مَن هم المتحكّمون بمقدرات الذكاء الاصطناعي؟

طروحات تعدُّه سباقاً جيوسياسياً للغلبة والفوز وليس نظاماً مجتمعياً ينبغي إدارته بحكمة

الذكاء الاصطناعي قد يوظف للغلبة والفوز.. رغم استفادة كل المجتمعات من مزاياه الفريدة
الذكاء الاصطناعي قد يوظف للغلبة والفوز.. رغم استفادة كل المجتمعات من مزاياه الفريدة
TT

مَن هم المتحكّمون بمقدرات الذكاء الاصطناعي؟

الذكاء الاصطناعي قد يوظف للغلبة والفوز.. رغم استفادة كل المجتمعات من مزاياه الفريدة
الذكاء الاصطناعي قد يوظف للغلبة والفوز.. رغم استفادة كل المجتمعات من مزاياه الفريدة

في قاعات مجالس إدارة وادي السيليكون، تباشر مجموعة صغيرة من المديرين التنفيذيين في هدوء اتخاذ قرارات ستُشكّل مسار حياة المليارات من البشر. ومعظمنا لن يعرف ما هي تلك القرارات إلا بعد فوات الأوان لتغييرها.

خطة أميركية للذكاء الاصطناعي

نشر البيت الأبيض، في يوليو (تموز) الماضي، «خطة عمل الذكاء الاصطناعي الأميركية»، وهي وثيقة من 28 صفحة تبدو أشبه بسياسة صناعية لسباق تسلح جديد.

يكمن في الركيزة الأولى سطر يُخبرك بالضبط إلى أين تتجه سياسة الولايات المتحدة: «مراجعة إطار عمل إدارة مخاطر الذكاء الاصطناعي التابع للمعهد الوطني للمعايير والتقنية (NIST) لإزالة الإشارات إلى المعلومات المضللة، والتنوع، والمساواة، والشمول، وتغيرات المناخ».

عندما تبدأ الحكومات في شطب هذه الكلمات عن قصد، من الإنصاف أن نتساءل: مَن الذي يضع شروط مستقبلنا التكنولوجي - ولمن تكون الفائدة؟تخفيف الرقابة... وسباق جيوسياسي

هذا أكثر من مجرد كلام. تتباهى الخطة نفسها بإلغاء أمر الإدارة الأميركية السابقة بشأن الذكاء الاصطناعي، وتخفيف الرقابة، وتسريع وتيرة البنية التحتية والطاقة لمراكز البيانات. إنها تُعيد صياغة الذكاء الاصطناعي بصورة أساسية بوصفه سباقاً جيوسياسياً «للغلبة والفوز»، وليس بوصفه نظاماً مجتمعياً تنبغي إدارته. إنه منظور أقل تركيزاً حول الإشراف وأكثر توجهاً صوب إبرام الصفقات، وهو أسلوب حوكمة يُعامل السياسة العامة معاملة وثيقة الشروط. هذا التأطير مهم: فعندما يكون الهدف السياسي هو السرعة والهيمنة، تصبح المساءلة مجرد «شيء جميل مُضاف».

المسار الأوروبي

اختارت أوروبا مساراً مختلفاً تماماً: فرض القيود أولاً، ثم التوسع. دخل قانون الاتحاد الأوروبي للذكاء الاصطناعي حيز التنفيذ في أغسطس (آب) من عام 2024، ويفرض التزامات تدريجية حتى عام 2026، مع تصميم إنفاذ القانون بناءً على المخاطر. فهل هو منقوص؟ بكل تأكيد. لكن الرسالة لا لبس فيها: يتعين على المؤسسات الديمقراطية - وليس فقط على إدارات العلاقات العامة للشركات - تحديد الاستخدامات، والإفصاحات، والمسؤوليات المقبولة قبل أن تنتشر التكنولوجيا في كل مكان.

الشركات تتحكم بالذكاء الاصطناعي

في الآونة ذاتها، يتركز ثقل الذكاء الاصطناعي في قبضة عدد قليل من الشركات التي تتحكم في قدرات الحوسبة، والنماذج، والتوزيع. لنتحدث عن الحوسبة مثالاً - أي سعة الحوسبة القائمة على الأدوات المسرعة (التي تسرّع وقت وحدة معالجة الرسوميات/وحدة المعالجة المركزية المسرّعة) اللازمة لتدريب وتشغيل الذكاء الاصطناعي الحديث - بالإضافة إلى النماذج والتوزيع.

لا يزال المحللون يُقدِّرون حصة شركة «إنفيديا» الأميركية من مسرعات الذكاء الاصطناعي بنحو 90 في المائة، وتستحوذ شركات الحوسبة السحابية الكبرى على السعة لسنوات مقدماً. وهذه الندرة تُشكل مَن يستطيع التجربة، ومَن لا يستطيعها، ومن يدفع لمن مقابل الوصول إليها. وعندما يتعامل رئيس الدولة مع السياسة التكنولوجية مثل مصرفي استثماري، فإن تلك المفاوضات لا تدور حول المصلحة العامة؛ وإنما حول تعظيم الصفقة، غالباً لمصلحة خزينة الدولة، وأحياناً لتحقيق مكاسب سياسية.

غموض وتعقيد

وما يزيد الغموض والتعقيد، التفاف الشركات وانعدام شفافيتها، إذ يرفض التقرير التقني الخاص ببرنامج «تشات جي بي تي 4» الخاص بشركة «أوبن إيه آي» الكشف عن بيانات التدريب، أو حجم النموذج، أو قدرات الحوسبة المستخدمة، مستشهدا صراحة بالمنافسة والسلامة.

وبغض النظر عن رأيك في هذا المنطق، فإن ذلك يعني أن الشركات تطلب من المجتمع قبول أنظمة ذات تبعات كبيرة بينما يبقى المجتمع إلى حد كبير جاهلاً بما يدخل في تكوينها. إن عبارة «ثقوا بنا» ليست أسلوباً للحوكمة الحكيمة.

سلطة مُركزة

إذا كنت تريد مثالاً صغيراً ولكنه واضح عن كيفية تأثير الخيارات الخاصة على الحياة العامة، فانظر إلى ما حدث عندما أطلقت شركة «أوبن إيه آي» صوتاً جذاباً يُدعى «سكاي - Sky» اعتقد الكثيرون أنه يشبه صوت الممثلة سكارليت جوهانسون. بعد رد فعل عنيف من الجمهور، أوقفت الشركة هذا الصوت مؤقتاً.

وهنا نلاحظ أنه لم تُرسم حدود ثقافية من قِبل جهة تنظيمية أو محكمة، بل من قِبل فريق منتجات، وقرار شركة. وهذا يمثل قدراً كبيراً للغاية من السلطة لمجموعة صغيرة للغاية من الناس.

أضرار بيئية

تظهر السلطة أيضاً في فواتير الخدمات. يربط أحدث تقرير بيئي لشركة «غوغل» زيادة بنسبة 48 في المائة في انبعاثات الغازات الدفيئة منذ عام 2019 بنمو مراكز البيانات للذكاء الاصطناعي، ويوثق استخدام 6.1 مليار غالون من المياه في عام 2023 لأغراض التبريد - وهي أرقام سترتفع مع التوسع. يذهب تحليل دورة حياة «ميسترال - Mistral» إلى أبعد من ذلك، حيث يُقدّر استهلاك الطاقة والمياه لكل استعلام «prompt» لنماذجها. كل «استعلام للنموذج» له بصمة؛ إذا تضاعفت هذه الأرقام بالمليارات، فلن تتمكن من التظاهر بأنها مجانية، مهما كنتَ مُنكراً للتغيرات المناخية.

إذن، أجل، الولايات المتحدة «تفوز بالسباق». إلا أن تركيز القرارات التي تؤثر على حرية التعبير، والتوظيف، والتعليم، والبيئة في دائرة صغيرة للغاية من قاعات مجالس الإدارة. والنتيجة هي عجز ديمقراطي. فهنا يُختزل الجمهور إلى مجرد متفرجين، يتفاعلون مع الحقائق المفروضة بدلاً من وضع القواعد.بدائل وخيارات

ماذا لو عكسنا الوضع؟ نبدأ بمعاملة الذكاء الاصطناعي بصفته بنيةً تحتية تتطلب قدرات عامة، وليس فقط نفقات رأسمالية خاصة. تعكس مبادرة «المورد الوطني لأبحاث الذكاء الاصطناعي» التجريبية «National AI Research Resource pilot» التوجه الصحيح:

* أستاذ في جامعة آي إي، مدريد. مجلة «طفاست كومباني» - خدمات «تريبيون ميديا»• أولاً - امنح الباحثين والشركات الناشئة وصولاً مشتركاً إلى قدرات الحوسبة والبيانات والأدوات؛ حتى لا تكون الأبحاث مقيدة بعقود مع شركات الحوسبة السحابية الكبرى. اجعل الوصول مستمراً، وممولاً جيداً، ومستقلاً؛ لأن العلم المفتوح يموت عندما يصبح الوصول إليه مرهوناً باتفاقيات عدم الإفصاح.

• ثانياً - اربط الأموال والمشتريات العامة بشروط. إذا كانت الوكالات والمدارس ستشتري الذكاء الاصطناعي، فيجب أن تطلب إفصاحات أساسية: ما هي البيانات التي استُخدمت للتدريب؛ ما هي الضوابط التي تحكم المخرجات؛ ما هي الاختبارات المستقلة التي اجتازها النموذج؛ وسجل للطاقة والمياه مرتبط بالزمان والمكان، وليس بالمعدلات السنوية. إذا لم يستطع البائع تلبية هذه الشروط، فإنه لا يحصل على العقود. هذا ليس «معاداة للابتكار»، بل هو انضباط السوق الذي يتسق مع القيم العامة.

• ثالثاً - افصل الطبقات لكبح الاحتكار. لا ينبغي لمقدمي الخدمات السحابية أن يكونوا قادرين على فرض استخدام نموذجهم لرقائقهم لتشغيل خدماتهم كخيار افتراضي. إن قابلية التشغيل البيني ونقل البيانات ليستا مثاليات رومانسية؛ بل هما السبيل للحفاظ على قطاع تنافسي عندما تتحكم ثلاث شركات في البنية بأكملها.

أهمية الشفافية

• رابعاً - يجب أن تعني الشفافية أكثر من مجرد «بطاقات النماذج» التي يكتبها البائع. بالنسبة للأنظمة التي تتجاوز حجماً معيناً، يجب أن نطلب إفصاحات قابلة للتدقيق لأطراف ثالثة مؤهلة - حول مصدر بيانات التدريب، ومجموعات التقييم، وأداء ما بعد النشر. إذا كان هذا يبدو مرهقاً؛ فذلك لأن العواقب على نطاق واسع مرهقة كذلك. لقد تعلمنا هذا في كل بنية تحتية حيوية أخرى.

• خامساً - اجعل السرد البيئي يتواءم مع الواقع. يجب أن تكون إفصاحات المياه والطاقة فورية، وخاصة بالمنشأة، وموثقة.

إن «توفير المياه بحلول عام 2030» لا يساعد بلدة ما تُستنزف طبقة المياه الجوفية لديها في هذا العقد. إذا كانت الشركات تريد أن تكون سبّاقة في طرح النماذج الرائدة، فيجب أن تكون أيضاً الأولى في تطبيق شراء الطاقة الخالية من الكربون على مدار الساعة، وتحديد ميزانيات مياه صارمة ذات صلة بالعلوم المحلية لحركة وتوزيع وإدارة المياه.

خطر أعمق

هناك خطر أعمق عندما تُدار الاستراتيجية التكنولوجية الوطنية مثلما تدار محفظة الأعمال: إذ تصبح الكفاءة والإيرادات هي المقاييس الأساسية؛ ما يطغى على احتياجات المواطنين التي يصعب قياسها كمياً.

في القطاع الخاص، يمكن تبرير التضحية بالأخلاق أو الشفافية أو الاستقرار على المدى الطويل من أجل صفقة مربحة بأنها تهدف إلى زيادة قيمة المساهمين. أما في الحكومة، فتؤدي هذه المقايضة نفسها إلى تآكل الديمقراطية ذاتها؛ ما يركز القرارات في أيدي أقل، ويجعل منظور «الربح أولاً» طبيعياً في مسائل يجب أن تركز على الحقوق، والضمانات، وثقة الجمهور.

ليس الهدف هو إبطاء الذكاء الاصطناعي. وإنما أن نقرر، علناً، أي نوع من الذكاء الاصطناعي نريده وبأي شروط.

إن الولايات المتحدة قادرة على الجمع بين الطموح وضبط النفس في آن واحد؛ لقد فعلنا ذلك في مجالات الطيران، والطب، والتمويل. يجب ألا يكون الذكاء الاصطناعي مختلفاً عن ذلك. إذا تركنا الخيارات الكبرى لعدد قليل من الشركات وعدد قليل من المُعينين السياسيين، فسوف نحصل على مستقبل صُنع لأجلنا، وليس بواسطتنا. وسوف يكون ثمن إعادة كتابته لاحقاً أعلى مما يعترف به أي إنسان اليوم.* أستاذ في جامعة آي إي، مدريد. مجلة «طفاست كومباني» - خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

«غوغل» توسع قدرات «Google Search Console» لدعم حسابات التواصل الاجتماعي

تكنولوجيا «غوغل» تتيح تحليل ظهور حسابات التواصل في نتائج البحث (غوغل)

«غوغل» توسع قدرات «Google Search Console» لدعم حسابات التواصل الاجتماعي

بدأت شركة «غوغل» (Google) طرح تحديث جديد لخدمة «Google Search Console» يتيح للمستخدمين ربط حساباتهم على منصات التواصل الاجتماعي مباشرة بالخدمة، في خطوة تمثّل…

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
تكنولوجيا عشرات الطرق للتعرف على الذكاء الاصطناعي والاستفادة منه (1ــ 2)

عشرات الطرق للتعرف على الذكاء الاصطناعي والاستفادة منه (1ــ 2)

في كلمته التي ألقاها في أثناء انعقاد قمة «سيسكو» للذكاء الاصطناعي، فبراير (شباط) الماضي، أكد جينسين هوانغ، الرئيس التنفيذي لشركة «إنفيديا»،

هاري مكراكين (واشنطن)
علوم يتم مسح عينات نباتية ضوئيا ضمن مشروع رقمنة النباتات في الحدائق النباتية الملكية في كيو بلندن _حدائق كيو_

الذكاء الاصطناعي ومستقبل حماية التنوع الحيوي على الأرض

يشهد العالم تراجعاً متسارعاً في التنوع الحيوي نتيجة التغير المناخي واتساع النشاط البشري؛ إذ تواجه آلاف الأنواع النباتية والفطرية خطر الاختفاء

محمد السيد علي (القاهرة)
رياضة عالمية اعتقد لاعبو النرويج أن هدف التعادل الذي سجله جود بيلينغهام كان يجب إلغاؤه لسبب غير معتاد (أ.ف.ب)

هل اصطدمت الكرة بكاميرا الملعب قبل هدف إنجلترا؟

ودعت النرويج كأس العالم 2026 بالخسارة 2 - 1 أمام إنجلترا في ربع النهائي لكن الخروج لم يخلُ من الجدل

«الشرق الأوسط» (لوس أنجليس)
تكنولوجيا 4 حالات (ثنائية الأبعاد في الأعلى وثلاثية في الأسفل) بتصوير الموجات فوق الصوتية تُظهر كيساً وزرعة ثدي ونسيجاً ليفياً كثيفاً وكتلة صلبة (الجامعة)

جهاز محمول بالموجات فوق الصوتية يدعم الكشف المبكر عن سرطان الثدي

يطور باحثو «إم آي تي» نظاماً محمولاً بالموجات فوق الصوتية لتسهيل تصوير الثدي ومتابعة النساء الأكثر عرضة للخطر بانتظام.

نسيم رمضان (لندن)

الذكاء الاصطناعي يهتم بالحقوق الفردية في الغرب... أكثر من النقاء الإنساني في الشرق

الذكاء الاصطناعي يهتم بالحقوق الفردية في الغرب... أكثر من النقاء الإنساني في الشرق
TT

الذكاء الاصطناعي يهتم بالحقوق الفردية في الغرب... أكثر من النقاء الإنساني في الشرق

الذكاء الاصطناعي يهتم بالحقوق الفردية في الغرب... أكثر من النقاء الإنساني في الشرق

وفقاً لبحثنا الجديد المنشور في وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم، غالباً ما تُخطئ نماذج الذكاء الاصطناعي اللغوية الكبيرة، مثل «تشات جي بي تي»، فيما يخص تقدير ما قد يُعتبره الناس خارج العالم الغربي، أولوية أخلاقية، كما كتبت علياء زويل وألكسندرا فيغيروا (*).

تقييم المعايير الأخلاقية

في عام 2024 طلبنا من نماذج «جي بي تي -3.5» (GPT-3.5) و«جي بي تي-4» (GPT-4) و«جي بي تي 4 أو» (GPT-4o) من شركة «أوبن إيه آي» تقدير المعايير الأخلاقية - الأفكار المشتركة حول الصواب والخطأ - في 48 دولة، ثم قارنّاها بعينة عالمية تضم أكثر من 90 ألف مشارك بشري. وقد طُلب من كلٍّ من البشر، ومن نماذج الذكاء الاصطناعي، إكمال استبيان حول الأسس الأخلاقية، قمنا من خلاله بقياس مدى تأييدهم لستّ من القيم الأخلاقية.

مقارنة 6 أسس أخلاقية

كانت هذه الأسس هي:

* الرعاية care

* المساواة equality

* التناسب proportionality (مكافأة الأفراد بما يتناسب مع مساهمتهم)

* الولاء loyalty

* السلطة authority أو احترام السلطات الشرعية

* النقاء purity (الحرص على صون ما يُعتبر طبيعياً أو مقدساً)

وطُلب من المشاركين تقييم مدى موافقتهم على بعض العبارات الأخلاقية. على سبيل المثال، لتقييم مدى اهتمام شخص ما بالنقاء، قيّموا عبارات مثل: «أعتقد أنه يجب معاملة جسم الإنسان كمعبد، يحوي شيئاً مقدساً بداخله» و«يزعجني استخدام الناس للغة بذيئة وكأنها أمر عادي». ثم طُلب من نماذج الذكاء الاصطناعي الاستجابة للعبارات نفسها كمواطن عادي من كل دولة من الدول الـ48 الممثلة في العينة.

الحقوق الفردية في الغرب... والنقاء في الشرق

تُظهر أبحاث سابقة أجراها عالم النفس محمد عطاري أن الأولويات الأخلاقية تختلف حول العالم: تميل المجتمعات الغربية إلى إيلاء اهتمام أكبر لقضايا مثل الحقوق الفردية والرعاية، بينما تُولي العديد من المجتمعات غير الغربية أهمية أكبر نسبياً لقيم مثل النقاء. والجدير بالذكر أننا وجدنا معايرة مماثلة في نماذج الذكاء الاصطناعي، حيث تُركز بشكل منهجي على قيم مثل الرعاية، بينما تُولي اهتماماً أقل لقيم مثل النقاء.

مبالغة غربية وتقليل من مخاوف العالم النامي

بالإضافة إلى ذلك، بالغت هذه النماذج في تقدير المخاوف الأخلاقية العامة للدول الغربية، كالولايات المتحدة وأستراليا، بينما قللت من شأن مخاوف العديد من الدول غير الغربية كالمغرب ونيجيريا. بعبارة أخرى، حتى عند مطالبة الأفراد بالاستجابة كمواطنين عاديين في بلد معين، انحازت النماذج بشكل منهجي إلى أنماط القيم الأخلاقية الغربية. وتتوافق هذه النتيجة مع أبحاث سابقة تُظهر أن «نفسية» نموذج «جي بي تي» أقرب إلى الأفراد الغربيين.

خطر التحيّز

يُستخدم الذكاء الاصطناعي التوليدي بشكل متزايد في مجموعة واسعة من المهام عبر الثقافات، بما في ذلك التعليم والعلاج والتواصل وحتى القرارات السياسية.

وهناك خطر حقيقي للتحيز الثقافي إذا افترض الذكاء الاصطناعي أن العالم بأسره، من الأرجنتين ومصر إلى اليابان وزيمبابوي، يجب أن يتبنى نفس قيم العالم الغربي.

تخيل أن نموذج ذكاء اصطناعي يساعد في صياغة رسائل الصحة العامة خلال جائحة، أو يُشرف على المحتوى الإلكتروني، أو يترجم قصيدة، أو يُقدم المشورة لشركة تعمل عبر ثقافات متعددة. في كل حالة، يحتاج النظام إلى نموذج ما لما يهتم به الناس: ما يُعتبر ضاراً، أو عادلاً، أو غير محترم، أو مقدساً.

خطأ منهجي: انعدام توافق النماذج مع القيم السائدة خارج العالم الغربي

تشير نتائجنا إلى أن الذكاء الاصطناعي التوليدي يركز على القيم الأخلاقية بطرق لا تتوافق مع القيم السائدة خارج العالم الغربي. هذا الخطأ المنهجي، الذي يُطلق عليه الباحث جيسي غراهام وفريقه اسم «التنميط الأخلاقي»، قد يؤدي إلى أخطاء ثقافية جسيمة ذات عواقب وخيمة في الواقع.

على سبيل المثال: تخيل مستخدمين يطلبون المشورة بشأن نزاعات شخصية أو يبحثون عن آراء حول التعاون في العمل مع شركاء دوليين. في مثل هذه الحالات، قد تُقدم نماذج الذكاء الاصطناعي نصائح أو تستخدم لغة تعكس في الغالب القيم الغربية، متجاهلةً القيم الأكثر أهمية في الثقافات الأخرى. قد يُؤدي هذا إلى ترسيخ التحيزات الثقافية أو إلى استنتاجات لا تتوافق مع وجهات نظر الأشخاص من خلفيات غير غربية.

إساءة تمثيل القيم الإنسانية... يزيد الفوارق

باختصار، إذا أساءت نماذج الذكاء الاصطناعي تمثيل القيم «الإنسانية»، فقد تُفاقم نقاط الضعف الثقافية القائمة، بل وتُنشئ فوارق جديدة.

وبينما تُظهر أبحاثنا أن نماذج «جي بي تي» تستخلص السمات الأخلاقية للدول غير الغربية بشكل غير دقيق، لا تزال هناك أسئلة مهمة عالقة.

* أولاً: لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت هذه الأنماط تظهر في النماذج الأحدث أو في النماذج التي يتم تدريبها بلغات أخرى غير الإنجليزية.

* ثانياً: لا تزال أسباب هذه التشوهات الأخلاقية غير مفهومة جيداً. تتعلم النماذج عن العالم من خلال اللغة، حيث يتم الحصول على جزء كبير من بيانات تدريبها من الإنترنت، وهو أكثر سهولة في الوصول إليه في العالم الغربي الذي تهيمن عليه اللغة الإنجليزية. يُعد هذا تفسيراً معقولاً لنتائجنا، ولكنه يحتاج إلى اختبار مباشر.

* ثالثاً: لم يُعرف بعد ما إذا كانت هذه التحيزات الأخلاقية تظهر خارج نطاق الاستبيانات. تُؤثر القيم الأخلاقية على القرارات في المجالات التي يُستخدم فيها الذكاء الاصطناعي بشكل متزايد، بما في ذلك التعليم والصحة والاتصالات وأماكن العمل.

قد تحتاج الدراسات المستقبلية أيضاً إلى اختبار ما إذا كانت أنظمة الذكاء الاصطناعي ترتكب أخطاءً مماثلة في الواقع العملي.

--------

* علياء زويل مرشحة لنيل درجة الدكتوراه في علم النفس الاجتماعي من جامعة ماساتشوستس أمهيرست. ألكسندرا فيغيروا باحثة ما بعد الدكتوراه في جامعة كاليفورنيا، بيركلي. مجلة «فاست كومباني».


تجنَّب استخدام الذكاء الاصطناعي في العمل... في 3 حالات

تجنَّب استخدام الذكاء الاصطناعي في العمل... في 3 حالات
TT

تجنَّب استخدام الذكاء الاصطناعي في العمل... في 3 حالات

تجنَّب استخدام الذكاء الاصطناعي في العمل... في 3 حالات

تستثمر الشركات حالياً مبالغ طائلة في موارد الذكاء الاصطناعي، أملاً في تعزيز أداء الأفراد ورفع كفاءة عملها. ونظراً لحجم هذه الاستثمارات، ثمة ضغوط تدفع الموظفين لاستخدام الذكاء الاصطناعي في أكبر عدد ممكن من المهام، كما كتب آرت ماركمان (*).

وبشكل عام، إذا لم تكن قد جربت استخدام الذكاء الاصطناعي كثيراً، فإن الانخراط في استخدامه ينطوي على قيمة حقيقية؛ إذ تتطور الأدوات باستمرار وتتنامى القدرات التقنية لها. ولا تقتصر مزايا هذه النماذج على تقديم استجابات أكثر منهجية فحسب، بل إنها باتت تقترح أدوات -أو حتى تبنيها- لتنفيذ مهام ذات صلة بموضوع المحادثة.

مخاطر الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي

ومع ذلك، ينطوي الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي في العمل على مخاطر عديدة. وفيما يلي 3 حالات يُستحسن فيها تجنب استخدام الذكاء الاصطناعي أو الحد منه قدر الإمكان:

1. عندما تحتاج إلى التعلم. ثمة مصطلح دخل حيز النقاش العام منذ صعود الذكاء الاصطناعي التوليدي، وهو «تخفيف العبء المعرفي «cognitive offloading». وتتمثل الفكرة العامة للمصطلح في أن الذكاء الاصطناعي -بحكم طبيعته- يتولى تنفيذ مهام كانت تتطلب في السابق جهداً ذهنياً.

غير أن ما قد يغيب عن بال الكثيرين هو أن الجهد الذهني يمثل إشارة للدماغ بوجود أمر يستدعي التعلم؛ فالأصل أن الدماغ يسعى دائماً لتقليل الوقت المستغرق في أداء أي مهمة. وكلما بذلت جهداً أكبر في مهمة ما، استنتج الدماغ أن تعلم كيفية أدائها سيقود إلى بذل جهد أقل في المستقبل. وهذا ما يجعل استثمار الطاقة لتغيير بنية الدماغ -وهي العملية التي تدعم التعلم من الناحية الفسيولوجية- أمراً مفيداً ومجدياً.

وعليه، كلما لجأت إلى تجنب الجهد عبر الاعتماد على الذكاء الاصطناعي، قلّت احتمالية إرسال إشارات للدماغ بضرورة تعلم شيء جديد. فإذا كان اكتساب معرفة أو مهارة ما أمراً ضرورياً، ينبغي لك التضحية بالكفاءة قصيرة الأمد لصالح الفائدة طويلة الأمد المتمثلة في التعلم.

خصص وقتاً للتعامل مع تعقيدات المشكلة بنفسك، واقرأ المواد بدلاً من الاكتفاء بملخصاتها، واطرح على نفسك الأسئلة وأجب عنها؛ فبهذه الطريقة، أنت تهيئ نفسك لتعلم شيء جديد.

وبعد إنجاز ذلك الجهد، يمكنك اختيار مدى التحقق من عملك أو مدى استيعابك للمعلومات باستخدام الذكاء الاصطناعي؛ إذ يمكنك إجراء محادثة مع أحد النماذج للتأكد من فهمك الجيد للمعلومات، أو حتى قراءة نص ما ثم الطلب من الذكاء الاصطناعي اختبارك فيه لقياس مدى استيعابك.

تدقيق التفاصيل

2. عندما تكون التفاصيل مهمة. في عصر الذكاء الاصطناعي، قد يميل المرء إلى اختصار النصوص الطويلة أو سلاسل رسائل البريد الإلكتروني أو تقارير المشاريع لتوفير الوقت؛ ففي النهاية، لماذا تقرأ مستنداً طويلاً بينما يمكنك استخلاص جوهره بسرعة؟

ولكن، كما تقول الحكمة القديمة: «التفاصيل هي مكمن العظمة - أو أحياناً مكمن الشيطان». فقد أثبتت أبحاث عديدة أن الناس يقعون فريسة لما يُعرف بـ«وهم عمق الفهم»، حيث يعتقدون أنهم يفهمون العالم فهماً أعمق مما هو عليه في الواقع.

إذا كنت مسؤولاً عن تكوين فهمٍ دقيق ومفصل لأمر ما، فلا توجد طريقة مجدية لتجاوز عملية الجهد اللازم لاستيعاب ذلك الشرح تماماً؛ إذ يتعين عليك الخوض في تفاصيل الشرح بكامل أبعادها، والتأكد من إلمامك بالجزئيات الدقيقة إلى جانب الملخص العام.

التفاعل مع الفريق

3. عندما تحتاج إلى التفاعل مع فريقك. تجد نماذج الذكاء الاصطناعي مكانها في بيئة عمل تتجه بشكل متزايد نحو العمل الفردي، وعن بُعد. فقد دشنت جائحة «كوفيد-19» حقبةً شهدت زيادة كبيرة في أعداد الأشخاص الذين يعملون من منازلهم. وعلاوة على ذلك، نشأ الجيل الصاعد في ظل الهواتف المحمولة والمراسلات النصية (ناهيك عن تأثير الجائحة على تطورهم الاجتماعي). ويوفر الذكاء الاصطناعي التوليدي ميزةً للعاملين بمفردهم، إذ يمنحهم شريكاً متاحاً باستمرار لمناقشة قضايا العمل والتفكير فيها.

ومع ذلك، ينطوي العمل الجماعي على مزايا عديدة لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحل محلها بالكامل. ومن الجوانب الإيجابية، يمكن للذكاء الاصطناعي مساعدتك في الخروج من حيز تفكيرك المحدود عبر تقديم منظور بديل للمشكلات.

كما أن التفاعل مع أعضاء فريقك يحمل نتائج مهمة أخرى؛ فإذا أردت كسب تأييد واسع النطاق لفكرة ما، فمن المفيد إشراك أشخاص متنوعين من مؤسستك، ومنحهم الفرصة للمساهمة وطرح مخاوفهم ومعالجتها. أما إذا اقتصر عملك على تطوير هذه الأفكار بالاستعانة بالذكاء الاصطناعي فقط، فقد تتوصل إلى مفهوم رائع، لكنك ستكون قد أغفلت الجهد اللازم لكسب تأييد بقية أعضاء الفريق وإشراكهم في العملية.

تعزيز الانسجام

بالإضافة إلى ذلك، وبعد تحديد مسار العمل، تبرز أهمية توحيد طريقة تفكير الفريق بشأن المفاهيم الأساسية؛ فعندما تعمل المجموعات معاً، ينشأ تقارب في أساليب تفكيرهم، وتساعد ديناميكيات المجموعة الفريقَ على الاتفاق على مصطلحات مشتركة للمناقشة وبناء فهم موحد للأمور.

لذا، عندما تكون هناك قيمة في تعزيز الوحدة والانسجام، يُفضل جمع الفريق للعمل معاً بدلاً من الاكتفاء بالتفاعل مع الذكاء الاصطناعي. ورغم أن هذه التفاعلات قد تبدو محرجة أو حتى تثير بعض التوترات أثناء سير العمل، فإن الفوائد المتمثلة في منح الفريق بأكمله شعوراً بملكية العمل وبناء فهم مشترك، تستحق هذا الجهد.

* مجلة «فاست كومباني».


مدارس الذكاء الاصطناعي: وعود وتحديات

مدارس الذكاء الاصطناعي: وعود وتحديات
TT

مدارس الذكاء الاصطناعي: وعود وتحديات

مدارس الذكاء الاصطناعي: وعود وتحديات

على مدار العقد الماضي، توسعت «مدرسة ألفا» (Alpha School)، وهي مدرسة ربحية تركز على الذكاء الاصطناعي- بعد أن تأسست أول الأمر في حرم دراسي واحد في مدينة أوستن لتتوسع وتشمل قائمة متنامية تضم أكثر من 15 مدرسة في جميع أنحاء البلاد، بما في ذلك مدن كبرى مثل نيويورك وسان فرانسيسكو، كما كتب (*).

مدارس الذكاء الاصطناعي

وتنضم مدرسة «ألفا» إلى مدارس خاصة أخرى تركز على الذكاء الاصطناعي وتخدم المراحل الدراسية من الروضة حتى الصف الثاني عشر (K-12) مثل «أنباوند أكاديمي» (Unbound Academy) و«مدرسة خان المختبرية» (Khan Lab School)، وهي خيارات متاحة الآن لأولياء الأمور، بتكلفة تتراوح بين 40 ألفاً و75 ألف دولار سنوياً في بعض الحالات.

«نموذج تعليم مخصص لكل تلميذ»

ويستخدم بعض المؤيدين للتعليم القائم على الذكاء الاصطناعي شعارات مثل: «نظام المدرسة معطّل، ونحن هنا لإصلاحه». وقد عبّرت ماكنزي برايس، إحدى الشخصيات المؤسسة لمدرسة «ألفا»، عن استيائها من نموذج التعليم القائم على مبدأ «مقاس واحد يناسب الجميع»، حيث يدرس جميع الطلاب المادة نفسها ولكنهم غالباً ما يتعلمون بسرعات متفاوتة.

كما جادل سال خان، مؤسس منصة «أكاديمية خان» التعليمية عبر الإنترنت، بأن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يوفر لكل طالب معلماً خاصاً يستجيب لاحتياجاته الفردية المحددة. ويُعد بيل غيتس أيضاً من بين قادة الفكر في مجال التكنولوجيا الذين توقعوا أن يحل الذكاء الاصطناعي محل العديد من المعلمين خلال العقد المقبل.

ثنائية زائفة: تعليم تفاعلي مقابل تعليم تلقيني

قد تكون الحجة الداعية إلى تعليم أكثر تخصيصاً وجيهة في بعض الحالات، لكنها تنطوي أيضاً على خطر خلق ثنائية زائفة؛ حيث يُنظر إلى جميع برامج الذكاء الاصطناعي على أنها تفاعلية ومحفزة، بينما يُنظر إلى التدريس الصفي التقليدي على أنه مجرد إلقاء وتلقين.

وبصفتي باحثاً في سياسات التعليم وأُجري أبحاثاً حول الذكاء الاصطناعي والمعلمين، أدرك أن الواقع أكثر تعقيداً بكثير.

وعود التدريس الخصوصي عبر الذكاء الاصطناعي

تستبدل مدرسة «ألفا» التعليم التقليدي المباشر (وجهاً لوجه) لطلاب المراحل من الروضة حتى الصف الثاني عشر وتتبع نظام تدريس خصوصي مخصص يعتمد على الذكاء الاصطناعي، حيث يتم تكثيف مواد القراءة والرياضيات وغيرها في فترة دراسية مدتها ساعتان.

وتُستكمل فترة التدريس بالذكاء الاصطناعي -التي تستغرق ساعتين- بورش عمل حضورية وبوجود من تطلق عليهم المدرسة «المدربين» أو «الموجهين»، وهم ليسوا بالضرورة معلمين مرخصين. ويمكن أن تركز هذه الجلسات على مهارات حياتية غير أكاديمية، مثل طرق التحدث أمام الجمهور وريادة الأعمال، بالإضافة إلى الفنون والتربية البدنية.

* فوائد التعليم الخصوصي البشري والاصطناعي. وفيما يتعلق بجانب الذكاء الاصطناعي في هذا النظام التعليمي، فمن الواضح أن هناك فوائد للتدريس الخصوصي المخصص. على سبيل المثال، أظهرت مراجعة شاملة نشرها «المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية» في عام 2020 أن أشكالاً متنوعة من التدريس الخصوصي الذي يقدمه البشر قد أدت إلى مكاسب تعليمية ثابتة ومستمرة عبر مختلف المواد الدراسية والفئات العمرية.

كما أظهرت دراسة أجراها «معهد بروكينغز» أن الذكاء الاصطناعي يعزز كفاءة التدريس المدعوم بالحاسوب من خلال إتاحة الفرصة للطلاب للتفاعل مع البرنامج باستخدام اللغة اليومية المعتادة. وعلاوة على ذلك، يمكن للذكاء الاصطناعي التوليدي تعديل وتكييف جلسة التدريس بناءً على مستوى تقدم الطالب والتحديات التي يواجهها في استيعاب المادة العلمية.

* لا دليل على تفوق الذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، لا توجد حتى الآن أدلة قاطعة تثبت تفوق الذكاء الاصطناعي أو غيره من أنظمة التدريس الحاسوبية على المعلمين البشر، وإن كانت هذه الأنظمة قد تكون أقل تكلفة في كثير من الحالات.

* دعم المعلمين بدلاً من استبدالهم. وبدلاً من محاولة استبدال المعلمين والاعتماد على الذكاء الاصطناعي، أرى أن الاستراتيجية الأكثر جدوى وفاعلية تكمن في دعم المعلمين لاستخدام الذكاء الاصطناعي بما يعزز قدراتهم التعليمية ويجعلهم معلمين أفضل.

التدريس الخصوصي الجيد يدعم التعلم داخل الفصل الدراسي

لقد ثبت أن التدريس الفردي (وجهاً لوجه) - سواء كان على يد معلم أو ولي أمر أو مساعد تعليمي - فعّال للغاية في رفع درجات الطلاب في الاختبارات وتحسين مستوى تعلمهم بشكل عام. كما تبين أن التدريس الخصوصي «عالي التأثير» - الذي يعتمد على جلسات منتظمة وطويلة الأمد تُعقد في مجموعات صغيرة داخل المدارس - يحقق نتائج فعالة بشكل خاص.

وتشير إيزابيل هاو، المديرة التنفيذية لـ«مسرّعة ستانفورد للتعلم» (Stanford Accelerator for Learning)، إلى أن الطلاب الصغار بحاجة إلى تطوير مهارات اجتماعية قوية - وهو ما تطلق عليه مصطلح «الذكاء العلائقي (relational intelligence)» - لكي يزدهروا ويتألقوا في البيئات الاجتماعية.

ولكي يكون التدريس الخصوصي البشري فعالاً، لا بد أن يستوفي معايير محددة؛ فعلى سبيل المثال، ينبغي أن يلتقي المعلمون الخصوصيون طلابهم بانتظام، وأن يتمتع هؤلاء المعلمون بالكفاءة والمهارة، مع الحرص التام على أن تكون المادة التي يدرسونها متكاملة تماماً مع المنهج الدراسي للطالب.

كما يُعد بناء علاقة وطيدة بين المعلم والطالب أمراً بالغ الأهمية للحفاظ على دافعية الطلاب وتركيزهم على المهام التعليمية التي يؤدونها.

هل يمكن لمعلمي الذكاء الاصطناعي أن يحلوا محل المعلمين البشر؟

لقد ظهرت أنظمة التعليم بمساعدة الحاسوب وأنظمة التدريس الذكية منذ سبعينات القرن الماضي.

وصُممت هذه الأنظمة لتقديم تعليم يتكيف مع المتعلمين أثناء تقدمهم في سلسلة من التمارين أو المسائل أو الأسئلة. وقد ثبت أنها ترفع مستوى تحصيل الطلاب عند استخدامها كأداة مكملة للتعليم الصفي التقليدي.

ومع ذلك، كشف تحليل موسع لدراسات مختلفة أنه على الرغم من أن هذه الأنظمة عززت تحصيل الطلاب، فإنه عند مقارنتها بالتدريس الصفي أو بأداء الطلاب الذين يعتمدون على الكتب المدرسية أو كراسات التدريبات، لم يكن هناك فرق جوهري في مستوى التعلم بين معلمي الذكاء الاصطناعي والمعلمين البشر.

وفي الآونة الأخيرة، أظهرت دراسة أُجريت عام 2025 وجود تأثيرات إيجابية ملموسة للتدريس عبر الذكاء الاصطناعي على تحصيل الطلاب في مختلف المواد والمراحل الدراسية.

وفي دراسة أخرى حظيت باهتمام واسع حول معلمي الذكاء الاصطناعي، قارن باحثون عام 2025 بين تأثير «التعلم النشط» داخل الفصل وبين استخدام معلم ذكاء اصطناعي صُمم خصيصاً لدورة تمهيدية في الفيزياء بجامعة هارفارد.

وأفاد الطلاب الذين استخدموا معلم الذكاء الاصطناعي بأنهم تعلموا المادة بشكل أسرع وشعروا بدافع أكبر للتعلم، مقارنةً بالطلاب الذين تلقوا تدريساً متخصصاً داخل الفصل. وتجدر الإشارة إلى أن الطلاب في هذه الدراسة لم يكونوا يتمتعون بدافع عالٍ ومهارات دراسية جيدة فحسب، بل إن معلم الذكاء الاصطناعي نفسه قد صُمم على يد الأساتذة الذين قاموا بتدريس المقرر الدراسي.

التعليم المدعوم بالذكاء الاصطناعي

إن الادعاءات القائلة بأن التدريس عبر الذكاء الاصطناعي يتفوق على التدريس الصفي لا تأخذ في الاعتبار سوى جزء من الأدلة المتاحة.

ومع ذلك، يمكن لمعلمي الذكاء الاصطناعي أن يكونوا مفيدين بالفعل في بعض الحالات، لا سيما عند استخدامهم لدعم المعلمين البشر في عملهم؛ فقد أظهرت دراسة أجريت عام 2024 تحسناً في أداء الطلاب بالمدارس المتوسطة في المناطق منخفضة الدخل عندما أتيح للمعلمين البشر الاستفادة من دعم أنظمة التدريس القائمة على الذكاء الاصطناعي.

كما أظهرت دراسة أجريت عام 2026 أنه عندما يستخدم المعلمون الذكاء الاصطناعي لإعداد خطط الدروس، فإن المعلمين ذوي الخبرة يميلون إلى مراجعة المحتوى بشكل نقدي لربطه بشكل أفضل بالمنهج الدراسي العام.

وبدلاً من تصور مستقبل يحل فيه معلمو الذكاء الاصطناعي محل المعلمين البشر، أعتقد أننا بحاجة إلى التفكير في نوع الدعم والتطوير المهني الذي يمكن أن يساعد المعلمين على تحقيق أقصى استفادة من هذه الأدوات الجديدة والمعقدة.

* أستاذ في الإدارة التربوية بجامعة ولاية بنسلفانيا، مجلة «فاست كومباني».