كوت ديفوار... انتخابات توقظ كوابيس الحرب

رئيس يبحث عن ولايته الرابعة في إقليم تهيمن عليه الانقلابات العسكرية

صورة من مدينة ابيدجان العاصمة الاقتصادية لكوت ديفوار (الشرق الاوسط)
صورة من مدينة ابيدجان العاصمة الاقتصادية لكوت ديفوار (الشرق الاوسط)
TT

كوت ديفوار... انتخابات توقظ كوابيس الحرب

صورة من مدينة ابيدجان العاصمة الاقتصادية لكوت ديفوار (الشرق الاوسط)
صورة من مدينة ابيدجان العاصمة الاقتصادية لكوت ديفوار (الشرق الاوسط)

تتجه كوت ديفوار (ساحل العاج بالعربية)، أكبر اقتصاد في دول أفريقيا جنوب الصحراء الناطقة باللغة الفرنسية، إلى انتخابات رئاسية في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، وسط مخاوف من عودة البلد إلى الحرب الأهلية، فمنذ 1995 لم تعرف كوت ديفوار أي تداول سلمي على السلطة، وظلت الانتخابات موعداً دائماً مع العنف. الرئيس الحسن واتارا، البالغ من العمر 83 سنة، أعلن ترشحه لولاية رئاسية رابعة، علماً بأنه يحكم البلاد منذ 2011، ولقد أثار ترشحه جدلاً واسعاً باعتباره تحدياً للقيود الدستورية وروح التناوب الديمقراطي. في المقابل، استُبعد أبرز قادة المعارضة من السباق، بينهم الرئيس السابق لوران غباغبو، ورئيس أعرق وأقدم أحزاب البلاد تيجيان تيام، كل ذلك دفع أحزاباً رئيسة في المعارضة إلى تجميد عضويتها في اللجنة المشرفة على تنظيم الانتخابات.

كوني مامادو، وهو قيادي في الحزب الحاكم وعضو مكتبه التنفيذي (الشرق الأوسط)

المناخ المشحون في كوت ديفوار راهناً يذكّر بانتخابات 2020 التي شهدت احتجاجات دامية أوقعت 85 قتيلاً، حين قرّر الحسن واتارا الترشح لولاية رئاسية ثالثة رفضتها المعارضة، كما يعيد إلى الأذهان الحرب الأهلية الدامية التي أعقبت انتخابات 2010. ذلك أنه على الرغم من الإنجازات الاقتصادية والأمنية التي حقّقها الرئيس الثمانيني منذ وصوله إلى السلطة، ومنها نمو اقتصادي تجاوز نسبة 7 في المائة سنوياً، واستثمارات كبيرة في البنية التحتية وإصلاح الجيش، لا يزال البلد الأفريقي يعمل بنظام سياسي شديد الهشاشة، ما يعرضه لمخاطر الانزلاق في أي لحظة، وفقدان كل ما تحقق من مكاسب خلال السنوات الـ15 الأخيرة.

محلياً، يبدو المشهد السياسي في كوت ديفوار ضعيفاً أمام هيمنة المؤسسة الرئاسية، حيث يمنح الدستور صلاحيات واسعة لرئيس الجمهورية، كما أن الطبقة السياسية ظلت لعقود عاجزة عن تحقيق أي «توافق». وبالتالي، ظل مشروع «المصالحة الوطنية» غير مكتمل، ويبدو واضحاً أن المعارضة عاجزة عن المنافسة، إذ تقودها وجوه من الحقب الماضية، في ظل ضعف انخراط الشباب في العمل السياسي.

ولكن ما يزيد تعقيدات الوضع الداخلي، أن هذه الانتخابات تنظم في سياق إقليمي حساس. فعلاقات كوت ديفوار مع جيرانها في منطقة الساحل الأفريقي متوترة، ولا سيما «جارتها» الشمالية بوركينا فاسو، بينما يزداد نفوذ روسيا بالمنطقة، مقابل تراجع الدور الفرنسي التقليدي.

وأمام هذا المشهد، حذّرت تقارير عديدة من أن موسكو قد تحاول التأثير في هذا الاستحقاق، ما يضيف بعداً جيوسياسياً على الأزمة الداخلية، وخاصة أن كوت ديفوار تُعدّ مركز نفوذ تقليدياً لباريس، رغم الانسحاب الشكلي للقوات الفرنسية من قواعدها العسكرية في البلاد.

جذور الهشاشة

تعود هشاشة النظام السياسي في كوت ديفوار إلى الإرث الذي تركه فيليكس هوفويه بوانيي، أول رئيس للبلاد، الذي حكم بعد الاستقلال عن فرنسا عام 1960، حتى وفاته عام 1993، فظلت البلاد تحت حكم الحزب الواحد لأكثر من 33 سنة، كان «الرئيس المؤسس» صاحب السلطة المطلقة.

مع ذلك، نجح هوفويت بوانيي في الحفاظ على توازن القوة والمصالح ما بين نحو 60 مجموعة إثنية مختلفة، وفتح البلاد أمام الهجرة الإقليمية والدولية، واستطاع أن يحقق طفرة اقتصادية غير مسبوقة في غرب أفريقيا. لكن هذا التوازن سرعان ما انهار بعد وفاته مباشرة، إذ اندلعت «حرب خلافة» بين رئيس وزرائه الأخير الحسن واتارا، ورئيس البرلمان (آنذاك) هنري كونان بيديه.

لضمان فوزه بانتخابات 1995، لجأ كونان بيديه إلى تعديل القانون الانتخابي بما يمنع منافسه من الترشح عبر شروط صارمة للجنسية والإقامة. وبالفعل، استُبعد واتارا بحجة أن والده من أصول بوركينية، وأنه كان يقيم حينذاك في الولايات المتحدة. ومع مقاطعة زعيم المعارضة لوران غباغبو للاقتراع، فاز كونان بيديه بالرئاسة بسهولة، لكن الثمن كان باهظاً؛ إقصاء سياسي حادّ غذّى الانقسامات بين الشمال والجنوب، وأطلق نقاشاً حول «الهوية الوطنية الإيفوارية»؛ وتعريف من هو المواطن الإيفواري «الأصيل» ومن هو «الوافد»، وهو نقاش ما زال مفتوحاً حتى اليوم.

في نهاية 1999، أطاح انقلاب عسكري بكونان بيديه، شارك فيه ضباط من الشمال. وبعد مرحلة انتقالية قصيرة، وصل لوران غباغبو إلى السلطة عبر انتخابات عنيفة في أكتوبر (تشرين الأول) 2000، استبعد المجلس الدستوري خلالها 14 مرشحاً، من بينهم واتارا وكونان بيديه. ولقد استخدم غباغبو بدوره خطاب «الهوية الوطنية الإيفوارية» لتقوية موقعه السياسي. الأمر الذي زاد أيضاً من انقسام البلاد.

وفي سبتمبر (أيلول) 2002، انفجر الوضع بمحاولة انقلاب أدّت إلى تقسيم البلاد إلى شطرين؛ الجنوب تحت سيطرة الحكومة، والشمال والوسط بيد تمرد «القوات الجديدة»، الذي طالب بالاعتراف الكامل بمواطني الشمال.

«اتفاق واغادوغو»... وما بعده

بعدها، أدّى «اتفاق واغادوغو السياسي» عام 2007، بوساطة الرئيس البوركيني بليز كومباوري، إلى تهدئة النزاع وفتح حوار مباشر بين الفرقاء، كما منح المتمردين منصب رئيس الوزراء الذي تولّاه زعيمهم غييوم سورو. ومن جهة ثانية، مهّد الاتفاق الطريق لانتخابات رئاسية جامعة أجّلت مراراً حتى أجريت جولتها الأولى في أكتوبر 2010، بمشاركة كل الأقطاب السياسية.

غير أن الجولة الثانية فجّرت أزمة جديدة، فقد أعلن كل من اللجنة الانتخابية والمجتمع الدولي فوز الحسن واتارا، بينما رفض غباغبو النتيجة، وبذا اندلعت مواجهات عسكرية انتهت باعتقال غباغبو في أبريل (نيسان) 2011 على يد قوات واتارا، المدعومة من الجيش الفرنسي والأمم المتحدة.

خلّفت تلك الأزمة أكثر من 3 آلاف قتيل خلال 6 أشهر من العنف، قبل أن يُنصّب الحسن واتارا رئيساً في مايو (أيار) 2011، وهو المنصب الذي ظل يشغله حتى اليوم.

فلقد أعيد انتخاب واتارا لولاية رئاسية ثانية عام 2015، ورغم نجاحه في تحقيق نمو اقتصادي لافت وتعزيز الأمن، ظل ملف المصالحة الوطنية ناقصاً، ولم تُطوَ بالكامل صفحة الجرائم التي ارتُكبت خلال أزمة 2010-2011. ومع أن واتارا حاول الحد من الطابع الرئاسي المفرط عبر دستور جديد عام 2016، استحدث من خلاله منصب نائب الرئيس، فإن هذا المنصب بقي مرتبطاً بسلطة الرئيس نفسه.

رغم كل ذلك، استمر الجدل حول نزاهة الانتخابات في عهد واتارا. إذ استُبعد 23 مرشحاً في انتخابات 2015، ولم يُقبل سوى 4 من أصل 44 في انتخابات 2020، التي رافقها عنف أوقع 85 قتيلاً و500 جريح في صدامات بين المعارضة وأنصار الحزب الحاكم.

نويل أكوسي بنجو، وهو نائب رئيس الحزب الديمقراطي لكوت ديفوار - التجمع الديمقراطي الأفريقي (الشرق الأوسط)

استمرار التوتر السياسي

اليوم، تعيش كوت ديفوار وضعاً مُكرراً، وكأن التاريخ يعيد نفسه في بلد يمتلك ثروة هائلة من الخشب، وتاريخاً طويلاً من الاشتعال، ونخبة سياسية ترى الحريق قادماً، ولكنها لا تتوقف عن إلقاء الشرارة وراء الأخرى.

أنصار الرئيس واتارا ما زالوا يرون فيه الشخص الوحيد القادر على إدارة البلاد، وهو الضامن للاستقرار والتنمية، أما المعارضة فترى فيه انتكاسة حقيقية للديمقراطية وتكريساً لنهج ديكتاتوري.

وفي هذا السياق، يقولُ نويل أكوسي بنجو، نائب رئيس الحزب الديمقراطي لكوت ديفوار (التجمع الديمقراطي الأفريقي)، إن واتارا أدخل البلاد في «نفق مظلم وطريق مسدود». وأردف أن ما تعيشه كوت ديفوار اليوم «حالة انسداد سياسي تام، بعد إقصاء مرشحي المعارضة البارزين من السباق الانتخابي».

أكوسي بنجو تكلم مع «الشرق الأوسط» في مكتبه بمقر الحزب الديمقراطي لكوت ديفوار في مدينة أبيدجان، العاصمة الاقتصادية للبلاد، حيث يتولى إدارة شؤون الحزب السياسي الأعرق في كوت ديفوار، فقد أسس الحزب عام 1946 على يد الرئيس فيليكس هوفويه بوانيي، وحكم البلاد بعد الاستقلال حتى عام 1999.

الحزب اليوم يتصدّر المشهد السياسي المعارض، ويحلم بالعودة إلى سدة الحكم، إلا أن رئيسه تيجان تيام مقيم منذ أشهر في فرنسا، بسبب ما يقول أنصاره إنها مخاوف من استهدافه من طرف السلطات التي منعته من الترشح بحجج عديدة، من بينها كونه حمل في السابق الجنسية الفرنسية.

يعتقدُ أكوسي بنجو أن الظروف التي ستنظم فيها انتخابات أكتوبر «غير مقبولة». ويشرح بالقول إنَّ اللجنة المشرفة على الانتخابات «ليست متوازنة، بل هي محسوبة على الرئيس»، مشيراً إلى أن المعارضة قرّرت تجميد عضويتها في اللجنة حين أقصي مرشحوها من السباق الرئاسي.

كما أشار إلى أن قادة المعارضة «أجروا تدقيقاً للائحة الانتخابية، فوجدوا كثيراً من الثغرات التي لا يمكن إجراء انتخابات شفافة معها، وبالتالي لا بد من مراجعة هذه اللائحة وإعادة تشكيل لجنة الانتخابات حتى نضمن أنها مستقلة».

«في سبتمبر 2002،

وقعت محاولةانقلاب

أدّت إلى تقسيم

البلاد إلى شطرين»

معارضة عاجزة

على الضفة الأخرى، يبدو المشهدُ مختلفاً تماماً. إذ يرى أنصار الرئيس الحسن واتارا في كل حجج المعارضة ومطالبها محاولة لتفادي خوض الانتخابات بسبب العجز عن المواجهة. وهذا ما أكده عدد من قيادات حزب «تجمع الهوفويتين للديمقراطية والسلام» الحاكم، في لقاءات مع «الشرق الأوسط».

كوني مامادو، وهو قيادي في الحزب الحاكم وعضو مكتبه التنفيذي، قال إن «المعارضة لا تريد الذهاب إلى الانتخابات، لأنها في كل مرحلة كانت تغير مطالبها، فهي تعرف أنها لم تحضّر بما يكفي للانتخابات الرئاسية، وتسعى للوصول إلى السلطة بوسائل أخرى، لكن في كوت ديفوار ينصّ الدستور على أنه لكي تصبح رئيساً للجمهورية، يجب أن تمرَّ عبر صناديق الاقتراع وحدها».

وتابع كوني، في تصريحه لـ«الشرق الأوسط»، قائلاً: «الغالبية الرئاسية لم تضيّع الوقت كما فعلت المعارضة، بل بدأت مباشرة، بعد نهاية انتخابات 2020، التحضير الجاد لانتخابات 2025. وهذا ما يجعلنا واثقين من النصر. أما المعارضة فهي ليست جادة على الإطلاق، وكل ما تريده هو خلق الذرائع لتضييع الوقت».

واستطرد كوني: «للتأكد من قلة جدية المعارضة، يكفي أن نلاحظ أنها بدلاً من تقديم مرشح قوي والدفاع عنه، نجد أنها تفكر أكثر في كيفية منع ترشح الحسن واتارا، وإصلاح اللجنة الانتخابية ومراجعة اللائحة الانتخابية، وهذه مطالب غير عقلانية، وطارحها يسعى للتأزيم وإدخال البلاد في مسار من التوتر».

الحوار هو الحل

في غضون ذلك، يبدو أن المطلب الأبرز لدى المعارضة هو «تنظيم حوار وطني شامل»، وفق كلام نويل أكوسي بنجو.

أكوسي بنجو ذكر أن «من شأن الحوار تهيئة الظروف المناسبة لتنظيم انتخابات شفافة ونزيهة وهادئة، لأنه من دون الحوار والتوصل إلى تفاهمات سنعيد خلق نفس ظروف انتخابات 2010 و2020». ودافع بقوة عن مواقف المعارضة، مشدداً: «هدفنا الأساسي هو ضمان ظروف انتخابية سلمية، كي لا تدخل كوت ديفوار في حرب أهلية، كما حدث في 2010، أو يتجدد العنف كما وقع عام 2020».

وأضاف أكوسي بنجو أن «كوت ديفوار منذ 1995 لم تعرف أي تناوب سلمي على السلطة، بل على العكس كانت الانتخابات دائماً لحظات توتر وقلق وخوف». وتابع: «من غير المنطقي الاستمرار بهذه الطريقة... إن ما نريده في المعارضة هو خلق ظروف مواتية لبناء الثقة في المستقبل والخروج من دوامة الخوف».

سياق إقليمي

في الحقيقة، لا يبدو أن الدعوة إلى الحوار تجد آذاناً صاغية في معسكر الغالبية الرئاسية، حيث إن الوقت بالنسبة لهم وقت حملة انتخابية. بل إنَّ أطرافاً في السلطة ترى أن الدعوة للحوار مجرد محاولة لتأجيل الانتخابات وإدخال البلاد في وضع غير دستوري، يمنح المعارضة القدرة على الطعن في شرعية الرئيس وحكومته.

في هذا السياق، قال كوني مامادو إنه من الضروري تفادي أي محاولة لخلق وضع غير دستوري، مشيراً إلى أنه «عندما ننظر من حولنا، نجد أن الانقلابات العسكرية ضربت العديد من دول الجوار، وهناك 4 دول على الأقل في المنطقة تحت سلطة أنظمة عسكرية، وهذه وضعية تثير القلق».

وأشار القيادي في الحزب الحاكم إلى كل من مالي وبوركينا فاسو والنيجر، التي تحكمها أنظمة عسكرية منذ سنوات، وتمر علاقاتها بدول غرب أفريقيا بمرحلة شديدة التوتر، خاصة مع كوت ديفوار، هذا بالإضافة إلى غينيا المجاورة التي يحكمها الجيش منذ 4 سنوات.

وأضاف: «حين نلقي نظرة على المنطقة بشكل عام، نجد أن كوت ديفوار هي قاطرة الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا، وتحتل مكانة مهمة في غرب أفريقيا، وهذا بسبب موقعها الاستراتيجي ونموها الاقتصادي. لذا، فإن كوت ديفوار بحاجة أكثر إلى الاستقرار، وإلى زيادة انخراط الشباب في العمل السياسي والتنموي».

الشباب... التحدي الأكبر

الشباب يشكّل حقاً التحدي الأكبر لكوت ديفوار. إذ عدد سكانها تجاوز 30 مليون نسمة، تشير الإحصائيات إلى أن نسبة 43 في المائة منهم تحت 15 سنة، وهو ما يطرح مشكلات كبيرة في المستقبل، على مستوى التعليم والصحة والتشغيل.

وفي هذا السياق، قال كوني مامادو: «من أجل دعم الاستقرار والاستجابة لمطالب الشباب، قرّر الحسن واتارا أن يكون عام 2023 عام الشباب، وذلك من خلال العمل على خلق بيئة اقتصادية، اجتماعية، شاملة، حتى يتمكن هذا الشباب من الظهور، والمشاركة في الحياة النشطة، حتى يضع نفسه في خدمة الأمة».

وأردف أن «مناخ الاستقرار الذي تعيشه كوت ديفوار يمنح الشباب الثقة الحقيقية، حيث يفتحون الشركات ويطلقون أعمالهم الخاصة، وهو ما لا يمكن أن يستمر دون استقرار، والرئيس الحسن واتارا هو الضامن لهذا الاستقرار، فمنذ تولى السلطة عام 2011، هناك استقرار. وبالتالي، فإن الشباب الإيفواري، من خلال هذا الاستقرار، بدأ يكتسب الثقة في نفسه».

وهكذا، يجد أكثر من 8 ملايين ناخب في كوت ديفوار أنفسهم أمام انتخابات حاسمة، يهيمن عليها الخوف من العودة إلى مربع الحرب الأهلية، الذي سبق أن اختبروه قبل 15 عاماً، وبالتالي يُجمع الشارع الإيفواري على أن مسؤولية النخبة السياسية تتمثل في تجنب التصعيد والعنف.


مقالات ذات صلة

رئيس الوزراء الإسرائيلي... ما بين «شمشون الجبّار» وجرافة الـ«دي 9»

حصاد الأسبوع تهجير الفلسطينيين المتمادي لإرضاء تيار اقصى اليمين الاستيطاني (آ ف ب)

رئيس الوزراء الإسرائيلي... ما بين «شمشون الجبّار» وجرافة الـ«دي 9»

قصة شمشون الجبار تُذكر كثيراً في السنوات الثلاث الأخيرة؛ فهذه الشخصية التاريخية لبني إسرائيل، اشتهرت في الحكاية التوراتية كمَن صاحب العبارة الشهيرة

حصاد الأسبوع ثمة توافق بين الدول الأعضاء في المنظمة الدولية حول عُرف غير مكتوب يقضي بالتناوب الجغرافي على منصب الأمين العام

إيفون عبد الباقي... المرشحة الوحيدة العربية الأصل حظوظها متواضعة في معركة أمانة الأمم المتحدة

منتصف الشهر الماضي كان عدد الطامحين لمنصب الأمين العام العاشر للأمم المتحدة قد بلغ سبعة مرشحين لخلافة البرتغالي أنطونيو غوتيريش، الذي تنتهي ولايته آخر السنة

شوقي الريّس (مدريد)
حصاد الأسبوع ريبيكا غرينسبان (الأمم المتحدة)

ارتفاع أسهم غرينسبان وغروسّي في بورصة الترشيحات

آخر التسريبات من الأوساط الدبلوماسية في منظمة المنظمة الدولية تفيد بأن ريبيكا غرينسبان، نائبة رئيس كوستاريكا السابقة، هي التي تتصدّر حالياً قائمة المتنافسين على

«الشرق الأوسط» (مدريد)
حصاد الأسبوع قبل النتيجة الرسمية، مؤيدو حزب "البديل من أجل ألمانيا" فرحون لدى إعلان نتائج المصوتين الخارجين من مراكز الاقتراع (آ ب)

فوز «البديل من أجل ألمانيا» في ساكسونيا ـــ أنهالت يصدم مؤسسة الحكم

على الرغم من الحجم الصغير وعدد السكان المتواضع، فإن ولاية ساكسونيا - أنهالت الألمانية تركت، مساء الأحد الماضي، أثراً عميقاً على السياسة في ألمانيا ومؤلماً

راغدة بهنام (برلين)
حصاد الأسبوع 
جانب من اجتماع للحكومة العراقية برئاسة علي الزيدي  (أ.ف.ب)

هل «يفلت» علي الزيدي من حصار المواعيد؟

للمرة الأولى، منذ تشكيل أول حكومة عراقية بعد عام 2003، فتحت الحكومة الحالية برئاسة رجل المال والأعمال علي الزيدي ملفات كانت بين المسكوت عنه أو المتخوف

حمزة مصطفى (بغداد)

رئيس الوزراء الإسرائيلي... ما بين «شمشون الجبّار» وجرافة الـ«دي 9»

تهجير الفلسطينيين المتمادي لإرضاء تيار اقصى اليمين الاستيطاني (آ ف ب)
تهجير الفلسطينيين المتمادي لإرضاء تيار اقصى اليمين الاستيطاني (آ ف ب)
TT

رئيس الوزراء الإسرائيلي... ما بين «شمشون الجبّار» وجرافة الـ«دي 9»

تهجير الفلسطينيين المتمادي لإرضاء تيار اقصى اليمين الاستيطاني (آ ف ب)
تهجير الفلسطينيين المتمادي لإرضاء تيار اقصى اليمين الاستيطاني (آ ف ب)

قصة شمشون الجبار تُذكر كثيراً في السنوات الثلاث الأخيرة؛ فهذه الشخصية التاريخية لبني إسرائيل، اشتهرت في الحكاية التوراتية كمَن صاحب العبارة الشهيرة: «عليّ وعلى أعدائي يا ربّ» (وفي النصّ التوراتي: «لتَمُتْ نَفْسِي مَعَ الْفِلِسْطِينِيِّينَ»)، ودمّر معبد الإله «داجون» التابع للفلسطينيين القدماء، في مدينة غزة. دمّره بهدم المعبد فوق رأسه ورؤوس أعدائه الفلسطينيين. ومنذ قامت إسرائيل بالردّ على هجوم حماس يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، يشير كثيرون من الإسرائيليين إلى أن الحكومة تدير سياسة دمار ليس فقط ضد الفلسطينيين، بل أيضاً تدمر أموراً كثيرة في إسرائيل نفسها، ويصفون نتنياهو بأنه «جرّافة دي 9» (بلدوزر مصفح يستخدمه الجيش الإسرائيلي) يدوس بلا رحمة كل ما يعترض طريقه. وكذلك ينظر خصوم نتنياهو إلى المعركة الانتخابية القريبة في 27 أكتوبر، كمعركة لإنقاذ إسرائيل من سياسته «الشمشونية».

مع أن بنيامين نتنياهو لا يستسلم لقدره، ويرفض أن يخسر الحكم ويتشبث به، حتى لو أدى به الأمر إلى إلغاء الانتخابات وشن حرب، فإن رفاقه في السلطة يعملون بكل قوتهم على إحداث خراب يسبب لمَن يفوز بالحكم من بعدهم معاناة شديدة، ويجبره على إعمار إسرائيل من جديد. ولذا يراكمون العقبات أمامه ويشوهون كل بقعة بقيت خضراء.

لقد بقي شهران تقريباً على يوم الانتخابات. واستطلاعات الرأي بغالبيتها الساحقة تشير، حتى الأسبوع الماضي، إلى أن الحكومة الحالية ستسقط، في حال إجراء الانتخابات في موعدها. لكن استطلاعات هذا الأسبوع تشير إلى تساوي المعسكرين المتنافسين. والأمر يبعث الأمل في محيط نتنياهو.

تحييد ترمب؟

المعارضة من جهتها، تدير اتصالات حثيثة مع الولايات المتحدة حتى تمنع نتنياهو من شن حرب لخدمة مصالحه الحزبية والشخصية، وتطلب من البيت الأبيض الامتناع عن دعم نتنياهو في الانتخابات، للحفاظ على علاقات سوية بين الدولتين. والرئيس دونالد ترمب لم يعد يتكلم عن نتنياهو كـ«بطل قومي أدار الحرب بقوة وحكمة». بل لقد حاول التهرب من لقائه في البيت الأبيض طيلة تسعة شهور، وعندما رضخ في الزيارة الأخيرة، حاول جعله استقبالاً متواضعاً، من الباب الخلفي للبيت الأبيض، ومن دون صحافيين ومؤتمر صحافي، ومن دون بيان مشترك.

في المقابل، يسعى نتنياهو لالتقاء ترمب مجدّداً عندما يصل إلى نيويورك لإلقاء خطاب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 26 من الشهر الحالي، وحتى الآن يتضح أن ترمب لن يلتقيه. وستكون زيارة نتنياهو قصيرة للغاية لمدة 30 ساعة.

وفي هذه الحالة، سيضطر نتنياهو إلى الاستمرار في الانتخابات، إلا إذا ساعدته إيران وشنت هجوماً على إسرائيل. والاستمرار في المعركة الانتخابية بلا حرب عسكرية، هو أيضاً حرب لدى نتنياهو بكل ما تعنيه الكلمة، بل هي حرب وجودية... مسألة حياة أو موت سياسي؛ فهو يعتقد أن الهزيمة في الانتخابات لن تكون خسارة سياسية له ولليمين فحسب، بل كارثة شخصية. ويعتقد أن وجوده في المعارضة سيوصل محاكمته إلى حكم بالسجن؛ لذلك يستخدم كل ما لديه من أسلحة للبقاء رئيس حكومة.

ضحية الدولة العميقة

وفي مثل هذه الحروب الداخلية، يعتبر نتنياهو أقدر من كل خصومه. وهدفه الأول هو توحيد صفوف اليمين وتمتين تحالفه ككتلة واحدة... وقد ينجح في ذلك.

الخطوة التالية ستكون تشويه خصومه، وإظهارهم يساريين (مع أنهم بغالبيتهم، خصوصاً نفتالي بنيت وأفيغدور ليبرمان هم من اليمين الصلب)، واتهامهم بالتخطيط للتحالف مع العرب. والمقصود بالعرب هنا، الأحزاب العربية في إسرائيل وإقامة حكومة تستند إلى النواب العرب.

ومع أن نتنياهو نفسه كان قد اقترح على منصور عباس، ابن الحركة الإسلامية، أن ينضم إلى حكومته عدة مرات في الماضي، فإنه يُظهر تحالفاً كهذا اليوم «جريمة قومية»، و«دعماً للإرهاب الفلسطيني». وقد كشفت مصادر مقربة منه عن أن حزبه «الليكود» سيطرح مشروع اقتراح لشطب جميع القوائم العربية والإعلان عنها «مشجعةً للإرهاب». وكل من يفكر في ضمّها إلى الائتلاف القادم، يوضع في قفص الاتهام، كما لو أنه يتعامل مع حركة «حماس». وقد استخدم معسكره كلمة «خيانة».

الترويج لفكرة التآمر

لقد شهدنا، هذا الأسبوع، عينة لتكتيك نتنياهو؛ إذ أرسل زوجته، سارة، إلى القناة الـ14 الناطقة بلسانه، لتعزز فكرة التآمر مع «حماس» لإسقاطه عن الحكم. وفي حين تضع المعارضة قضية هجوم «حماس» في 7 أكتوبر 2023 عنواناً رئيساً لإخفاق الحكومة، ورئيسها، يضع نتنياهو هذا الهجوم بطريقة مقلوبة، بأن هجوم «حماس» كان معروفاً للجيش والمخابرات. وقد غضوا عنه الطرف حتى يظهروا نتنياهو ضعيفاً ويطيحوا به.

لتثبيت هذا الاتهام، ادعت سارة نتنياهو أن قادة الجيش والمخابرات لم يوقظوا نتنياهو ليخبروه بوجود معلومات عن هجوم «حماس»، وأنهم «لو أيقظوه في الوقت المناسب لكانت المعركة أديرت بشكل مختلف تماماً». ثم زعمت أن الجنرال يائير جولان، الذي يترأس اليوم حزب الديمقراطيين اليساري، والذي كان نائباً لرئيس أركان الجيش في العقد الماضي، كان على علم بهجوم «حماس» مسبقاً. وفي ساعة الهجوم، كان يرتدي زيه العسكري المكوي مستعداً للمعركة، لكي يقال إنه بطل قومي.

وهكذا، بدلاً من أن تفرض المعارضة على أجندة المعركة الانتخابية اتهام نتنياهو بالإخفاق، تنشغل في الدفاع عن النفس للبرهنة على أنها ليست شريكة في مؤامرة مع «حماس».

مع هذا، عملت المعارضة وأجهزة الإعلام حثيثاً حتى تظهر نتنياهو فاشلاً، وأنهم لو أيقظوه لما كان عمل شيئاً مختلفاً، وقدمت نماذج تدل على أنه عندما استيقظ في 7 أكتوبر بقي عدة أيام يتصرف كمن أصيب بصدمة نفسية بلا حول ولا قوة.

وحقاً، يُتوقع أن نشهد نماذج أخرى خلال الشهرين المقبلين، تجعل منافسي نتنياهو يدافعون عن أنفسهم، بينما يظهر هو ذلك «البطل القومي القوي الذي يخافه أعداء إسرائيل، ولكن الدولة العميقة في إسرائيل تريد التخلص منه غيرة وحسداً».

سارة نتنياهو قالت في المقابلة: «هناك مؤامرة لقتل نتنياهو. بدأت بعملية قتل شخصيته سياسياً بواسطة التحريض، ومن ثم بواسطة التحقيق معه ومحاكمته، ثم بمحاولة الانقلاب عليه، وحتى بواسطة قتله جسدياً. فقد تعرض بيتنا في قيسارية لهجوم بطائرة مسيرة من (حزب الله)، وتعرّض بيتنا في القدس لحصار من النيران، حيث أشعل المتظاهرون مواقد نار من جميع الجهات». وعندما سئلت عن سبب هذه الحملة ضده قالت: «الحسد. يحسدونه ويغارون منه».

وقد كشفت إحدى مستشارات نتنياهو، د. روت بار، التي عملت معه ثلاث سنوات وحللت شخصيته بعمق طيلة 33 سنة، عن أن السر وراء طريقة عمله للبقاء ينقسم إلى قسمين: الأول أنه يتعامل باستعلاء مع خصومه، ويعتقد جدياً أن الله أكرم به شعب إسرائيل ولم يخلق قائداً بقدراته، ولا حتى الرئيس الأميركي. والثاني إنه لأجل بقائه يسلك كل الوسائل شرعية. وأضافت في مقابلة إذاعية، الخميس، إنه اكتشف أن أقصر الطرق لمواجهة محاولات الإطاحة به هي في إحداث شرخ في المجتمع. ببساطة، التسبب في انقسام عميق بين الجمهور، معه وضده. ولم يتردد في تنفيذ المهمة.

ضمن حسابات حكومة أقصى اليمين أنها إذا خسرت الحكم فستترك وراءها أرضاً خراباً

نتنياهو... مستعد لفعل اي شيء للاحتفاظ بالحكم (آ ب)

المعركة الآيديولوجية

لكن حرب نتنياهو الشخصية تترافق مع حرب أخرى آيديولوجية. فقبل أربع سنوات، اختار نتنياهو حلفاء عقائديين أدركوا الفرصة التاريخية التي يوفرها لهم. هم يؤيدونه في معركة البقاء... وهو يصادق على مشاريعهم الآيديولوجية.

فمن جهة هناك الأحزاب الدينية «الحريدية»، التي طلبت إعفاء أبنائها من الخدمة العسكرية، ومنحهم كل الامتيازات التي يحصل عليها الجنود، والاعتراف بمؤسساتها التعليمية تدار بطريقة الحكم الذاتي من دون تدخل وزارة التعليم، وجعل تمويل أحزابها جزءاً لا يتجزأ من الموازنة العامة. وهناك من جهة أخرى، الأحزاب الصهيونية الدينية، التي تتبنى مبدأ «أرض إسرائيل الكاملة»، للقضاء على «اتفاقيات أوسلو» وتبعاتها، وإسقاط وتفكيك السلطة الفلسطينية وفرض السيادة الإسرائيلية ومنع إقامة دولة فلسطينية. ومع أن نتنياهو نفسه كان في الماضي قد أيد حل الدولتين (شرط أن تكون الدولة الفلسطينية منزوعة السلاح)، وهو بنفسه، عندما تولّى رئاسة الحكومة في الدورة الأولى (1996 - 1999) نفذ قسماً من «اتفاقيات أوسلو» (الانسحاب من الخليل ومن 13 في المائة من الضفة الغربية)، فإنه سار وراء حلفائه وصادق على خططهم الكثيرة والمدروسة.

«خطة الحسم»

لكن، أهم وأخطر هذه المشاريع هو «خطة الحسم»، التي وضعها فريق من خبراء اليمين العقائدي ووقع عليها بتسلئيل سموتريتش عام 2017، وراح منذ اليوم الأول لتشكيل الحكومة الحالية ينفذها بشكل منهجي مثابر.

لقد طلب سموتريتش وزارتي المالية والدفاع؛ لكي ينفذ خطته. لكن نتنياهو رفض منحه وزارة الدفاع، وأقنعه بأن يقبل منصب وزير المالية ووضعه وزيراً ثانياً في وزارة الدفاع مسؤولاً عن الاستيطان والمستوطنات. ومنحه حرية شبه مطلقة في توسيع وتعزيز الاستيطان في الضفة الغربية ببناء 120 مستوطنة جديدة و140 بؤرة استيطان ومزرعة استيطانية، خصّص لها مليون دونم من الأراضي الفلسطينية. ولم يخفِ تأييده لخطط الترحيل للفلسطينيين من قطاع غزة ومن الضفة الغربية، التي وضعها سموتريتش وشريكه إيتمار بن غفير.

ومن يتابع الوقائع على الأرض يجد أن حكومة نتنياهو أحدثت انعطافاً تاريخياً في تمزيق الامتداد الجغرافي الفلسطيني للضفة الغربية، والتمهيد لمشروع مماثل ضد المواطنين العرب في إسرائيل، وتهويد الجليل والنقب. وإلى جانب خطة الانقلاب على منظومة الحكم التي يقودها حزب سموتريتش، من خلال رئيس لجنة الدستور البرلمانية، سمحا روتمان - بهدف إضعاف الجهاز القضائي وصبغه بطابع سياسي، وضرب حرية الإعلام والمؤسسات الأكاديمية - يحدث نتنياهو تغييراً جوهرياً يحطم فيه أركان الحياة السياسية اللبرالية التي قامت عليها إسرائيل وعاشتها طيلة 75 سنة.

في هذه المعركة، تصرّف نتنياهو ورفاقه مثل جرافة «الدي 9»، يدوس كل ما يعترض طريقه. إنه يحارب الجيش وأجهزة الأمن المختلفة، ويعد الشعب بأن يعيش على الحراب إلى أبد الآبدين، ويدير حرباً تلو الأخرى تضمن بقاء إسرائيل في حالة طوارئ لخدمة مصالحه. ولذا تحول بقاؤه إلى كابوس لدى الكثير من الإسرائيليين، الذين جعلوا هدفهم التخلص منه في هذه الانتخابات. وبالفعل، دلت الاستطلاعات على أن غالبية المواطنين، وبينهم قطاعات واسعة في اليمين، تريد إبداله. وما بقي هو أن يعرف خصومه كيف تدار عملية كهذه.

سوء إدارة المعارضةولكن، ما يظهر في أداء المعارضة أنها لا تحسن الإدارة بالشكل المطلوب. فهي لا تتفق حتى الآن على قائد واحد تنضوي تحت كنفه. والاستطلاعات تشير إلى أن الغالبية من معارضي نتنياهو يريدون غادي آيزنكوت رئيساً للحكومة، لكن حلفاءه نفتالي بنيت وأفيغدور ليبرمان ويائير لبيد لا يقبلون به. ولقد اقترح عليهم آيزنكوت حلاً منطقياً: مَن يفز بأعلى عدد من المقاعد في الانتخابات فسوف نكلفه باسمنا جميعاً بتشكيل الحكومة، لكنهم لا يوافقون ويفضلون تقاسم رئاسة الحكومة. وهذا في حين يتفق جميع قادة أحزاب اليمين على أن نتنياهو هو القائد.

السيطرة على الآثار... نموذج لفرض السيادة

من أبرز النشاطات التي تقوم بها حكومة اليمين الاستيطاني المتطرفة عشية الانتخابات الإسرائيلية، السيطرة على الآثار القديمة ومحو معالمها العربية وتزييفها لتكرس بها الرواية اليهودية حول «أرض إسرائيل التاريخية». وفي تقرير نشره الصحافيان المحققان في صحيفة «هآرتس»، نوعا شبيغل ونير حسون (الأربعاء 2 سبتمبر «أيلول» 2026)، فإن ما يسمى «وحدة في الإدارة المدنية» كثفت في الأشهر الاخيرة من الاستيلاء على الأراضي في الضفة الغربية، بما في ذلك أراضٍ في «المنطقة ب»، وذلك بحجة «تثبيت الحقائق» على الأرض قبل الانتخابات. الصحافيان يؤكدان أن الحكومة تخشى من السقوط، لذا قررت فرض وقائع على الأرض أمام الحكومة القادمة، واختارت موضوع الآثار أداة من عدة أدوات أخرى لذلك. وبحسب التقرير، فإنه «حتى وقت قريب كانت وحدة الآثار (ضابط في هيئة الأركان) وحدة صغيرة في الإدارة المدنية تعنى بالإشراف على المواقع الأثرية واجراء ما تسميه عمليات تنقيب إنقاذية» – وهي عمليات تنقيب تهدف إلى التأكد من عدم وجود أي مكتشفات أثرية مهمة في المنطقة المخصصة للتطوير. عام 2019 بلغت ميزانية الوحدة 14 مليون شيقل تقريباً (الدولار يساوي 3 دولارات) وكان فيها عشرة موظفين. ولكن منذ ذلك الحين زاد اهتمام المستوطنين بالآثار. وفي الوقت نفسه أدركوا أنه من خلال المواقع الأثرية يمكنهم الاستيلاء على الأراضي وإظهار وجودهم وإبعاد السكان الفلسطينيين. هذه الرؤية أدت إلى تغييرات جذرية في الوحدة. فقد بدأت الميزانيات تتدفق بسخاء، وتحولت من جهة مجرد دائرة ترد على الاستفسارات مثل الشكاوى المتعلقة بتضرر المواقع الأثرية وطلبات المقاولين أو الإدارة المدنية بإجراء «حفريات إنقاذ»، إلى جهة مبادرة، وذراع تنفيذية لوزارة التراث في الضفة الغربية. تبلغ ميزانية دائرة الآثار اليوم تقريباً 124 مليون شيقل، زيادة 800 في المائة خلال سبع سنوات، وارتفع عدد موظفيها إلى نحو 60 موظفاً. وقبل شهر تقريباً أعلنت وزارة التراث في القناة «14» عن تحويل 113 مليون شيقل لأعمال التطوير وتحسين إمكانية الوصول إلى 70 موقعاً أثرياً في الضفة الغربية. ويشير مصدر مطلع إلى أن هذه الميزانية لم تنفق بعد، وهي مخصصة لخمس سنوات. مع ذلك، بحسب موقع إعداد الميزانية، تم في شهر يوليو (تموز) تحويل مبلغين إلى منسق عمليات الحكومة في المناطق لهذا الغرض، أحدهما 35.5 مليون شيقل والثاني 64 مليون شيقل. ويجري العمل حالياً في عشرة مواقع من مجموع سبعين موقعاً. بعض المشاريع التي تروج لها وزارة التراث لا تتعلق بالآثار، مثل بناء مدرج روماني، وبحسب المصدر نفسه، فإن وحدة وزارة التراث تعدّ ذراعاً تنفيذية للوزارة وللمجالس الإقليمية.


إيفون عبد الباقي... المرشحة الوحيدة العربية الأصل حظوظها متواضعة في معركة أمانة الأمم المتحدة

ثمة توافق بين الدول الأعضاء في المنظمة الدولية حول عُرف غير مكتوب يقضي بالتناوب الجغرافي على منصب الأمين العام
ثمة توافق بين الدول الأعضاء في المنظمة الدولية حول عُرف غير مكتوب يقضي بالتناوب الجغرافي على منصب الأمين العام
TT

إيفون عبد الباقي... المرشحة الوحيدة العربية الأصل حظوظها متواضعة في معركة أمانة الأمم المتحدة

ثمة توافق بين الدول الأعضاء في المنظمة الدولية حول عُرف غير مكتوب يقضي بالتناوب الجغرافي على منصب الأمين العام
ثمة توافق بين الدول الأعضاء في المنظمة الدولية حول عُرف غير مكتوب يقضي بالتناوب الجغرافي على منصب الأمين العام

منتصف الشهر الماضي كان عدد الطامحين لمنصب الأمين العام العاشر للأمم المتحدة قد بلغ سبعة مرشحين لخلافة البرتغالي أنطونيو غوتيريش، الذي تنتهي ولايته آخر السنة الجارية. وكان مجلس الأمن قد باشر بعقد اجتماعات دورية بهدف «غربلة» الأسماء السبعة، قبل إحالة المُصطَفين منهم إلى الجمعية العامة التي يعود لها القرار النهائي في اختيار من سيتولى قيادة المنظمة الدولية في أصعب المراحل التي مرّت بها منذ تأسيسها بعد الحرب العالمية الثانية. ولكن، ما كاد أعضاء مجلس الأمن ينتهون من مداولات جلستهم التشاورية الأولى حول المرشحين لمنصب أعلى وظيفة دولية، حتى كانت الأمانة العامة تتسلّم طلب ترشيح ثامن تقدمت به مملكة تونغا لصالح الدبلوماسية والسياسية الإكوادورية - المتحدرة من أصول لبنانية - إيفون عبد الباقي.

جاء في إعلان إيفون عبد الباقي ترشحها للمنصب: «أشعر بالتواضع، وأتشرّف بتقديم ترشيحي رسمياً لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة، الذي ستبته الجمعية العامة للمنظمة بطلب من مملكة تونغا. وإنني أتقدم بالشكر لجلالة الملك توبو السادس، ولولي العهد، ولرئيس الوزراء، ولوزير الخارجية، على ثقتهم برؤيتي وبرنامجي لتجديد الأمم المتحدة». وتابعت عبد الباقي في تغريدتها على منصة «إكس»: «لقد شهدت دمار الحروب، وأنا المرشحة الوحيدة التي تحمل إرثَي أميركا اللاتينية والشرق الأوسط، والوحيدة التي لعبت دوراً أساسياً في التوصّل إلى اتفاق سلام بين دولتين من أعضاء الأمم المتحدة، وأنا جاهزة لتجديد الوعد المؤسس لميثاق المنظمة، وإنقاذ الأجيال المستقبلية من ويلات الحروب في عالم تتوالى فيه الأزمات».

تساؤلات بديهية

لعل أول سؤال يتبادر إلى الذهن حول هذا الترشيح هو: لماذا تقدّمت به مملكة تونغا وليس الإكوادور؛ البلد الذي وُلدت فيه عبد الباقي وتحمل جنسيته وتولّت فيه عدة مناصب سياسية ودبلوماسية؟

الجواب هو أن الإكوادور، بسبب تخلّفها عن سداد مساهماتها المقرّرة في الأمم المتحدة لفترة طويلة، فقدت حق التصويت، وأيضاً حق الترشح لمنصب في أجهزة المنظمة، بل إن هناك مرشحة أخرى من الإكوادور لمنصب الأمين العام، هي ماريا فرناندا إسبينوسا، تقدّمت بطلب ترشيحها أنتيغوا وباربودا؛ الدولة الجزيرية في البحر الكاريبي.

من جهة ثانية، كانت عبد الباقي قد أعلنت في ديسمبر (كانون الأول) الماضي أن لبنان سيقدم ترشيحها رسمياً لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة، وأنها تحظى بدعم قويّ من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي نشرت صوراً لها معه في المكتب البيضوي. ولكن مرّت الأسابيع ولم تعلن الحكومة اللبنانية عن تبنّيها هذا الترشيح من دون أن تُعرف الأسباب.

من هي عبد الباقي؟

أبصرت إيفون (ليلى) خويص عبد الباقي النور عام 1951 في مدينة غواياكيل، العاصمة الاقتصادية للإكوادور وكبرى مدنها. وفي غواياكيل تعيش أكبر جالية لبنانية في البلاد؛ إذ يزيد تعدادها على نصف مليون هاجر معظمهم أواسط القرن الماضي. وأكثر من هذا يتعاقب على رئاسة بلديتها منذ عقود متحدّرون من أصول لبنانية.

أما والدا إيفون فيتحدّران من أسرتين من الموحّدين الدروز في جبل لبنان: والدها فؤاد من آل خويص من بلدة بتاتر (قضاء عاليه)، ووالدتها إنعام من آل أبو شقرا من بلدة الهلالية في قضاء المتن الجنوبي (بعبدا).

وعائلياً، أيضاً، اقترنت إيفون وهي في السابعة عشرة من عمرها بالمهندس ورجل الأعمال اللبناني سامي محمد عبد الباقي، وانتقلت للعيش في لبنان حيث أقامت خلال السنوات الأولى من الحرب الأهلية، إلا أنها انتقلت إلى فرنسا في عام 1982، حيث التحقت بجامعة باريس - السوربون لدراسة الفنون، ثم إلى الولايات المتحدة حيث تخرّجت في جامعة هارفارد مجازة في الإدارة والسياسات العامة.

مناصبها الرسمية

تولّت عبد الباقي أول مناصبها الرسمية في الإكوادور كقنصل عام للإكوادور لدى لبنان، ثم في مدينة بوسطن الأميركية. وفي عام 1995 استدعاها رئيس الإكوادور وطلب منها الانضمام إلى الفريق المكلّف التفاوض مع البيرو من أجل التوصل إلى اتفاق سلام ينهي الصراع المديد بين البلدين حول الحدود. وبالفعل، جرى توقيع ذلك الاتفاق في العاصمة البرازيلية برازيليا عام 1998. في ذلك العام وصل إلى رئاسة الإكوادور جميل معوّض، المتحدّر بدوره من أصل لبناني، وهو الذي قرر تعيين عبد الباقي سفيرة لبلاده لدى الولايات المتحدة، وبذا غدت المرأة الأولى التي تتولى مثل هذا المنصب. وإبان وجودها في واشنطن لعبت عبد الباقي دوراً أساسياً في إبرام عدد من الاتفاقات بين البلدين، كان أبرزها اتفاق المعاملة التفضيلية لصادرات الإكوادور الزراعية إلى الولايات المتحدة.

وبالتوازي استطاعت عبد الباقي بناء علاقات شخصية متينة مع عدد من الوجوه البارزة في الإدارة الأميركية، مثل الرئيس السابق جو بايدن وأسرته، والرئيس الحالي دونالد ترمب، وعدد من الأعضاء النافذين في الكونغرس من الحزبين الجمهوري والديمقراطي. وأيضاً أقامت علاقات وطيدة مع كبار المسؤولين العسكريين الذين تفاوضت معهم لإنشاء قاعدة مشتركة في مقاطعة مانتا الإكوادورية تشرف على أعمال مكافحة تجارة المخدرات في كولومبيا والبيرو والإكوادور وبوليفيا. وبعدما أمضت ست سنوات كسفيرة لبلادها في واشنطن، اختارها الرئيس الحالي دانييل نوبوا لتكون سفيرة لدى فرنسا. ولقد سبق لها أن تولت سفارة بلادها لدى قطر من عام 2017 إلى عام 2020.واشنطن «محطة رئيسة»

تعتبر إيفون عبد الباقي أن مرورها بواشنطن كسفيرة لبلادها كان المحطة الرئيسة في مسيرتها السياسية والدبلوماسية، وتفاخر بأن العلاقات الوطيدة التي بنتها مع الإدارة الأولى لدونالد ترمب، ثم مع إدارة جو بايدن، أعادت تنشيط التعاون التجاري والعسكري بين الولايات المتحدة والإكوادور، ومكّنت الأخيرة من الحصول على مساعدات وموارد مالية من صندوق النقد الدولي والبنك الأميركي للتنمية والبنك الدولي.

الترشح لرئاسة الجمهورية... ثم دخول الوزارة

في عام 2002 قرّرت عبد الباقي خوض معركة رئاسة الجمهورية كأول امرأة تترشح لهذا المنصب، مع أنها قالت: «لقد كنت أعرف أن حظوظي في الفوز معدومة، لكن التجربة كانت غنيّة جداً، أتاحت لي أن أتعرّف على الإكوادور الحقيقية خلال جولاتي الانتخابية على جميع المناطق».

بعد ذلك، أُسندت إليها حقيبة وزارة التجارة الخارجية في عهد الرئيس لوسيو غوتيريز من عام 2003 إلى عام 2005، ثم ترأست برلمان الأنديز الذي يضم برلمانات البلدان التي تتقاسم هذه السلسلة الجبلية من عام 2007 إلى عام 2009.

وإبان شغلها وزارة التجارة الخارجية تعرّفت عبد الباقي على الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترمب عندما استضافت الإكوادور مسابقة انتخاب ملكة جمال العالم، وكان ترمب يملك الشركة التي تنظم تلك المسابقة.

ويومذاك ردّت على الانتقادات التي تعرّضت لها بسبب التكاليف الباهظة لتلك المسابقة، بالقول إنها كانت «استثماراً لترويج صورة بلادها في الخارج». أيضاً تعرّضت عبد الباقي خلال تلك الفترة إلى انتقادات شديدة من جانب مجموعات السكان الأصليين بسبب شروط «اتفاق التجارة الحرة» الذي تفاوضت عليه وأبرمته مع واشنطن. في المقابل، قبل تولّيها وزارة التجارة الخارجية لعبت عبد الباقي دوراً أساسياً في معالجة الأضرار التي لحقت بمحمية جزر غالاباغوس الشهيرة عقب التلوّث الذي أصابها بسبب تسرّب كميات كبيرة من النفط على سواحلها، وحصلت على مساعدة من صديقها دونالد ترمب لتأسيس مركز لصيانة المحمية والعناية بها.

التناوب الجغرافي على المنصب

اليوم ثمة توافق بين الدول الأعضاء في المنظمة الدولية حول عُرف غير مكتوب يقضي بالتناوب الجغرافي على منصب الأمين العام، ومنطقة أميركا اللاتينية وحوض الكاريبي هي التي يعود إليها هذا المنصب بعد نهاية ولاية الأمين العام الحالي.

أيضاً، ثمة اتجاه قويّ في الأوساط الأممية لإسناد هذا المنصب إلى امرأة لأول مرة منذ تأسيس المنظمة، وهو ما يفسّر كون عدد المرشحات يزيد على عدد المرشحين.

مع هذا، تقول أوساط دبلوماسية مطّلعة في الأمم المتحدة إن حظوظ إيفون عبد الباقي في السباق على منصب الأمين العام ضئيلة جداً، وخاصة أن ثمة مرشحين آخرين يتمتعون بسيرة مهنية أثقل وزناً، ويحظون بدعم سياسي قوي من حكومات بلدانهم، وسبق لهم أن تولوا مناصب عالية.

المرشحون السبعة الذين تتنافس معهم عبد الباقي هم: وزيرة خارجية غيانا السابقة كارولاين رودريغيز بيركيت، والمدير العام الحالي للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافاييل غروسي (من الأرجنتين)، ورئيسة تشيلي السابقة ميشيل باشيليت، ووزيرة خارجية الإكوادور السابقة ماريا فرناندا إسبينوسا، والأوغندي أولارا أوتونّو الذي تولى سابقاً منصب الأمين العام المساعد في الأمم المتحدة، ورئيس السنغال الأسبق ماكي سال، ونائبة رئيس كوستاريكا السابقة ريبيكا غرينسبان. كذلك، ليس مستبعداً أن تظهر ترشيحات أخرى خلال الأيام المقبلة؛ إذ لا يحدّد نظام المجلس مهلة لتقديم الترشيحات، بل يترك ذلك للتوافق بين الدول الأعضاء.

لا شروط معتمدة رسمياً

من جانب آخر، حتى الآن، ورغم مرور 70 سنة على تأسيس الأمم المتحدة، لا توجد مجموعة شروط معتمدة للترشح لمنصب الأمين العام. لكن استناداً إلى العُرف والتجارب السابقة، توافقت الدول الأعضاء على الشروط التالية:

- أن يتمتع المرشح بخبرة دبلوماسية دولية ومهارات قيادية.

- أن يحظى بموافقة مجلس الأمن المخوّل وحده إحالة ترشيحه إلى الجمعية العامة.

- أن ينال غالبية أصوات البلدان الأعضاء، الحاضرة والمصوّتة، في الجمعية العامة.

- أن يكون قادراً على التصرّف بحياد.- وألّا يكون مواطناً لأي من الدول الخمس دائمة العضوية في المجلس.


ارتفاع أسهم غرينسبان وغروسّي في بورصة الترشيحات

ريبيكا غرينسبان (الأمم المتحدة)
ريبيكا غرينسبان (الأمم المتحدة)
TT

ارتفاع أسهم غرينسبان وغروسّي في بورصة الترشيحات

ريبيكا غرينسبان (الأمم المتحدة)
ريبيكا غرينسبان (الأمم المتحدة)

آخر التسريبات من الأوساط الدبلوماسية في منظمة المنظمة الدولية تفيد بأن ريبيكا غرينسبان، نائبة رئيس كوستاريكا السابقة، هي التي تتصدّر حالياً قائمة المتنافسين على المنصب بعد الجولات الاستشارية الأولى داخل مجلس الأمن، لكن السباق لا يزال مفتوحاً بين المرشحين الثمانية.

أيضاً، يتردّد الدبلوماسيون المخضرمون في المنظمة ساعة التوقعات، نظراً للانقسام العميق الذي يسود العلاقات بين الدول الخمس الدائمة العضوية في المجلس، أي الولايات المتحدة والاتحاد الروسي والصين وبريطانيا وفرنسا، الذي يذكّر بأشد فترات الحرب الباردة توتراً.

رافايل غروسّي (آ ب)

وهنا نشير إلى أن أحكام النظام الداخلي لمجلس الأمن تنصّ على أن أسماء المرشحين المتنافسين على منصب الأمين العام يحيلها المجلس إلى الجمعية العامة لاختيار واحد منها، وأن اعتراض أي عضو دائم على مرشح يقضي نهائياً على حظوظه، حتى وإن نال تأييد غالبية الأعضاء.

وهنا، يتوقّف أحد الدبلوماسيين الأوروبيين، الذي واكب انتخاب ثلاثة أمناء عامين للمنظمة عند إصرار المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافايل غروسّي على الترشّح، في الوقت الذي يسود اعتقاد بأن المنصب سيكون من نصيب امرأة هذه المرة، رغم الاعتراض الشديد الذي تبديه الصين وروسيا على إدارته وكالة الطاقة الذرية في أكثر من ملف حساس، مثل الحرب في أوكرانيا والتعاون النووي بين بريطانيا وأستراليا، ومعالجة التلوث الذي نجم عن حادث مفاعل فوكوشيما في اليابان، والبرنامج النووي الإيراني.

ماكي سال (آ ف ب)

وبحسب هذا الدبلوماسي، فإن غروسّي هو المرشح الذي تفضله الإدارة الأميركية، إلا أنها تحرص على تحاشي كشف أوراقها وراء دعمه. ثم إنه مدعوم بقوة من الحكومة الأرجنتينية اليمينية الحالية التي تعدّها واشنطن الركيزة الأساسية لسياستها الإقليمية.

ثم إن مراقبين كثيرين يزعمون أن أداءه في الوكالة الدولية اتسم بانحياز كامل للمواقف الأميركية والغربية، ما استدعى مراراً انتقادات شديدة من روسيا، وأيضاً من الصين التي شنّت عليه غير مرة هجوماً قاسياً وغير معهود في القاموس الدبلوماسي الصيني. ويضاف إلى ذلك، وفقاً للدبلوماسي المذكور، أن إدارة ترمب لا تحبّذ وصول امرأة إلى منصب الأمين العام مع أنها لن تفصح عن ذلك علناً. ومن ثم، لا يستبعد الدبلوماسي المذكور أن تذهب واشنطن في رهانها غير المعلن على غروسّي إلى حد «مقايضة» رفع «الفيتو» الروسي والصيني على ترشيحه، بتنازلات سخية في مناصب أخرى رفيعة داخل المنظمة الدولية أو الوكالات المتخصصة التابعة لها.