أحزاب عراقية تخوض «معركة مصيرية» على أبواب الانتخابات

قراءة في تحولات المزاج السياسي والشعبي

من انتخابات عام 2021 (آ ب)
من انتخابات عام 2021 (آ ب)
TT

أحزاب عراقية تخوض «معركة مصيرية» على أبواب الانتخابات

من انتخابات عام 2021 (آ ب)
من انتخابات عام 2021 (آ ب)

تستغل الطبقة السياسية في العراق، في الغالب، المواسم الدينية والانتخابية لتعزيز مكاسبها لدى المواطن العراقي. وفي المقابل، لا تأخذ بعين الجد المواسم الوطنية العامة مثل ذكرى تأسيس الدولة ويوم الجيش ويوم الشرطة ويوم الشجرة، أو بداية فصل الربيع الذي تحوّل لاحقاً إلى «عيد النوروز» المحتفى به كردياً في المقام الأول. في المواسم الدينية يحاول الساسة استثمار مثل هذه المناسبات لضخ إما المزيد من الأموال من أجل الكسب الجماهيري، وإما محاولات الظهور وسط الناس - بلا حواجز أحياناً - بهدف «تحسين السمعة» من منطلق أن ذاكرة المواطن «سمكية» كما يظنون. أما الانتخابات، التي هي موسم يتكرّر كل أربع سنوات، فإن التحشيد لها يبدأ مبكراً، حتى قبل بدء الدعاية الرسمية التي تضع لها في العادة مفوضية الانتخابات قواعد وشروط وآليات ليست - عموماً - أكثر من إجراءات ذات طابع شكلي في الغالب بالقياس إلى الطريقة التي تسعى من خلالها الطبقة السياسية إلى تصدير نفسها أو إعادة تصدير نفسها من جديد وسط محاولات استمالة الرأي العام الجماهيري. والهدف في كل الحالات هو كسب الأصوات أيام الانتخابات.

لأن كسب الأصوات بأي طريقة هو هدف أي انتخابات في العراق، فإن الوسيلة المثلى لتحقيقه هي ضرب الخصوم بعيداً عن مبدأ «شرف الخصومة» من جهة. ومن جهة ثانية، هناك عادة استمالة الجمهور عبر استغلال حاجاته الملحة، وعلى رأسها اليوم هي «التعيين» في جهاز الدولة الذي تضخّم كثيراً.

في كل موسم انتخابي عراقي، منذ أول انتخابات عام 2005 إلى اليوم، وهي 5 مواسم، يصار إلى توظيف الآلاف مِن قبل مَن يملك أدوات التوظيف. والدليل على ذلك «جيوش» الموظفين والمتعاقدين والحاصلين على رواتب الرعاية الاجتماعية يزيدون على العشرة ملايين عراقي. وكلهم يستنزفون ثلاثة أرباع موازنة البلاد النفطية البالغة أكثر من 120 مليار دولار شهرياً.

المواطنة المفقودة

ولأنه لا توجد معارضة سياسية في العراق قابلة للترجمة على شكل كتل برلمانية يمكن أن تتوحّد لتشكل الحكومة، فإن الطريقة الفعالة للمعركة ضد الممسك بالسلطة... يمكن أن تأتي من داخل الحزب أو الائتلاف أو المكوّن.

ونتيجة لتضخّم الشعور المكوّناتي لدى الطبقة السياسية، المتمثلة بالانتماء إلى الطائفة والمذهب والعشيرة بدلاً من الدولة - في ظل فقدان الشعور بالمواطَنة - ظلت الطبقة السياسية العراقية تنظر إلى المناصب السيادية العليا (رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة ورئاسة البرلمان) بوصفها حصص مكوّنات لا جهاز دولة للوطن. وبالتالي، نسف احتكار هذه المناصب من قبل أبناء المكونات وإمكانية نشوء «كتلة وطنية» حقيقية يمكن أن تغير المعادلة.

غير أن المفارقة، التي ربما لم تنتبه لها الطبقة السياسية، هي أنها بعد 5 انتخابات برلمانية، تجد نفسها أمام مأزق جديد، يتمثل بإشكالية التناقضات داخل المكوّن ذاته، أي ضمن الشيعة والسنّة والأكراد.

حالياً لا الشيعة، مثلاً، متفقون على منصب رئيس الوزراء فضلاً عن الإصرار على عدم التجديد لأي رئيس وزراء لولاية ثانية من الآن فصاعداً، ولا السنّة متفقون على منصب رئيس البرلمان، ولا الكرد على منصب رئيس الجمهورية. لكن بما أن منصب رئيس الوزراء هو الأهم في هرمية السلطة في العراق فإن الإشكالية باتت أكبر بكثير داخل المكون الشيعي مقارنة مع المكوّنات الأخرى. ونتج عن هذا الوضع نوع آخر من الحرب الموازية قوامها المزيد من الأسئلة «الشبحية» التي يطرحها المواطن العراقي.

الغالبية الناطقة

ولكون الخلافات والمشاكل والأزمات بين أطراف العملية السياسية ما عادت تقتصر على ما هو طبيعي في أي حياة سياسية برلمانية، فإنها تعدت ذلك إلى ما هو أعمق وأكثر تأثيراً، بجانب الفساد المالي، فجّر في النهاية نوعاً من الخصومة بين المواطن ومعظم أبناء الطبقة السياسية.

وكانت الحصيلة، بالتالي، تشكيل «نوعين» من الجمهور:

النوع الأول «زبائني» متخادم مع هذه الطبقة السياسية، يمنحها صوته الانتخابي باستمرار. والنوع الثاني هو الجمهور الذي يمكن اعتباره الغالبية الصامتة.

نسبة الجمهور «الزبائني» لا تتعدى الـ25 في المائة من مجموع العراقيين، بينما تقدّر نسبة «الغالبية الصامتة» 75 في المائة وجمهورها غالباً ما يصب جام غضبه على الطبقة السياسية، متمنياً زوالها لكونه غير منتم حزبياً.

أمر آخر مهم، هو أنه بعدما كان جمهور الغالبية صامتاً أو مكبوت الصوت خلال الانتخابات الثلاث الأولى في العراق بعد عام 2003، تغيّر الحال مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي (السوشيال ميديا)، وحصول معظم العراقيين على الهواتف الذكية وما تحتويه من تطبيقات. وهكذا صار هذا الجمهور يخوض معاركه الموازية ضد الطبقة السياسية. أحياناً ضد كل الطبقة السياسية، وأحياناً أخرى ضد أطراف منها.

المزاج الشعبي المتقلّب

على أن المزاج الشعبي والسياسي في العراق متقلب طبقاً للمواسم والأزمات. ولذا فإن طريقة التعامل مع الطبقة السياسية تختلف إلى الحد الذي تطرح أحياناً المزيد من الأسئلة الشبحية التي تبدو مستعصية على إجابات، مثل «شكو ماكو؟» أو «وين أحنه رايحين؟»، وسواها من الأسئلة التي تعبر عن شعور بالرفض، أو بمزاجية يمكن أن تتغير بعد حصول أزمة أخرى، أو وقوع حدث طارئ يمكن أن يجمع المتخاصمين.

بغداديون... أم متبغددون؟

وبما أن المزاج الآن «مزاج انتخابي» برائحة «المساومات» وأنواع مختلفة من «التخادم السياسي والمالي»، فإن ملامح المعركة الانتخابية المقبلة تبدو كما لو كانت معركة مصير بالنسبة للقوى السياسية الرئيسة التي تمكنت من ترسيخ حضورها طوال السنوات الـ22 الماضية.

اللافت للنظر، هنا، أن أبرز ملامح المعركة الانتخابية المقبلة، ومن قبل قادة الخط الأول في العراق، تتركز على العاصمة بغداد لما تمثله من ثقل سكاني كبير يمكنه تغيير معادلة الانتخابات.

في العاصمة بغداد، التي تضم أكبر تجمع بشري عراقي (نحو 10 ملايين نسمة) يتنافس على صدارتها عدد من أبرز الزعماء السياسيين العراقيين الذين ليسوا من مواليدها أصلاً، وعلى رأسهم رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي (محافظة كربلاء)، ورئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني (محافظة ميسان)، ورئيس البرلمان السابق محمد الحلبوسي (محافظة الأنبار)، ووزير التعليم العالي نعيم العبودي (محافظة ذي قار)؛ إذ بدأت صورهم ولافتاتهم مع المرشحين والمرشحات من الزعامات السياسية المكرّسة، أو ممن يريد أن يجرب حظه من جديد، تغزو شوارعها وساحاتها الرئيسية.

الأمر نفسه ينطبق على المحافظات الأخرى، حيث يسعف قانون الانتخابات الحالي بجعل العراق دائرة انتخابية لكل محافظة، ما يعني أنه يحق لكل المرشحين في أي محافظة نشر صورهم ودعاياتهم الانتخابية في كل أرجاء المحافظة. غير أن معركة بغداد، التي كانت مؤجلة من انتخابات سابقة، تبدو هذه المرة الأكثر شراسة وخوفاً لجهتي طبيعة المتنافسين ومستوى الشد الطائفي داخل العاصمة.

تأثير الغياب الصدري

في ظل غياب «التيار الصدري» بزعامة رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر عن المشاركة في الانتخابات، فإن العدد الكلي لناخبي بغداد سيتأثر بهذه المعادلة بالضد من الشيعة لصالح السنة من سكان العاصمة.

فمن ناحية، المرشح السني الأبرز في العاصمة بغداد هو رئيس البرلمان السابق محمد الحلبوسي، الذي تتوقع مؤشرات استطلاعات الرأي أن يحتل المرتبة الأولى في بغداد. والسبب الرئيس في ذلك أن أكبر المتنافسين الشيعة في بغداد، وهما رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي ورئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني، سيتقاسمان الأصوات في محافظة العاصمة.

وفي ظل تغيب الصدريين، وهم الغالبية من الشيعة من سكان بغداد، فإن أرقام القادة الشيعة - وأبرزهم المالكي والسوداني اللذان يعيشان خصومة سياسية واضحة - ستتأثر، في حين سيحشد السنّة أصواتهم لصالح المرشح السني الأبرز؛ أي محمد الحلبوسي، الأمر الذي سيدمغ معركة بغداد الانتخابية بالسمة الطائفية. من جهة ثانية، ثمة سرديات تاريخية تتنازع طائفياً على هوية العاصمة، بلغت ذروتها مع سقوط النظام الملكي وقيام الجمهورية الحديثة بعد ثورة قادها عبد الكريم قاسم.

ويرجع خبراء ومؤرخون انتعاش هذه السرديات إلى غياب سردية وطنية للهوية ترعاها قوانين وحريات عامة.

تغيير ديمغرافية العاصمة

ومع مرور السنوات، وبسبب تغييرات سكانية جراء الهجرة والهجرة المعاكسة، تغير الكثير على مستوى ديموغرافية العاصمة، تحت تأثيرات سياسية واقتصادية عاصفة.

وبعد عام 2003، بلغ الصراع الطائفي أشده، لا سيما بعدما تحولت العديد من أحياء بغداد إلى ساحات حروب أهلية. ومع أن الدولة، وبمساعدة حاسمة من القوات الأميركية، تمكّنت من إلحاق الهزيمة بتنظيم «القاعدة»، وتصفية أبرز قادته، بدءاً من «أبي مصعب الزرقاوي»، ظلت النار تستعر تحت الرماد على صعيد التنافس والصراع المذهبي الطائفي حتى انتخابات عام 2010.

في تلك الانتخابات، تغيّرت المعادلة السياسية عبر تأويل مادة دستورية تتعلق بتفسير الكتلة الأكبر في البرلمان. إلا أن الدستور العراقي، الذي كُتب بيد خبراء حزبيين تحت سلطة الحاكم المدني الأميركي بول بريمر، كان قد ساهم في تشريع أرضية لإذكاء الانقسام المذهبي والقومي.

وهنا يكشف سياسي بارز شارك في كتابة الدستور عن تفاصيل «الاستعجال في كتابة الدستور والإصرار على تمريره رغم الملاحظات». ويقول لـ«الشرق الأوسط» - رافضاً الكشف عن اسمه - إنه «حين وصلت لجنة كتابة الدستور إلى المراحل النهائية، ذهب وفد منها إلى النجف لمقابلة المرجع الشيعي علي السيستاني وإطلاعه على النتائج».

وتابع السياسي العراقي: «بينما كنا فرحين بما نعتقد أنه إنجاز دستور، حثّنا السيستاني على التريث وتحاشي الاستعجال في كتابة دستور دائم»، وأردف: «تبيّن لنا أن رأي المرجع كان صائباً بعد ما رأيناه من خلافات بين المذاهب والقوميات». وخلال الاستفتاء على نصوص الدستور عام 2005، رفضه السكان من العرب السُّنة في محافظات نينوى والأنبار وصلاح الدين، وأجزاء من العاصمة بغداد. وكان الدستور يقضي ببطلانه في حال رفضته 3 محافظات، لكنه - مع هذا - مرّ في النهاية إثر تدخلات سياسية قادت إلى حصول موافقة محافظة نينوى.

«فوبيا» البعث عند المالكي

محاولات إبعاد البعثيين عن المشهد السياسي كانت ولا تزال جزءاً من المزاج السياسي والمواقف الثابتة للقوى السياسية التي تولت السلطة بعد إسقاط النظام السابق ورئيسه صدام حسين من قبل الأميركيين.

لكن الآن، بعد إجراء 5 انتخابات سابقة، يستعد العراق لإجراء الانتخابات السادسة بينما تحوّل الخوف من «البعث» إلى «فوبيا» (حالة رهاب) تخشاها قوى السلطة. أيضاً، مع أن المزاج السياسي الشعبي العراقي بات ينصرف إلى قصص أخرى، وتحميل الطبقة السياسية الحالية العراقية مسؤولية الفساد والتراجع في الكهرباء وسواها من الخدمات، فإن نوري المالكي، رئيس الوزراء الأسبق وزعيم ائتلاف «دولة القانون» يثير مخاوف دائمة من فكر «البعث»، وإمكانية عودته مجدداً. وبالتزامن مع بدء الحملة الانتخابية وملف الطعون التي تقدم أمام هيئة المساءلة والعدالة، أعاد المالكي، ملف حزب «البعث» المنحل إلى الواجهة.

المالكي قال أخيراً، في بيان صحافي، إن «الدستور العراقي نصّ على حظر حزب (البعث)، ومنع رموزه من العودة إلى الحياة السياسية تحت أي مسمى أو عنوان». وأضاف أن انتماء هؤلاء للحزب «يُعد جريمة لا تسقط بالتقادم». وادعى أن هذا الدستور، في هذا الخصوص، «استجاب لمرحلة مظلمة من تاريخ العراق، عاش فيها الشعب سنوات من القمع والتمييز والدماء على يد نظام استبدادي استند إلى فكر عنصري وإرهابي وطائفي»، وفق وصفه.

وأوضح المالكي أن «الهيئة الوطنية للمساءلة والعدالة» إنما أنشئت انطلاقاً من هذا المبدأ الدستوري، لتكون الجهة المختصة بـ«كشف البعثيين، وجمع الأدلة التي تُثبت انتماءهم، واتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم، بما في ذلك منعهم من الترشح أو المشاركة في العملية السياسية... وهذه الهيئة ليست جهة قضائية تُصدر أحكاماً، بل جهة تنفيذية تعمل على تطبيق القانون وفقاً للدستور، وقراراتها مُلزمة، ولا يجوز التدخّل فيها من أي جهة سياسية أو حكومية أو تشريعية».

واختتم الزعيم السياسي الشيعي بالقول إن «أي محاولة للتساهل مع هذه الإجراءات أو التغاضي عنها، تعني فتح الباب أمام اختراق مؤسسات الدولة، وعودة الفكر البعثي عبر قنوات التشريع أو الأمن أو الاقتصاد»، معتبراً «أن حماية العملية السياسية من التلوث البعثي (وفق تعبيره) ليست خياراً، بل هي واجب وطني ودستوري، ولا يجوز تحت أي ظرف أن تُقدَّم المجاملات السياسية على حساب دماء العراقيين ومستقبل دولتهم».

الرد على المالكي

وتعليقاً على ما فتحه المالكي من معركة مع «البعث»، وما إذا كانت بمثابة «ضوء أخضر» للجهات الرسمية، ومنها «المساءلة والعدالة» في مواصلة حملة الاستبعاد من الانتخابات، قال الخبير الدستوري، سيف السعدي، إن «الفواعل السياسية الحالية لم تستطع التخلي عن النزعة الانتقائية الانتقامية والانتقال إلى فقه الدولة ودستورها وقانونها بما ينسجم مع نظامها الديمقراطي».

وأضاف السعدي لـ«الشرق الأوسط»، موضحاً أن «تشريع هذا القانون لفترة محددة كان مقبولاً، لكن التأثيرات السياسية على الهيئة انعكست سلباً على قراراتها». ولفت إلى أن «المنهاج الوزاري للحكومة الحالية، الذي صوّت عليه البرلمان، شدّد على أن تقدم هيئة المساءلة والعدالة تقريرها النهائي إلى مجلس النواب ليجري التصويت على حلها، وهذا ما لم يحصل!».

ثم أشار السعدي إلى أن حل «هيئة المساءلة والعدالة» لا يعني إلغاء الإجراءات القانونية للمشمولين بأحكامها، «إذ ستُحال ملفاتها إلى مجلس القضاء الأعلى، وتودع القوائم لدى الادعاء العام والدائرة القانونية لمجلس الوزراء، ومن حق المشمولين الاعتراض لدى الهيئة التمييزية القضائية».

واعتبر السعدي أن «استمرار القوى السياسية في العمل بقوانين العدالة الانتقالية أمر غير منطقي... ويُشير إلى الضعف والعجز عن إنتاج مؤسسات تتماشى مع متطلبات استقرار الدولة». بغداد مركز المعركة الانتخابية المقبلة


مقالات ذات صلة

قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

حصاد الأسبوع الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)

قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

في عام 2020، أطلق السياسي الروسي الراحل والمثير للجدل فلاديمير جيرينوفسكي نبوءة لافتة؛ إذ قال إن الولايات المتحدة سوف تسيطر على فنزويلا، وإن الطريق سيكون ممهداً

رائد جبر (موسكو)
حصاد الأسبوع بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن

ديلسي رودريغيز... يسارية ملتزمة براغماتيتها سهّلت «خلافتها» لمادورو في رئاسة فنزويلا

العملية العسكرية الخاطفة التي نفّذتها قوات النخبة الأميركية في مقرّ الرئاسة الفنزويلية، انتهت فجر الثالث من هذا الشهر بإلقاء القبض على نيكولاس مادورو واقتياده

شوقي الريّس (مدريد)
حصاد الأسبوع ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)

رودريغيز كانت القوة الدافعة باتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق داخل الحزب الحاكم

ليس الانتقال السياسي تحت الوصاية الأميركية هو التحدي الوحيد الذي تقف أمامه الرئيسة الفنزويلية بالوكالة، ديلسي رودريغيز، التي قررت إدارة دونالد ترمب الرهان

«الشرق الأوسط» ( مدريد)
حصاد الأسبوع مناورات بحرية أميركية في بحر الصين الجنوبي (أ.ب)

أميركا والصين... تحوّلات في ميزان القوى بين الاقتصاد والدفاع

تتصاعد في السنوات الأخيرة النقاشات حول لحظة التحول الحاسمة في ميزان القوى العالمي بين الولايات المتحدة والصين، وسط تنامي المؤشرات على انتقال مركز الثقل الدولي

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع «مقام السيدة زينب» من الداخل ويبدو خالياً من الزوار ومن أعلام إيران ورموزها ورايات ميليشياتها (الشرق الأوسط)

«السيدة زينب»... حي دمشقي يطوي صفحة «التغيير الديموغرافي» الإيراني

تعود التركيبة السكانية إلى طبيعتها بوتيرة متسارعة في منطقة «السيدة زينب» جنوب دمشق، بعد عام على إسقاط حكم بشار الأسد وإنهاء الوجود الإيراني وميليشياته في سوريا،

موفق محمد (دمشق)

قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
TT

قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)

في عام 2020، أطلق السياسي الروسي الراحل والمثير للجدل فلاديمير جيرينوفسكي نبوءة لافتة؛ إذ قال إن الولايات المتحدة سوف تسيطر على فنزويلا، وإن الطريق سيكون ممهداً لصفقة مُرضية للطرفين: فنزويلا للأميركيين، وأوكرانيا لروسيا! جيرينوفسكي عُرف على مدى سنوات طويلة بإطلاق توقعات صاخبة، أصابت في أكثر من مناسبة، بينها بالنسبة للشرق الأوسط مثلاً انفجار مواجهة كبرى في الشرق الأوسط بين عامي 2023 و2024، وتعرض إيران لهجوم قوي من جانب واشنطن وتل أبيب. وسقوط مدوٍ لنظام بشار الأسد في سوريا، فضلاً عن بعض التوقعات الدقيقة لتطورات جرت في روسيا وحولها، مثل اندلاع الحرب الكبرى في أوكرانيا في 2023. كان السياسي الراحل (توفي عام 2022) يتكلم حينذاك في برنامج «توك شو» تلفزيوني، وقال إن الرئيس دونالد ترمب سيعود بقوة إلى البيت الأبيض بعد انتخابات 2024... و«علينا أن نساعده»(!)، قبل أن يضيف أن التوافق مع الرئيس الجمهوري في عدد من الملفات الحيوية «ممكن وضروري». وبعد ذلك أطلق عباراته المشهورة: «سوف يستولي (ترمب) على فنزويلا... هذا أمر واضح وأكيد، ونحن سنحكم سيطرتنا على أوكرانيا»، ورأى أن تلك ستكون «صفقة عادلة».

ليس من قبيل المصادفة أن يتذكّر الجميع في روسيا كلمات فلاديمير جيرينوفسكي بعد «العملية الخارقة» الأميركية التي أسفرت عن إلقاء القبض على الرئيس الفنزويلي اليساري نيكولاس مادورو ونقله إلى نيويورك بالطريقة التي تابعها العالم. ولا شك أن السياسي الشعبوي الروسي، الذي كان مقرّباً جداً من دوائر اتخاذ القرار في روسيا لسنوات طويلة، لم يكن ليطلق نبوءاته السياسية جزافاً، وهذا على الرغم من أن الكثير منها بدا للوهلة الأولى «ساذجاً» - حسب وصْف معلقين - أو «سخيفة وغير محتملة إطلاقاً»، مثل حديثه عن «انهيار سريع لنظام الأسد»، في وقت كانت فيه موسكو تؤكد انتهاء الحرب السورية، واستقرار الوضع نهائياً في هذا البلد.

لكن، عندما يستعيد الروس حالياً شريط توقعاته بشأن فنزويلا والصفقة المحتملة مع واشنطن، فإن النظرة إليها تختلف بالتأكيد عن نظرتهم لعباراته الصاخبة في أوقات سابقة.

جيرينوفسكي (آ ب)

ارتباك في أوساط النخب السياسية

واقع الأمر أن العملية الأميركية الخاطفة في فنزويلا، أصابت بعض النخب السياسية الروسية بنوع من الارتباك. ولقد برز هذا في تعليقات أظهرت انقساماً واضحاً حيال الحدث الفنزويلي بين طرفين:

إذ يرى الطرف الأول أن العملية الأميركية تشكل «فرصة مهمة» أمام موسكو لإطلاق عمليات مماثلة تجاه أوكرانيا، وللتشدد أكثر تجاه ملف التسوية.

أما الطرف الثاني فمال إلى تغليب الموقف التقليدي المتحفّظ، منطلقاً في حساباته من أن واشنطن، على الرغم من اختطاف الرئيس مادورو، «ليست قريبة أبداً من فرض سيطرة مطلقة في فنزويلا التي يحافظ التشافيزيون (نسبة إلى الرئيس السابق الراحل هوغو تشافيز) على تماسك مواقعهم وسيطرتهم في البلاد، بل يرى أصحاب هذا الرأي، الذي عبّرت عنه وكالة «نوفوستي» الحكومية في مقالة لمعلّقها السياسي، أن الطريق ما زالت طويلة أمام ترمب لإحكام السيطرة على نفط فنزويلا، وأن تهديداته للقادة الحاليين في هذا البلد لن تنعكس خطوات عملية؛ لأن هذا سوف يعني إدخال فنزويلا في حرب أهلية دامية.

لا تأثير يذكر لموقف روسيا والصين

في أي حال، هذا الرأي (الثاني)، وفقاً لمعلّقين، لن تكون له تأثيرات كبرى على آليات تعامل الكرملين مع الحدث الكبير، وخصوصاً أنه مهما كانت طبيعة التطورات اللاحقة، فإن مستوى التأثير الروسي أو الصيني على الأحداث اللاحقة سيكون محدوداً للغاية. وهذا ما يعني الحاجة إلى الإقرار بأن واشنطن انتقلت بالفعل إلى استخدام «القوة الخشنة» لتأمين مصالحها، وبدأت بفرض واقع جديد ينطلق من فكرة إحياء «شرعة مونرو»، وإحباط أي جهد خارجي للتأثير في منطقة نفوذ الولايات المتحدة في نصف الكرة الغربي.

بعبارة أخرى، فإن الرؤية الروسية التي تجري بلورتها حالياً، قد تقوم على تحاشي تصعيد المواجهة مع واشنطن، والانطلاق - بدلاً عن ذلك - من تفحّص الفرص التي يمكن أن يوفرها الحدث الفنزويلي لتحقيق مكاسب لروسيا.

في هذا الإطار، يستبعد خبراء روس أن تذهب موسكو باتجاه تكرار «سيناريو» فنزويلا حرفياً. ذلك أنها ليست بحاجة إلى اختطاف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، لكن الأولوية ستكون باتجاه تصعيد الضغط العسكري على كييف لحملها على تقديم تنازلات مؤلمة. ومن جهة أخرى، تصعيد الضغط السياسي على العواصم الأوروبية، بهدف تقليص الأخيرة مطالبها حول الضمانات الأمنية التي تجري مناقشتها راهناً. ومن ثم، بالتوازي مع هذا المسار، يتوقع خبراء أن تعمل موسكو على تثبيت مبدأ «عدم شرعية زيلينسكي»، وأنه لن يكون مقبولاً في أي مرحلة مقبلة كـ«شريك في السلام».

بين حسابات الصفقات والتعامل مع الدخل

بطبيعة الحال، تعود هنا إلى الأذهان فكرة «الصفقة» المحتملة لاحقاً مع واشنطن، وهذا على الرغم من الضجة التي أثارها ترمب أخيراً حول تشديد العقوبات على موسكو.

في المقابل، ثمة مخاوف أخرى لدى الروس برزت بعد العملية الأميركية في فنزويلا. وهي تقوم على انتهاج القيادة الأميركية سياسة جديدة متشددة في التعامل مع ملفات إقليمية عدة، في جوهرها استخدام القوة العسكرية والتدخل المباشر بدلاً من استخدام أدوات «القوة الناعمة» التي لطالما استُخدمت في أوقات سابقة.

ولا شك أن هذا العنصر سيضيف هاجساً جديداً للسياسة الروسية، التي استشعرت - على الرغم من كل المؤشرات - اقتراب الرئيس ترمب من فهم أوسع لمطالب موسكو في أوكرانيا؛ إذ إن خطوته العملية الأخيرة في فنزويلا، من شأنها التسبب بأضرار فادحة للكرملين على المدى البعيد.

من الأمثلة على ذلك في الفترة القصيرة الفائتة، استبعاد موسكو عملياً من مناقشة الملفات الإقليمءية، كما ظهر في ملف التسوية في غزة، وأيضاً استبعادها من الملف النووي الإيراني. وهذا وذاك فضلاً عن سياسات «عزل» موسكو في آسيا الوسطى التي هي تقليدياً منطقة نفوذ حيوي روسي، وتفاقم المنافسة الأميركية (والصينية) في هذا الإقليم.

جنوب القوقاز... أو الخاصرة الرخوة

غير أن الأخطر من كل هذا، أن موسكو واجهت تطوراً غير مسبوق في منطقة جنوب القوقاز، التي لا تقل في أهميتها وخطورتها بالنسبة إلى الكرملين عن آسيا الوسطى... فهي «الخاصرة الرخوة» لروسيا على مدى قرون.

في هذه المنطقة لم تكتف واشنطن بإبعاد موسكو عن مباحثات التسوية بين أرمينيا وأذربيجان، بل فرضت واقعاً جديداً عبر إبرام اتفاق «ممر زانغزور». وهذا اتفاق يسمح للولايات المتحدة، وللمرة الأولى في التاريخ، أن يكون لها وجود أمني واقتصادي - وربما عسكري لاحقاً - في هذه المنطقة، الأمر الذي يهدد بشكل مباشر المصالح الاستراتيجية لروسيا، ولإيران أيضاً.

كل هذا حدث خلال العام الأول من ولاية دونالد ترمب الثانية فقط. وهذا المنحى مرشح للتصاعد أكثر في سياق العملية الأميركية في فنزويلا، وليس فقط بسبب التوقعات المتشائمة في موسكو بانخفاض حاد على أسعار النفط. فهذه توقعات لم ترتبط فقط بالحدث الفنزويلي بل سبقتها مؤشرات عدة.

مع هذا البعد الاقتصادي، الحيوي جداً للكرملين في هذه الظروف، تبدو الأبعاد السياسية المحتملة لانتقال واشنطن إلى استخدام القوة الخشنة لفرض سياساتها مسألة أكثر إلحاحاً للكرملين.

خلال الفترة القصيرة الفائتة جرى استبعاد موسكو عملياً

من مناقشة الملفات الإقليمية كملفي التسوية في غزة

و«النووي» الإيراني

الفهم الروسي لإزاحة مادورو

ينطلق الفهم الروسي من أن الولايات المتحدة لم تكتف في فنزويلا بالإطاحة برئيسٍ عجزت عن السيطرة عليه؛ إذ عبر خطف نيكولاس مادورو، كشفت واشنطن عن «تقنية» جديدة تستثمرها للتأثير الدولي. وبعد هذا الاستعراض الباهر الذي تعمّد ترمب وفريقه إبراز كل تفاصيله، يتوقع على نطاق واسع «استنساخ» هذه «التقنية»، بل تصديرها.

ما يستحق الإشارة إليه في هذا السياق، ما كتبه محلل سياسي روسي عن أنه في السنوات الأخيرة، برزت شكوك قوية حول قدرة الولايات المتحدة على التأثير في حياة وسياسات الدول الأخرى.

فلقد كانت التقنية الرئيسة للتأثير الأميركي في الخارج بأواخر القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين هي ما يُسمى بـ«الثورات الملوّنة»، أي تغيير الأنظمة الناتج عن اضطرابات جماهيرية تُدبّرها شبكات من وسائل الإعلام والمنظمات غير الحكومية وقادة الرأي الموالين للغرب.

أما اليوم، فبات من الواضح أن هذه التقنية قد توقّفت عن العمل. وكان هذا جلياً من خلال فشل الثورات الملوّنة في جورجيا وبيلاروسيا (روسيا البيضاء) وصربيا والمكسيك، وفنزويلا أيضاً.

هنا يرى فريق من الخبراء الروس أن هذا فقط واحد من الأسباب - وليس لأن الحزب الديمقراطي الأميركي كان يتولى السلطة في واشنطن - التي دفعت دونالد ترمب إلى حلّ الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) العام الماضي. ومعلومٌ أن تلك الوكالة كانت أكبر جهة مانحة وراعية لجميع هؤلاء «القادة الشعبيين للاحتجاج» حول العالم، لكنها فقدت كل فاعليتها.

انطلاقاً من هذه الحقيقة، بات واضحاً أن البيت الأبيض لن يتقبّل بعد اليوم بسهولة فقدان النفوذ الأميركي في الخارج، بل سيسعى إلى أدوات جديدة أكثر فاعلية.

الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران... نموذجاً

وبهذا الفهم، تحديداً، يفسّر الخبراء الروس الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران، العام الماضي، بوصفه «تجربة أولية» للمبدأ الجديد للسياسة الأميركية القائم على استخدام القوة المباشرة.

هذا المبدأ يقوم على تغيير الأنظمة التي تناكف واشنطن من خلال تدخل عسكري خارجي مباشر، مدعوم بخيانة داخلية. وهنا يجوز القول إنه ما كان من الممكن، مثلاً، القضاء على القيادة العسكرية الإيرانية لولا عملاء «الموساد» الإسرائيلي، الذين قدموا «التوجيهات» داخل العاصمة الإيرانية طهران. وحالياً، لا تنكر واشنطن البتة عامل التواطؤ مع بعض عناصر الدائرة المقرّبة من مادورو.

باختصار، عند هذه النقطة، تعود الولايات المتحدة إلى ممارسة قديمة، وإن كانت مُحسّنة قليلاً، ألا وهي «الانقلابات العسكرية». ولإعادة إحياء «القوة الناعمة» الأميركية، طُوّرت معادلة «الغزو بالإضافة إلى التآمر داخل النخبة».

ومن ثم، يرى بعض الخبراء أن التجربة الأميركية قد لا تقتصر على بلدان في فناء أميركا الخلفي بل قد تمتد إلى مناطق عدة، بينها حتى أوروبا، التي لا تبدي بعض دولها ارتياحاً كبيراً للتحركات الأميركية.

أما من الناحية الاستراتيجية، فقد يصبح «الفضاء ما بعد السوفياتي» بأكمله هدفاً لهذه الممارسة الأميركية القديمة – الجديدة؛ كونه منطقة حساسة لاثنين من منافسي أميركا العالميين: روسيا والصين. وبالتالي، فإن كازاخستان وتركمانستان وبيلاروسيا (روسيا البيضاء)، جميعها دول مُعرّضة للهجوم.

لوكاشينكو (آ ب)

حالة بيلاروسيا

في بيلاروسيا، على سبيل المثال، وعلى مدار السنوات الثلاثين التي تولت السلطة فيها حكومة متحالفة مع روسيا، جرت ست أو سبع محاولات لـ«ثورات ملوّنة» هزّت العاصمة مينسك، غير أنها باءت جميعها بالفشل. مع هذا لا يزال الغرب يرفض الاعتراف بأن دولة رئيسة (بيلوروسيا) في أوروبا الشرقية لا تزال متحالفة عسكرياً وسياسياً مع موسكو.

من هذا المنطلق، يحذر خبراء في موسكو من أن الغرب قد يحاول التخلّص من الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو باستخدام «سيناريو مادورو». ولعل «صياغة» اتهامات ضد لوكاشينكو تُصنّفه كـ«مجرم» لن تشكّل مشكلةً للأميركيين. علاوة على ذلك، هناك بولندا، «جارة» بيلاروسيا، التي تتهم لوكاشينكو «بتصدير الفوضى والسلاح والمهاجرين غير الشرعيين» إليها. وبالمناسبة، يرى البعض في روسيا أن «وظيفة» بولندا بالنسبة إلى سياسات ترمب في أوروبا تكاد تكون مُطابقة لوظيفة إسرائيل في الشرق الأوسط.بالتأكيد، لا يعني وجود هذا التهديد حتمية تطبيقه، لكن حقيقة أن تعليقات ومقالات كثيرة في روسيا باتت ترسل إشارات وتنبيهات من هذا النوع، تعكس درجة من القلق المتزايد بسبب سياسات ترمب.  


ديلسي رودريغيز... يسارية ملتزمة براغماتيتها سهّلت «خلافتها» لمادورو في رئاسة فنزويلا

بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
TT

ديلسي رودريغيز... يسارية ملتزمة براغماتيتها سهّلت «خلافتها» لمادورو في رئاسة فنزويلا

بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن

العملية العسكرية الخاطفة التي نفّذتها قوات النخبة الأميركية في مقرّ الرئاسة الفنزويلية، انتهت فجر الثالث من هذا الشهر بإلقاء القبض على نيكولاس مادورو واقتياده مع زوجته إلى نيويورك للمحاكمة أمام القضاء الأميركي بتهم «الإرهاب المرتبطة بالمخدرات». وبعد القرار المفاجئ الذي أعلنته إدارة الرئيس دونالد ترمب بتهميش المعارضة الفنزويلية - على الأقل في المرحلة الراهنة – وإبعادها عن مسار انتقال السلطة، يبدو أنها راهنت على بعض أركان النظام لتحقيق أهداف هذه العملية غير المسبوقة التي لا يُعرَف منها إلى الآن سوى إحياء قطاع النفط الفنزويلي وتسليمه للشركات الأميركية. ثم، تتجه كل الأنظار الآن إلى ديلسي رودريغيز، نائبة مادورو التي تولّت الرئاسة بالإنابة، كما تولّت منصب القائد العام للقوات المسلحة، وبدأت تشرف على توجيه وإدارة «المرحلة» الانتقالية على وقع تهديدات ترمب، الذي ما انفكّ يكرّر: «الأمر لي في فنزويلا»، ويتوعّد من يخالف تعليماته بعواقب أين منها تلك التي نزلت بالرئيس المخلوع.

ديلسي رودريغيز ليست شخصية طارئة، أو حديثة العهد على المشهد السياسي الفنزويلي المضطرب والمعقّد. فهي في الصورة منذ صعود شخصية هوغو تشافيز الذي وضع أركان النظام الحالي، مروراً بفشل محاولته الانقلابية ودخوله السجن، إلى إطلاق سراحه وتوليه رئاسة البلاد، حتى مرضه ورحيله... ومجيء نيكولاس مادورو إلى سدّة الرئاسة.

خلفية يسارية ملتزمة

بل يمكن القول إن رودريغيز، التي «تدير» اليوم أخطر أزمة مرّت بها فنزويلا في تاريخها الحديث، تحمل السياسة في «حمضها النووي». وحكايتها مع السياسة تتمة لحكاية والدها خورخي أنطونيو الذي كان من قادة حركة «اليسار الثوري» الماركسية في ستينات القرن الماضي، وهو الذي أسّس «الرابطة الاشتراكية»... أي الحركة التي تدرّج فيها نيكولاس مادورو ناشطاً نقابياً، وكانت المدماك الأساسي في علاقة ديلسي وشقيقها خورخي مع «وريث» هوغو تشافيز.

الأب، خورخي أنطونيو، لقي حتفه عندما كان في عهدة الشرطة عام 1976 بعد اعتقاله بتهمة الضلوع في خطف أحد رجال الأعمال الأميركيين، وكانت ديلسي لا تزال في السابعة من عمرها. ولقد أثارت وفاته الناجمة عن تعرضه للتعذيب وسوء المعاملة على يد الاستخبارات السياسية، غضباً واسعاً في الأوساط الشعبية، سيما وأن فنزويلا كانت تنعم يومذاك بأجواء من الحرية السياسية النسبية على عهد الرئيس الاشتراكي الديمقراطي كارلوس أندريس بيريز. وهنا تقول رودريغيز إن تلك الواقعة هي التي حفزتها لدراسة الحقوق، حيث تخرجت محامية من جامعة فنزويلا المركزية في كاراكاس، ثم تابعت تخصصها في القانون النقابي في باريس ولندن.

ديلسي ترعرعت مع شقيقها الأكبر خورخي في أجواء اليسار الفنزويلي المتشدد والحزب الذي أسسه والدهما... وكان أنصاره يعاملون الشقيقين دائماً بوصفهما ولدَي «شهيد الحركة اليسارية»، وكانا يشاركان خطيبَين في الاحتفالات بذكرى استشهاد أبيهما.

التأثر بهوغو تشافيز

وتعترف رودريغيز بأن «الثورة البوليفارية» التي حملت «القائد» هوغو تشافيز إلى رئاسة البلاد كانت بمثابة «انتقام شخصي» لذكرى أبيها، وحافزاً قوياً لها لدخول المعترك السياسي، وأيضاً لشقيقها خورخي الذي يتولّى حالياً رئاسة البرلمان... وسبق له أن أشرف على المفاوضات التي أجراها النظام على مراحل مع الإدارة الأميركية.

وحقاً، بدأت ديلسي رودريغيز صعودها السياسي في تراتبية النظام مع تشكيل حكومة تشافيز الأولى، حين تولت حقيبة مكتب الرئاسة التي غادرتها بعد أشهر قليلة بسبب اعتراضها العلني على بعض القرارات التي اتخذها تشافيز، وانتقلت للعمل مع شقيقها خورخي الذي كان يومذاك رئيساً لبلدية كاراكاس.

ولكن مع وصول مادورو إلى السلطة بدأ حضورها يترسّخ في المشهد السياسي الفنزويلي، فتولّت حقائب وزارية مهمة مثل الإعلام والاقتصاد والخارجية. كذلك اختارها مادورو نائبة له وكلّفها حقيبة النفط المهمة بعد إقالة الوزير السابق طارق العيسمي، المتحدر من أصول سورية - لبنانية، وسط فضائح مالية، وصارت تُعرف بلقب «سيّدة النفط».

شخصية بارزة ومؤثرة

رودريغيز تولّت أيضاً رئاسة «المجلس الوطني الدستوري التأسيسي»، وهو منصب بالغ الأهمية؛ إذ يمنحه الدستور سلطة أعلى من سلطة رئيس الجمهورية. وعلى غرار شقيقها الأكبر خورخي، الذي أقسمت اليمين الدستورية أمامه، كانت ركناً أساسياً في نظام مادورو، داخل فنزويلا وخارجها؛ إذ كانت المُحاور الرئيس مع الدول الحليفة مثل روسيا والصين وتركيا وإيران. واليوم تشكّل ديلسي، مع شقيقها خورخي، ووزير الداخلية ديوسدادو كابيّو، وسيليا فلوريس زوجة مادورو، الدائرة الضيّقة التي يقوم كان يرتكز إليها نظام مادورو بشكل أساس.

ووفق مقربين منها، فإنها تعمل دائماً بتنسيق تام مع شقيقها، ويتمتع كلاهما باحترام كبير في أوساط النظام لما يحملان من مؤهلات وخبرة وتمرّس، خاصة بعد انكفاء عدد كبير من الساسة المخضرمين عن المشهد السياسي مع مجيء مادورو. وفي عام 2018، فرضت الإدارة الأميركية عقوبات على ديلسي وشقيقها خورخي ووزير الدفاع فلاديمير بادرينو و«السيدة الأولى» سيليا فلوريس (زوجة مادورو). وهي تخضع أيضاً لعقوبات من الاتحاد الأوروبي بتهم انتهاكات حقوق الإنسان وتدهور النظام الديمقراطي في فنزويلا. وللعلم، رودريغيز متزوجة من رجل الأعمال المتحدر من أصول لبنانية يوسف أبو ناصيف الصميلي.

مثقفة ومنفتحة طبقياً

من جهة أخرى، يتفق الدبلوماسيون ورجال الأعمال الأجانب الذين تعاطوا مع رودريغيز خلال السنوات المنصرمة، على أنها تتمتع بثقافة عالية ولها علاقات جيّدة مع الأوساط البورجوازية الفنزويلية، وتعرف عنها مهارة فائقة في التفاوض حول الملفات الشائكة.

أيضاً، يذكر مطلعون أنها تدرك جيداً وجود «عالم» خارج معركتها الثورية، يقوم على المفاوضات والتفاهمات. وهذا ما ظهر إبان توليها حقيبة النفط بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في هذا القطاع الحيوي بالنسبة لفنزويلا على عهد سلفها في المنصب؛ إذ حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن، وهي التي كانت وراء بقاء عملاق النفط الأميركي «شيفرون» في فنزويلا.

ولا شك، أنه بعد انكشاف هدف واشنطن الرئيس من وراء عملية اعتقال مادورو وإبعاد المعارضة في هذه المرحلة، أسهمت هذه الصفات في دفع إدارة دونالد ترمب، ووزير خارجيته ماركو روبيو «المهندس الحالي» للسياسة اللاتينية في الولايات المتحدة، إلى المراهنة على ديلسي رودريغيز في إدارة المرحلة الانتقالية.

بيد أنها، في المقابل، تعرَف ديلسي باحتقارها الشديد للمعارضة الفنزويلية، وقسوة تصريحاتها حول الكثير من قياداتها وفي رأسهم كورينا ماتشادو؛ إذ تسكنها قناعة بأن مهمتها الرئيسة هي ترسيخ الثورة التي بدأها هوغو تشافيز. ثم أن رودريغيز شديدة الإعجاب بالزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو، وغالباً ما تستشهد بإنجازات الثورة الكوبية وبـ«الحركة الساندينية» في نيكاراغوا، ومفكّرها المفضّل هو الكاتب المعروف إدواردو غاليانو، أحد كبار منظّري اليسار الأميركي اللاتيني وصاحب المؤلف الشهير «أوردة أميركا اللاتينية المفتوحة».

امتحانها الأول...بعد إطاحة مادورو

الامتحان الأول الذي يفترض برودريغيز أن تتجاوزه، وبسرعة، هو الموقف الذي سيتخذه وزير الداخلية ديوسدادو كابيّو، الذي يعدّ «الرجل الثاني في النظام»، وهو القادر على إثارة الفوضى عن طريق سيطرته الكاملة على قوى الأمن والشرطة، وبخاصة على الميليشيا الشعبية المسلّحة التي تجوب شوارع المدن على دراجاتها النارية وتزرع الرعب في صفوف المواطنين منذ سنوات. وهذا الواقع دفع واشنطن إلى تحذيره من أنه قد يلقى مصير مادورو إذا امتنع عن تسهيل مهمة ديلسي رودريغيز كرئيسة مؤقتة للبلاد.

للعلم، كان لافتاً أن كابيّو، بخلاف بقية أركان النظام، خرج إلى الشارع بعد ساعات قليلة على اختطاف مادورو، معتمراً خوذة فولاذية وسترة واقية من الرصاص ومحاطاً بأفراد من الشرطة والجيش المسلحين. لكن معلومات تداولتها بعض أجهزة الإعلام الأميركية أفادت بأن إدارة الرئيس ترمب، بإيعاز من وزير الخارجية روبيو، قرّرت أيضاً المراهنة مرحلياً على كابيّو للحفاظ على الأمن خلال المرحلة الانتقالية، وعلى وزير الدفاع فلاديمير بادرينو لوبيز الذي يقود التيّار الأكثر تشدداً داخل النظام. ويذكر أنه سبق لواشنطن أن أعلنت في الماضي عن جائزة مقدارها 25 مليون دولار لمن يساعد في القبض على كابيّو، وأخرى بقيمة 15 مليون دولار على رأس وزير الدفاع.

... رهان أميركي

المتفائلون بنجاح الرهان الأميركي على كابّيو، يستندون إلى مساره السياسي بعد وفاة تشافيز الذي تردّد حتى اللحظات الأخيرة قبل رحيله، إثر مرض عضال، بين كابيّو ومادورو. وبعد اختيار الأخير لخلافة تشافيز، توقّع كثيرون أن الخصومة بين الاثنين قد تؤدي إلى ترنّح النظام وإسقاطه. لكن تبيّن لاحقاً أن المساكنة بينهما كانت ناجحة من حيث إنها حافظت على السلطة طيلة هذه السنوات الصعبة التي واجه فيها النظام مشاكل على صعيد الاعتراف بشرعيته إقليمياً ودولياً، وكان محط اتهامات عدّة بانتهاك حقوق الإنسان، وفرضت عليه عقوبات قاسية.

حقائق

رودريغيز... في سطور

> ولدت 18 مايو (أيار) 1969 في العاصمة الفنزويلية كاراكاس

> والدها القيادي اليساري البارز خورخي أنطونيو رودريغيز (زعيم حركة اليسار الثوري، ثم مؤسس حزب «الرابطة الاشتراكية») ووالدتها ديلسي غوميز

> أخوها القيادي اليساري خورخي رودريغيز، رئيس مجلس النواب الحالي والوزير السابق.

> شريك حياتها: يوسف أبو ناصيف الصميلي

> حياتها الحزبية: عضو الحزب الاشتراكي المتحد (2012 - 2018) ثم حركة «نحن فنزويلا»

> تعليمها: محامية تخرجت في كلية حقوق جامعة فنزويلا المركزية، بجانب دراسة قانون العمل (من دون أن تتخرج في جامعة باريس الأولى (باريس بانثيون - سوربون)

> مناصبها السياسية: وزيرة شؤون الرئاسة (2006) - وزيرة القوة الشعبية للاتصال والإعلام (2013 - 2014) - وزيرة الخارجية (2014 - 2017) - رئيسة المجلس الوطني الدستوري (2017 - 2018) - وزيرة الاقتصاد والمالية (2020 - 2024) - وزيرة النفط والثروة الهيدروكربونية (2024) - نائبة رئيس الجمهورية (2024 - 2026) - رئيسة الجمهورية بالوكالة (2026)



رودريغيز كانت القوة الدافعة باتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق داخل الحزب الحاكم

ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
TT

رودريغيز كانت القوة الدافعة باتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق داخل الحزب الحاكم

ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)

ليس الانتقال السياسي تحت الوصاية الأميركية هو التحدي الوحيد الذي تقف أمامه الرئيسة الفنزويلية بالوكالة، ديلسي رودريغيز، التي قررت إدارة دونالد ترمب الرهان عليها لإدارة هذه المرحلة مع أن العقوبات المفروضة عليها تمنعها من دخول الولايات المتحدة.

الواقع أنه عندما أقسمت رودريغيز اليمين الدستورية أخيراً، كان شبح التضخّم الجامح قد عاد يخيّم مجدداً على الاقتصاد الفنزويلي المنهك، ويهدد بتحطيم كل الأرقام القياسية السابقة، بعدما كان وصل إنتاج النفط إلى أدنى مستوياته التاريخية، وتراجع إجمالي الناتج القومي بنسبة 70 في المائة عن المستوى الذي كان عليه منذ عشر سنوات.

لكن قبل أن تتولى الرئيسة الحالية مهامها بالوكالة، سبق لها أن تولّت حقيبة المال والاقتصاد، وأيضاً حقيبة النفط، واعترفت علناً بفشل السياسات السابقة. ومن ثمّ قررت اللجوء إلى فريق جديد من الاستشاريين والخبراء، بعدما كان المصرف المركزي قد توقّف طوال حكم نيكولاس مادورو عن نشر تفاصيل الوضع الاقتصادي المتدهور، فيما واصلت رودريغيز «تغييراتها» بعيداً عن الأضواء. من التدابير التي اتخذتها رودريغيز إعادة الأصول المؤمّمة على عهد تشافيز إلى أصحابها، الذين كان معظمهم قد أعلن إفلاسه أو انهيار مؤسساته، ودخل الاقتصاد الفنزويلي في دائرة الدولار بعد رفع القيود والمراقبة على صرف العملات الأجنبية. وكذلك أمرت بوقف تجاوزات القوات المسلحة على القطاع الاقتصادي، وبدأت مرحلة من التفاهم والتنسيق مع أصحاب العمل الذين كان مادورو يصفهم بـ«البرجوازية الطفيلية» في خطبه الأولى.

ولذا يجمع المراقبون على أن التعافي النسبي الذي شهده الاقتصاد الفنزويلي في السنوات الثلاث المنصرمة، مدين للتدابير التي اتخذتها رودريغيز والفريق الاستشاري الذي كانت تستعين بخبراته، وبعلاقاتها الوطيدة مع مادورو الذي أقنعته بصواب تلك التدابير. بل كانت هي التي دفعت - داخل الحزب الحاكم - في اتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق بعد سنوات مديدة من تدخل الدولة العميق في إدارة الحركة الاقتصادية وانهيار قطاع النفط الذي يشكّل الشريان الأبهر لثروة البلاد.

أيضاً، كانت ديلسي رودريغيز «المُحاور» الأساسي للنظام مع المؤسسات التي ما زالت تنشط داخل فنزويلا، وهي التي حدّدت معها مجالات عمل مشترك وتحالفات في السنوات المنصرمة. وتحت إدارتها ارتفع إنتاج النفط الفنزويلي إلى مليون برميل يومياً بعدما كان انهار إلى 300 ألف عام 2016، بينما تبلغ قدرته الإنتاجية 3 ملايين برميل يومياً.

وللعلم، سجّل الاقتصاد الفنزويلي نمواً قياسياً خلال العام الماضي في حجم إجمالي الناتج القومي، بلغ 5 في المائة. لكن الضباب السياسي الذي يلفّ المرحلة الراهنة التي ترزح تحت الحضور الأميركي الطاغي، من شأنه أن يُلزم رودريغيز بخطاب معتدل تجاه واشنطن التي يتكلّم رئيسها عن مستقبل يختلف كل الاختلاف عن الواقع الذي تراه رودريغيز.