مصراتة تصعد رفضها للمبادرة الأميركية لتسوية الأزمة الليبية

قيادات سياسية عبّرت عن استنكارها القاطع لأي ترتيبات تُصاغ خارج إرادة الليبيين

لقاء سابق بين صدام حفتر ومسعد بولس في بنغازي (إعلام القيادة العامة)
لقاء سابق بين صدام حفتر ومسعد بولس في بنغازي (إعلام القيادة العامة)
TT

مصراتة تصعد رفضها للمبادرة الأميركية لتسوية الأزمة الليبية

لقاء سابق بين صدام حفتر ومسعد بولس في بنغازي (إعلام القيادة العامة)
لقاء سابق بين صدام حفتر ومسعد بولس في بنغازي (إعلام القيادة العامة)

تشهد مدينة مصراتة الليبية، ذات الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية في غرب البلاد، حالة من الرفض المتصاعد حيال ما يُتداول بشأن «مقترح أميركي» لإعادة ترتيب السلطة التنفيذية في ليبيا، في خطوة أعادت إلى الواجهة حساسية التوازنات داخل معسكر الغرب الليبي، وأثارت مخاوف من تسويات خارجية لا تحظى بإجماع محلي.

قوات أمنية عند مدخل مدينة مصراتة الاستراتيجية (أ.ف.ب)

ويتضمن المقترح المنسوب إلى مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إسناد رئاسة «المجلس الرئاسي» إلى صدام حفتر، نجل قائد «الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر، مع الإبقاء على عبد الحميد الدبيبة رئيساً لحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة.

ورغم عدم صدور إعلان رسمي بشأن هذه المبادرة، في بلد يعيش انقساماً بين شرقه وغربه، فإن تداولها عبر وسائل إعلام وتقارير محلية كان كافياً لإثارة ردود فعل واسعة، خصوصاً في مصراتة، التي تُعد أحد أبرز مراكز الثقل العسكري في البلاد، التي خاضت تشكيلات مسلحة فيها مواجهات ضد «الجيش الوطني» خلال حرب العاصمة طرابلس (2019 - 2020).

في هذا السياق، عبّر وفد من القيادات السياسية في المدينة، خلال لقائه نائبة مبعوث الأمم المتحدة ستيفاني خوري، الثلاثاء، عن رفضه القاطع لأي ترتيبات سياسية تُصاغ خارج الإرادة الليبية، في إشارة إلى مبادرة بولس. وشدّد الوفد على ضرورة إطلاق تسوية شاملة تستند إلى توافق وطني، محذراً من أن أي صفقات من شأنها تكريس هيمنة أطراف بعينها على مقدرات الدولة، وإقصاء الليبيين عن إدارة شؤونهم، وفق أبو القاسم قزيط، عضو المجلس الأعلى للدولة، وأحد المشاركين في اللقاء.

ستيفاني خوري (أ.ف.ب)

وتطرق اللقاء إلى دعم العملية السياسية، بما يفضي إلى تشكيل سلطة تنفيذية جديدة تمهيداً لإجراء انتخابات عامة، وسط تأكيدات على أن أي مسار لا يقود إلى صناديق الاقتراع سيُبقي البلاد رهينة المراحل الانتقالية الممتدة منذ سنوات.

وكان عدد من أعيان وحكماء ومشايخ مصراتة قد أكدوا خلال لقاء مع رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي قبل أيام، رفضهم القاطع لأي ترتيبات، أو تفاهمات تُبرم خارج الأطر القانونية والدستورية، عادّين أن مثل هذه الخطوات تمثل تهديداً مباشراً لمسار الاستقرار، وتقويضاً لجهود بناء الدولة، ودعوا إلى الالتزام بالمسارات الشرعية والدستورية.

وتكتسب هذه التطورات أهميتها من المكانة التي تحتلها مصراتة في المشهد الليبي، إذ تمتلك المدينة قوة مسلحة من تشكيلات، لعبت أدواراً محورية في الثورة التي أطاحت بنظام العقيد معمر القذافي عام 2011، وبرزت بشكل خاص في معارك سرت ضد «داعش» قبل 10 أعوام.

المنفي في لقاء مع عدد من أعيان وحكماء ومشايخ مدينة مصراتة الليبية الأحد الماضي (المجلس الرئاسي)

وعلى امتداد السنوات الماضية، لعبت مصراتة، البالغ عدد سكانها 676 ألف نسمة حسب آخر إحصاء صادر قبل 5 سنوات، دوراً محورياً داخل معسكر غرب ليبيا، وانخرطت بقوة في القتال ضد هجوم قوات «الجيش الوطني»، بقيادة المشير خليفة حفتر على طرابلس (2019 - 2020)، ما رسّخ حضورها بوصفها فاعلاً رئيسياً في موازين القوى.

كما يمنحها موقعها الاستراتيجي بين طرابلس وسرت، إلى جانب امتلاكها ميناءً حيوياً وقاعدة اقتصادية متينة، نفوذاً لوجيستياً وسياسياً يصعب تجاوزه.

من جانبه، قال سالم كرواد، أحد أعيان مصراتة، لـ«الشرق الأوسط»، إن «الحل السياسي يجب أن يكون عبر حوار ليبي خالص، ودون إملاءات خارجية»، معرباً عن دهشته من حماس بعض الأطراف للمقترح الأميركي، رغم معارضتها سابقاً لتقارب مماثل مع شرق البلاد، قاده فتحي باشاغا حين تم اختياره رئيساً للحكومة المكلفة من البرلمان في شرق البلاد.

وسبق أن دعا قادة قبليون، ضمن ما يُعرف بـ«مجلس حكماء وأعيان مصراتة»، إلى رفض أي تسوية سياسية مفروضة، أو تعيد إنتاج ما وصفوه بـ«الاستبداد»، مؤكدين في بيان قبل أسبوع التمسك بالمسار الدستوري والعدالة الانتقالية، والدعوة إلى استفتاء على الدستور وإجراء انتخابات نزيهة، مع التشديد على عدم التفريط في مبادئ ثورة فبراير (شباط)، أو تضحيات الليبيين.

على الصعيد الميداني، أصدر ما يُعرف بـ«المجلس العسكري مصراتة» بياناً الثلاثاء، أعرب فيه عن قلقه من «تسارع المستجدات السياسية»، رافضاً أي ترتيبات لا تقوم على أساس دستوري واضح. وأكد أن تجاوز المسار الدستوري قد يطيل أمد المرحلة الانتقالية، داعياً إلى استفتاء على الدستور، يعقبه تنظيم انتخابات برلمانية.

يشار إلى أن المواقف الليبية في مصراتة الرافضة لمبادرة بولس ازدادت على وقع مناورات «فلينتلوك 2026»، التي شاركت فيها قوات من شرق وغرب ليبيا، برعاية القيادة الأميركية في أفريقيا «أفريكوم»، وقوبلت هي الأخرى ببعض التحفظات داخل المدينة.

في سياق تقييم المشهد السياسي، لم يستبعد المحلل السياسي الليبي أيوب الأوجلي «وجود صلة بين رفض قاطع لأي تفاهمات مع القيادة العامة للجيش الوطني، ورؤية تيار داخل غرب ليبيا يقوده مفتي الديار الليبية الشيخ الصادق الغرياني، الذي لا يرى في مثل هذه المبادرات سوى مسار لا جدوى منه، ولا يقبل التفاهم مع الطرف الآخر»، حسب تعبيره.

أما الزاوية الثانية لقراءة هذا الرفض، حسب حديث الأوجلي لـ«الشرق الأوسط»، فتتعلق بإدارة التوازنات السياسية، ورفع سقف المطالب، معتقداً أن «الدبيبة لا يفضل أن يظهر في واجهة الرافضين للمبادرة بشكل مباشر، حتى وإن كان متحفظاً عليها، بل يترك مساحة لفاعلين آخرين لتصدر مشهد الرفض أمام المجتمع الدولي، بما يمنحه هامشاً أوسع للمناورة السياسية، سواء عبر تشديد شروطه، أو إعادة صياغة موقفه من مبادرة بولس وفق مصالحه السياسية».


مقالات ذات صلة

مستشار ترمب يتحدّث عن دور أكبر لليبيا في مكافحة الإرهاب

شمال افريقيا وحدات النخبة الليبية التابعة للجيش الوطني خلال مشاركتها في تمرين «فلينتلوك 2026» المقام بمدينة سرت (شعبة الإعلام الحربي)

مستشار ترمب يتحدّث عن دور أكبر لليبيا في مكافحة الإرهاب

وصف مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، الأربعاء، تمرين «فلينتلوك 2026»، الذي تستضيفه مدينة سرت الليبية، بأنه «إشارة تبعث على الأمل».

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا جلسة مجلس الأمن بشأن ليبيا في نيويورك الثلاثاء (لقطة من تسجيل مصور)

شكوك وتساؤلات حول جدوى القيود الأممية على تهريب النفط الليبي

أثار قرار مجلس الأمن الدولي القاضي بتمديد التدابير والقيود الخاصة بمكافحة تهريب النفط الليبي حتى أغسطس 2027 شكوكاً متجددة حول جدوى هذه الإجراءات

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا المنفي يلتقي «نخبة من الفاعلين» بالعاصمة طرابلس (المجلس الرئاسي الليبي)

المنفي وتكالة يبحثان توحيد الجهود لكسر الجمود السياسي في ليبيا

شدّد محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي ومحمد تكالة رئيس المجلس الأعلى للدولة في ليبيا على «أهمية توحيد الجهود الوطنية والدفع بالمسارات الدستورية والقانونية».

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا صدام حفتر وعبد السلام الزوبي في سرت قبيل انطلاق تمرين «فلينتلوك» (قناة «ليبيا الحدث» المقربة من «الجيش الوطني»)

تعويل أميركي على «فلينتلوك 2026» لتحقيق التكامل العسكري بليبيا

عدّ مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي، انطلاق تدريب «فلينتلوك 2026» متعدد الجنسيات في ليبيا، خطوة مهمة للأمام في سياق العمل على توحيد المؤسسة العسكرية المنقسمة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا المنفي يستقبل عدداً من أعيان وحكماء ومشايخ مصراتة في لقاء مع المنفي يوم الأحد (المجلس الرئاسي الليبي)

المنفي ينفتح على أطياف ليبية عديدة خشية «إقصائه» من المشهد السياسي

يسعى محمد المنفي، رئيس المجلس الرئاسي الليبي، إلى تعضيد موقفه السياسي عبر تكثيف لقاءاته بأطياف سياسية واجتماعية متباينة تحوطاً لتفعيل مقترح أميركي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

رئيس الوزراء السوداني: لسنا معنيين بمخرجات مؤتمر برلين

رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم يوم الأربعاء (إعلام مجلس الوزراء)
رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم يوم الأربعاء (إعلام مجلس الوزراء)
TT

رئيس الوزراء السوداني: لسنا معنيين بمخرجات مؤتمر برلين

رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم يوم الأربعاء (إعلام مجلس الوزراء)
رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم يوم الأربعاء (إعلام مجلس الوزراء)

قال رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس، الأربعاء، إن حكومته غير معنية بمخرجات «مؤتمر برلين» الدولي بشأن الوضع الإنساني في السودان، مؤكداً أنها لم تتلقَّ دعوة للمشاركة في المؤتمر.

وأضاف في مؤتمر صحافي بالعاصمة الخرطوم أن تغييب الحكومة السودانية «خطأ فادح» من قبل الجهات المنظمة للمؤتمر، مشيراً إلى الاحتجاجات التي نظمتها مجموعات من السودانيين في العواصم الأوروبية تعبيراً عن رفضها لتوصيات المؤتمر واستبعاد الحكومة.

وقال: «كنا نأمل أن تُقدَّم لنا الدعوة للمشاركة في مؤتمر برلين لتوضيح الحقائق كافة عن الأوضاع في السودان».

وأكد أن حكومته منفتحة على كل المبادرات وعلى الحوار مع الأطراف الإقليمية والدولية الساعية لتحقيق السلام العادل والشامل في السودان.


تصريحات نائب عن المهاجرات الأفريقيات تثير جدلاً واسعاً في تونس

مجموعة من المهاجرين والمهاجرات الأفارقة بضواحي صفاقس (أ.ف.ب)
مجموعة من المهاجرين والمهاجرات الأفارقة بضواحي صفاقس (أ.ف.ب)
TT

تصريحات نائب عن المهاجرات الأفريقيات تثير جدلاً واسعاً في تونس

مجموعة من المهاجرين والمهاجرات الأفارقة بضواحي صفاقس (أ.ف.ب)
مجموعة من المهاجرين والمهاجرات الأفارقة بضواحي صفاقس (أ.ف.ب)

أثارت تصريحات نائب تونسي حول الاغتصاب والمهاجرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء جدلاً وانتقادات واسعة، وجّهتها منظمات المجتمع المدني، وصولاً إلى اتهامه بـ«العنصرية» حيال المهاجرين.

وفي جلسة استماع وتوجيه أسئلة لوزير الداخلية، عُقدت بالبرلمان، قال النائب طارق المهدي في مداخلته عن قضية المهاجرات: «أن تُغتصب أفريقية (مهاجرة) فهذا أمر لا يحدث. التونسيات جميلات... لا ينقصنا شيء في تونس». وأضاف المهدي في تصريحات نقلتها «وكالة الصحافة الفرنسية»: «يجب أن يخرجن بأي ثمن. لقد تم تجاوز كل الخطوط الحمراء».

وتثير الهجرة من دول أفريقيا جنوب الصحراء جدلاً في تونس بشكل منتظم.

ومطلع عام 2023، ندّد الرئيس قيس سعيّد بوصول «جحافل من المهاجرين غير النظاميين»، متحدثاً عن مؤامرة «لتغيير التركيبة الديموغرافية» للبلاد.

وندد «المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية»، في بيان، الثلاثاء، بتصريحات المهدي، معتبراً أنها «عنصرية... وتمثل اعتداء صارخاً على الكرامة الإنسانية، وتبريراً خطيراً للعنف الجنسي والاغتصاب ضد النساء»، وطالب بمحاسبته.

ولاحقاً، كتب النائب على صفحته على «فيسبوك»: «إنهم يخرجون كلامي كلياً عن سياقه، والذي لا أقصد منه أي تشجيع على أي شكل من أشكال العنف، ولا على الاغتصاب. قصدت من قولي حتى ولو خانني التعبير... أن أقول إن نساءنا من أكثر النساء جمالاً وثقافة، ولا غاية لنا أن تعتدي على أي كان».

كما استنكرت «الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان» التصريحات، في بيان، وعدّتها «انتهاكاً خطيراً لكرامة النساء، ومساساً جوهرياً بمبادئ حقوق الإنسان».

وأكدت أن خطاب المهدي «ينطوي على عنصرية فجة، ويغذي بشكل مباشر خطاب الكراهية، والتمييز ضد المهاجرين والمهاجرات من أفريقيا جنوب الصحراء».

وتُعد تونس نقطة عبور مهمة في شمال أفريقيا لآلاف المهاجرين الوافدين من دول أفريقيا جنوب الصحراء، والذين يسعون للوصول بشكل غير قانوني إلى أوروبا من طريق البحر.


حرب السودان تدخل عامها الرابع... ولا آفاق لوقف القتال

سيدة ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع يوم الأربعاء (أ.ب)
سيدة ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع يوم الأربعاء (أ.ب)
TT

حرب السودان تدخل عامها الرابع... ولا آفاق لوقف القتال

سيدة ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع يوم الأربعاء (أ.ب)
سيدة ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع يوم الأربعاء (أ.ب)

في وقت تتواصل فيه الجهود الإقليمية والدولية من أجل إنهاء الحرب في السودان التي دخلت، الأربعاء، عامها الرابع، فإنه لا تلوح في الأفق أي مؤشرات على وجود رغبة لدى أطرافها للتوصل إلى حل سلمي متفاوض عليه لإيقاف القتال، وسط أزمة إنسانية تزداد تفاقماً يوماً بعد يوم.

ومنذ تفجرت الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في صبيحة 15 أبريل (نيسان) 2023، راهن كل طرف على توجيه ضربات سريعة خاطفة للخصم، لا تتجاوز مدتها أياماً، أو بضعة أسابيع على الأكثر، لحسم المعركة، والقضاء على الطرف الآخر. لكن البلاد تقترب الآن أكثر فأكثر من سيناريو الانقسام إلى دولتين بعد عام من إعلان حكومة موازية في مناطق سيطرة «الدعم السريع» في غرب البلاد.

وُصفت الحرب المتصاعدة في السودان على مدى ثلاث سنوات دونما انقطاع بأنها الأكثر «عنفاً ودموية» في تاريخ حروب المدن؛ وحسب تقارير أممية موثقة، فإن المدنيين الأبرياء كانوا ولا يزالون أكبر ضحية لهذا النزاع، إذ دفعوا أثماناً باهظة جرَّاءه.

مساعي الوساطة

وبعد أسابيع قليلة على اندلاع الحرب، استضافت مدينة جدة، بمبادرة سعودية-أميركية، محادثات بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في مايو (أيار) أفضت إلى توقيع ما عُرف بـ«إعلان جدة الإنساني»، ونص على حماية المدنيين، والمرافق الخاصة، والعامة، والامتناع عن استخدامها لأغراض عسكرية، لكن الطرفين لم يلتزما بما اتُفق عليه.

نازحون سودانيون في تشاد ينتظرون مساعدات غذائية من برنامج الأغذية العالمية (أرشيفية - رويترز)

كما فشلت لاحقاً جولة ثانية عقدت في جدة في أكتوبر (تشرين الأول) من العام نفسه، بيد أنها واجهت تعنتاً من طرفي الصراع، وانسحب على أثرها «الجيش السوداني» من المفاوضات، ما دفع الوساطة السعودية-الأميركية إلى تعليقها، ولاحقته الاتهامات بعدم الجدية في وقف الحرب.

ولم يقف القتال عند العاصمة الخرطوم، بل تمدد لولايات جديدة لم تكن جزءاً من الحرب. وخلال الأشهر الستة الأولى، دخلت «قوات الدعم السريع» ولايتي الجزيرة، والنيل الأبيض في وسط البلاد، في وقت كان الجيش يتراجع عسكرياً قبل أن يستعيد زمام المبادرة على الأرض بعد أكثر من عام، ويسترد تلك الولايات في يناير (كانون الثاني) 2024.

مآسٍ وأوضاع إنسانية قاسية

أسفرت الحرب عن عشرات آلاف القتلى. وفي حين لم تتّضح الحصيلة الفعلية للصراع، تفيد تقديرات بأنها قد تصل إلى «150 ألفاً»، كما أدت إلى نزوح أكثر من 10 ملايين شخص داخل السودان، أو لجوئهم إلى البلدان المجاورة، بحسب أرقام الأمم المتحدة.

وعاش السودانيون طوال السنوات الثلاث الماضية أوضاعاً إنسانية قاسية جراء انتقال الحرب إلى أنحاء واسعة من البلاد، واستمروا في النزوح دون توقف مع وصول الحرب إلى إقليمي دارفور، وكردفان بغرب البلاد، وتشير التقارير الأممية إلى أن نحو 33 مليون سوداني يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي.

وفي العام الماضي، تمكنت «قوات الدعم السريع» من السيطرة الكاملة على إقليم دارفور بعد سقوط مدينة الفاشر عاصمة شمال الإقليم، وتمددت في أجزاء واسعة من ولايات غرب وجنوب كردفان وسط غرب، بينما تواصل قواتها التقدم في ولاية النيل الأزرق جنوب شرقي البلاد.

وأدت الحرب إلى أزمة إنسانية وصفتها الأمم المتحدة بـ«أسوأ كارثة نزوح في العالم»، كما أفرزت حالة من الاستقطاب القبلي والإثني الحاد، أثارت مخاوف من تحولها إلى حرب أهلية.

سودانية تنتظر هي وأطفال للحصول على الماء في مخيم للنازحين بشرق تشاد يوم الثامن من أبريل 2026 (د.ب.أ)

وتشدد كل المبادرات الإقليمية والدولية، وأحدثها خريطة طريق رسمتها الرباعية الدولية التي تضم الولايات المتحدة، والسعودية، والإمارات، ومصر، على أنه لا يوجد حل عسكري للصراع في السودان، داعية أطراف القتال إلى هدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر، تتطور إلى وقف دائم لإطلاق النار، تمهيداً لعملية انتقال شاملة وشفافة تستغرق تسعة أشهر، وتنتهي بتشكيل حكومة مدنية لا تخضع لسيطرة أي طرف مسلح.

ورغم الضغوط التي مارستها الإدارة الأميركية بفرض عقوبات مشددة على قادة عسكريين، ومؤسسات تابعة للجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، فإنها لم تجد استجابة من الطرفين للدخول في مفاوضات.

«حرب متوحشة»

ومنذ وقت باكر، سعت القوى المدنية والسياسية في تحالف «قوى الحرية والتغيير» سابقاً، (تحالف «صمود» حالياً)، للتواصل مع قيادات الجيش و«الدعم السريع» من أجل الوصول إلى وقف الحرب، وتجنب تمددها في كل البلاد.

وفي ذكرى اندلاع الحرب، قال «التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة»، المعروف اختصاراً بـ«صمود»، بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك: «إن إصرار قيادات الجيش السوداني و(قوات الدعم السريع) على مواصلة هذه الحرب المتوحشة، والعبث بأرواح وممتلكات السودانيين خلَّف أسوأ وأكبر كارثة إنسانية على مستوى العالم».

وأكد التحالف، في بيان على «فيسبوك»، الحاجة الملحة لوقف فوري للحرب، والأعمال العدائية دون قيد، أو شرط، لتيسير وصول المساعدات الإنسانية إلى نحو 33 مليون شخص، أي نحو ثلث سكان البلاد، يعانون نقصاً حاداً في الغذاء.

وحذر التحالف من استمرار عسكرة الفضاء المدني الذي قال إنه تسبب في انقسام مجتمعي حاد في كل أنحاء البلاد، مشدداً على أنه لا وجود لحل عسكري للنزاع الذي طال أمده.