الأمم المتحدة تتهم حكام جنوب السودان بـ«النهب الممنهج»

وزير العدل: استندت إلى أرقام لا تتطابق مع بيانات الحكومة

سلفا كير رئيس جنوب السودان (أ.ب)
سلفا كير رئيس جنوب السودان (أ.ب)
TT

الأمم المتحدة تتهم حكام جنوب السودان بـ«النهب الممنهج»

سلفا كير رئيس جنوب السودان (أ.ب)
سلفا كير رئيس جنوب السودان (أ.ب)

اتهم محققون من الأمم المتحدة، الثلاثاء، سلطات جنوب السودان «بنهب ثروات البلاد بطرق تضمنت دفع 1.7 مليار دولار لشركات تابعة لبنجامين بول ميل، أحد نواب رئيس الدولة، في مقابل أعمال إنشاء طرق لم يتم إنجازها مطلقاً».

وقالت «لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في جنوب السودان» في تقرير لها، «إن المدفوعات، التي تمت بين 2021 و2024، مجرد مثال واحد فقط على الفساد الكبير في الدولة الفقيرة».... حيث يبلغ متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي الآن ربع ما كان عليه عند إعلان «الاستقلال» في عام 2011، حسبما أوردت وكالة «رويترز».

وذكرت اللجنة، التي أنشأها «مجلس حقوق الإنسان» التابع للأمم المتحدة عام 2016، أن «البلاد وقعت في قبضة نخبة مستغلة، رسّخت النهب الممنهج للثروات لتحقيق مكاسب خاصة».

بنجامين بول ميل أحد نواب رئيس جنوب السودان (إكس)

وجاء في التقرير، «أن المخصصات في الموازنة السنوية للوحدة الطبية الخاصة بالرئيس سلفا كير، تجاوزت الإنفاق على الصحة في جميع أنحاء البلاد».

وقال وزير العدل جوزيف قنق، في ردٍّ رسمي مكتوب أرسله إلى لجنة الأمم المتحدة، إن التقرير «استند إلى أرقام لا تتطابق مع بيانات الحكومة نفسها»، وأرجع سبب المشكلات الاقتصادية في جنوب السودان «إلى الصراع وتغيُّر المناخ، وانخفاض مبيعات النفط الخام التي تُمثل صادرات البلاد الرئيسية».

صراع منذ الاستقلال

ويعاني جنوب السودان منذ عام 2011 نوبات من الصراع المسلح، كان من بينها حرب أهلية استمرت من 2013 إلى 2018، وقُتل فيها ما يقدر بنحو 400 ألف شخص.

أجزاء كبيرة من جنوب السودان تعاني الحرب والمجاعة (أرشيفية - رويترز)

واتهمت الحكومة الأسبوع الماضي، ريك مشار، النائب الأول للرئيس، الذي قاتلت قواته الجنود الموالين للرئيس كير في الحرب الأهلية، «بارتكاب جرائم ضد الإنسانية». ويعاني جنوب السودان أيضاً تخفيضات حادة في المساعدات الإنسانية الأجنبية التي يتلقاها سنوياً.

لكن اللجنة الدولية قالت في التقرير، «إن الفساد هو أفضل تفسير لاستمرار المشكلات الاقتصادية والإنسانية في جنوب السودان؛ حيث يواجه ما يقرب من ثلثي السكان، البالغ عددهم 12 مليون نسمة، مستويات حرجة من الجوع، أو ما هو أسوأ من ذلك».

وذكرت أن التقرير «استند إلى 173 اجتماعاً ومقابلة من أواخر عام 2022 إلى 2024، بالإضافة إلى وثائق حكومية وبيانات مالية».

وأكدت أن «تركيزها على الفساد له ما يبرره، لأن الكسب غير المشروع قوّض قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها في مجال حقوق الإنسان، وأجج العنف المُسلح بشكل مباشر».

نازحة تحمل الماء على رأسها في مخيم جوبا للنازحين جنوب السودان (أ.ب)

وأضافت: «في ظل انعدام التنافس على السلطة والسيطرة على الموارد والأراضي في جنوب السودان، تواصل النخب السعي لتحقيق مآرب سياسية حزبية وإثارة الخلافات والتوترات العرقية واستغلالها».

خارج الموازنة...

ويُسلط التقرير، المكون من 101 صفحة، الضوء على الشركات التابعة لبول ميل الذي جعله الرئيس سلفا كير في فبراير (شباط) الماضي، واحداً من 5 نواب له.

وفرضت الحكومة الأميركية في عام 2017، عقوبات على بول ميل وشركتين قالت إنهما تتبعانه، إحداهما تلقَّت معاملة تفضيلية من مسؤولين حكوميين رفيعي المستوى للقيام بأعمال طرق في البلاد. كما فرضت عقوبات على شركتين أخريين من شركاته في عام 2021.

وبعد إعلان عقوبات عام 2017، رفضت حكومة جنوب السودان وصف الولايات المتحدة لبول ميل بأنه «المستشار المالي الشخصي لكير». وقالت، «إن قرار إدراجه على القائمة السوداء استند إلى معلومات مضللة».

وقال جوزيف سزلافيك، وهو عضو في جماعة ضغط تعمل لصالح جوبا في واشنطن، لوكالة «رويترز» الشهر الماضي، إن مسؤولين من جنوب السودان طلبوا من الولايات المتحدة رفع تلك العقوبات خلال مناقشات ثنائية جرت في الآونة الأخيرة.

صورة لمدينة جوبا عاصمة جنوب السودان (سوبا - رويترز)

وذكر سزلافيك «أن المناقشات تطرقت أيضاً إلى إرسال مزيد من المرحلين من الولايات المتحدة لجنوب السودان بعد وصول 8 رجال في يوليو (تموز)، بينهم 7 من دول ثالثة».

وقالت وزارة الخارجية الأميركية من جهتها، إنها لا تُقدم تفاصيل عن الاتصالات الدبلوماسية الخاصة، لكنها دعت جوبا إلى «البدء في الاستفادة من إيرادات البلاد في تلبية الاحتياجات العامة لشعب جنوب السودان بدلاً من الاعتماد على المساعدات الدولية».

ووفقاً لتقرير الأمم المتحدة، صرفت حكومة جنوب السودان في الفترة من 2021 إلى 2024 ما يُقدر بنحو 2.2 مليار دولار لشركات تابعة لبول ميل عبر برنامجها «النفط مقابل الطرق»، وهو خارج الموازنة.

وجاء في التقرير، أن هذا البرنامج «استهلك نحو 60 في المائة من إجمالي المدفوعات الحكومية في بضع سنوات. وأن الشركات التابعة لبول ميل لم تكمل طرقاً صالحة للسير بمركبات إلا بأقل من 500 مليون دولار رغم تلك النفقات، وضخمت قيمة عقود البناء عن طريق المبالغة في طول الطرق والرسوم على عكس معايير القطاع، وأنشأت عدداً أقل من الحارات المتفق عليها».

ولم يرد بول ميل علناً على الاتهامات الموجهة إليه، لكن وزير العدل رفض في ردّه «المزاعم المتعلقة بالإنفاق على الطرق»، وقال إن المبالغ المذكورة في التقرير «كبيرة بشكل سخيف بالنظر إلى الواقع الاقتصادي لجنوب السودان».

منشأة نفطية في جنوب السودان (مواقع التواصل)

وأشار الوزير إلى «تشريع مكافحة الفساد الذي سنته البلاد قبل الاستقلال، بوصفه دليلاً على التزام الحكومة الجاد وإرادتها تجاه مكافحة الممارسات الفاسدة».

وذكرت اللجنة الدولية في التقرير أن أولويات الإنفاق العام «لا تعكس التزامات الحكومة تجاه مواطنيها»؛ حيث جرى تخصيص مبالغ قليلة من عائدات صادرات النفط، التي تجاوزت 23 مليار دولار منذ الاستقلال، لتلبية الاحتياجات الملحة، مثل التعليم والرعاية الصحية والأمن الغذائي.

أطفال يجلسون ويلعبون على بقايا دبابة بمدينة الرنك جنوب السودان (أرشيفية - أ.ب)

وكشف التقرير، أنه في موازنة 2022 و2023 العامة، على سبيل المثال، «جرى تخصيص أموال للوحدة الطبية الخاصة بالرئيس أكثر مما تم تخصيصه لأنظمة الرعاية الصحية العامة، وتلك من الدرجة الثانية والثالثة في جميع أنحاء البلاد».

ولم تعلق الحكومة في ردها على هذه النقطة تحديداً، لكنها قالت إنها تعمل على «تعزيز رعاية المواطنين»، في حين لم يرد وزير شؤون الرئاسة على طلب للتعقيب، حسبما أفادت «رويترز».


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة: القرار الإسرائيلي بشأن الضفة «غير قانوني» ويُقوض فرص حل الدولتين

المشرق العربي فلسطينيون يتظاهرون أمام جنود إسرائيليين أغلقوا مدخل مخيم نور شمس في الضفة الغربية (أ.ف.ب) p-circle

الأمم المتحدة: القرار الإسرائيلي بشأن الضفة «غير قانوني» ويُقوض فرص حل الدولتين

أعرب الأمين العام للأمم المتحدة، الاثنين، عن القلق البالغ إزاء قرار مجلس الوزراء الأمني الإسرائيلي السماح بسلسلة من التدابير غير القانونية في الضفة الغربية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في مقر الأمم المتحدة بنيويورك يوم 23 سبتمبر (أ.ف.ب)

الأمم المتحدة تطلب توضيحاً بشأن موعد سداد أميركا لمستحقاتها

قالت الأمم المتحدة اليوم الاثنين إنها تترقب تفاصيل حول موعد سداد الولايات المتحدة لمستحقاتها المتأخرة من الميزانية، وذلك بعد وعد قطعته واشنطن الأسبوع الماضي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
الخليج السفير عبد المحسن بن خثيله يلقي بياناً خلال الحوار التفاعلي بشأن السودان (بعثة السعودية لدى الأمم المتحدة في جنيف)

السعودية تؤكد موقفها الداعي لوحدة السودان وأمنه واستقراره

أكدت السعودية موقفها الداعي إلى وحدة السودان وأمنه واستقراره، وضرورة الحفاظ على مؤسساته الشرعية.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
خاص وصف المنسق الأممي التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن بأنه كان قوياً وسريعاً (الأمم المتحدة)

خاص الأمم المتحدة: التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن قوي وسريع

أكد المنسق المقيم للأمم المتحدة في اليمن أن التدخلات التنموية السعودية لا تقل أهمية عن تدخلاتها الإنسانية، وذلك من خلال البرنامج السعودي لتنمية إعمار اليمن.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي صورة لسد «النهضة» وضعها رئيس الوزراء الإثيوبي على صفحته الرسمية بـ«فيسبوك» في أغسطس 2024

مصر تشدد على ضرورة الالتزام بالقانون الدولي لحوكمة نهر النيل

شددت مصر، الأحد، على ضرورة الالتزام بالقانون الدولي الحاكم لاستخدام وإدارة المجاري المائية العابرة للحدود، وفي مقدمتها نهر النيل.

علاء حموده (القاهرة)

السودان يعود إلى «إيغاد»

رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس (سونا)
رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس (سونا)
TT

السودان يعود إلى «إيغاد»

رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس (سونا)
رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس (سونا)

أعلن السودان أنه سيعود إلى الهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد) التي تجمع دولاً في شرق أفريقيا، بعد عامين من تجميد عضويته فيها بسبب دعوة وجّهتها آنذاك إلى قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو المعروف باسم «حميدتي»، الذي يقاتل القوات الحكومية منذ أبريل (نيسان) عام 2023.

وقالت وزارة الخارجية السودانية، في بيان نُشر على موقع «إكس» أمس، إن «حكومة جمهورية السودان ستستأنف نشاطها الكامل في عُضوية المنظمة»، التي بدورها أعربت عن التزامها عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء، مؤكدةً احترامها الكامل لسيادة السودان ووحدة أراضيه وشعبه، وسلامة مؤسساته الوطنية القائمة.

وكان السودان قد جمَّد عضويته في «إيغاد» في يناير (كانون الثاني) 2024، بعدما دعت المنظمة دقلو إلى قمة في أوغندا لمناقشة النزاع في السودان. وكانت القمة تهدف إلى مناقشة وقف الحرب عبر سلسلة من المقترحات على رأسها نشر قوات أممية في مناطق النزاعات.

 


حفتر وتيتيه يتفقان على مواصلة التنسيق لدعم «جهود البعثة»

المشير خليفة حفتر مع المبعوثة الأممية والوفد المرافق لها في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)
المشير خليفة حفتر مع المبعوثة الأممية والوفد المرافق لها في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)
TT

حفتر وتيتيه يتفقان على مواصلة التنسيق لدعم «جهود البعثة»

المشير خليفة حفتر مع المبعوثة الأممية والوفد المرافق لها في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)
المشير خليفة حفتر مع المبعوثة الأممية والوفد المرافق لها في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)

أَطلعت رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، هانا تيتيه، القائد العام لـ«الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر، على مجريات لجان «الحوار المهيكل» الذي ترعاه البعثة الأممية، في وقت يشهد تصاعداً في «صراع الشرعية» بين مجلسي النواب والدولة.

واستقبل القائد العام تيتيه ونائبتها ستيفاني خوري والوفد المرافق لهما، يوم الاثنين، في مقر القيادة العامة بمدينة بنغازي.

ونقلت القيادة العامة أن المشير أكد دعمه لجهود بعثة الأمم المتحدة ومساعيها الرامية إلى الدفع بالعملية السياسية إلى الأمام، وصولاً إلى إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وقالت إن تيتيه عرضت عليه إحاطة حول ما أجرته لجان «الحوار المهيكل» من نقاشات وحوارات تهدف إلى تشكيل خريطة طريق تقود لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.

المشير خليفة حفتر يلتقي المبعوثة الأممية هانا تيتيه في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)

وأضاف مكتب حفتر أن الطرفين اتفقا على مواصلة التنسيق والتشاور لدعم خطوات البعثة الأممية في ليبيا، وصولاً إلى تحقيق الاستقرار الدائم.

في غضون ذلك، دخل «صراع الشرعية» في ليبيا مرحلة جديدة بين مجلسي «النواب» و«الدولة» حول إدارة المؤسسات السيادية، بعدما اتهم رئيس «الأعلى للدولة» محمد تكالة، رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، باستخدام «ألاعيب متكررة لإرباك المشهد عبر إصدار قوانين وقرارات أحادية».

ولم يتوقف هذا التصعيد عند حد القوانين، بل امتد ليعمّق الانقسام حول مفوضية الانتخابات ومجلس القضاء، وسط تحذيرات شديدة اللهجة إلى البعثة الأممية من مغبة الانحياز.

وجاءت الاتهامات التي وجّهها تكالة إلى صالح في تصريحات تلفزيونية، مساء الأحد، مشيراً إلى إصدار صالح قوانين أو قرارات قبل لقاءاتهما الرسمية، ومن ذلك إصداره قانوناً وصفه بأنه «معيب» بإنشاء المحكمة الدستورية؛ وقال إنه طالب صالح من قبل بعدم إصدار أي قوانين أو قرارات قبل لقائهما، لأن ذلك «يربك المشهد».

ودافع تكالة عن انتخاب مجلسه منفرداً، رئيس وأعضاء مجلس إدارة للمفوضية العليا للانتخابات، باعتباره تطبيقاً لـ«اتفاق أبو زنيقة»، أحد الاتفاقات المبرمة بناءً على «اتفاق الصخيرات» الموقّع في المغرب نهاية 2015.

وتابع: «نحن نسعى للتغيير في المفوضية من أجل التطوير وتصحيح مسارها بإعادة تشكيلها؛ والتصحيح الحقيقي فيها هو الذي لا يترك مجالاً للطعن في أي انتخابات مستقبلاً»، لافتاً إلى أن اللجنة الاستشارية التي تضم خبراء قانون أوصت بإعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية، وأن أعضاءها رأوا أن المفوضية بهذه الوضعية لن تستطيع أن تدير عملية انتخابية.

وأشار إلى أن البعثة الأممية أخذت برأي اللجنة الاستشارية واقترحته في الأمم المتحدة بوصفه جزءاً من «خريطة الطريق»، موضحاً أن رئيس مجلس النواب تراجع عن مسألة تغيير مجلس المفوضية بسبب قوة قاهرة ضغطت عليه، وقال إن مجلس المفوضية السابق كان من المفترض إقالته منذ 2021 عندما فشل في إجراء الانتخابات.

وبعدما عدّ تصريح البعثة الأممية حول تغيير رئاسة المفوضية «نوعاً من المغازلة» لمجلس النواب، شدّد تكالة على أن مجلس الدولة «لم يتجاوز اختصاصاته، ولم يتدخل في أي جزئية إلا بما كفله له الاتفاق السياسي».

وقال إن صلاح الكميشي، الرئيس المنتخب من مجلس الدولة لرئاسة المفوضية، بصدد ترتيب عملية تسلّم منصبه، رغم اعتراض السايح، مشيراً إلى أن الكميشي سيباشر أعماله من داخل مقر مفوضية الانتخابات في طرابلس قريباً، من دون تحديد أي موعد.

الدبيبة مستقبلاً القائم بالأعمال بسفارة السعودية في ليبيا عبد الله بن دخيل الله السلمي يوم الاثنين (مكتب الدبيبة)

وعلى صعيد مختلف، قالت حكومة «الوحدة» المؤقتة إن رئيسها عبد الحميد الدبيبة استقبل القائم بالأعمال بسفارة المملكة العربية السعودية في ليبيا، عبد الله بن دخيل الله السلمي، حيث بحثا سبل تعزيز التعاون الثنائي في عدد من الملفات موضع الاهتمام المشترك.

وأضافت الحكومة، الاثنين، أن الدبيبة سلّم، بصفته وزير الدفاع، رسالة موجهة إلى وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود، في إطار دعم وتطوير مسارات التعاون والتنسيق بين البلدَين وتعزيز العلاقات السياسية والأمنية بما يخدم المصالح المشتركة.

وأكد الجانبان، حسب الحكومة، أهمية مواصلة التواصل والتنسيق في القضايا الإقليمية والدولية، بما يعزز الاستقرار ويدعم جهود التعاون العربي.

Your Premium trial has ended


شهود وقائع «التحرش» في مصر... مساندة «الضحية» أم دخول قفص الاتهام؟

ركاب داخل حافلة نقل عام (صورة أرشيفية - وزارة النقل)
ركاب داخل حافلة نقل عام (صورة أرشيفية - وزارة النقل)
TT

شهود وقائع «التحرش» في مصر... مساندة «الضحية» أم دخول قفص الاتهام؟

ركاب داخل حافلة نقل عام (صورة أرشيفية - وزارة النقل)
ركاب داخل حافلة نقل عام (صورة أرشيفية - وزارة النقل)

انتقل الجدل حول وقائع التحرش في مصر إلى مساحة جديدة، تتعدى الوقائع نفسها إلى مواقف المحيطين فيها من الشهود، بعدما أظهر مقطعٌ مصورٌ لفتاة تتهم شاباً بالتحرش بها في حافلة نقل عام بمنطقة المقطم (جنوب القاهرة)، صمتَ بعض الركاب، ودفاع آخرين عن الشاب ومهاجمة الفتاة، فيما سعى فريقٌ ثالثٌ لمحاولة التهدئة، وسط انتقادات «سوشيالية» وهجوم على مواقفهم.

وأظهر مقطع مصور نشرته فتاة تدعى مريم شوقي على حسابها عبر «فيسبوك»، مساء الأحد، شاباً يقف في الحافلة محاولاً إخفاء وجهه عن الكاميرا أحياناً وإظهاره أحياناً أخرى، قبل إقدامه على الفتاة لمنعها من التصوير، وهي تنهال عليه بالسباب وتتهمه بالتحرش بها ومحاولة سرقتها، وتستغيث في الفيديو لإنقاذها، وسط صمت من المحيطين. فيما أعلنت وزارة الداخلية المصرية ضبط المتهم الذي أنكر ارتكابه الواقعة، قبل أن تتولى النيابة العامة التحقيق.

وفي مقطع آخر، تدخل راكب لمهاجمة مريم منتقداً تصرفاتها، ما شجع الشاب المتهم على الرد، قائلاً لها: «شوفي انتي لابسه إيه»، وهذا ما اعتبره البعض «اعترافاً ضمنياً بالتحرش وتبريره لذلك بملابسها».

وحسب بيان الداخلية المصرية، فإن مقاطع الفيديو التي تم تداولها تظهر اتهام الفتاة لأحد الأشخاص بقيامه بالتحرش بها ومحاولة سرقتها بدائرة قسم شرطة المقطم بالقاهرة وتتبعها عقب ذلك إلى داخل أحد أتوبيسات النقل العام.

وقالت الداخلية، في بيان، الاثنين، إنه بسؤال الشاكية (موظفة بإحدى الشركات - مقيمة بمحافظة السويس) أقرت بأنها حال خروجها من مقر عملها الكائن بدائرة القسم قام الشخص الظاهر بمقاطع الفيديو بالتحرش اللفظي بها وتتبعها حال استقلالها أحد أتوبيسات النقل العام. وأنه أمكن تحديد وضبط الشخص الظاهر بمقاطع الفيديو (عامل - مقيم بمحافظة الدقهلية)، وبمواجهته أنكر ارتكابه الواقعة، أو سابقة تقابله مع المجني عليها، وتم اتخاذ الإجراءات القانونية، وتولت النيابة العامة التحقيق.

الشاب المتهم بالتحرش يختبئ من كاميرا الفتاة صاحبة الشكوى (لقطة مثبتة)

واتجه جزء كبير من التعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي إلى المحيطين بالواقعة، خصوصاً الراكب الذي تدخل وهاجم الفتاة، بينما يمسك مسبحة في يده، معتبرين أن مثل هؤلاء «سبب في عدم تجريم التحرش وتوفير حماية للمتحرشين».

واعتبر هذا الفريق أن ما يعكسه الفيديو من سلبية للمحيطين، بل وحماية لـ«المتحرش»، على حد وصفهم، أخطر من التحرش نفسه، إذ يمثل حاضنة مجتمعية تتصالح مع هذه الأفعال، مقابل لوم الضحية، وذهب بعضهم إلى ما هو أبعد بالمطالبة بمحاكمة الشهود.

وشكك آخرون في الرواية كلياً، انطلاقاً من موقف الشهود نفسه، مستبعدين حالة الصمت والتصالح مع خطأ وقع فعلياً من كل الموجودين في الأتوبيس، ومعتبرين أن ذلك الصمت دليل على اختلاق الفتاة للواقعة.

وحذر آخرون من الهجوم على أحد بدعوى التحرش دون تقديم دليل، معتبرين أنه سلاح يمكن أن تستخدمه النساء لتصفية حسابات أو التشهير بمظلومين.

وتنص المادة 306 مكرر أ من قانون العقوبات على «معاقبة كل من تعرض للغير في مكان عام أو خاص أو مطروق بإيحاءات، أو تلميحات جنسية أو إباحية، سواء بالإشارة أو بالقول أو بالفعل (بما في ذلك الاتصالات)، بالحبس مدة لا تقل عن سنتين ولا تتجاوز 4 سنوات، وغرامة مالية بين 100 ألف و300 ألف جنيه (الدولار نحو 47 جنيهاً).

وفسر أستاذ علم الاجتماع، وليد رشاد، المعضلة التي يتعرض لها الشهود والمحيطون وقت ارتكاب جريمة ما، سواء بالتدخل أو الصمت، وزيادة التوجه الأخير إلى 3 أسباب؛ الأول الخوف من الجريمة المرتكبة، أي تجنب أن تطوله الجريمة أو الاعتداء، خصوصاً في ظل وهن الروابط المجتمعية الكبيرة حالياً، وهو سبب اجتماعي، أما الثاني فسبب نفسي متعلق بتوجه الفرد نحو الانزواء على ذاته، والانعزال عن المحيط.

وأضاف أستاذ علم الاجتماع أن السبب الثالث مرتبطٌ بالتطور التكنولوجي وسعي البعض إلى الحصول على تفاعل أكبر بتصوير الحادثة ونشرها، مؤكداً في الوقت نفسه أن ذلك لا يعني أن المجتمع أصبح سلبياً بالكامل، فالشخصية المصرية ما زالت تحتفظ بصفاتها المعروفة بإغاثة المظلوم.

أحد التعليقات على «فيسبوك» يحلل رد فعل المحطين بالواقعة محل الاتهام

وسبق أن تعرض شهود عيان في وقائع عديدة للاعتداء، وبعضهم فقد حياته، من أشهرهم الشاب محمود البنا (17 عاماً) الذي قُتل عام 2019 إثر دفاعه عن إحدى الفتيات في محافظة المنوفية، وتحول لبطل شعبي في مصر.

ورفض رشاد التعليق على الواقعة الأخيرة باعتبارها ما زالت قيد التحقيقات، مؤكداً في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن ثمة وعياً مجتمعياً أكبر تجاه قضية التحرش، وتوجهاً مجتمعياً لفضح الجاني، في تغير عن اعتقاد سابق بأن فضح الجاني سيترتب عليه فضح الضحية، مرجعاً ذلك إلى حملات التوعية التي حدثت على مدار سنوات وصولاً للتطور الإيجابي الحالي.

وظهر الشاب المتهم في مقابلة مع أحد المواقع المحلية، نافياً الاتهامات الموجهة إليه، مشيراً إلى أن «الركاب رأوا عدم فعله شيئاً، وكذلك محصل التذاكر».