طهران تبحث عن قنوات جديدة لضخ أموال إلى «حزب الله»

طلبت مساعدة بغداد... وترعى مهربين في سوريا

TT

طهران تبحث عن قنوات جديدة لضخ أموال إلى «حزب الله»

مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون رايته خلال تحرك لهم رفضاً لزيارة المبعوث الأميركي توم براك إلى الجنوب (أ.ب)
مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون رايته خلال تحرك لهم رفضاً لزيارة المبعوث الأميركي توم براك إلى الجنوب (أ.ب)

تلقى مسؤول عراقي بارز رسالة من إيران أواخر أغسطس (آب) 2025، تطلب تسهيلات «غير عادية» في معبر رسمي غرب البلاد؛ لنقل شحنات أموال إلى «حزب الله» اللبناني عبر الأراضي السورية.

تحدثت «الشرق الأوسط» مع المسؤول، الذي طلب التحفظ على اسمه لحساسية الموضوع، وزعم أنه «لم يتجاوب مع الرسالة الإيرانية بسبب تعقيدات أمنية وسياسية».

ووفق مصادر متقاطعة، فإن جهات أمنية سورية ولبنانية رصدت محاولات إيرانية، تكثفت في الأسابيع الماضية، لضخ مساعدات إلى «الحزب» الذي يرزح تحت ضغط خطة نزع السلاح.

ورغم إحباط عمليات تهريب متفرقة في سوريا ولبنان، فإن جرعات من المساعدات يبدو أنها قد نُفذت بالفعل، بمساعدة شبكة مهربين، وفق مصادر ميدانية في سوريا ولبنان. وعلمت «الشرق الأوسط» أن الولايات المتحدة تحاول الآن تعقب خيوط أوصلت ملايين الدولارات إلى «حزب الله» عبر قنوات تحويلات تقليدية وخطوط برية.

ويحاول «الحزب» كسب الوقت مع الحكومة اللبنانية والطرف الأميركي الضاغط لنزع سلاحه، بينما يستجمع قواه بالحصول على موارد جديدة ربما لاحتواء نقمَة قاعدته الشعبية المتضررة، ولإعادة بناء قدراته العسكرية.

وفي بغداد، كشف قادة في «التحالف الحاكم (الإطار التنسيقي)» عن أن إيران التي تستعد لحرب جديدة أبلغت قادة فصائل بالبحث عن «وسائل جديدة» لإعادة بناء قدرات الحليف في لبنان. يقول أحدهم لـ«الشرق الأوسط» إنه «من الخطأ افتراض أن إيران ستخوض المواجهة المقبلة من دون خطوط دفاعية بعيدة ومتماسكة في المنطقة، لا سيما في لبنان».

يعود التركيز الإيراني على دعم «حزب الله» إلى صعوبات تعترض طهران في بغداد؛ إذ تزداد القيود التي تكبّل الفصائل العراقية، كما أن الأخيرة تتردد بالفعل في التحرك علناً ضمن «محور المقاومة». يقول القيادي الشيعي: «من الواضح أن مساحة المناورات تتضاءل في بغداد».

وكان الأمين العام لمجلس الأمن القومي الإيراني، علي لاريجاني، قد شدد في 23 أغسطس 2025، على أن «استراتيجية إيران هي دعم المقاومة»، وقال إن «الحرب توقفت مؤقتاً، ويجب أن نعلم أن حرباً أخرى قد بدأت».

حملة أمنية قرب الحدود السورية - العراقية لملاحقة تجار المخدرات والسلاح (محافظة دير الزور)

«لدينا من يوصلها إلى دمشق»

في الأسبوع الأخير من أغسطس الماضي، تلقى المسؤول العراقي رسالة من جهة إيرانية متنفذة، قيل إنها تشرف منذ انتهاء الحرب مع إسرائيل على وضع خطط مختلفة لإعادة بناء القدرات العسكرية لـ«محور المقاومة».

تضمنت الرسالة طلباً بالحصول على تسهيلات «غير عادية» لتمرير شحنات أموال عبر منفذ «القائم» الحدودي بين العراق وسوريا، وأن «المبالغ المراد تمريرها كبيرة جداً». يقول المسؤول، لـ«الشرق الأوسط»، إنه تساءل عن كيفية نقلها عبر الأراضي السورية في حال نجح عبورها من المنفذ. وقد فهم أن «الإيرانيين لديهم شبكات تهريب في سوريا يعتمدون عليها»، ونُقل عن مسؤول إيراني ما حرفيته: «هناك من يوصل الشحنات حتى إلى دمشق. ليس المطلوب من العراقيين القلق بشأن ذلك».

وفق مصدرين في فصيل مسلح كان ينشط في سوريا قبل انهيار نظام الأسد، فإن إيران لا تزال على صلة بشبكات تهريب قديمة في الأراضي السورية.

ويقول هذان المصدران، اللذان عادا إلى بغداد لتولي مهمة محلية بعد «فترة من الخدمة داخل سوريا»، إن «المهربين يضمون أفراداً من جهات وقوميات مختلفة، بينهم فلول نظام الأسد، وجماعات من (داعش)، وفصائل مسلحة، وآخرون لديهم خبرة طويلة في خطوط التهريب».

لم يستبعد أحد المصدرين أن تكون إيران قد طورت صلاتها مع مجموعات جديدة متضررة من التغيير في سوريا.

لافتة في منطقة البوكمال على طول الحدود العراقية - السورية (أرشيفية - أ.ف.ب)

القائم... «ملعب المسيّرات»

زعم المسؤول العراقي أن بغداد لم تتجاوب «على الإطلاق» مع الطلب الإيراني بسبب تعقيدات سياسية وأمنية في منطقة المعبر، حيث يتركز رصد أميركي لأي تحركات مشبوهة، كما أن العملية تعرض مؤسسة رسمية إلى المخاطر.

ويعتقد أعضاء في أحزاب «الإطار التنسيقي» أن لجوء إيران إلى معبر عراقي رسمي يعكس صعوبات تواجهها في الممرات القديمة، وغالباً ما كانت غير شرعية أنشأتها أو طورتها فصائل شيعية.

في المنطقة القريبة من منفذ القائم، الذي يبعد عن مركز مدينة البوكمال نحو 10 كيلومترات، كانت فصائل شيعية تتمركز في معسكرات ظاهرة للسكان، أبرزها «كتائب حزب الله»، لكنها، ومنذ سقوط نظام الأسد مروراً بالحرب الإيرانية - الإسرائيلية الأخيرة، «توارت عن الأنظار».

ويقول مصدر ميداني من محافظة الأنبار (غرب) إن الفصائل لم تُخلِ المنطقة الغربية المحاذية للحدود السورية، لكنها قللت من ظهورها العلني الواضح؛ بسبب التركيز الأمني على المنطقة.

ووصف المصدر هذه المنطقة بأنها «ملعب المسيّرات الأميركية، وجهات أخرى»؛ إذ يصعب على أي عربة مشبوهة التحرك بحرية دون رصد.

ومن معبر القائم وصولاً إلى نقطة دخول الأنبوب النفطي العراقي - السوري شمالاً، هناك كثير من المعابر غير الشرعية، التي يقول المصدر الميداني إن فصائل شيعية كانت في السابق تتقاسم إدارتها ومواردها من الجانبين، طوال سنوات قبل انهيار نظام الأسد.

في الجانب الآخر، يمسك حرس الحدود السوري بالأرض، مع وحدات من «الفرقة86» في الجيش الجديد. لقد فرضت تغييراتٌ كبيرة في موازين القوى وضعاً غير مسبوق على الإيرانيين. واختفى معبر قرية الهري، وهو موقع غير شرعي كانت تديره ميليشيات عراقية داخل الأراضي السورية.

يقول مسؤول سوري في بلدة البوكمال، لـ«الشرق الأوسط»، إن «خطوط التهريب التي تعتمدها إيران لا تزال نشطة على الحدود مع العراق»، وإن «الأمن العام السوري يكافح لضبطها ومصادرتها»، لكنه نفى تسجيل أي شحنة أموال تجاوزت المعابر الرسمية.

يميل المسؤول العراقي إلى الاعتقاد أن «اللجوء إلى المعبر الرسمي لتهريب الأموال يهدف إلى حمايتها من المصادرة وضمان عبور كميات كبيرة دفعة واحدة، وربما المجازفة بدفعات لاحقة».

خلال الأشهر الماضية، أعلن الأمن السوري أنه تمكن من ضبط شحنات أموال وسلاح ومخدرات كانت معدة للتهريب بواسطة أفراد «لديهم سجل جنائي يتضمن تهماً بالسرقة وإطلاق العيارات النارية».

السيناتور الأميركي الجمهوري ليندسي غراهام في واشنطن (رويترز)

ما قاله غراهام عن «حزب الله»

في بيروت، ثمة شعور عام بأن «حزب الله» التقط أنفاسه قليلاً، ليس لأنه يكسب الوقت مع الأميركيين الذين يضغطون لنزع سلاحه، بل لأنه ربما قد حصل أخيراً على مساعدات مالية.

يلاحظ مراقبون أن «حزب الله» بدأ يُبدي تمنعاً تجاه خطة نزع السلاح، بعد أن كان يوحي للفاعلين اللبنانيين أن هذا المسار يمضي بسلاسة ومن دون عراقيل. إلا إن «الحزب» تراجع مؤخراً خطوة إلى الوراء، وبدا أشد تصلباً مما كان عليه في السابق.

ونقلت مصادر سياسية أن السيناتور الأميركي الجمهوري ليندسي غراهام كان أبلغ نواباً لبنانيين، الشهر الماضي، بأن واشنطن تمتلك معلومات عن وصول شحنات أموال بملايين الدولارات إلى «حزب الله»، وأن بلاده حريصة على «معرفة الكيفية التي هُرّبت فيها (بها)».

وكانت وزارة الخزانة الأميركية قد أعلنت مرات عدة خلال الشهرين الماضيين أنها «تنفذ تعليمات صارمة من الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، بقطع تمويل النفوذ الإيراني في المنطقة». وفي عام 2022، قدّرت وزارة الخارجية الأميركية أن إيران تزود «الحزب» بما يصل إلى 700 مليون دولار سنوياً. كما أن الأمين العام الأسبق لـ«الحزب»، حسن نصر الله، كان قد تفاخر في عام 2016 بأن إيران هي مصدر التمويل الرئيسي.

في حال صحت رواية غراهام عن وصول تمويل جديد إلى «حزب الله»، فإن الممرات البرية التي يشتد عليها الخناق في سوريا، لن تكون المنفذ الأساسي لتهريب الأموال، بينما يجري حديث عن ابتكار «الحزب» قنوات تحويلات مالية جديدة.

وثمة شكوك بشأن ما إذا كان «الحزب» قد حصل على الأموال؛ إذ تقول مصادر لبنانية إن «مؤسسات (الحزب) قصرت صرفياتها على ترميم منازل القاعدة الشعبية في الضاحية، بدلاً من إعمار المنازل المهدمة»، لكن كثيرين يعتقدون على نطاق واسع أن «الظرف الملتهب في المنطقة يجبر (الحزب) على حفظ الأموال لمعركة ما، تماماً كما يفعل الإيرانيون».

ورغم أن الجيش الإسرائيلي استهدف مراراً مسؤولين عن نقل وتحويل الأموال من إيران والعراق إلى لبنان، فإن مصادر عراقية أكدت لـ«الشرق الأوسط» أن «إيران و(الحزب) يحتفظان دوماً بقنوات بديلة».

واعترف مصدر أمني لبناني بصعوبة ضبط الحدود بين لبنان وسوريا. ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن المنطقة «مفتوحة، وتمتد على مساحات شاسعة بين البلدين، في وقت يعاني فيه الجيش اللبناني من قلة الموارد والعديد».

وأكد المصدر أن الجيش يضبط المعابر غير الشرعية قدر الإمكان، عبر حفر خنادق على الممرات المعروفة، ورفع سواتر لمنع عبور الآليات من الجهة الشرقية للبلاد، إلا إن «الوضع يزداد صعوبة شمالاً؛ بسبب وجود النهر الكبير الذي يفصل البلدين، إذ يسهل عبوره سيراً أو بالآليات في نقاط مختلفة».


مقالات ذات صلة

نعيم قاسم: سقف المفاوضات مع إسرائيل يجب أن يكون «الأمن المتبادَل»

المشرق العربي الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم (أرشيفية - رويترز)

نعيم قاسم: سقف المفاوضات مع إسرائيل يجب أن يكون «الأمن المتبادَل»

عدّ الأمين العام لـ«حزب الله»، نعيم قاسم، اليوم الأربعاء، أن سقف المفاوضات بين لبنان وإسرائيل ينبغي أن يكون «الأمن المتبادَل»...

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي الرئيس الأميركي دونالد ترمب يستقبل نظيره السوري أحمد الشرع في البيت الأبيض (أرشيفية - رويترز) p-circle

ترمب تحدث مع الشرع بشأن مواجهة «حزب الله»

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم الأربعاء، إنه تحدث مع نظيره السوري أحمد الشرع حول محاربة جماعة «حزب الله» في لبنان.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي إسرائيلية تنظر إلى الأراضي اللبنانية حيث يتصاعد الدخان جراء غارة استهدفت جنوب لبنان (رويترز)

إسرائيل تستبق اتفاق واشنطن - طهران بمحاولة التقدم بجنوب لبنان

دفعت الغارات الجوية الإسرائيلية والقصف المدفعي، مئات العائدين إلى مدينة النبطية لمغادرتها، حيث كثفت القوات الإسرائيلية قصفها للمنطقة رغم دخول الهدنة حيز التنفيذ

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون مستقبلاً وفداً من المطارنة الموارنة في الاغتراب (الرئاسة اللبنانية)

لبنان يتمسك بفصل مساره عن طهران بمواجهة محاولات إعادة الربط

يتعامل لبنان الرسمي بحذر مع تداعيات «إعلان واشنطن» في وقت تسعى فيه الدولة اللبنانية إلى تكريس فصل الملف اللبناني عن مسار المفاوضات بين واشنطن وطهران

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري (رئاسة مجلس النواب)

مطالبة «حزب الله» بتغيير الحكومة اللبنانية أو استبدال وزراء تصطدم بمعارضة بري

يترقب اللبنانيون صدور مذكرة التفاهم الأميركية-الإيرانية للتأكد مما يخص بلدهم في البنود الواردة فيها لحسم الجدل حول الاجتهادات التي يروّج لها هذا الفريق أو ذاك.

محمد شقير (بيروت)

قاليباف: مذكرة التفاهم «هزيمة للولايات المتحدة»... وسنفرض رسوماً على «عبور هرمز»

أرشيفية لكبير المفاوضين الإيرانيين رئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف (د.ب.أ)
أرشيفية لكبير المفاوضين الإيرانيين رئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف (د.ب.أ)
TT

قاليباف: مذكرة التفاهم «هزيمة للولايات المتحدة»... وسنفرض رسوماً على «عبور هرمز»

أرشيفية لكبير المفاوضين الإيرانيين رئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف (د.ب.أ)
أرشيفية لكبير المفاوضين الإيرانيين رئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف (د.ب.أ)

اعتبر كبير المفاوضين الإيرانيين، رئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف، أن مذكرة التفاهم التي من المفترض توقيعها مع الولايات المتحدة الجمعة في سويسرا بعد أكثر من ثلاثة أشهر من الحرب في الشرق الأوسط، هي هزيمة لواشنطن.

وقال قاليباف في تصريح للتلفزيون الرسمي الإيراني ليل الأربعاء، بعيد نشر الطرفين نص مذكرة التفاهم، إن «هذا الاتفاق هو هزيمة للولايات المتحدة. والناس سيطّلعون عليه وسيحكمون بأنفسهم».

وأكد قاليباف أن إيران تعتزم فرض رسوم على السفن التي تعبر مضيق هرمز، بعد فترة 60 يوماً معفاة من أي رسم منصوص عليها في مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة، ريثما يتم التفاوض على نص نهائي.

وقال: «المضيق لن يعود إلى ما كان عليه قبل الحرب».

وتابع «لإيران حق سيادي في مضيق هرمز، وبالطبع سنجبي رسوما مقابل هذه الخدمات».

وبحسب نص مذكرة التفاهم الذي نشره الجانبان «ستقوم إيران باتخاذ الترتيبات، وبذل أفضل الجهود، لضمان المرور الآمن للسفن التجارية من دون رسوم لمدة 60 يوماً فقط» في مضيق هرمز الذي تغلقه إيران عملياً منذ بدء الحرب ما أثر بشكل كبير على الاقتصاد العالمي.

ومن المقرّر أن يحضر قاليباف توقيع مذكرة التفاهم مع نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس، في مراسم مزمع إقامتها الجمعة قرب بحيرة لوسيرن في وسط سويسرا.


واشنطن تكشف عن نص تفاهم إيران قبل التوقيع

إيرانية تمر بجوار جدارية حول المفاوضات على حائط السفارة الأميركية السابقة في طهران (إ.ب.أ)
إيرانية تمر بجوار جدارية حول المفاوضات على حائط السفارة الأميركية السابقة في طهران (إ.ب.أ)
TT

واشنطن تكشف عن نص تفاهم إيران قبل التوقيع

إيرانية تمر بجوار جدارية حول المفاوضات على حائط السفارة الأميركية السابقة في طهران (إ.ب.أ)
إيرانية تمر بجوار جدارية حول المفاوضات على حائط السفارة الأميركية السابقة في طهران (إ.ب.أ)

كشفت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للمرة الأولى عن تفاصيل الوثيقة المؤلفة من 14 بنداً، التي تضع إطاراً لإنهاء الحرب وفتح مسار تفاوضي مدته 60 يوماً حول البرنامج النووي والعقوبات وترتيبات الأمن الإقليمي.

وقال مسؤول أميركي رفيع المستوى، خلال إحاطة للصحافيين في واشنطن، إن مذكرة التفاهم لا تزال تحتاج إلى توقيع رسمي، وإن أيّاً من الطرفين يستطيع الانسحاب منها قبل التوصل إلى اتفاق نهائي. ووصف التزام إيران التعامل مع مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب بأنه «انتصار كبير».

وقال المسؤول إن الاجتماع المقبل في سويسرا سيكون «حاسماً» لتحديد ما إذا كانت مذكرة التفاهم ستتحول إلى اتفاق شامل، مضيفاً أن المفاوضات المقبلة ستركز على ترتيب الخطوات وتحديد «من سينفذ ماذا ومتى».

وأوضح أن جوهر المرحلة التالية سيكون الاتفاق على التسلسل الدقيق لتنفيذ الالتزامات، بما يشمل الخطوات النووية والاقتصادية والبحرية، قبل الانتقال إلى اتفاق نهائي ملزم.

وحسب المسؤول الأميركي، تنص المذكرة على «الإنهاء الفوري والدائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان»، مع التزام واشنطن وطهران بالتفاوض للتوصل إلى اتفاق نهائي خلال مدة أقصاها 60 يوماً، قابلة للتمديد بموافقة الطرفين.

وتشمل الوثيقة إنهاء الحصار البحري الأميركي على إيران خلال 30 يوماً، على أن تعود حركة السفن تدريجياً إلى مستويات ما قبل الحرب. كما تتعهد الولايات المتحدة، وفق النص، بإبعاد قواتها عن محيط إيران خلال 30 يوماً من التوصل إلى الاتفاق النهائي.

وفيما يتعلق بمضيق هرمز، تنص المذكرة على إبقاء الممر الملاحي مفتوحاً ومن دون رسوم لمدة 60 يوماً. وقال المسؤول الأميركي إن إيران ستعمل بعد ذلك مع سلطنة عمان ودول الخليج العربية للتوصل إلى ترتيبات أوسع وطويلة الأمد بشأن إدارة الملاحة في المضيق.
وبموجب المذكرة، تبدأ فترة تفاوض قابلة للتمديد مدتها 60 يوماً فور توقيع الاتفاق المبدئي. وخلال هذه الفترة، تسمح إيران بالمرور المجاني عبر مضيق هرمز، على أن تناقش لاحقاً إدارة المضيق مع أطراف إقليمية.

المكاسب الاقتصادية

وفي الجانب الاقتصادي، تتعهد الولايات المتحدة مع شركاء إقليميين بالعمل على إنشاء صندوق لا تقل قيمته عن 300 مليار دولار لإعادة إعمار إيران وتنميتها الاقتصادية، على أن يرتبط تنفيذ ذلك بمسار الاتفاق النهائي.
وأقر مسؤولون أميركيون بأن صندوق إعادة الإعمار المحتمل لإيران هو، بعد الملف النووي، أحد أكثر البنود إثارة للجدل في المذكرة. وينص البند الاقتصادي على أن واشنطن ستعمل مع شركائها الإقليميين على وضع خطة نهائية متفق عليها لإعادة إعمار إيران وتنمية اقتصادها.

لكن المسؤول الأميركي شدد على أن هذا البند لا يلزم الولايات المتحدة بدفع أي أموال لإيران أو المساهمة في الصندوق، موضحاً أن تنفيذه سيعتمد على التوصل إلى اتفاق نهائي والتزام طهران ببنوده. وقال إن ذلك قد يسمح، على سبيل المثال، لدول إقليمية بالاستثمار في مشاريع داخل إيران إذا خُففت العقوبات.

كما تنص الوثيقة على أن الولايات المتحدة ستسمح لإيران ببيع النفط فور توقيع مذكرة التفاهم، بينما يرتبط رفع العقوبات بصورة كاملة بالتوصل إلى اتفاق نهائي والتزام إيران ببنوده.

وقال المسؤول الأميركي إن واشنطن ترى بالفعل مؤشرات على تراجع إيران عن محاولات تعطيل حركة الملاحة في مضيق هرمز قبل توقيع الاتفاق.

تخصيب اليورانيوم

وفي الملف النووي، أكد المسؤول أن إيران تعهدت بألا تمتلك سلاحاً نووياً، وأن الجانبين اتفقا على معالجة مخزون اليورانيوم المخصب عبر آلية تقوم على «خفض مستوى التخصيب في الموقع تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، باعتبارها الخيار الأساسي للتعامل مع المواد النووية الإيرانية.
وتقوم عملية خفض التخصيب على خلط اليورانيوم المخصب، الذي يمكن تنقيته إلى مستويات صالحة للاستخدام العسكري، بيورانيوم مستنفد، بما يؤدي إلى تقليل نسبة التخصيب في المخزون القائم.

وقال المسؤول الأميركي إن الالتزام الإيراني بخفض نسبة تخصيب اليورانيوم يمثل، في تقديره، «انتصاراً كبيراً» لواشنطن، موضحاً أن الوثيقة تتضمن بنوداً إضافية في الملف النووي مقارنة بمسودات سُرّبت إلى وسائل إعلام أميركية وأجنبية خلال الساعات السابقة.

وأضاف أن البلدين اتفقا على مناقشة آلية للتعامل مع مخزون إيران من اليورانيوم المخصب، مشيراً إلى أن «الحد الأدنى» لهذه الآلية سيكون خفض نسبة التخصيب داخل إيران وتحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وقال مسؤول أميركي رفيع إن طهران، بموجب التفاهم، «تقول إنها ستدمر مخزون اليورانيوم المخصب»، مضيفاً أن خفض التخصيب في الموقع هو «الحد الأدنى» للطريقة التي ستُعتمد لذلك. وشدد المسؤول على أن هذا التوصيف يعكس تعليقه الشخصي على الاتفاق.

ترمب يتحدث في مؤتمر صحافي ختامي لقمة مجموعة السبع في إيفيان وإلى جانبه وزير التجارة هوارد لوتنيك ووزير الخارجية ماركو روبيو (أ.ب)

وأضاف أن طهران قدمت تصوراً لكيفية تنفيذ عملية التخلص من مخزونها من اليورانيوم المخصب، وأن هذه المسألة ستكون جزءاً من المفاوضات التقنية التي ستبدأ فور دخول المذكرة حيز التنفيذ.

وقال المسؤولان الأميركيان إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي قال سابقاً إنه لم يطلع على مذكرة التفاهم الرسمية، لم يطلب نسخة منها، بحسب علمهما.

وتأتي هذه التفاصيل فيما لم تنشر إيران حتى الآن النص الرسمي لمذكرة التفاهم، بينما قالت وزارة الخارجية الإيرانية إن فكرة توقيع الوثيقة من قِبَل الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والإيراني مسعود بزشكيان لا تزال قيد الدراسة.

ومن شأن مراسم توقيع مثل هذه أن تمثل خطوة كبيرة للبلدين اللذين قطعا العلاقات الدبلوماسية عام 1980 على خلفية أزمة احتجاز الرهائن في السفارة الأميركية بطهران.


ترمب يدافع عن اتفاق إيران ويعد بمسار موازٍ للصواريخ والوكلاء

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث محاطاً بفريقه الاقتصادي والدبلوماسي خلال مؤتمر صحافي في ختام قمة مجموعة السبع بمدينة إيفيان الفرنسية (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث محاطاً بفريقه الاقتصادي والدبلوماسي خلال مؤتمر صحافي في ختام قمة مجموعة السبع بمدينة إيفيان الفرنسية (أ.ف.ب)
TT

ترمب يدافع عن اتفاق إيران ويعد بمسار موازٍ للصواريخ والوكلاء

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث محاطاً بفريقه الاقتصادي والدبلوماسي خلال مؤتمر صحافي في ختام قمة مجموعة السبع بمدينة إيفيان الفرنسية (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث محاطاً بفريقه الاقتصادي والدبلوماسي خلال مؤتمر صحافي في ختام قمة مجموعة السبع بمدينة إيفيان الفرنسية (أ.ف.ب)

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأربعاء، إن الاتفاق الذي توصلت إليه واشنطن وطهران هذا الأسبوع قد يوقع خلال يوم أو يومين، لكنه أبقى خيار القوة مطروحاً إذا لم تلتزم إيران بما ستتعهد به، في محاولة للجمع بين الدفاع عن التفاهم الجديد والتشديد على أن واشنطن لم تتخلَّ عن أدوات الضغط.

وفي مؤتمر صحافي في ختام قمة مجموعة السبع بمدينة إيفيان الفرنسية، قال ترمب إن الاتفاق «الذي توصلنا إليه مع إيران يوم الأحد» سيوقع قريباً، «غداً أو ربما بعد غد»، مشيراً إلى أن طهران «تريد توقيع الاتفاق».

وكان ترمب قد قال، في وقت سابق، إن مذكرة التفاهم مع إيران ليست اتفاقاً نهائياً، وإن الولايات المتحدة قد تستأنف الحرب إذا لم تكن راضية عن تنفيذها. وكرر، الأربعاء، أن واشنطن قد تعود إلى القصف إذا لم يلتزم الإيرانيون، قائلاً إنهم إذا لم يحترموا الاتفاق «فسنعود على الأرجح إلى قصفهم حتى يلتزموا به».

وقال ترمب إن الإيرانيين «سعداء للغاية لأننا أبرمنا اتفاقاً»، مضيفاً أن التفاهم سيُوقّع قريباً، وربما الجمعة، إذا استكملت الترتيبات اللازمة.

ولم يستبعد ترمب حضوره مراسم التوقيع المرتقبة، قائلاً إنه قد يبقى للمشاركة فيها إذا استدعت الحاجة.

وقال ترمب إن المناقشات الفنية بشأن مخزون إيران النووي ستبدأ على الفور، مكرراً أن واشنطن «ستأخذ» اليورانيوم الإيراني المخصب، حتى لو كان «من دون قيمة». وأضاف أن الاتفاق مع إيران يمكن أن يكون بداية لمسار أوسع في الشرق الأوسط، معبراً عن أمله في أن يؤدي إلى «سلام أوسع» في المنطقة.

مسار موازٍ

وأكد ترمب أن الولايات المتحدة ستبحث مع دول المنطقة برنامج إيران للصواريخ الباليستية ودعمها للفصائل المسلحة، في مسار منفصل عن الاتفاق مع طهران.

وقال إن واشنطن «ستبحث الصواريخ الباليستية والوكلاء»، وإنها تعمل «بجهد موازٍ» لمعالجة المسائل غير النووية.

وأشار ترمب إلى أن حركة الملاحة في مضيق هرمز «زادت كثيراً»، في إشارة إلى بدء تخفيف التوتر البحري بعد التفاهم. كما قال إن الاتفاق سيمنع ما وصفه بـ«كارثة اقتصادية»، مضيفاً أنه لم يكن يرغب في رؤية تداعيات اقتصادية أوسع في المنطقة أو أسواق الطاقة.

وقال ترمب إنه يأمل في توسيع «اتفاقيات إبراهيم»، وأن يكون اتفاق إيران بداية لمسار سلام أشمل في الشرق الأوسط. وأضاف أنه يعتقد أن القادة الحاليين في إيران سيتصرفون «بشكل مختلف تماماً»، وذهب إلى القول إنهم يمثلون «تغييراً للنظام» من داخل النظام نفسه.

ترمب يتحدث في مؤتمر صحافي ختامي لقمة مجموعة السبع في إيفيان وإلى جانبه وزير التجارة هوارد لوتنيك ووزير الخارجية ماركو روبيو (أ.ب)

وتطرق ترمب إلى الجانب الاقتصادي من التفاهم، مؤكداً أن إيران لن تتمكن من الوصول إلى صندوق بقيمة 300 مليار دولار إلا إذا «أحسنت التصرف». وقال إن الولايات المتحدة «صادرت الكثير من أموال إيران»، وإن عليها في مرحلة ما إعادتها، محذراً من أن عدم إعادة الأموال قد يضر بالثقة في الدولار.

وقال ترمب إن أي خطوات تتعلق بالعقوبات ستبقى مرتبطة بسلوك إيران وتنفيذ التزاماتها، مضيفاً أن «إجراءً ما» سيحدث بشأن العقوبات بمجرد أن تبدأ طهران التحرك وفق ما هو متفق عليه. وأضاف: «إن لم نعد أموال إيران، فلن يستثمر أحد في الدولار مجدداً»، في إشارة إلى البعد المالي والسياسي لأي ترتيبات تتعلق بالأصول الإيرانية.

كما وجّه ترمب الشكر إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الصيني شي جينبينغ على ما وصفه بـ«حيادهما» بشأن إيران، وأضاف أن الزعيمين أسهما في تحسين الأوضاع، مشيراً إلى أن شي حاول المساعدة في معالجة الأزمة الإيرانية، معتبراً أن موقفي موسكو وبكين أسهما في إبقاء المسار مفتوحاً أمام الاتفاق.

وفي شأن الاتهامات المتعلقة باستهداف مدرسة للبنات في إيران خلال الحرب، قال ترمب إن الحادثة لا تزال قيد التحقيق، مؤكداً أنه لا يعتقد أن أحداً تعمد استهداف المدرسة. وأضاف أن الأخطاء قد تقع خلال الحروب، لكنه شدد على أن «لا أحد فعل ذلك عمداً».

إسرائيل ولبنان

وأكد ترمب أن إسرائيل تلقت نسخة من مذكرة التفاهم مع إيران، قائلاً إن واشنطن أرسلت نسخة من النص إلى تل أبيب. كما قال إنه ناقش تفاصيل الاتفاق الإيراني مع حلفاء الولايات المتحدة خلال قمة مجموعة السبع.

وفي لهجة أكثر تصالحاً تجاه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أشاد ترمب بما وصفه بـ«الشراكة الرائعة» بينهما، بعدما كان قد وجه إليه انتقادات بشأن لبنان.

وقال إن نتنياهو «رجل طيب» لكنه «ينفعل قليلاً أحياناً»، واصفاً الخلاف بينهما في شأن لبنان بأنه «اختلاف صغير».

وأضاف ترمب: «أشكر إسرائيل ونتنياهو على الجهد بشأن إيران»، لكنه أقر بأن ملف لبنان لا يزال يتطلب عملاً إضافياً، قائلاً: «سيتعين علينا العمل على ملف لبنان». وقال أيضاً إن إسرائيل «قد تقوم بعمل أفضل» في التعامل مع «حزب الله»، معرباً عن «أسف شديد» بشأن لبنان.

وقال ترمب إنه يتوقع زيارة الرئيس اللبناني إلى واشنطن خلال أسبوع أو أسبوعين، مضيفاً أن الرئيس السوري يرغب أيضاً في القيام بخطوات مرتبطة بالترتيبات الإقليمية الجديدة. كما أشار إلى أن دمشق تريد التعامل مع تهديدات «حزب الله» داخل لبنان «بدقة».

وقلّل ترمب من حجم الخلافات المرتبطة بالجبهة اللبنانية، قائلاً إن الملف اللبناني «جزء صغير جداً من الصورة العامة»، وإن «المسألة الحقيقية هي الاتفاق مع إيران»، مضيفاً: «هناك يوجد المال، وهناك كانت توجد السلطة».