إيران تدفع ترمب نحو خيارات أشد خطورة

بين سقف الحرب الجوية وشبح الإنزال

جندي من مشاة البحرية الأميركية على متن ناقلة نفط في خليج عُمان خلال عملية تفتيش ضمن الحصار البحري على إيران (أ.ف.ب)
جندي من مشاة البحرية الأميركية على متن ناقلة نفط في خليج عُمان خلال عملية تفتيش ضمن الحصار البحري على إيران (أ.ف.ب)
TT

إيران تدفع ترمب نحو خيارات أشد خطورة

جندي من مشاة البحرية الأميركية على متن ناقلة نفط في خليج عُمان خلال عملية تفتيش ضمن الحصار البحري على إيران (أ.ف.ب)
جندي من مشاة البحرية الأميركية على متن ناقلة نفط في خليج عُمان خلال عملية تفتيش ضمن الحصار البحري على إيران (أ.ف.ب)

لم تعد المعضلة التي تواجهها واشنطن تتعلق بقدرتها على إلحاق مزيد من الدمار بإيران، بل بما إذا كان هذا الدمار قادراً على تغيير سلوك النظام. فبعد خمسة أشهر من الحرب، لا تزال طهران متمسكة بأوراقها، وفي مقدمها مضيق هرمز، فيما وسّع الحوثيون بطلب منها نطاق المواجهة إلى البحر الأحمر. وفي المقابل، يدفع الرئيس دونالد ترمب بمزيد من القوات إلى المنطقة، ويقول إنه بات قريباً من اتخاذ قرار بشأن «هجوم ضخم». وبين صعوبة الحسم الجوي وخطورة إرسال قوات إلى الأراضي الإيرانية، يبدو أن النزاع يقترب من مرحلة أشد اتساعاً، من دون أن تكون أكثر حسماً بالضرورة.

ألحقت الحملة الأميركية–الإسرائيلية خسائر تكتيكية كبيرة بإيران، ودمرت قواعد صاروخية ومراكز قيادة ومنشآت إنتاج وبنى بحرية. لكن صور الأقمار الاصطناعية التي استعرضتها «وول ستريت جورنال» أظهرت أن طهران أعادت خلال أسابيع فتح مداخل أنفاق وإصلاح طرق وجسور، بعدما نجحت الغارات في ردم مداخل بعض القواعد الجبلية من دون تدمير الأسلحة المخزنة داخلها.

قصف كثيف... ونتائج محدودة

لقطة من فيديو نشره موقع «سباه نيوز» الناطق باسم «الحرس الثوري» الإيراني يُظهر عملية إطلاق صاروخ من مكان غير محدد (أ.ف.ب)

وتكشف سرعة الإصلاح أن التفوق الجوي لا يساوي تلقائياً انتصاراً استراتيجياً. فإيران فرّقت منصاتها ومخزوناتها، وحافظت على المعرفة الصناعية اللازمة لإعادة الإنتاج، وربما خزنت مكونات متقدمة في منشآت تحت الأرض. وقد أقر رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين، خلال جلسة في مجلس الشيوخ، بأن «للقوة الجوية حدوداً»، فيما وصف السيناتور الديمقراطي براين شاتز الوضع بأنه أقرب إلى طريق مسدود.

وهو ما يؤكده أيضاً الباحث فرزين نديمي المتخصص في شؤون الأمن والدفاع في معهد واشنطن، في حديث مع «الشرق الأوسط»، مشيراً إلى أن الحملة «أوقعت خسائر فادحة، لكنها قاربت حدودها القصوى» أمام قدرات إيران غير المتكافئة وسرعتها في في تشتيت قواتها وإعادة تشكيلها. وبرأيه، تستطيع واشنطن تنفيذ جولة جديدة من القصف المكثف، لكن إحداث تحول كبير في ميزان القوى قد يكون مستحيلاً من دون مشاركة إسرائيلية مباشرة وواسعة.

استنزاف داخلي وتصدعات سياسية

غير أن رهان طهران على حرب الاستنزاف لا يخلو من أخطار داهمة على الجبهة الداخلية؛ فالمواجهة الممتدة تأتي على خلفية أزمات اقتصادية معقدة وتضخم متصاعد أرهق الشارع الإيراني، ما يطرح أسئلة ملحة حول مدى قدرة البنية التحتية والمجتمعية على الصمود. كما تُعقّد هذه الضغوطُ المشهدَ السياسي الداخلي، حيث بدأت تبرز خلافات لـ «حرب أجنحة» مكتومة بين التيار المحافظ المتشدد، وتيارات أكثر براغماتية تُحذّر من كلفة العزلة وتآكل قدرات الدولة.

ورغم مهارة النظام في إدارة الحرب غير المتكافئة، فإن تراجع العائدات وتراكم الأضرار في المنشآت الحيوية يُضعفان القدرة على إدارة الخدمات الأساسية، ليصبح عامل الوقت سيفاً ذا حدين؛ ففي حين تراهن إيران على استنزاف صبر واشنطن وإرهاق خياراتها، تخوض في المقابل سباقاً مع الزمن لمنع انزلاق الجبهة الداخلية وتعمق التباينات السياسية.

رهان إيران على المضائق

صورة جوية لجزيرة قشم الإيرانية عند مضيق هرمز (رويترز)

تراهن طهران على أن قدرتها على تهديد الملاحة وتعطيل صادرات الطاقة تمنحها وزناً لا تستطيع الغارات انتزاعه بسهولة. وقد حافظت، وفق نديمي، على ورقة مضيق هرمز رغم القصف المتواصل، فيما أدخل الحوثيون البحر الأحمر وباب المندب في المواجهة، ما رفع أسعار النفط إلى أكثر من مائة دولار للبرميل وضاعف المخاوف على أهم ممرات الطاقة.

هذا التصعيد دفع بعض المراقبين إلى القول إن النظام الإيراني اختار مساراً يشبه «الانتحار السياسي» لأنه لا يكتفي بمواجهة الولايات المتحدة، بل يستفز دول الخليج ويعرّض مصالح الأوروبيين والاقتصاد العالمي للخطر ما قد يوسّع التحالف المناهض له. غير أن إدخال الحوثيين يمكن قراءته أيضاً بوصفه محاولة إيرانية لرفع كلفة الضغط الأميركي وإثبات أن الحرب لن تبقى محصورة داخل الأراضي الإيرانية.

ويبدو أن طهران فسّرت مذكرة التفاهم التي وقعتها مع واشنطن في يونيو (حزيران) لإعادة فتح مضيق هرمز باعتبارها دليلاً على حاجة ترمب إلى إنهاء الحرب، لا فرصة لإعادة الاندماج في النظام الدولي.

ومع انهيار التهدئة ومذكرات التفاهم الموقعة سابقاً بشأن هرمز، بات الرئيس الأميركي مقتنعاً بأن إيران لا تفهم إلا لغة القوة، بينما قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولاين ليفيت، ووزير الخارجية ماركو روبيو، إن طهران ستواصل دفع الثمن إلى أن تعود إلى مفاوضات يراها ترمب جدية.

ترمب بين الانتقام والكلفة

وفيما نقل عن مسؤول كبير في الإدارة أن ترمب أصبح متشككاً في الدبلوماسية ودخل في حالة «سعي إلى الانتقام» بعد مقتل عسكريين أميركيين، قال ترمب لموقع «أكسيوس» إنه يفكر في هجوم «أكبر من أي وقت مضى»، مؤكداً استعداد القوات الأميركية، مع أنه لم يتخذ قراره النهائي بعد.

ويعكس الحشد العسكري جدية الخيارات المطروحة. فقد نُقلت قوات للعمليات الخاصة ومقاتلات «إف-16» و«إف-35» وطائرات للتزود بالوقود، ووضعت قاذفات «بي-1» بعيدة المدى في حالة تأهب. كما وصل أكثر من 150 عنصراً من الطواقم الطبية إلى مركز لاندشتول في ألمانيا، الذي يستقبل عادة المصابين في العمليات الأميركية بالشرق الأوسط.

وتنتشر في المنطقة أيضاً 17 سفينة حربية، بينها مجموعتان قتاليتان لحاملتي طائرات، فيما تستمر الضربات الليلية لليوم الثالث عشر على التوالي.

لكن الكلفة تتزايد بدورها؛ إذ بلغت نفقات الحرب نحو 37.5 مليار دولار، وقُتل 18 عسكرياً أميركياً، بينما تراجعت نسبة مؤيدي الحرب داخل قاعدة ترمب من النصف إلى الثلث، وفق استطلاع «بوليتيكو»، وسط خشية جمهورية من أثر أسعار الوقود على انتخابات التجديد النصفي.

تصعيد محدود أم قوات برية؟

لقطة من فيديو لجندي أميركي على متن مروحية وهو يوجّه تحذيراً إلى سفينة إيرانية قرب مضيق هرمز أبريل الماضي (سنتكوم)

يتمثل الخيار الأول في توسيع بنك الأهداف ليشمل مزيداً من الجسور ومحطات الطاقة ومراكز الإنتاج، مع محاولة تدمير قدرات إيران على تهديد هرمز. لكنه يحمل أخطار سقوط أعداد أكبر من المدنيين، وقد لا يدفع النظام إلى التراجع، بل إلى توسيع هجماته على القواعد الأميركية ودول الخليج.

أما المعضلة الأصعب فهي «جبل الفأس»، حيث تشتبه أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية في نقل آلاف أجهزة الطرد المركزي إلى أنفاق عميقة. ويقول مايكل روبين مدير تحليل السياسات في منتدى الشرق الأوسط، في حديث مع «الشرق الاوسط»، إن الحرب الجوية «بلغت حدودها»، لأن الأسلحة التقليدية لا تستطيع معالجة مشكلة الموقع المحصن، مضيفاً أن السؤال الحقيقي أصبح ما إذا كانت قوات أميركية ستدخل أراضي إيرانية، بما في ذلك الجزر الإيرانية في الخليج.

ويرى نديمي أن حملة برية شاملة لا تزال أقل احتمالاً، لكن عمليات محدودة في الجنوب أو قرب منشأة نطنز تبقى ممكنة. وقد تستخدم القوات الخاصة في إنزال سريع أو تدمير منشآت محددة، من دون التورط في احتلال واسع. إلا أن مثل هذه العمليات قد تفتح باباً يصعب إغلاقه، خصوصاً إذا ردت إيران على دول تستضيف الطائرات والقوات الأميركية.

لذلك، يبدو السيناريو الأقرب مزيجاً من قصف أوسع وعمليات محدودة وضغط بحري، مع احتمال انضمام إسرائيل إذا قرر ترمب طلب ذلك. لكن النتيجة المرجحة على المدى القريب ليست استسلام إيران ولا اجتياحاً أميركياً شاملاً، بل حرب استنزاف وهدنة غير مستقرة تتخللهما موجات تصعيد متعاقبة. فالحرب الجوية قاربت سقفها، غير أن الانتقال إلى ما بعدها قد يضاعف الأخطار من دون أن يقدم لواشنطن نهاية واضحة للحرب.


مقالات ذات صلة

وزير النفط الإيراني يستقيل... وبزشكيان يعيّن قائماً بالأعمال

شؤون إقليمية وزير النفط الإيراني محسن باك نجاد (الرئاسة الإيرانية)

وزير النفط الإيراني يستقيل... وبزشكيان يعيّن قائماً بالأعمال

أفادت وسائل إعلام رسمية إيرانية، ​اليوم الأحد، بأن وزير النفط الإيراني محسن باك نجاد قد استقال.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
شؤون إقليمية السفن الراسية قبالة الساحل في محافظة مسندم العُمانية بالقرب من مضيق هرمز (أ.ف.ب)

استمرار التوترات العسكرية في مضيق هرمز

أفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية، يوم الأحد، بتعرض ناقلة لإصابة بمقذوف مجهول في مضيق هرمز، في حادث يعكس استمرار المخاطر الأمنية في المضيق.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية ناقلات نفط تبحر بالقرب من مضيق هرمز (رويترز) p-circle

تباعد الأولويات يعمّق الخلاف بين واشنطن وطهران

أضحت الخلافات الجوهرية في مسار المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وطهران تتركز على أولويات الأجندة؛ إذ تتمسك واشنطن باتفاق نووي بينما تركز طهران على مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (واشنطن - لندن - طهران)
الاقتصاد ألكسندر نوفاك نائب رئيس الوزراء الروسي (رويترز)

نوفاك: لجنة مراقبة الإنتاج بـ«أوبك بلس» ترى شحاً في المعروض النفطي

قال ألكسندر نوفاك، نائب رئيس الوزراء الروسي، إن اللجنة الوزارية المشتركة لمراقبة الإنتاج في تحالف «أوبك بلس»، أشارت إلى وجود تقلبات شديدة في أسواق النفط.

«الشرق الأوسط» (فيينا)
الاقتصاد شعار «أوبك» (رويترز)

«أوبك بلس» قلق من استهداف البنية التحتية للطاقة

أعربت اللجنة الوزارية المشتركة لمراقبة الإنتاج في تحالف «أوبك بلس»، عن قلقها إزاء الهجمات التي تستهدف البنية التحتية للطاقة.

«الشرق الأوسط» (فيينا)

وزير النفط الإيراني يستقيل... وبزشكيان يعيّن قائماً بالأعمال

وزير النفط الإيراني محسن باك نجاد (الرئاسة الإيرانية)
وزير النفط الإيراني محسن باك نجاد (الرئاسة الإيرانية)
TT

وزير النفط الإيراني يستقيل... وبزشكيان يعيّن قائماً بالأعمال

وزير النفط الإيراني محسن باك نجاد (الرئاسة الإيرانية)
وزير النفط الإيراني محسن باك نجاد (الرئاسة الإيرانية)

أفادت وسائل إعلام رسمية إيرانية، ​اليوم الأحد، بأن وزير النفط الإيراني محسن باك نجاد قد استقال، وأن حامد بوفارد، الرئيس التنفيذي لشركة النفط الوطنية الإيرانية المملوكة ‌للدولة، سيتولى ‌منصب ​القائم ‌بأعمال ⁠الوزير.

وقال مهدي ‌طباطبائي، ‌نائب رئيس مكتب ​الرئيس الإيراني ‌مسعود بزشكيان لشؤون الاتصالات، في ‌تصريح للتلفزيون الرسمي، إن باك نجاد استقال لأسباب شخصية قائمة «منذ فترة طويلة»، مضيفاً أن الرئيس ‌قبل استقالته بعد إصرار الوزير، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وتولى محسن باك نجاد وزارة النفط في إيران، عضو منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك)، ⁠في أغسطس (آب) 2024، ‌وتأتي ‌استقالته في ​ظل ضغوط الحرب ‌الدائرة بين إيران ‌والولايات المتحدة منذ سبعة أشهر على اقتصاد البلاد.

ونقلت وسائل الإعلام الرسمية عن مسؤول ‌بمكتب الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان قوله: «بعد قبول ⁠الدكتور ⁠بزشكيان استقالة محسن باك نجاد، تم تعيين حامد بوفارد وزيراً للنفط بالوكالة».

وقبل إعلان استقالته، نقلت وسائل الإعلام الرسمية عن باك نجاد قوله: «لا تزال عائدات النفط الذي بعناه ​مستمرة، ​وستستمر بإذن الله».


بعد واقعة «فلاي دبي»... نتنياهو يأمر بمراجعة الإجراءات الأمنية على متن الرحلات الجوية

 رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (قناته عبر تطبيق «تليغرام»)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (قناته عبر تطبيق «تليغرام»)
TT

بعد واقعة «فلاي دبي»... نتنياهو يأمر بمراجعة الإجراءات الأمنية على متن الرحلات الجوية

 رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (قناته عبر تطبيق «تليغرام»)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (قناته عبر تطبيق «تليغرام»)

أمر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الأحد، بمراجعة الإجراءات الأمنية للرحلات الجوية الدولية المتجهة إلى إسرائيل، عقب مهاجمة مساعد طيار قبطان طائرة عائدة لشركة «فلاي دبي» متجهة من دبي إلى تل أبيب هذا الأسبوع.

وقال مكتب رئيس الوزراء، في بيان، إن نتنياهو «أوعز إلى رئيس مجلس الأمن القومي، شموئيل بن عزرا، بتعيين مُدقّق لإجراء مراجعة شاملة لجميع الجوانب الأمنية المتعلقة بالطيران المدني الأجنبي المتجه إلى إسرائيل»، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية.

وكانت الرحلة المتجهة من دبي إلى تل أبيب قد اقتربت من كارثة صباح الأربعاء، عندما طعن المهاجم قائده.

وقال أشخاص كانوا على متن الطائرة في مقابلات معهم، إن القائد، الذي أصيب بجروح بالغة، تمكن من فتح باب قمرة القيادة، ما سمح لمجموعة من الركاب وأفراد الطاقم بالسيطرة على المهاجم، فيما تمكن طياران احتياطيان كانا على متن الرحلة من استعادة السيطرة على الطائرة وتثبيتها، ثم الهبوط بها بسلام.

وكشفت شبكة «سي إن إن»، نقلاً عن مصادر، أن مساعد قائد الطائرة يدعى همام الهمامي.


إسرائيل تقرر إغلاق الضفة ومعابر غزة في ذكرى «7 أكتوبر»

عنصر من الدفاع المدني الفلسطيني يحاول إخماد حريق عقب هجوم شنه مستوطنون إسرائيليون على قرية شمال شرقي رام الله الأحد (أ.ف.ب)
عنصر من الدفاع المدني الفلسطيني يحاول إخماد حريق عقب هجوم شنه مستوطنون إسرائيليون على قرية شمال شرقي رام الله الأحد (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تقرر إغلاق الضفة ومعابر غزة في ذكرى «7 أكتوبر»

عنصر من الدفاع المدني الفلسطيني يحاول إخماد حريق عقب هجوم شنه مستوطنون إسرائيليون على قرية شمال شرقي رام الله الأحد (أ.ف.ب)
عنصر من الدفاع المدني الفلسطيني يحاول إخماد حريق عقب هجوم شنه مستوطنون إسرائيليون على قرية شمال شرقي رام الله الأحد (أ.ف.ب)

قررت السلطات الإسرائيلية، الأحد، فرض إغلاق على الضفة الغربية وإغلاق المعابر المؤدية إلى قطاع غزة، يومي الاثنين والأربعاء المقبلين، بالتزامن مع الذكرى الثالثة لهجمات السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

وقال وزير الأمن الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، في بيان، إنه أقر توصية الجيش بفرض الإغلاق في الخامس والسابع من الشهر الحالي، في ضوء ما وصفه بـ«تقييم الوضع الأمني»، وبمناسبة إحياء ذكرى أحداث السابع من أكتوبر 2023.

وينص القرار على استثناء حالات محددة في الضفة الغربية بعد الحصول على موافقة منسق أعمال الحكومة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، إلى جانب السماح بمرور العاملين الأساسيين في القطاع الصحي وحالات مرتبطة بالتزامات قدمتها إسرائيل أمام المحكمة العليا، واحتياجات تتعلق بمنطقة التماس.

ويشمل القرار كذلك إغلاق المعابر المؤدية إلى قطاع غزة خلال اليومين المحددين؛ ما يفرض قيوداً إضافية على حركة الفلسطينيين عبر نقاط العبور.

الجيش الإسرائيلي يغلق الطريق في حين يحتج فلسطينيون على الاستيطان قرب الخليل بالضفة الغربية المحتلة في يونيو الماضي (رويترز)

وربط البيان الإسرائيلي قرار الإغلاق بتقييم الوضع الأمني، وبمناسبة إحياء ذكرى هجمات السابع من أكتوبر 2023، دون الإشارة إلى حادث أمني محدد وراء القرار.

وتفرض إسرائيل إغلاقات على الضفة الغربية في مناسبات وأوقات تقول السلطات إنها تتطلب تشديد الإجراءات الأمنية، وتشمل القيود حركة الفلسطينيين عبر الحواجز والمعابر، مع السماح باستثناءات تحددها السلطات الإسرائيلية.

ويتزامن الإغلاق المقرَّر، الأسبوع الحالي، مع تنظيم مراسم في إسرائيل لإحياء الذكرى الثالثة للهجمات، من بينها مراسم مقررة، الاثنين، في القدس لعائلات قتلى الهجمات والحرب.

المسؤولية عن الإخفاق في «فلاي دبي»

في غضون ذلك، تحول ملف محاولة إسقاط طائرة «فلاي دبي»، الذي وقع، الأسبوع الماضي، في أثناء تحليقها من دبي إلى تل أبيب، إلى مادة للجدل السياسي، وتحميل المسؤولية عن «إخفاق أمني» إسرائيلي.

وتواكب ذلك السجال مع قرب الانتخابات الإسرائيلية المقررة، نهاية الشهر. ونقلت وسائل إعلام عبرية أن إسرائيل تلقت مسبقاً قائمة بأسماء أفراد طاقم وركاب رحلة «فلاي دبي». وبحسب مصادر أمنية فإن «الجهات في المؤسسة الأمنية المسؤولة عن مراقبة وفحص أطقم الرحلات الخارجية في إسرائيل، والتي كان يُفترض أن تفحص القائمة هي قسم الأمن في وزارة المواصلات وجهاز (الموساد)».

ووفق المصادر الأمنية، «يُفترض بالجهتين المذكورتين أن تتلقيا قوائم أطقم الرحلات من الخارج القادمة إلى إسرائيل، قبل 48 ساعة من موعد الرحلة، وأن تبلغا عن وجود شبهات بشأن أي من أفرادها».

وجاء في موقع قسم الأمن والطوارئ والأمن السيبراني في وزارة المواصلات، أن من ضمن مهام القسم الأمني «تحديد وتطوير وتكييف وتوجيه إجراءات الأمن لخدمات النقل الجوي من إسرائيل وإليها، بما يضمن خلوها من التهديدات الإرهابية، ومن بينها إجراء فحص أمني للرحلات الأجنبية التي تعبر إسرائيل أو تصل إليها».

ركاب من رحلة تابعة لشركة «فلاي دبي» (كانت قد حَوَّلت مسارها سابقاً) بعد هبوطهم في مطار بن غوريون الإسرائيلي (أ.ف.ب)

وقال جهاز الأمن العام (الشاباك) في هذا السياق، إنه مسؤول عن أمن شركات الطيران الإسرائيلية فقط، إلى جانب توجيهات الأمن في مطار «بن غوريون»، وليس عن شركات الطيران من الخارج.

وتوافق ذلك مع تقرير نشرته وكالة «أسوشييتد برس» عمن وصفته بـ«مسؤولين إقليميين»، الأحد، أن «السلطات الإماراتية كانت قد شاركت مع إسرائيل قائمة بأسماء الركاب وطاقم العمل قبل انطلاق رحلة (فلاي دبي)»، وأضافت أن تل أبيب لم تبلغ عن أي ملاحظات أمنية حول الركاب أو طاقم الرحلة.

وكان النائب العام الإماراتي حمد الشامسي، قد أعلن السبت، أن التحقيقات كشفت عن شروع مساعد قائد طائرة «فلاي دبي» في تنفيذ «عملية إرهابية». وبحسب الشامسي، فإن «التحقيقات لا تزال جارية لكشف جميع ملابسات الواقعة ودوافعها والصلات المرتبطة بها، إلى جانب استكمال الفحوص الفنية، وفحص الأدلة المادية والرقمية، على أن تُعلن النتائج النهائية فور استكمال الإجراءات اللازمة».

نتنياهو يكرس الاحتفالات

ويسعى المسؤولون الأمنيون والسياسيون الإسرائيليون إلى التهرب من المسؤولية عن واقعة «فلاي دبي». بينما يعمل رئيس الوزراء نتنياهو على تكريس مسار الاحتفالات بنجاة الركاب «بفضل الطيار الهندي والركاب الإسرائيليين»، بينما سعى فريقه الانتخابي إلى الترويج بأن الحادث يثبت أهمية دوره في قيادة إسرائيل.

وقد علق الكاتب الإسرائيلي البارز، بن كسبيت بالقول، في منشور على «إكس»: «والآن، يمكننا أن نحدد بشكل مؤكد: كان هنا تقصير. إخفاق من النوع الكبير. الطيار (...)، وجد نفسه يقود طائرة تضم 174 إسرائيلياً إلى إسرائيل. وهذه ليست المرة الأولى. الإخفاق هو أولاً لدى المستوى المهني: (الموساد) و(الشاباك) ووزارة المواصلات، رومان غوفمان ودافيد زيني وغيرهما من المسؤولين في (الليكود)، ووزيرة المواصلات ميري ريغف، الذين قاموا بتعيينهم في مناصبهم. في دولة طبيعية سليمة كان يتحمل مسؤولية إخفاق كهذا أيضاً القيادة السياسية، ولكن ليس عندنا؛ فهنا ستواصل ريغف شم الهواء في الخارج، بينما نتنياهو يستطيع الاستمرار في التقاط الصور، وتسجيل الأفلام مع الأبطال الناجين، وتجاهل حقيقة أنهم اضطروا إلى إنقاذ أنفسهم؛ لأنه فشل. فشل للمرة المائة في أداء واجبه».

وذكر بن كسبيت أن «إسرائيل مرت بتجربة شبيهة في سنة 2002؛ ففي حينه حاول مسلحان من كينيا تفجير طائرة مدنية إسرائيلية بواسطة صاروخي كتف من طراز (ستريلا)، بعد أن أقلعت. وبناءً على ذلك، أجريت دراسات ومشاورات عدة، ووضعت سلسلة قوانين وإجراءات جديدة، تستند إلى القناعة بأنه حيثما يوجد إسرائيليون وطائرات متجهة إلى إسرائيل يوجد خطر تفجير».

وكان الكنيست الإسرائيلي قد صادق في عام 2023، على مشروع قانون نص على إنشاء مركز يفحص مسبقاً قوائم أسماء الركاب وأفراد الطواقم القادمين إلى إسرائيل. وأنشئت وحدة فحص قوائم الركاب داخل سلطة الضرائب، ومن المفترض أن تنقل المعلومات التي تصل إليها أيضاً إلى ممثلي «الشاباك» والشرطة و«الموساد» لفحص القوائم. وفي سنة 2024، أصدر مراقب الدولة متنياهو إيغلمان، تقريراً حذر فيه من إن إجراءات الأمن في الطائرات الإسرائيلية من جهة، وفي الطائرات الأجنبية المتجهة إلى إسرائيل غير كافية لتوفير الأمن.

وأمام كل هذه المعطيات، لا تتحمل الحكومة المسؤولية، والإعلام باشر اتهام نتنياهو ووزيرته ريغف، لكن مصادر مقربة منه اتهمت أجهزة الأمن بالتقصير - كما في 7 أكتوبر - والتهرب من المسؤولية، وإلقائها على القيادة السياسية.

ونشرت وسائل إعلام عبرية أن «مصادر سياسية في أبوظبي أبلغتها بأن الإمارات غاضبة بسبب تسرع الحكومة الإسرائيلية في إصدار الأحكام، واستغلالها القضية في المعركة الانتخابية، بينما هي قضية أمنية ضخمة تتعلق بمكافحة الإرهاب، وتحتاج إلى تغليب كل المصالح وإخضاعها لهذه المصلحة».