ليبيا تنتظر «تحرّر» قطار السياسة من قيود الانقسام

وسط ترتيبات أمنية وعسكرية... شرقاً وغرباً

حفتر (آ ف ب)
حفتر (آ ف ب)
TT

ليبيا تنتظر «تحرّر» قطار السياسة من قيود الانقسام

حفتر (آ ف ب)
حفتر (آ ف ب)

يتأرجح الليبيون بين قيود انقسام طال لأكثر من عقد منذ سقوط نظام الرئيس الراحل معمر القذافي، وآمال متجددة بالوحدة مع كل مبادرة سياسية أو وساطة خارجية، أو أي تغيير أمني وعسكري يطرأ على البلاد. وبين هذين المسارين، تبقى الأسئلة معلقة منذ أكثر من 14 سنة وحتى اللحظة: هل ينطلق قطار السياسة الليبي من محطة الجمود نحو مسار جديد؟ اليوم، تبدو الإجابة أكثر تعقيداً عن أي وقت مضى؛ إذ يترسّخ اختلاط الأوراق بين ترتيبات أمنية وعسكرية متباينة شرقاً وغرباً، وسباق إقليمي ودولي يواصل مد خيوطه داخل الجغرافيا الليبية يدفع ثمنه المواطن الليبي.

تذهب تقديرات مؤسسات بحثية دولية حديثة إلى أن الأزمة الليبية تجاوزت الانقسام السياسي. إذ تشكلت سلطات موازية ومؤسسات اقتصادية ومالية متنافسة، مع صراع على الموارد النفطية، ما جعل الخلاف السياسي حالة مؤسّسية مستمرة وطويلة الأمد، وهي رؤية تتشاطرها مجموعة «الأزمات الدولية» ومعهد «الولايات المتحدة للسلام». في معسكر غرب ليبيا، شهدت الأشهر الأخيرة تطورات متسارعة، حيث تسيطر فصائل مسلحة متناحرة على النفوذ والتمويل، من دون قيادة موحّدة رغم تبعيتها الشكلية للسلطات الرسمية.

وتظل طرابلس مسرحاً بارزاً لانعكاسات هذا الانقسام الليبي، على الرغم من الاتفاق الذي رعته تركيا بين حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة وقوات موالية لها، وميليشيا «جهاز الردع»، بعد 3 أشهر من قتال دامٍ وحالة استنفار عسكري.

التفاهمات تبدو مؤقتة

ومن جهة أخرى، مع أنه بُذلت محاولات لإعادة توزيع النفوذ عبر تحشيدات للميليشيات المتناحرة وتصعيد متبادل، فإن هذه التفاهمات تبدو مؤقتة في نظر محللين، ذلك أن أي تغير طفيف في موازين القوى قد يفجّر الموقف مجدّداً. وأمام ذلك ينتظر جُل الليبيين مغادرة قطار السياسة محطة «المرحلة الانتقالية» إلى حالة من الاستقرار تكسر الجمود المسيطرة على البلاد. فمن جانب، حكومة الدبيبة تسوّق الاتفاق الذي أُبرم مع «جهاز الردع» بوصفه نجاحاً في «إضعاف نفوذ الميليشيات»، لكن مراقبين محليين يشككون في استمراره، طالما ظلت التركيبة الميليشياوية قائمة في التركيبة المسلحة.وهنا يستشهد مراقبون بما وقع سابقاً من مواجهات دامية انتهت بمقتل عبد الغني الكيكلي (غنيوة)، قائد ميليشيا «دعم الاستقرار» في مايو (أيار) الماضي، ثم اندلاع قتال عنيف مع «الردع»، وهو ما كشف هشاشة الترتيبات الأمنية.

تعيينات حفتر... وما تحمله

في المقابل، يشهد معسكر شرق ليبيا تغييرات أكثر هدوءاً وأعمق تأثيراً. إذ شرع المشير خليفة حفتر في إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية التي يقودها في شرق ليبيا وجنوبها، وأصدر قرارات بارزة، أبرزها تعيين نجله صدّام حفتر نائباً للقائد العام، وشقيقه خالد رئيساً للأركان. ولقد أثارت هذه الخطوة جدلاً واسعاً؛ فبينما رآها معارضون «توريثاً واضحاً يهدد مبدأ المهنية»، دافع عنها اللواء خالد المحجوب، مدير إدارة الشؤون المعنوية، معتبراً أنها جزء من «رؤية 2030» لتحديث الجيش و«بناء قيادة شابة بعد سنوات من انهيار البنية العسكرية منذ سقوط القذافي والحرب على الإرهاب عام 2014». ومن ثم، يرى مراقبون أن هذه التغييرات قد تقود إلى أحد سيناريوهين: إما إعادة رسم خريطة المؤسسة العسكرية ومنحها انضباطاً أكبر، أو اندلاع صراع داخلي إذا لم تواكبها ترتيبات سياسية شاملة.

النافذة الدولية

في الحقيقة، لم تتوقف ليبيا فقط عند محطة التغييرات العسكرية المتسارعة، بل إن قطار السياسة يبحث عن فكاك من قيود الانقسام عبر نافذة دولية. ذلك أن المبعوثة الأممية هانا تيتيه، تصرّ على المضي في مسار «خريطتها» التي قُدمت أمام مجلس الأمن الدولي يوم 21 أغسطس (آب) لإنهاء الأزمة السياسية. بيد أن ردود الفعل حول هذه الخطة الدولية جاءت متباينة؛ فقد رآها البعض - وبجداولها الزمنية - «فرصة تاريخية» لإنقاذ ليبيا، بينما اعتبرها آخرون طموحة إلى حدّ المبالغة وقد تصطدم بواقع سياسي معقد تغذيه التدخلات الخارجية.

يشار إلى أن الخطة الأممية تتضمن تعديلات دستورية محدودة تسمح بإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية متزامنة، مع إعادة تشكيل المفوضية العليا للانتخابات وضمان استقلاليتها، وتشكيل حكومة موحَّدة خلال شهرين، إلى جانب إطلاق حوار وطني يضم القوى السياسية والمجتمع المدني. أما عن اللجنة الاستشارية الليبية للأمم المتحدة، التي أسهمت في تمهيد الطريق لخريطة تيتيه، فهي تتمسك بتفاؤل مفعم بالثقة من نجاح هذا المسار. وهو ما أظهرته تصريح جازية شعيتير، عضوة اللجنة لـ«الشرق الأوسط»، حين رأت أن «المسار الأممي يمضي بخطوات محسوبة نحو هدفه، رغم ما يكتنفها من تحديات». بل وكشفت عن أن «مختلف الأطراف المعنية بالصراع الليبي تنشغل حالياً بإعادة ترتيب أوراقها واستعداداتها، في محاولة للتأقلم مع المرحلة المقبلة وتنفيذ ما تتطلبه الخطة».

هانا تيتيه تتكلم امام مجلس الأمن (أرشيف الأمم المتحدة)

الدور الأميركي حاضر

في زاوية أخرى من المشهد الليبي، كان الدور الأميركي يسجل حضوره المتصاعد، بالنظر إلى «لقاء سري» عُقد في روما بين صدام حفتر وإبراهيم الدبيبة مستشار الأمن القومي للدبيبة يوم 3 سبتمبر (أيلول) برعاية مستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس. وحتى اللحظة، ظلّت أجندة «لقاء روما» غير واضحة، رغم ما كشفته مجلة «جون أفريك» عن تطرق المباحثات إلى ملفات معقدة، أبرزها موقف حفتر من صراع طرابلس ومستقبل إدارة قطاع النفط.

وفي مقابل أنباء تسربت عن تفاهمات أولية لدمج الحكومتين في شرق ليبيا وغربها، فإن غياب التأكيد الرسمي زاد الغموض، في حين اعتبر مراقبون أن هذه المؤشرات قد تكون مجرد «مناورات سياسية» لا تتجاوز حدود التسريبات.

هذه أيضاً كانت وجهة نظر الباحث عبد العزيز غنية، الذي قال إن «الأطراف الليبية تتقن لعبة المراوغة»، مرجحاً «فشل سيناريو دمج الحكومتين»، لا سيما أن «الانقسامات داخل معسكر طرابلس عميقة ولا تسمح بتحقيق تسوية سياسية حقيقية في المرحلة الراهنة».

التفاهمات تبدو مؤقتة... ذلك لأن أي تغير طفيف في موازين القوى قد يفجّر الموقف مجدّداً

تنافس تركيا وروسيا

وعلى نحو أكثر تحديداً، فإن الانقسام الليبي، الذي يعدّ شأناً محلياً في جوهره، يبقى على حاله كساحة مفتوحة لتنافس إقليمي ودولي متصاعد، خصوصاً بين تركيا وروسيا.

ووفق هذا التقدير، تستمر تركيا في نهج يراه محللون أكثر «براغماتية»، رافعة شعار «ليبيا الموحّدة»، حتى أنها فرضت نفسها أخيراً في معادلة الوساطة بين حكومة «الوحدة» وميليشيا «الردع» لنزع فتيل حرب كانت تلوح في الأفق في سبتمبر؛ ما وضعها في خانة المتحكم بخطوط التماس بين الفصائل المسلحة.

هذا، ولا تزال أنقرة تحرص على مد خطوط الاتصال الأمني الناعم مع سلطات شرق ليبيا، أظهرته زيارات كان آخرها لرئيس الاستخبارات التركي إبراهيم كالين خلال أغسطس (آب) الماضي، لكنها تضع في الاعتبار أيضاً «مشاريع الإعمار» كبوابة مربحة لتمتين العلاقات.

أما عن تعاطي روسيا وسط التشظّي الليبي، فبدا أكثر هدوءاً في الآونة الأخيرة استناد إلى تحركات سفيرها أيدار أغانين، الذي يحرص على مد خطوط الاتصال السياسي مع سلطات شرق ليبيا (حليفه التقليدي منذ حرب العاصمة طرابلس) وغربها أيضاً. غير أنه «لا توجد دلائل بعد على أن سلطات طرابلس غيّرت نظرتها الحذرة إلى سياسات موسكو في ليبيا»، وفق الباحث الليبي المتخصص في شؤون الأمن القومي فيصل أبو الرايقة، الذي التقته «الشرق الأوسط».

إذ تتمسك سلطات شرق ليبيا بتحالفها الاستراتيجي - وتحديداً العسكري - مع موسكو. وحسب مقربين من القيادة العامة لـ«الجيش الوطني الليبي»، فإنها تسعى إلى تنويع تحالفاته بين موسكو والغرب، وهو ما لا تنقطع شواهده، وكان آخرها المباحثات التي أجراها خالد حفتر في موسكو.

في خضم هذا الواقع السياسي والعسكري المعقد، يبقى المواطن الليبي عالقاً وسط أزمات معيشية خانقة.

الأزمات المعيشية الخانقة

إذ لا تزال وسائل إعلام محلية ونشطاء يرصدون شكاوى المواطنين من انقطاع الكهرباء، ونقص السيولة، وارتفاع الأسعار، وتدهور الخدمات الصحية والتعليمية. وأيضاً يعتمد العديد من الأسر على المساعدات أو القروض. ويتداخل هذا الواقع المعيشي الصعب مع ازدواجية المؤسسات بين الشرق والغرب تفاقم معاناة المواطنين، وتتمثل في تأخر صرف المرتبات؛ ما يعمّق الإحباط الشعبي.

كل مظاهر المعاناة اليومية المتفاقمة تبدو متناقضة تماماً مع واقع بلد نفطي عضو في منظمة «أوبك» وينتج نحو 1.4 مليون برميل يومياً.

وفي مفارقة لافتة، يذهب مواطنون تكلمت معهم «الشرق الأوسط»، إلى وصف ما هو حاصل بأنه «فصول من مأساة يومية لمواطن تعيس في بلد ثري». وحتى اللحظة لا يبدو أن الخروج من الأزمة السياسية الليبية التي تنعكس على المواطن أمر يسير. مع هذا، لا يجد بعض المتفائلين خياراً سوى «الوصول إلى مشروع وطني شامل يعيد ضبط مسار الدولة، ويوازن بين طموحات الشعب وتاريخ البلاد، مع شراكات دولية متوازنة»، وفق الباحث الليبي هاني شنيب في مقال بمجلة «أتلانتيك كاونسل».

في المقابل، ثمة من يرى ضرورة العودة إلى نقطة «توحيد المؤسسات الليبية وفي طليعتها السلطة التنفيذية، وتأسيس مجلس أمن قومي موحد يضع رؤية متوازنة للسياسات الداخلية والخارجية»، وهي رؤية يتبناها عديد السياسيين.

وإجمالاً، بين ترتيبات عسكرية شرقية وغربية... وضغوط إقليمية ودولية متشابكة، يقف المشهد الليبي على حافة كل الاحتمالات: انفراج يعيد للدولة تماسكها، أو تصعيد يرسخ الانقسام لأمد يبدو مجهولاً.

محطات بارزة في مسار الانقسام الليبي

منذ اندلاع «ثورة 17 فبراير (شباط) 2011» وسقوط نظام القذافي، شهدت ليبيا سلسلة من الانقسامات السياسية والعسكرية التي أعادت تشكيل خريطة السلطة، وأدخلت أطرافاً إقليمية ودولية في الصراع. وفيما يلي أبرز المحطات في 5 مراحل توضح مسار الانقسام في البلاد... - «الثورة» والإطاحة بالقذافي. بدأت «ثورة شعبية» ضد القذافي في فبراير 2011، وواجهها النظام حينها بعنف، ما دفع مجلس الأمن الدولي إلى إصدار القرار الرقم 1973 في 17 مارس (آذار) 2011، وإطلاق تدخل عسكري دولي بقيادة حلف «الناتو» بدءاً من 19 مارس 2011. - سقوط النظام. أسفر الصراع عن سقوط النظام، ما خلق فراغاً أمنياً وسياسياً واسعاً، أدى إلى انتشار ميليشيات محلية وسيطرة متقطعة على مؤسسات الدولة. - انقسام البرلمان والسلطتين. شهد يونيو (حزيران) 2014 انتخابات برلمانية أدّت إلى تشكيل مجلس النواب الجديد في شرق ليبيا، وسط تصاعد قتال في طرابلس وغرب البلاد. وفي نوفمبر (تشرين الأول) من العام ذاته قضت المحكمة الدستورية بعدم دستورية مجلس النواب. وهذا الانقسام أرسى واقع حكم موازٍ، وفصل بين شرق البلاد التي دعمت قيادات عسكرية مثل خليفة حفتر، وغربها تحت سيطرة ميليشيات طرابلس ومصراتة. - اتفاق «الصخيرات». وقّعت الأطراف الليبية المتنازعة «اتفاق الصخيرات» في المغرب برعاية الأمم المتحدة، لتشكيل حكومة «الوفاق الوطني». وكان هدف الاتفاق توحيد مؤسسات الدولة، ولكن رغم تولي مجلس رئاسي وحكومة برئاسة فائز السراج مقاليد السلطة وما حظي به من ثقة مؤقتة من جانب البرلمان في شرق البلاد، فإنه لم يوقف سيطرة بعض الجماعات المسلحة أو رفض نواب الشرق، ما أبقى الانقسام السياسي قائماً رغم الاعتراف الدولي بالحكومة الجديدة. - الحرب على العاصمة طرابلس. أطلق «الجيش الوطني الليبي» حملة «طوفان الكرامة» لاقتحام طرابلس يوم 4 أبريل (نيسان) 2019، بدعم من أطراف إقليمية، بالإضافة إلى روسيا، وردّت تركيا بدعم المجلس الرئاسي في طرابلس برئاسة السراج وحكومته. استمر القتال نحو 13 شهراً، حتى توقيع اتفاق وقف إطلاق النار الدائم في 23 أكتوبر (تشرين الأول) 2020 ضمن لجنة عسكرية مشتركة «5+5» برعاية الأمم المتحدة، ما سمح بتهدئة العمليات العسكرية. وما لبث أن فتحت مسارات سياسية لاحقة، أبرزها «مؤتمر جنيف» الذي انتهى إلى تشكيل سلطة تنفيذية جديدة من مجلس رئاسي ثلاثي برئاسة محمد المنفي، وحكومة مؤقتة برئاسة رجل الأعمال عبد الحميد الدبيبة، يكون من مهامها الإشراف على إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية. - فشل انتخابات ديسمبر (كانون الثاني) 2021. أجلت الانتخابات الرئاسية والتشريعية التي كانت مقررة في 24 ديسمبر 2021، وما لبث أن تصاعد الخلاف بين حكومة «الوحدة» والبرلمان في شرق البلاد، الذي دعم فتحي باشاغا رئيس الحكومة المكلفة منه حينها في محاولته لدخول طرابلس في مايو (أيار) 2022، ما رسّخ واقع وجود حكومتين متنافستين، وأدى ذلك إلى استمرار تعطيل العملية السياسية.


مقالات ذات صلة

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

حصاد الأسبوع من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة

وارف قميحة (بيروت)
حصاد الأسبوع خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة

إيلي يوسف ( واشنطن)
حصاد الأسبوع كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب

«الشرق الأوسط» ( واشنطن)
حصاد الأسبوع 
مظاهرة نسائية إسبانية ضد الحرب (أ.ف.ب)

سانشيز يضع مدريد في مواجهة مباشرة مع واشنطن

عندما وقف رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز على مدخل مقر رئاسة الحكومة في الرابع من هذا الشهر ليقول إن موقف بلاده من الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران

شوقي الريّس ( مدريد)
حصاد الأسبوع سانشيز يخطب امام البرلمان (آ ف ب)

سانشيز يراهن على المشاعر وتعاطف الحلفاء والأصدقاء

لا يغيب عن رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز أن الخروج عن «بيت الطاعة» الأميركي في ظل إدارة دونالد ترمب، تترتب عليه تكلفة باهظة. إلا أنه يدرك أيضاً أن له


الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
TT

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومن جهة أخرى، وفي الوقت ذاته، كيف تصون علاقاتها العميقة مع دول الخليج، وتتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل.

معادلات الشرق الأوسط ليست سهلة. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست مجرد مساحة جغرافية بعيدة، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسية في الاستراتيجية الصينية: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسّع «مبادرة الحزام والطريق». ولذا؛ فإن أي حرب واسعة في المنطقة لا تشكّل تهديداً سياسياً فحسب، بل تمسّ مباشرة مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب على إيران بوصفه محاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه.

إيران وموقعها في الاستراتيجية الصينية

تحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الجيوسياسية الصينية، ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزّز هذا الموقع مع توقيع «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل» لمدة 25 سنة بين الصين وإيران في عام 2021، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب أمام تعاون واسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

بالنسبة لبكين، تمثل إيران عقدة مهمة في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»؛ ذلك أنها تشكل ممراً جغرافياً رئيساً يربط الصين بالأسواق الغربية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ثم أن إيران، بحكم استقلالية قرارها السياسي عن الغرب، تُعد شريكاً بإمكان الصين التعامل معه خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين رغم القيود الدولية.

لكن في الوقت ذاته، لا تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفاً عسكرياً أو سياسياً موجّهاً ضد طرف آخر. إذ إن بكين تدرك أن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرّض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. ولذلك؛ تحرص دائماً على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

وزير الخارجية السعودي الأميرفيصل بن فرحان مع نظيره الصيني وانغ يي (وزارة الخارجية الصينية)

الخليج: شريان الطاقة للصين

من جانب آخر، إذا كانت إيران شريكاً مهماً للصين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الخليج تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة.

فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت.

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثم أن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لم يعد مقتصراً على النفط، بل امتد إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

في هذا السياق، تدرك القيادة في بكين أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. وبناءً عليه؛ ترى بكين اليوم في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية.

ولقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدور الذي لعبته بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط.

العلاقة «المعقدة» مع إسرائيل

في الوقت عينه، طوّرت الصين خلال العقود الماضية علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد الشركاء البارزين للصين في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مهمة داخل إسرائيل، بما في ذلك تطوير بعض المواني ومشاريع النقل.

هذه العلاقة تعكس اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

لكن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حرصت سلطات بكين على التأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع الأطراف المعنية، شدّد خلالها على «ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع رقعة الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك تواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة».

غير أن هذه العلاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة بعض التعقيدات، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين. كما أن التصعيد العسكري المتكرّر في المنطقة وضع بكين أمام تحدٍ إضافي في إدارة علاقاتها مع إسرائيل دون أن تبدو منحازة في الصراعات الإقليمية.

موقف الصين من الحرب

انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران منسجماً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، لكنه في ضوء التطورات الأخيرة بات أكثر حذراً وواقعية.

ذلك أن التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، من ضربات واسعة واستهدافات مباشرة وردود متبادلة طالت مصالح وقواعد، وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية. والقصد هنا أن الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل صارت مساراً قائماً يتّسع تدريجياً.

في هذا السياق، كثّفت بكين تحركاتها الدبلوماسية بشكل لافت، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، حيث أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزها مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحوَرية في استقرار المنطقة. وبالتوازي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شملت أيضاً تواصلاً مع الجانب الإسرائيلي، ركّز خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض توسيع دائرة الحرب، والدفع نحو إعادة فتح المسارات السياسية.

أيضاً شددت القيادة الصينية على أهمية «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها»، ورفضت أي سياسات تقوم على تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض الوقائع العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

غير أن ما يلفت في الموقف الصيني هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط. وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية - وفي الوقت ذاته - يرفض منطق الحسم العسكري.

بكين ترى أن هذه الحرب - إذا استمرت - لن تبقى محصورة في حدود إيران... بل ربما تؤدي لرسم توازنات المنطقة بأكملها

قراءات الصين بين الاستفادة والحذر

وسط هذا المشهد، يُطرح سؤال يتكرر في الأوساط السياسية: هل تُعدّ الصين الرابح من تعثر الولايات المتحدة في إدارة الحرب؟

الواقع أن الإجابة ليست بهذه البساطة.

إذ بكين تراقب، من دون أدنى شك، كيف تواجه واشنطن صعوبات في تحقيق حسم سريع، وما قد يرافق ذلك من «تآكل في صورة» القوة القادرة على فرض نتائجها. وبالطبع، هذا ربما يمنح الصين هامشاً سياسياً أوسع لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، وإعادة طرح تساؤلات حول فاعلية السياسات القائمة على القوة العسكرية.

ولكن في المقابل، لا تنظر الصين إلى هذا التعثر بوصفه «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.

لذلك؛ يمكن القول إن الصين ليست رابحاً مباشراً في هذه الحرب، بل فاعل حذر يستفيد من أخطاء الآخرين دون أن يتمنى استمرارها... ويدرك أن أي انفلات واسع في المنطقة قد يتجاوز الجميع ويعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل لا يمكن التحكم به.

الشرق الأوسط في الرؤية الصينية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البُعد الاقتصادي وحده. فالمنطقة أصبحت ساحة مهمة في التنافس الدولي، لكنها - وفقاً للمسؤولين الصينيين - تمثّل في الوقت نفسه فرصة لبكين لتعزيز دورها كقوة دولية كبيرة تسعى إلى دعم الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية التي تهدف إلى إعادة صياغة آليات التعاون الدولي، من أبرزها: «مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة الأمن العالمي»، و«مبادرة الحوكمة العالمية» التي تركز على إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية واحترام سيادة الدول.

وفق مسؤولين في بكين، تنسجم هذه المبادرات مع رؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي يؤمن بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي «أكثر توازناً وعدالة»، يقوم على «التعاون المتكافئ بين الدول واحترام خصوصياتها التنموية والثقافية».

«دبلوماسية التوازن»

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن السياسة الصينية في الشرق الأوسط تقوم راهناً على ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن». إذ إن الصين تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. وهذه الدبلوماسية تقوم على ثلاث معادلات أساسية:

- الحفاظ على الشراكة مع إيران

- ضمان أمن الطاقة عبر الخليج

- الاستمرار في التعاون مع إسرائيل.

لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل ضرورة استراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة.

وفي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، تحاول سلطات بكين أن تطرح رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدل من الاكتفاء بإدارة نتائجه. أخيراً، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دوراً فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

وبخاصة، أنه في شرق أوسط يشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد التوازن خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية... للصين وللعالم.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث ورئيس الرابطة العربية الصينيةللحوار والتواصل


ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.