي حياة نسبة كبيرة منهم بالوفاة في الحضانات بفترات تتراوح بين أيام وأسابيع أو أشهر قليلة في حالات نادرة جداً».

وقال: «أي جنين يحتاج إلى 9 أشهر مكتملة ليولد بصحة جيدة، لكن غالبية الولادات في غزة تتم مبكراً؛ ما يجعل قابلية الحياة مستحيلة، وهو ما يؤثر سلباً بشكل أكبر على الأمهات ونفسيتهن وعلى احتمالات الحمل مرة أخرى».

ولفت الطبيب إلى أنه خلال فترة الحرب كان هناك أعداد كبيرة غير معتادة في قطاع غزة، من حالات الإجهاض وكذلك ولادة الأطفال الخدج الذين يعانون ظروفاً صحية صعبة، مشيراً إلى أن مثل هذه الحالات ليست في حاجة إلى دراسة كثيرة لمعرفة الأسباب؛ لأنها نتاج طبيعي للظروف المأساوية التي يعيشها السكان في غزة.

في السياق، لا يستبعد أطباء ومختصون احتمال أن يكون أيضاً لاستخدام إسرائيل أسلحة غير تقليدية تنفث غازات سامة في قطاع غزة، يد في هذه الحالات من التشوهات والإجهاضات والولادة المبكرة. ولم ينفِ منير البرش، مدير عام وزارة الصحة بغزة، تلك الإمكانية، لكنه لفت إلى أن الحسم في حاجة إلى مزيد من الأبحاث والفحوص الطبية.

انخفاض غير مسبوق في المواليد

كشف منير البرش منذ نحو أسبوع، عن أن القطاع يشهد مؤخراً انخفاضاً واضحاً وغير مسبوق في أعداد المواليد الجدد، حيث تراجع العدد من 6076 ولادة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 إلى 2,04 ولادات فقط في أبريل (نيسان) 2026، أي بانخفاض بلغ 67 في المائة خلال بضعة أشهر فقط.

ووفقاً للبرش، فإن هناك أيضاً ارتفاعاً غير مسبوق في حالات الإجهاض وتشوهات الأجنة خلال الحرب، حيث سجلت 921 حالة في شهر واحد، وارتفع معدل الإجهاض إلى 460 حالة لكل 1000 ولادة حية مقارنة بـ140 قبل الحرب، مع توثيق 385 حالة تشوهات خلقية، مرجعاً ذلك إلى آثار الحرب، وسوء التغذية، وانتشار فقر الدم بين الحوامل، والنزوح، وتلوث المياه.

وأشار تقريران أعدتهما منظمة «أطباء من أجل حقوق الإنسان» بالتعاون مع قسم «حقوق الإنسان العالمية» في جامعة شيكاغو، ونُشرا قبل أشهر، إلى أن ما يجري في غزة يمكن وصفه بسياسة «عنف إنجابي»، تهدف إلى منع الفلسطينيين من الإنجاب، بما يطابق معايير جريمة الإبادة في القانون الدولي.

وحسب التقارير التي استندت إلى شهادات نساء وبيانات صحية وتقارير ميدانية، وثقت بين يناير (كانون الثاني)، ويونيو (حزيران) 2025 نحو 2600 حالة إجهاض، و220 وفاة مرتبطة بالحمل، وألف و460 ولادة مبكرة، وأكثر من ألف و700 مولود ناقص الوزن. مشيرةً إلى أن 2500 رضيع احتاجوا في الفترة ذاتها إلى رعاية مكثفة في حضانات لم تعد قادرة على العمل بكامل طاقتها.

ويؤكد الطبيب النواجحة أن كل الأسباب التي ذُكرت سابقاً من نقص الغذاء والدواء وتدهور القطاع الصحي، والظروف الإنسانية الصعبة، جميعها أسباب انعكست بشكل أو بآخر على صحة الأمهات.

عزوف عن الحمل

تقول الغزية ريهام ياسين (29 عاماً)، إنها ترددت كثيراً في التفكير بالحمل والإنجاب مجدداً بعدما كانت بداية الحرب قد أنجبت طفلاً وحيداً. مشيرةً إلى أنه بعد وقف إطلاق النار فكرت كثيراً بإمكانية الإنجاب مجدداً، إلا أنها تراجعت عن قرارها بعد مشاورات مع زوجها بسبب الأرقام التي تسمع عنها منذ أشهر عن حالات الإجهاض والتشوهات الخلقية والإنجاب المبكر الذي أدى إلى وفاة الأطفال بعد ولادتهم بأيام.

وأضافت: «الحياة في غزة صعبة، ولم أكن أتخيل للحظة واحدة أنني سأنجب مرةً أخرى في مثل هذه الظروف التي قد تهدد حياة طفلي أو تؤدي إلى ولادته مشوهاً».