يحمل الموسيقي عمر الرحباني إرث المدرسة الرحبانية بكل جدارة، لكنه لا يكتفي بالحفاظ عليه، بل يطعّمه بروح عصرية تمنحه استمرارية متجددة تنبض بالشباب وتشبه هويته الفنية.
ينتمي عمر إلى الجيل الثالث من عائلة الرحباني، وقد نهل مبادئ هذه المدرسة الموسيقية منذ طفولته على يد والده الموسيقي غدي الرحباني، فنجح في المزج بين أصالة الإرث العائلي ورؤيته الموسيقية الخاصة.
أخيراً، أصدر عمر الرحباني أغنية بعنوان «حلوة وحزينة»، تصدرت منصات التواصل الاجتماعي بعدما تخطت حاجز المليون مشاهدة. ويشكّل هذا العمل كما يذكر لـ«الشرق الأوسط» محطة مفصلية في مسيرته، فيفتح من خلاله صفحة جديدة تتجه أكثر نحو عالم الأغنية، بعد سنوات ارتبط فيها اسمه بالمؤلفات الموسيقية الآلية.

ويؤكد الرحباني في سياق حديثه أن هذه التجربة تحمل بالنسبة إليه أبعاداً فنية عديدة، ويقول: «اعتاد الجمهور أن يتابع أعمالي الموسيقية الآلية ذات الطابع الكلاسيكي والجاد. أما في (حلوة وحزينة) فقد اتجهت إلى لون موسيقي مختلف تماماً. إنها بالنسبة إلي بداية مرحلة جديدة، أطلقتها متمنياً أن تصل إلى الناس من دون أي حواجز». وكان عمر سبق وقدم إصدارات قليلة من هذا النوع، من بينها «أناركيا» مع ديالا المير و«شهادتنا تجريح» مع الفرسان الأربعة و«شتي وشمسية» مع غادة نعمة.
يروي عمر الرحباني أن رحلة أغنية «حلوة وحزينة» بدأت خلال فترة جائحة كورونا، عندما وجد نفسه أمام وقت طويل للتأمل. يومها فتح أحد أدراج مكتبه، حيث يحتفظ بلائحة قديمة تضم أهدافاً كان يطمح إلى تحقيقها. ويقول: «اكتشفت بين تلك الأهداف أمنية شراء آلة أكورديون. صحيح أن البيانو يشكل جزءاً أساسياً من حياتي الفنية، لكنني كنت أبحث عن نافذة موسيقية جديدة أطل منها على عالم مختلف».
يصف الرحباني الأكورديون بأنها آلة تشبه الصوت البشري بما تحمله من دفء وإحساس.

ومع تعمقه في اكتشافها، بدأ لحن «حلوة وحزينة» يتبلور تدريجياً. ويضيف: «شعرت منذ البداية بأن اللحن يدخل القلب بسهولة، فيما كانت الكلمات تنساب مني بعفوية، قبل أن أعود لتنقيحها مراراً».
ويشير إلى أن الأغنية سبقت إصدارها الرسمي بسنوات، إذ قدمها للمرة الأولى مع الفنانة لين الحايك ضمن مهرجان البترون عام 2023، ثم أعاد تقديمها في مهرجان «لبنانيات» في قطر عام 2025، بمشاركة الفنانة القطرية دانا المير. ويقول: «كنت أواصل تطويرها موسيقياً في كل مرة إلى أن شعرت بأنها أصبحت جاهزة لتصدر بصيغتها النهائية». ويؤكد أن النسخة التي أبصرت النور اليوم جاءت برؤية موسيقية معاصرة تنسجم مع أجواء الصيف. ويوضح: «الأغنية مليئة بالطاقة الإيجابية التي استلهمتها من صيف لبنان، وأردتها أيضاً أن تحمل جرعة من الأمل بعد سنوات من الأزمات والحروب التي عاشها البلد».
صدرت الأغنية بصوت نسائي مجهول، في خطوة تعمد الرحباني اعتمادها. ويشرح: «أردت أن يكون هذا الغموض بمثابة اختبار، لمعرفة ما إذا كان الجمهور سيتفاعل مع الموسيقى نفسها، لا مع اسم المغني فقط. ففي معظم الأحيان ينصب الاهتمام على المؤدي، فيما يمر العازفون والموسيقيون مرور الكرام، رغم أنهم شركاء أساسيون في نجاح أي عمل».
ويتابع: «بوصفي موسيقياً، أردت أن أسلط الضوء على هذه الفكرة. فالمغني ليس أهم من الموسيقي، بل يتكامل معه، وكلاهما يؤدي دوراً متساوياً في نجاح الأغنية وانتشارها».
ويعدّد أسماء العازفين الذين شاركوه هذه التجربة كرافي مندوليان على الغيتار وفؤاد عفرة على الدرامز وجوي نمور على الباص. فيما التوزيع الموسيقي وعملية الميكساج تولاهما كزافييه أسكاباس. «إنه فرنسي ويتغذى من ثقافة لبنان التي تأثر بها كثيراً. ويسهم في تطوير آلات موسيقية تحمل إرثنا الوطني. هذه العادة اتبعها الرحابنة من قبل. فكانوا يعتمدون على موسيقيين غير لبنانيين وأجانب لتطوير موسيقاهم».
وعن سبب تقديم الأغنية مرة جديدة مع المؤثرة يارا بومنصف، يقول: «بعد إصداري الأغنية شعرت بأن يارا تستطيع أن تضيف إليها بصوتها العذب. وبما أني كنت على تواصل دائم معها عرضت عليها فكرة تقديمها وتصويرها على البحر. وبالفعل نجحت يارا في إعطائها إحساساً دافئاً بصوتها وقد رافقتها في الغناء».
قد يكون الرحابنة هم الوحيدون الذين كان اسمهم يندرج تلقائياً في أغاني فيروز. فكانت الإضاءة على هوية المؤلف والملحن تحصل مباشرة. فلماذا برأيك؟ يرد عمر الرحباني: «صحيح لقد ارتبط اسم الأخوين رحباني باسم فيروز منذ البداية، وأعتقد أن الأمر يعود كونهما كانا المنتجين لأعمالها وليسا فقط ملحنين وشاعرين.
والمنتج بطبيعة الحال يستطيع التحكم بالصورة النهائية للعمل، وأنا أفتقد هذا الموضوع في أعمال حديثة. لذلك أركز على الموسيقيين كي لا يضيع حقهم. كما أني تشاركت في كتابة الأغنية مع والدي غدي الرحباني. وهذا التصويب ضروري لأن أي عمل فني هو نتاج تضافر جهد جماعي».
وعن مشاريعه المستقبلية يؤكد عمر الرحباني أن لديه حفلات موسيقية، لكنه في المقابل لا يعرف ماذا يخبئ له المستقبل. «سألحق بحدسي، وقد أكرر تجربة (حلوة وحزينة) مع عمل جديد. وأعمل اليوم على إعادة توزيع واكتشاف الموسيقى اللبنانية الأصيلة».
