الهند تعلن تخفيضات ضريبية واسعة لتعزيز الطلب المحلي ومواجهة الرسوم

الأسواق ترتفع وسط صعود الأسهم وتراجع عوائد السندات واستقرار الروبية

يتسوق الناس لشراء السلع الأساسية في سوبر ماركت بمدينة أمريتسار (رويترز)
يتسوق الناس لشراء السلع الأساسية في سوبر ماركت بمدينة أمريتسار (رويترز)
TT

الهند تعلن تخفيضات ضريبية واسعة لتعزيز الطلب المحلي ومواجهة الرسوم

يتسوق الناس لشراء السلع الأساسية في سوبر ماركت بمدينة أمريتسار (رويترز)
يتسوق الناس لشراء السلع الأساسية في سوبر ماركت بمدينة أمريتسار (رويترز)

أعلنت الحكومة الهندية عن تخفيضات ضريبية واسعة النطاق على مئات السلع الاستهلاكية، في خطوة تهدف إلى تعزيز الطلب المحلي واحتواء تأثير الرسوم الجمركية الأميركية الباهظة على صادراتها. وشملت الإجراءات خفض الضرائب على منتجات أساسية من الصابون ومنتجات الألبان إلى السيارات الصغيرة وأجهزة التكييف، مع تبسيط هيكل ضريبة السلع والخدمات من 4 شرائح إلى معدلين رئيسيين فقط هما 5 في المائة و18 في المائة بدلاً من 4 شرائح سابقة هي 5 في المائة و12 في المائة و18 في المائة و28 في المائة. كما ستطبق شريحة 40 في المائة على السلع الفاخرة مثل السيارات الكبيرة والتبغ، في حين ألغيت جميع الرسوم الإضافية على السيارات متوسطة الحجم.

وجاءت هذه الخطوة في أعقاب الرسوم الأميركية التي فرضها الرئيس دونالد ترمب الشهر الماضي على السلع الهندية بنسبة 25 في المائة، مما رفع إجمالي الرسوم إلى 50 في المائة، وأثار مخاوف كبيرة من تأثير سلبي على الصادرات الهندية بقيمة تقارب 48.2 مليار دولار. وأوضح رئيس الوزراء ناريندرا مودي أن هذه الإصلاحات تهدف إلى حماية الاقتصاد الهندي من الصدمات الخارجية، ودعم صغار التجار والشركات، وضمان استمرارية النمو.

تأثير الإصلاح على الأسواق المالية

أثرت القرارات الضريبية الجديدة بشكل فوري على الأسواق المالية الهندية؛ حيث شهدت الأسهم القياسية ارتفاعاً ملحوظاً يوم الخميس. ارتفع مؤشر «إن إس إي نفتي50» بنسبة 0.53 في المائة ليصل إلى 24.845.3 نقطة، بينما صعد مؤشر «بي إس إي سينكس» بنسبة 0.55 في المائة إلى 81.014.6 نقطة. وكان المؤشران قد تجاوزا 1 في المائة عند الافتتاح قبل أن يستقر الأداء عند هذه المستويات.

وقادت أسهم قطاع السيارات ومصنعي المنتجات الاستهلاكية المكاسب، إذ قفزت أسهم شركات السيارات الكبرى مثل «ماهيندرا آند ماهيندرا» بنسبة 6 في المائة، وتقدمت أسهم «إيشر موتورز» بنسبة 3 في المائة، بعد إعلان الحكومة عن تخفيضات ضريبية على السيارات الصغيرة والدراجات النارية والسيارات الكبيرة، بما يشمل إلغاء ضريبة إضافية على سيارات الدفع الرباعي. كما ارتفعت أسهم شركات المستهلكين مثل «هندوستان يونيليفر»، و«كولغيت»، و«نستله» بنسبة تراوحت بين 2 في المائة و6 في المائة، مع استفادة القطاع من خفض الضرائب على السلع اليومية مثل الأغذية المعبأة والأدوية ومنتجات النظافة.

وأكد محللون اقتصاديون أن هذه الإجراءات ستعزز الاستهلاك المحلي، الذي ظل ضعيفاً في الأشهر الأخيرة، وقد يضيف ما بين 100 و120 نقطة أساس إلى نمو الناتج المحلي الإجمالي خلال الأرباع الأربعة إلى الستة المقبلة. وقال برامود غوبي، المؤسس المشارك لشركة «مارسيلوس» لإدارة الاستثمارات: «لقد كان الاستهلاك ضعيفاً لفترة طويلة، لذا فإن هذا التخفيض الضريبي يمثل دفعة ضرورية للغاية، ليس فقط للمستهلكين، بل أيضاً من منظور إداري، مع تسريع استرداد ضرائب الصادرات التي طال انتظارها».

يتجول الناس خارج البورصة الوطنية في مومباي (رويترز)

أسواق السندات والعملات

أدت التخفيضات الضريبية إلى تحسن معنويات سوق السندات؛ حيث انخفض عائد السندات الهندية لأجل 10 سنوات إلى 6.5243 في المائة، مقارنة بـ6.5430 في المائة في الجلسة السابقة. ويرى محللون أن هذه الانخفاضات عكست تخفيف المخاوف بشأن زيادة الاقتراض الناتجة عن خسائر الإيرادات المتوقعة.

أمّا على صعيد العملات، فقد استقرت الروبية الهندية عند مستويات 88.12 مقابل الدولار، مع توقع استمرار تداولها ضمن نطاق 87.50 - 88.30 على المدى القريب، بعد أن سجلت الأسبوع الماضي أدنى مستوى لها عند 88.33. وأشار محللون في «غولدمان ساكس» إلى أن ضعف أداء الروبية قد يستمر بسبب تأثير الرسوم الجمركية على الاقتصاد، وتدفقات الأسهم الخارجة، وتأثيرها على وزن الهند في مؤشرات السندات العالمية.

خسائر الإيرادات وتخفيف الضغوط التضخمية

تقدر الحكومة الهندية أن هذه التخفيضات ستؤدي إلى خسائر في الإيرادات تصل إلى 480 مليار روبية (نحو 5.5 مليار دولار)، وهو رقم أقل بكثير من توقعات الاقتصاديين الذين قدروا الخسائر بين تريليون و1.8 تريليون روبية. ومن المتوقع أن يسهم انخفاض الضرائب على السلع اليومية في تخفيف الضغوط التضخمية؛ حيث أشارت تقديرات مجموعة «سيتي غروب» إلى احتمال انخفاض معدل التضخم بنحو 1.1 نقطة مئوية، بعد أن سجل معدل تضخم أسعار التجزئة في يوليو (تموز) أدنى مستوى له منذ 8 سنوات.

في المقابل، ستظل بعض السلع الفاخرة مثل السيارات الكبيرة والتبغ تحت معدل 40 في المائة، لضمان حماية الإيرادات الحكومية دون التأثير الكبير على الطبقات الوسطى. وقد أثارت هذه الخطوة اهتمام شركات صناعة السيارات الفاخرة مثل «مرسيدس – بنز» و«أودي»، إضافة إلى شركات تصنيع الجرارات، التي تستفيد مباشرة من التخفيضات.

سيارات متوقفة في مصنع ماروتي سوزوكي بمدينة مانيسار (رويترز)

تأثير الرسوم على الاستراتيجية الهندية

تأتي هذه الإجراءات ضمن خطة الهند للتقليل من اعتمادها على السوق الأميركية، في ظل فرض رسوم جمركية إضافية على الصادرات الهندية رداً على شراء نيودلهي النفط الروسي. وتعكس السياسة الهندية مزيجاً من دعم الطلب المحلي وتوسيع قاعدة الصادرات إلى الأسواق العالمية الأخرى مثل أوروبا وأميركا اللاتينية وأفريقيا وجنوب شرق آسيا. وتعتبر المفاوضات التجارية مع الاتحاد الأوروبي ذات أهمية خاصة في هذا السياق، مع تقديم حوافز مالية وتسهيلات مصرفية للمصدرين.


مقالات ذات صلة

نمو الاقتصاد البريطاني يتجاوز التوقعات في نوفمبر

الاقتصاد منظر عام لدولاب لندن وبيغ بن والحي المالي من موقع مشروع برودواي وسط لندن (رويترز)

نمو الاقتصاد البريطاني يتجاوز التوقعات في نوفمبر

سجَّل الاقتصاد البريطاني نمواً أقوى من المتوقع خلال شهر نوفمبر (تشرين الثاني)، مدفوعاً بعودة الإنتاج إلى مستوياته الطبيعية في شركة «جاكوار لاند روفر».

«الشرق الأوسط» (لندن)
خاص جانب من مؤتمر التعدين الدولي 2026 في الرياض (الشرق الأوسط)

خاص المعادن الحيوية كأصول استراتيجية... السعودية تقود تحولاً جذرياً في سلاسل القيمة العالمية

في وقت تتسارع فيه التحولات الجيوسياسية والاقتصادية وتشتد فيه المنافسة العالمية على المعادن الحيوية تشهد سلاسل الإمداد إعادة رسم عميقة.

زينب علي (الرياض)
الاقتصاد من اللقاء بين بيسنت ووزير المالية الكوري الجنوبي (إكس)

بيسنت: انخفاض الوون الكوري لا يتماشى والأساسيات الاقتصادية القوية لسيول

ناقش وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، الانخفاض الأخير في قيمة الوون الكوري مع وزير المالية الكوري الجنوبي كو يون تشيول.

الاقتصاد مشاة يمرون أمام شاشة عملاقة تعرض حركة الأسهم في مدينة شنغهاي الصينية (إ.ب.أ)

الصين تُشدد متطلبات التمويل لتهدئة سوق الأسهم

تراجعت الأسهم الصينية عن مكاسبها بعد أن شددت الهيئات التنظيمية، الأربعاء، متطلبات التمويل بالهامش، في خطوة مفاجئة لتهدئة سوق الأسهم.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد شعار مجموعة «سيتي غروب» الأميركية المصرفية (رويترز)

أرباح «سيتي غروب» تتأثر سلباً بتكاليف تصفية الأعمال في روسيا

انخفضت أرباح «سيتي غروب» بنسبة 13 % في الربع الأخير من العام؛ حيث سجلت خسارة قدرها 1.2 مليار دولار نتيجة بيع أعمالها في روسيا.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

نمو الاقتصاد البريطاني يتجاوز التوقعات في نوفمبر

منظر عام لدولاب لندن وبيغ بن والحي المالي من موقع مشروع برودواي وسط لندن (رويترز)
منظر عام لدولاب لندن وبيغ بن والحي المالي من موقع مشروع برودواي وسط لندن (رويترز)
TT

نمو الاقتصاد البريطاني يتجاوز التوقعات في نوفمبر

منظر عام لدولاب لندن وبيغ بن والحي المالي من موقع مشروع برودواي وسط لندن (رويترز)
منظر عام لدولاب لندن وبيغ بن والحي المالي من موقع مشروع برودواي وسط لندن (رويترز)

سجَّل الاقتصاد البريطاني نمواً أقوى من المتوقع خلال شهر نوفمبر (تشرين الثاني)، مدفوعاً بعودة الإنتاج إلى مستوياته الطبيعية في شركة «جاكوار لاند روفر»، عقب هجوم إلكتروني كان قد استهدف الشركة المُصنِّعة للسيارات وعدداً من مورديها.

وأظهرت بيانات رسمية، صدرت يوم الخميس، أن الناتج المحلي الإجمالي ارتفع بنسبة 0.3 في المائة على أساس شهري في نوفمبر، بعد تراجعه بنسبة 0.1 في المائة في أكتوبر (تشرين الأول)، دون تعديل. وكان اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم قد رجَّحوا نمواً محدوداً لا يتجاوز 0.1 في المائة.

وشكَّل ارتفاع الإنتاج الصناعي بنسبة 1.1 في المائة نحو نصف الزيادة المُسجَّلة في نوفمبر، مدعوماً بقفزة إنتاج السيارات بنسبة 25 في المائة، عقب إعادة فتح مصانع «جاكوار لاند روفر»، في أكبر ارتفاع شهري لإنتاج السيارات منذ يوليو (تموز) 2020. كما فاق نمو قطاع الخدمات، الذي يُشكِّل العمود الفقري للاقتصاد البريطاني، التوقعات، مُسجِّلاً ارتفاعاً بنسبة 0.3 في المائة، بعد انكماشه بنسبة مماثلة في أكتوبر.

وكانت استطلاعات سابقة قد أشارت إلى بوادر تباطؤ في الاقتصاد البريطاني قبيل إعلان الموازنة السنوية لوزيرة المالية راشيل ريفز في 26 نوفمبر، في ظل تأثير التكهنات بشأن زيادات ضريبية محتملة على ثقة الشركات والمستهلكين.

ويتوقع «بنك إنجلترا» أن يُسجِّل الاقتصاد البريطاني نمواً صفرياً خلال الفترة من أكتوبر إلى ديسمبر (كانون الأول) 2025، رغم تقديره بأن وتيرة النمو الأساسية تقارب 0.2 في المائة على أساس فصلي.

وفي السياق ذاته، أفاد «مكتب الإحصاء الوطني» بأن الاقتصاد البريطاني حقَّق نمواً بنسبة 0.1 في المائة خلال الأشهر الثلاثة المنتهية في نوفمبر.


المعادن الحيوية كأصول استراتيجية... السعودية تقود تحولاً جذرياً في سلاسل القيمة العالمية

جانب من مؤتمر التعدين الدولي 2026 في الرياض (الشرق الأوسط)
جانب من مؤتمر التعدين الدولي 2026 في الرياض (الشرق الأوسط)
TT

المعادن الحيوية كأصول استراتيجية... السعودية تقود تحولاً جذرياً في سلاسل القيمة العالمية

جانب من مؤتمر التعدين الدولي 2026 في الرياض (الشرق الأوسط)
جانب من مؤتمر التعدين الدولي 2026 في الرياض (الشرق الأوسط)

في وقت تتسارع فيه التحولات الجيوسياسية والاقتصادية وتشتد فيه المنافسة العالمية على المعادن الحيوية، تشهد سلاسل الإمداد إعادة رسم عميقة لقواعدها التقليدية مدفوعة بارتفاع غير مسبوق في الطلب ومترافقة مع قيود متزايدة على العرض.

وفي مقابلة مع «الشرق الأوسط» على هامش فعاليات «مؤتمر التعدين الدولي»، المقام حالياً في الرياض، تحت رعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، قدّم نيكولاس لانغ، المدير الإداري والشريك في مجموعة بوسطن الاستشارية ومدير مركز الأبحاث الفكري ونائب الرئيس العالمي في الميزة التنافسية العالمية، إلى جانب مارسِن ليتش، المدير الإداري والشريك في المجموعة، قراءة معمقة لمشهد المعادن الحيوية عالمياً، ودور الذكاء الاصطناعي، وموقع السعودية في هذه السلاسل، إضافة إلى أبرز المخاطر والفرص التي تلوح في أفق القطاع.

سلاسل الإمداد

يرى لانغ أن سلاسل إمداد المعادن العالمية تمر بمرحلة إعادة هيكلة شاملة، نتيجة الارتفاع الحاد في الطلب على المعادن الحيوية المرتبطة بالتحول في الطاقة والكهرباء والتصنيع المتقدم، مقابل عرض يظل مقيداً هيكلياً من حيث محدوديته أو تركزه الجغرافي أو تسييسه.

ويشير إلى أن الطلب على هذه المعادن مرشح للنمو بمعدل يتراوح بين ضعفين وثلاثة أضعاف بحلول عام 2040، مدفوعاً بقطاعات المركبات الكهربائية وإنتاج البطاريات، ما يرفع الطلب على الليثيوم والنيكل والكوبالت والنحاس والعناصر الأرضية النادرة إلى مستويات تفوق بكثير الطلب الحالي.

في المقابل، يوضح لانغ أن ما بين 20 و30 في المائة من الإمدادات المستقبلية المطلوبة بحلول عام 2035 لم يتم بعد تحديدها أو تمويلها، في حين تتركز أنشطة المعالجة في عدد محدود من الدول. وقد تحول هذا التركز إلى مصدر مباشر للمخاطر الجيوسياسية، في ظل قيود تصدير فرضتها دول مثل الصين وإندونيسيا، وتصاعد النزعة القومية للموارد في أجزاء من أميركا اللاتينية.

ويضيف أن هذه العوامل غيرت نظرة المستثمرين إلى المعادن الحيوية، التي لم تعد تُعامل كسلع دورية، بل كأصول استراتيجية شديدة الحساسية للسياسات التجارية والأمنية، مع تقلبات سعرية أعلى وفترات تطوير أطول، ما يضع نماذج الجدوى التقليدية تحت ضغط متزايد.

نيكولاس لانغ المدير الإداري والشريك في «مجموعة بوسطن الاستشارية» ومدير مركز الأبحاث الفكري ونائب الرئيس العالمي في الميزة التنافسية العالمية (الشرق الأوسط)

الذكاء الاصطناعي

حول دور الذكاء الاصطناعي، يؤكد لانغ أنه أصبح أحد أبرز عوامل التمكين في سباق المعادن الحيوية، في ظل الضغوط المتزامنة لتوسيع قاعدة المشروعات وتسريع دورات التطوير وتحسين معدلات النجاح مع السيطرة على التكاليف والمخاطر، مشيراً إلى أن نماذج التعدين التقليدية لم تعد قادرة على تلبية متطلبات الحجم والسرعة التي يفرضها التحول في مجال الطاقة.

وفي مجال الاستكشاف، يوضح أن تقنيات تعلم الآلة باتت قادرة على تحليل البيانات الجيولوجية والجيوفيزيائية وصور الأقمار الاصطناعية وسجلات الحفر التاريخية في آن واحد، ما يرفع معدلات نجاح الاستكشاف إلى ضعفين أو ثلاثة أضعاف، مع خفض ملموس في التكاليف. كما يسهم الذكاء الاصطناعي في مراحل تطوير المناجم والتشغيل عبر تحسين التصميم وتسلسل العمليات، وتقليص تجاوزات الإنفاق الرأسمالي، وتحقيق خفض في تكاليف التشغيل يتراوح بين 5 و15 في المائة.

وبحسب لانغ، فإن الذكاء الاصطناعي أصبح أداة محورية في إدارة المخاطر، من خلال دمج بيانات الأسعار وسلاسل التوريد والتراخيص والمؤشرات الجيوسياسية لاختبار متانة المشروعات قبل تخصيص رأس المال. غير أنه يلفت إلى تحديات لا تزال قائمة، أبرزها تشتت البيانات، والأنظمة القديمة، ونقص المهارات، إلى جانب المخاوف التنظيمية، مؤكداً أن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي لا تتحقق إلا عند بنائه على بيانات عالية الجودة وقابلة للتكامل.

الثروات السعودية

من جانبه، يرى مارسِن ليتش أن السعودية تقف اليوم عند نقطة تحول محورية في سلاسل إمداد المعادن الحيوية عالمياً. ورغم أنها لا تعد بعد منتجاً رئيسياً لمعظم هذه المعادن، فإنها تبرز بسرعة كلاعب موثوق في بناء منظومة متكاملة للتعدين والتصنيع، تجمع بين الاستكشاف المحلي والتصنيع التنافسي والشراكات الدولية.

ويشير إلى أن المملكة تعد من بين أكبر خمسة منتجين عالميا لصخور الفوسفات، ومن بين أكبر 10 دول من حيث احتياطياته، إلى جانب امتلاكها قاعدة راسخة في البوكسيت، مع تسارع وتيرة الاستكشاف واكتشاف إمكانات واعدة في العناصر الأرضية النادرة والذهب والنحاس.

ووفق ليتش، ما يميز السعودية فعلياً هو المنظومة المتكاملة التي عملت على بنائها، مدعومة بتحسينات تنظيمية عززت الشفافية وسرعت إجراءات الترخيص وحسنت حماية المستثمرين. وقد انعكس ذلك في تصنيفات دولية، من بينها تقرير معهد «فريزر»، الذي أشار إلى تحسن ملحوظ في موقع المملكة على مؤشر تصورات السياسات.

مارسِن ليتش المدير الإداري والشريك في «مجموعة بوسطن الاستشارية» (الشرق الأوسط)

اقتصادياً، يلفت إلى أن السعودية تتمتع بمزايا تنافسية يصعب مجاراتها، تشمل تكاليف معالجة أقل، وتوفر طاقة منخفضة التكلفة، وبنية تحتية صناعية، وقدرة على التوسع في الإنتاج.

واستراتيجياً، لا يقتصر طموحها على التعدين، بل يمتد إلى التحول إلى مركز عالمي يربط بين موارد أفريقيا وآسيا الوسطى وقدرات المعالجة والتمويل والطلب في المراحل اللاحقة من سلسلة القيمة، مستفيدة من حياديتها الجيوسياسية وقدرتها على العمل مع شركاء من الشرق والغرب.

المخاطر والفرص

في ظل تصاعد التقلبات الجيوسياسية والمخاطر المناخية، يؤكد لانغ أن هذه العوامل لم تعد صدمات مؤقتة، بل سمات هيكلية دائمة، ما يتطلب من شركات التعدين إدماج التخطيط القائم على السيناريوهات في صلب قراراتها الاستثمارية، وبناء محافظ قادرة على الصمود عبر أصول منخفضة التكلفة ومرنة من حيث الطاقة والمعالجة واللوجيستيات، إضافة إلى تعزيز التعاون مع الحكومات عبر آليات تقاسم المخاطر.

ويرى أن الخطر الأكبر الذي واجه القطاع في عام 2025 لا يكمن في الطلب، بل في قدرة الإمدادات على مواكبته، في ظل تصاعد قيود التصدير ومتطلبات التوطين والتشدد التنظيمي. ويحذر من أن التأثير التراكمي لهذه السياسات قد يؤدي إلى نقص هيكلي في الاستثمارات وزيادة التقلبات.

في المقابل، يبرز الفرص في ظهور منظومات جديدة للمعادن، تقوم على تعاون أوثق بين الحكومات والشركات والمؤسسات المالية والمستخدمين النهائيين، بما يتيح خفض المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل الإمداد. ويخلص إلى أن الفرصة الحقيقية لا تقتصر على اكتشاف رواسب جديدة، بل تكمن في بناء نماذج جديدة للتعاون عبر المناطق الجغرافية وعلى امتداد سلسلة القيمة، قادرة على إطلاق الاستثمارات وتعزيز أمن الإمدادات عالمياً.


«السعودية للكهرباء» تبدأ طرح صكوك دولية مقومة بالدولار لتعزيز استثماراتها

كابلات لنقل الكهرباء في الرياض (أ.ف.ب)
كابلات لنقل الكهرباء في الرياض (أ.ف.ب)
TT

«السعودية للكهرباء» تبدأ طرح صكوك دولية مقومة بالدولار لتعزيز استثماراتها

كابلات لنقل الكهرباء في الرياض (أ.ف.ب)
كابلات لنقل الكهرباء في الرياض (أ.ف.ب)

أعلنت الشركة السعودية للكهرباء بدء طرح صكوك ذات أولوية وغير مضمونة مقومة بالدولار الأميركي، وذلك ضمن برنامجها الدولي لإصدار الصكوك. وتأتي هذه الخطوة لتمويل مستهدفات الشركة وتوسيع قاعدة استثماراتها من خلال استقطاب المستثمرين المؤهلين في الأسواق المحلية والدولية.

تفاصيل وإطار عملية الطرح

وفقاً للبيان المنشور على موقع السوق المالية السعودية (تداول)، بدأت عملية الطرح يوم الخميس الموافق 15 يناير (كانون الثاني) 2026، ومن المتوقع أن تستمر حتى يوم الجمعة. وسيتم تنفيذ الإصدار عبر شركة ذات غرض خاص، على أن تُحدد القيمة النهائية وشروط الصكوك ومدد استحقاقها والعائد المرتبط بها بناءً على ظروف السوق السائدة خلال فترة الاكتتاب.

شروط الاكتتاب والحد الأدنى

استهدفت الشركة في إصدارها فئة المستثمرين المؤهلين داخل المملكة وخارجها، حيث حددت الحد الأدنى للاكتتاب بمبلغ 200 ألف دولار، مع إمكانية الزيادة بمضاعفات الألف دولار. كما أشارت الشركة إلى إمكانية استرداد هذه الصكوك قبل تاريخ استحقاقها في حالات معينة مفصلة في نشرة الإصدار الأساسية.

تحالف دولي لإدارة الإصدار والإدراج

لإدارة هذا الطرح الضخم، عينت «السعودية للكهرباء» قائمة واسعة من المديرين شملت مؤسسات مالية عالمية وإقليمية ومحلية، من أبرزها: «جي بي مورغان» و«إتش إس بي سي» و«بنك أوف أميركا» و«الراجحي المالية» و«الأهلي المالية» و«الإنماء المالية»، بالإضافة إلى مصارف من الإمارات والكويت والصين.

الإدراج في الأسواق العالمية

من المقرر إدراج هذه الصكوك في السوق المالية الدولية التابعة لسوق لندن للأوراق المالية. وأوضحت الشركة أن عملية الطرح والبيع ستتم خارج الولايات المتحدة فقط ولأشخاص غير أميركيين، وذلك بالاعتماد على اللائحة (S) من قانون الأوراق المالية الأميركي لعام 1933. كما أكدت الشركة التزامها بالإعلان عن أي تطورات جوهرية أخرى في حينها وفقاً للأنظمة المتبعة.