كوت ديفوار... انتخابات توقظ كوابيس الحرب

رئيس يبحث عن ولايته الرابعة في إقليم تهيمن عليه الانقلابات العسكرية

صورة من مدينة ابيدجان العاصمة الاقتصادية لكوت ديفوار (الشرق الاوسط)
صورة من مدينة ابيدجان العاصمة الاقتصادية لكوت ديفوار (الشرق الاوسط)
TT

كوت ديفوار... انتخابات توقظ كوابيس الحرب

صورة من مدينة ابيدجان العاصمة الاقتصادية لكوت ديفوار (الشرق الاوسط)
صورة من مدينة ابيدجان العاصمة الاقتصادية لكوت ديفوار (الشرق الاوسط)

تتجه كوت ديفوار (ساحل العاج بالعربية)، أكبر اقتصاد في دول أفريقيا جنوب الصحراء الناطقة باللغة الفرنسية، إلى انتخابات رئاسية في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، وسط مخاوف من عودة البلد إلى الحرب الأهلية، فمنذ 1995 لم تعرف كوت ديفوار أي تداول سلمي على السلطة، وظلت الانتخابات موعداً دائماً مع العنف. الرئيس الحسن واتارا، البالغ من العمر 83 سنة، أعلن ترشحه لولاية رئاسية رابعة، علماً بأنه يحكم البلاد منذ 2011، ولقد أثار ترشحه جدلاً واسعاً باعتباره تحدياً للقيود الدستورية وروح التناوب الديمقراطي. في المقابل، استُبعد أبرز قادة المعارضة من السباق، بينهم الرئيس السابق لوران غباغبو، ورئيس أعرق وأقدم أحزاب البلاد تيجيان تيام، كل ذلك دفع أحزاباً رئيسة في المعارضة إلى تجميد عضويتها في اللجنة المشرفة على تنظيم الانتخابات.

كوني مامادو، وهو قيادي في الحزب الحاكم وعضو مكتبه التنفيذي (الشرق الأوسط)

المناخ المشحون في كوت ديفوار راهناً يذكّر بانتخابات 2020 التي شهدت احتجاجات دامية أوقعت 85 قتيلاً، حين قرّر الحسن واتارا الترشح لولاية رئاسية ثالثة رفضتها المعارضة، كما يعيد إلى الأذهان الحرب الأهلية الدامية التي أعقبت انتخابات 2010. ذلك أنه على الرغم من الإنجازات الاقتصادية والأمنية التي حقّقها الرئيس الثمانيني منذ وصوله إلى السلطة، ومنها نمو اقتصادي تجاوز نسبة 7 في المائة سنوياً، واستثمارات كبيرة في البنية التحتية وإصلاح الجيش، لا يزال البلد الأفريقي يعمل بنظام سياسي شديد الهشاشة، ما يعرضه لمخاطر الانزلاق في أي لحظة، وفقدان كل ما تحقق من مكاسب خلال السنوات الـ15 الأخيرة.

محلياً، يبدو المشهد السياسي في كوت ديفوار ضعيفاً أمام هيمنة المؤسسة الرئاسية، حيث يمنح الدستور صلاحيات واسعة لرئيس الجمهورية، كما أن الطبقة السياسية ظلت لعقود عاجزة عن تحقيق أي «توافق». وبالتالي، ظل مشروع «المصالحة الوطنية» غير مكتمل، ويبدو واضحاً أن المعارضة عاجزة عن المنافسة، إذ تقودها وجوه من الحقب الماضية، في ظل ضعف انخراط الشباب في العمل السياسي.

ولكن ما يزيد تعقيدات الوضع الداخلي، أن هذه الانتخابات تنظم في سياق إقليمي حساس. فعلاقات كوت ديفوار مع جيرانها في منطقة الساحل الأفريقي متوترة، ولا سيما «جارتها» الشمالية بوركينا فاسو، بينما يزداد نفوذ روسيا بالمنطقة، مقابل تراجع الدور الفرنسي التقليدي.

وأمام هذا المشهد، حذّرت تقارير عديدة من أن موسكو قد تحاول التأثير في هذا الاستحقاق، ما يضيف بعداً جيوسياسياً على الأزمة الداخلية، وخاصة أن كوت ديفوار تُعدّ مركز نفوذ تقليدياً لباريس، رغم الانسحاب الشكلي للقوات الفرنسية من قواعدها العسكرية في البلاد.

جذور الهشاشة

تعود هشاشة النظام السياسي في كوت ديفوار إلى الإرث الذي تركه فيليكس هوفويه بوانيي، أول رئيس للبلاد، الذي حكم بعد الاستقلال عن فرنسا عام 1960، حتى وفاته عام 1993، فظلت البلاد تحت حكم الحزب الواحد لأكثر من 33 سنة، كان «الرئيس المؤسس» صاحب السلطة المطلقة.

مع ذلك، نجح هوفويت بوانيي في الحفاظ على توازن القوة والمصالح ما بين نحو 60 مجموعة إثنية مختلفة، وفتح البلاد أمام الهجرة الإقليمية والدولية، واستطاع أن يحقق طفرة اقتصادية غير مسبوقة في غرب أفريقيا. لكن هذا التوازن سرعان ما انهار بعد وفاته مباشرة، إذ اندلعت «حرب خلافة» بين رئيس وزرائه الأخير الحسن واتارا، ورئيس البرلمان (آنذاك) هنري كونان بيديه.

لضمان فوزه بانتخابات 1995، لجأ كونان بيديه إلى تعديل القانون الانتخابي بما يمنع منافسه من الترشح عبر شروط صارمة للجنسية والإقامة. وبالفعل، استُبعد واتارا بحجة أن والده من أصول بوركينية، وأنه كان يقيم حينذاك في الولايات المتحدة. ومع مقاطعة زعيم المعارضة لوران غباغبو للاقتراع، فاز كونان بيديه بالرئاسة بسهولة، لكن الثمن كان باهظاً؛ إقصاء سياسي حادّ غذّى الانقسامات بين الشمال والجنوب، وأطلق نقاشاً حول «الهوية الوطنية الإيفوارية»؛ وتعريف من هو المواطن الإيفواري «الأصيل» ومن هو «الوافد»، وهو نقاش ما زال مفتوحاً حتى اليوم.

في نهاية 1999، أطاح انقلاب عسكري بكونان بيديه، شارك فيه ضباط من الشمال. وبعد مرحلة انتقالية قصيرة، وصل لوران غباغبو إلى السلطة عبر انتخابات عنيفة في أكتوبر (تشرين الأول) 2000، استبعد المجلس الدستوري خلالها 14 مرشحاً، من بينهم واتارا وكونان بيديه. ولقد استخدم غباغبو بدوره خطاب «الهوية الوطنية الإيفوارية» لتقوية موقعه السياسي. الأمر الذي زاد أيضاً من انقسام البلاد.

وفي سبتمبر (أيلول) 2002، انفجر الوضع بمحاولة انقلاب أدّت إلى تقسيم البلاد إلى شطرين؛ الجنوب تحت سيطرة الحكومة، والشمال والوسط بيد تمرد «القوات الجديدة»، الذي طالب بالاعتراف الكامل بمواطني الشمال.

«اتفاق واغادوغو»... وما بعده

بعدها، أدّى «اتفاق واغادوغو السياسي» عام 2007، بوساطة الرئيس البوركيني بليز كومباوري، إلى تهدئة النزاع وفتح حوار مباشر بين الفرقاء، كما منح المتمردين منصب رئيس الوزراء الذي تولّاه زعيمهم غييوم سورو. ومن جهة ثانية، مهّد الاتفاق الطريق لانتخابات رئاسية جامعة أجّلت مراراً حتى أجريت جولتها الأولى في أكتوبر 2010، بمشاركة كل الأقطاب السياسية.

غير أن الجولة الثانية فجّرت أزمة جديدة، فقد أعلن كل من اللجنة الانتخابية والمجتمع الدولي فوز الحسن واتارا، بينما رفض غباغبو النتيجة، وبذا اندلعت مواجهات عسكرية انتهت باعتقال غباغبو في أبريل (نيسان) 2011 على يد قوات واتارا، المدعومة من الجيش الفرنسي والأمم المتحدة.

خلّفت تلك الأزمة أكثر من 3 آلاف قتيل خلال 6 أشهر من العنف، قبل أن يُنصّب الحسن واتارا رئيساً في مايو (أيار) 2011، وهو المنصب الذي ظل يشغله حتى اليوم.

فلقد أعيد انتخاب واتارا لولاية رئاسية ثانية عام 2015، ورغم نجاحه في تحقيق نمو اقتصادي لافت وتعزيز الأمن، ظل ملف المصالحة الوطنية ناقصاً، ولم تُطوَ بالكامل صفحة الجرائم التي ارتُكبت خلال أزمة 2010-2011. ومع أن واتارا حاول الحد من الطابع الرئاسي المفرط عبر دستور جديد عام 2016، استحدث من خلاله منصب نائب الرئيس، فإن هذا المنصب بقي مرتبطاً بسلطة الرئيس نفسه.

رغم كل ذلك، استمر الجدل حول نزاهة الانتخابات في عهد واتارا. إذ استُبعد 23 مرشحاً في انتخابات 2015، ولم يُقبل سوى 4 من أصل 44 في انتخابات 2020، التي رافقها عنف أوقع 85 قتيلاً و500 جريح في صدامات بين المعارضة وأنصار الحزب الحاكم.

نويل أكوسي بنجو، وهو نائب رئيس الحزب الديمقراطي لكوت ديفوار - التجمع الديمقراطي الأفريقي (الشرق الأوسط)

استمرار التوتر السياسي

اليوم، تعيش كوت ديفوار وضعاً مُكرراً، وكأن التاريخ يعيد نفسه في بلد يمتلك ثروة هائلة من الخشب، وتاريخاً طويلاً من الاشتعال، ونخبة سياسية ترى الحريق قادماً، ولكنها لا تتوقف عن إلقاء الشرارة وراء الأخرى.

أنصار الرئيس واتارا ما زالوا يرون فيه الشخص الوحيد القادر على إدارة البلاد، وهو الضامن للاستقرار والتنمية، أما المعارضة فترى فيه انتكاسة حقيقية للديمقراطية وتكريساً لنهج ديكتاتوري.

وفي هذا السياق، يقولُ نويل أكوسي بنجو، نائب رئيس الحزب الديمقراطي لكوت ديفوار (التجمع الديمقراطي الأفريقي)، إن واتارا أدخل البلاد في «نفق مظلم وطريق مسدود». وأردف أن ما تعيشه كوت ديفوار اليوم «حالة انسداد سياسي تام، بعد إقصاء مرشحي المعارضة البارزين من السباق الانتخابي».

أكوسي بنجو تكلم مع «الشرق الأوسط» في مكتبه بمقر الحزب الديمقراطي لكوت ديفوار في مدينة أبيدجان، العاصمة الاقتصادية للبلاد، حيث يتولى إدارة شؤون الحزب السياسي الأعرق في كوت ديفوار، فقد أسس الحزب عام 1946 على يد الرئيس فيليكس هوفويه بوانيي، وحكم البلاد بعد الاستقلال حتى عام 1999.

الحزب اليوم يتصدّر المشهد السياسي المعارض، ويحلم بالعودة إلى سدة الحكم، إلا أن رئيسه تيجان تيام مقيم منذ أشهر في فرنسا، بسبب ما يقول أنصاره إنها مخاوف من استهدافه من طرف السلطات التي منعته من الترشح بحجج عديدة، من بينها كونه حمل في السابق الجنسية الفرنسية.

يعتقدُ أكوسي بنجو أن الظروف التي ستنظم فيها انتخابات أكتوبر «غير مقبولة». ويشرح بالقول إنَّ اللجنة المشرفة على الانتخابات «ليست متوازنة، بل هي محسوبة على الرئيس»، مشيراً إلى أن المعارضة قرّرت تجميد عضويتها في اللجنة حين أقصي مرشحوها من السباق الرئاسي.

كما أشار إلى أن قادة المعارضة «أجروا تدقيقاً للائحة الانتخابية، فوجدوا كثيراً من الثغرات التي لا يمكن إجراء انتخابات شفافة معها، وبالتالي لا بد من مراجعة هذه اللائحة وإعادة تشكيل لجنة الانتخابات حتى نضمن أنها مستقلة».

«في سبتمبر 2002،

وقعت محاولةانقلاب

أدّت إلى تقسيم

البلاد إلى شطرين»

معارضة عاجزة

على الضفة الأخرى، يبدو المشهدُ مختلفاً تماماً. إذ يرى أنصار الرئيس الحسن واتارا في كل حجج المعارضة ومطالبها محاولة لتفادي خوض الانتخابات بسبب العجز عن المواجهة. وهذا ما أكده عدد من قيادات حزب «تجمع الهوفويتين للديمقراطية والسلام» الحاكم، في لقاءات مع «الشرق الأوسط».

كوني مامادو، وهو قيادي في الحزب الحاكم وعضو مكتبه التنفيذي، قال إن «المعارضة لا تريد الذهاب إلى الانتخابات، لأنها في كل مرحلة كانت تغير مطالبها، فهي تعرف أنها لم تحضّر بما يكفي للانتخابات الرئاسية، وتسعى للوصول إلى السلطة بوسائل أخرى، لكن في كوت ديفوار ينصّ الدستور على أنه لكي تصبح رئيساً للجمهورية، يجب أن تمرَّ عبر صناديق الاقتراع وحدها».

وتابع كوني، في تصريحه لـ«الشرق الأوسط»، قائلاً: «الغالبية الرئاسية لم تضيّع الوقت كما فعلت المعارضة، بل بدأت مباشرة، بعد نهاية انتخابات 2020، التحضير الجاد لانتخابات 2025. وهذا ما يجعلنا واثقين من النصر. أما المعارضة فهي ليست جادة على الإطلاق، وكل ما تريده هو خلق الذرائع لتضييع الوقت».

واستطرد كوني: «للتأكد من قلة جدية المعارضة، يكفي أن نلاحظ أنها بدلاً من تقديم مرشح قوي والدفاع عنه، نجد أنها تفكر أكثر في كيفية منع ترشح الحسن واتارا، وإصلاح اللجنة الانتخابية ومراجعة اللائحة الانتخابية، وهذه مطالب غير عقلانية، وطارحها يسعى للتأزيم وإدخال البلاد في مسار من التوتر».

الحوار هو الحل

في غضون ذلك، يبدو أن المطلب الأبرز لدى المعارضة هو «تنظيم حوار وطني شامل»، وفق كلام نويل أكوسي بنجو.

أكوسي بنجو ذكر أن «من شأن الحوار تهيئة الظروف المناسبة لتنظيم انتخابات شفافة ونزيهة وهادئة، لأنه من دون الحوار والتوصل إلى تفاهمات سنعيد خلق نفس ظروف انتخابات 2010 و2020». ودافع بقوة عن مواقف المعارضة، مشدداً: «هدفنا الأساسي هو ضمان ظروف انتخابية سلمية، كي لا تدخل كوت ديفوار في حرب أهلية، كما حدث في 2010، أو يتجدد العنف كما وقع عام 2020».

وأضاف أكوسي بنجو أن «كوت ديفوار منذ 1995 لم تعرف أي تناوب سلمي على السلطة، بل على العكس كانت الانتخابات دائماً لحظات توتر وقلق وخوف». وتابع: «من غير المنطقي الاستمرار بهذه الطريقة... إن ما نريده في المعارضة هو خلق ظروف مواتية لبناء الثقة في المستقبل والخروج من دوامة الخوف».

سياق إقليمي

في الحقيقة، لا يبدو أن الدعوة إلى الحوار تجد آذاناً صاغية في معسكر الغالبية الرئاسية، حيث إن الوقت بالنسبة لهم وقت حملة انتخابية. بل إنَّ أطرافاً في السلطة ترى أن الدعوة للحوار مجرد محاولة لتأجيل الانتخابات وإدخال البلاد في وضع غير دستوري، يمنح المعارضة القدرة على الطعن في شرعية الرئيس وحكومته.

في هذا السياق، قال كوني مامادو إنه من الضروري تفادي أي محاولة لخلق وضع غير دستوري، مشيراً إلى أنه «عندما ننظر من حولنا، نجد أن الانقلابات العسكرية ضربت العديد من دول الجوار، وهناك 4 دول على الأقل في المنطقة تحت سلطة أنظمة عسكرية، وهذه وضعية تثير القلق».

وأشار القيادي في الحزب الحاكم إلى كل من مالي وبوركينا فاسو والنيجر، التي تحكمها أنظمة عسكرية منذ سنوات، وتمر علاقاتها بدول غرب أفريقيا بمرحلة شديدة التوتر، خاصة مع كوت ديفوار، هذا بالإضافة إلى غينيا المجاورة التي يحكمها الجيش منذ 4 سنوات.

وأضاف: «حين نلقي نظرة على المنطقة بشكل عام، نجد أن كوت ديفوار هي قاطرة الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا، وتحتل مكانة مهمة في غرب أفريقيا، وهذا بسبب موقعها الاستراتيجي ونموها الاقتصادي. لذا، فإن كوت ديفوار بحاجة أكثر إلى الاستقرار، وإلى زيادة انخراط الشباب في العمل السياسي والتنموي».

الشباب... التحدي الأكبر

الشباب يشكّل حقاً التحدي الأكبر لكوت ديفوار. إذ عدد سكانها تجاوز 30 مليون نسمة، تشير الإحصائيات إلى أن نسبة 43 في المائة منهم تحت 15 سنة، وهو ما يطرح مشكلات كبيرة في المستقبل، على مستوى التعليم والصحة والتشغيل.

وفي هذا السياق، قال كوني مامادو: «من أجل دعم الاستقرار والاستجابة لمطالب الشباب، قرّر الحسن واتارا أن يكون عام 2023 عام الشباب، وذلك من خلال العمل على خلق بيئة اقتصادية، اجتماعية، شاملة، حتى يتمكن هذا الشباب من الظهور، والمشاركة في الحياة النشطة، حتى يضع نفسه في خدمة الأمة».

وأردف أن «مناخ الاستقرار الذي تعيشه كوت ديفوار يمنح الشباب الثقة الحقيقية، حيث يفتحون الشركات ويطلقون أعمالهم الخاصة، وهو ما لا يمكن أن يستمر دون استقرار، والرئيس الحسن واتارا هو الضامن لهذا الاستقرار، فمنذ تولى السلطة عام 2011، هناك استقرار. وبالتالي، فإن الشباب الإيفواري، من خلال هذا الاستقرار، بدأ يكتسب الثقة في نفسه».

وهكذا، يجد أكثر من 8 ملايين ناخب في كوت ديفوار أنفسهم أمام انتخابات حاسمة، يهيمن عليها الخوف من العودة إلى مربع الحرب الأهلية، الذي سبق أن اختبروه قبل 15 عاماً، وبالتالي يُجمع الشارع الإيفواري على أن مسؤولية النخبة السياسية تتمثل في تجنب التصعيد والعنف.


مقالات ذات صلة

«إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي

حصاد الأسبوع مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)

«إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي

تتحرّك المفوضية الأوروبية هذه الأيام في اتجاه مراجعة واسعة لعدد من قواعدها وتشريعاتها، في مسعى تعلن عنه بوصفه «تبسيطاً» و«تحديثاً»

أنيسة مخالدي (باريس)
حصاد الأسبوع علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

عندما اقتلعت دبابة أميركية ضخمة يوم 9 أبريل (نيسان) عام 2003 تمثالاً ضخماً للرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، كان يتوسّط «ساحة الفردوس»

حمزة مصطفى (بغداد)
حصاد الأسبوع لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)

الفرص والتحديات أمام رئيس الحكومة العراقية العتيد

لم يتأخر الرد الإيراني على ما صدر عن الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن تكليف علي الزيدي بتشكيل الحكومة العراقية المقبلة. وللعلم، من المقرر أن ينال الزيدي،

«الشرق الأوسط» (بغداد)
حصاد الأسبوع ما تبقى من كفر كيلا (رويترز)

إسرائيل تحوّل جنوب لبنان إلى «أرض محروقة»

في جنوب لبنان، لا يبدو الدمار مجرّد نتيجة جانبية لحربٍ مفتوحة، بل هو أقرب إلى مسارٍ متكامل يعيد رسم الجغرافيا والواقع الديموغرافي معاً. قرى تُمحى تدريجياً من

بولا أسطيح (بيروت)
حصاد الأسبوع تكمن مفارقة بلانش في أن خبرته القانونية حقيقية... لكنها لم تعد منفصلة عن العلاقة الشخصية والسياسية المباشرة بالرئيس

تود بلانش... محامي ترمب يرث وزارة العدل الأميركية

لم يكن صعود تود بلانش إلى رأس وزارة العدل الأميركية، ولو بالوكالة حتى الآن، انتقالاً إدارياً عادياً في واشنطن. فالرجل الذي بدأ حياته المهنية داخل الوزارة نفسها،

إيلي يوسف ( واشنطن)

«إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي

مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)
مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)
TT

«إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي

مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)
مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)

تتحرّك المفوضية الأوروبية هذه الأيام في اتجاه مراجعة واسعة لعدد من قواعدها وتشريعاتها، في مسعى تعلن عنه بوصفه «تبسيطاً» و«تحديثاً» بينما يراه كثيرون «إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي نفسه... فالقصة لا تتعلق بتفصيل قانوني معزول بل موازنة دقيقة بين المنافسة والضبط وبين حماية الحقوق وتسريع الاقتصاد وبين الوحدة التشريعية التي تريدها بروكسل والتباينات السياسية داخل الدول الأعضاء... في العمق تكشف هذه المراجعات عن سؤال أوروبي كبير هو: هل لا يزال الاتحاد قادراً على الجمع بين المعايير الصارمة والمرونة الاقتصادية في زمن يتغير بسرعة؟ أم أن الضغط العالمي من واشنطن إلى بكين يدفعه الآن إلى إعادة ترتيب أولوياته على نحو أكثر برغماتية وإن كان ذلك على حساب الصورة المثالية التي طالما عرفته بها الديمقراطيات الغربية؟

لا يمكن فهم ما تشهده بروكسل من انقلاب تشريعي دون العودة إلى سبتمبر (أيلول) 2024، حين سلّم ماريو دراغي، الرئيس السابق للبنك المركزي الأوروبي رئيسةَ المفوضية الحالية أورسولا فون دير لاين تقريره الضخم عن «مستقبل تنافسية أوروبا».

جاء التقرير الواقع في 400 صفحة بمثابة صرخة إنذار وجودية: أوروبا تتخلّف عن الركب، والفجوة مع الولايات المتحدة والصين تتّسع بصمت، والنموذج التنظيمي الذي طالما اعتُبر مصدر قوّة يتحوّل شيئاً فشيئاً إلى عبء يُعيق الابتكار. وكشف دراغي فيه أن أوروبا تخسر ما يعادل 300 مليار يورو سنوياً من مدّخرات أسرها المُوظَّفة في الخارج، وأن أسعار الكهرباء تتجاوز نظيراتها الأميركية بنسبة تراوح بين 150 و300 في المائة. وخلص إلى أن «الاتحاد» يحتاج إلى ضخ استثمارات إضافية تناهز 800 مليار يورو سنوياً للحفاظ على مكانته، واصفاً الوضع بأنه «تحدٍّ وجودي» قد يُفضي الإخفاق في مواجهته إلى «الأفول التدريجي» للقارة.

أورسولا فون دير لاين، رئيسة "المفوضية الأوروبية" (آ ب)

وأمام البرلمان الأوروبي في مدينة ستراسبورغ الفرنسية، حذّر دراغي من أن أوروبا «فشلت في تحويل الابتكار إلى منتجات تجارية قابلة للنمو»، وأن شركاتها الرائدة تجد نفسها مضطرة إلى الانتقال نحو السوق الأميركية كي تنمو، لأن السوق الأوروبية المُجزّأة، وتعقيدات الامتثال، لا تمنحانها الحجم الكافي للمنافسة العالمية. وتبعاً لهذا التقرير استجابت المفوضية في يناير (كانون الثاني) 2025 بإعلان «بوصلة التنافسية»، وهي مخطط استراتيجي لخمس سنوات يضع تخفيف الأعباء التنظيمية في صدارة الأولويات، مع التمسك بالأهداف المناخية الكبرى، ومنها «الحياد الكربوني» بحلول 2050.

عوامل الضغط المتراكمة من الداخل والخارج

في الواقع، لا يمكن عزل هذه المراجعات عن مُناخ سياسي داخلي وخارجي بالغ الاضطراب. ففي الداخل، أسفرت انتخابات البرلمان الأوروبي في يونيو (حزيران) 2024 عن صعود ملموس للتيارات اليمينية والقومية المتطرفة التي طالما انتقدت ما وصفته بـ«التضخم التشريعي» الصادر عن بروكسل، ولا سيما «الصفقة الخضراء الأوروبية». وشكّلت موجة احتجاجات المزارعين التي اجتاحت عواصم أوروبية عدة في مطلع 2025 رافداً شعبياً مباشراً لهذا التحوّل، إذ رفع المحتجون الصوت ضد تضخّم القواعد والاشتراطات التي يرون أنها تُثقل كاهلهم.

أما على الصعيد الخارجي، فقد وضعت عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض في يناير 2025، وإعلانه رزمة رسوم جمركية واسعة طالت الصادرات الأوروبية، المفوضيةَ أمام معادلة بالغة الدقة: إذ كيف تحافظ أوروبا على تنافسيتها في مواجهة شريك يرفع الجدران الجمركية من ناحية، ومنافس صيني من ناحية أخرى يضخ دعماً حكومياً هائلاً في صناعاته، في حين تلتزم هي بمنظومة تنظيمية صارمة تُثقل كاهل شركاتها؟

تقرير دراغي يُلخّص هذه المفارقة في جملة واحدة: «أوروبا قادت سباق القواعد، بينما خسرت سباق السوق».

أورسولا فون دير لاين، رئيسة "المفوضية الأوروبية" (رويترز)

أصوات المسؤولين بين الاعتراف والوعد

لقد أطلقت رئيسة المفوضية فون دير لاين منذ اليوم الأول لولايتها الثانية خطاباً تجديدياً صريحاً، ففي «منتدى دافوس» خلال يناير 2025 أعلنت الانطلاق نحو «تبسيط جذري لقواعد التمويل المستدام، والعناية الواجبة». وفي لقائها مع الصحافة الألمانية لاحقاً أقرّت بأن «كثرة القواعد وإلزامات إعداد التقارير تُقيّد مسيرة النشاطات الاقتصادية، والتجارية، ولا سيما تلك التي تخصّ الشركات الصغيرة»، مستندةً إلى بيانات صندوق النقد الدولي التي تُشير إلى أن العوائق الداخلية في السوق لأوروبية الموحّدة تعادل في أثرها رسوماً جمركية بنسبة 45 في المائة.

وأيضاً حدّدت هدفاً كمياً واضحاً هو خفض الأعباء الإدارية بما لا يقل عن 25 في المائة على جميع الشركات، و35 في المائة على المؤسسات الصغيرة، والمتوسطة، بما يُوفّر 37.5 مليار يورو سنوياً، وطالبت البرلمانَ الأوروبي والدولَ الأعضاء بإقرار الحزم التبسيطية من دون إبطاء.

هذه الدعوة وجدت صدىً في العواصم الكبرى، إذ دعمت ألمانيا وفرنسا مسار التبسيط صراحةً، ووصفت برلين الحزمة الأولى بأنها «خطوة لازمة للتوفيق بين التحوّل المستدام والقدرة التنافسية». وانضمت بولندا، التي ترأست مجلس «الاتحاد» في مطلع 2025، إلى هذا التوجه، واصفةً إياه بـ«المبادرة الضرورية لتعزيز تنافسية الاتحاد».

كذلك كان رئيس «المجلس الأوروبي» أنطونيو كوستا قد أضفى على هذا التوجّه طابعاً سياسياً رفيعاً، حين أكد في رسالة وجّهها إلى قادة «الاتحاد» قُبيل القمة غير الرسمية في فبراير (شباط) 2026 أن «التبسيط ليس غاية في حد ذاته، بل وسيلة لجعل أوروبا تُنجز ما وعدت به مواطنيها»، مضيفاً أن المواطن الأوروبي «بات يقيس صدقية مؤسساته لا بعدد اللوائح التي تُصدرها، بل بالنتائج الملموسة التي تُوفرها على أرض الواقع».

وفي السياق ذاته، دعا كوستا -وهو رئيس سابق للحكومة البرتغالية- القادة الأوروبيين إلى «تسريع المفاوضات حول الحزم التبسيطية المعلّقة»، محذّراً من أن التأخر سيُضعف صدقية «الاتحاد» أمام شركائه التجاريين قبل أن يُضعفها أمام ناخبيه.

ومن العاصمة الفرنسية باريس، رفع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون صوته في هذا الملف بلهجة تجمع بين الطموح الأوروبي والحرص على السيادة الاستراتيجية. إذ قال في خطاب أمام منتدىً اقتصادي في برلين إن «أوروبا لا تستطيع أن تكون القارة الوحيدة التي تطبّق قواعدها على نفسها بصرامة، بينما يُنافسها الآخرون في ظل قواعد مختلفة تماماً»، مطالباً بأن يرافق التبسيط التشريعي سياسةٌ صناعية أوروبية متماسكة تحمي القطاعات الاستراتيجية من المنافسة غير المتكافئة.

استقلالية التشريع

ومن جهة ثانية، دعا ماكرون صراحةً إلى تطوير ما وصفه بـ«استقلالية التشريع»، بمعنى أن تمتلك أوروبا القدرة على تكييف قواعدها بسرعة، استجابةً للمتغيرات الجيوسياسية، ومن دون الانتظار سنوات في مسارات تشريعية مضنية.

أما المستشار الألماني (السابق) أولاف شولتس، فقد تبنّى موقفاً أكثر مباشرةً حين صرّح إبان مناقشات «مجلس الاتحاد» بأن «الاقتصاد الأوروبي لا يحتاج إلى مزيد من القواعد، بل إلى مزيد من الحرية للابتكار، والنمو»، مستنداً إلى معاناة الصناعة الألمانية في مواجهة منافسة صينية مدعومة حكومياً، بينما تتصاعد أعباء الامتثال في الداخل. وفي السياق ذاته، حرص شولتس على الإشارة إلى أن التبسيط لا يعني التخلي عن أهداف الحياد المناخي، لكنه يعني تحرير الطاقة الإنتاجية للشركات كي تنجز هذا التحول.

في المقابل، حمل الصوت الإيطالي مقاربة مغايرة، إذ اعترضت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني، في قمة القادة غير الرسمية ذاتها، على ما رأت فيه تسرّعاً في إقرار بعض الحزم من دون تقييم كافٍ لأثرها على الصناعات التقليدية، ولا سيما قطاع السيارات الذي يُمثّل ركيزة اقتصادية أساسية في عدد من دول الجنوب الأوروبي.

وأردفت ميلوني أن «التبسيط مطلوب، لكن ينبغي ألا يكون ذريعةً للتخلي عن قطاعات بأكملها في مواجهة منافسة آسيوية يدعمها المال العام»، مطالبةً بأن تتضمّن كل حزمة تبسيطية تقييماً صريحاً لانعكاساتها على التوظيف، والنسيج الصناعي في الدول الأعضاء، وكشف هذا الخلاف عن توتر حقيقي داخل الاتحاد بين من يرى التبسيط أداةَ تحرير اقتصادي، ومن يخشى أن يتحول إلى إعادة توزيع للأعباء على حساب الدول الأقل قدرةً على إدارة المرحلة الانتقالية.

ماذا تحت المراجعة؟

منذ فبراير 2025، أصدرت المفوضية الأوروبية عشر حزم تشريعية تبسيطية تحت مسمّى «أومنيبوس»، تُعدَّل بموجبها قوانين متعدّدة في آنٍ واحد عبر توفيرات إدارية مقدَّرة بـ15 مليار يورو سنوياً. وتنصبّ أبرز هذه المراجعات على أربعة محاور:

- في مجال الاستدامة المؤسسية، خُفِّض عدد الشركات الملزمة بالإفصاح البيئي، والاجتماعي من 50 ألفاً إلى نحو خمسة آلاف فقط، أي إعفاء 80 في المائة من الشركات مما يُوفّر 4.4 مليار يورو سنوياً، مع تأجيل موعد الإبلاغ بسنتين لشريحة واسعة أخرى.

- على صعيد سلاسل التوريد، ضُيِّق نطاق «العناية الواجبة» ليقتصر على الشركاء التجاريين المباشرين، بدلاً من امتداده عبر سلسلة التوريد بأكملها.

- أما الملف الأكثر إثارةً للجدل، فهو قانون الذكاء الاصطناعي، إذ اقترحت المفوضية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 تأجيل اشتراطات الأنظمة عالية المخاطر -ومنها تلك المستخدمة في التوظيف، والرعاية الصحية، والقضاء- من 2026 إلى 2028 على أبعد تقدير.

ولقد صوّت البرلمان الأوروبي بغالبية الأصوات لصالح هذا التمديد، بيد أن المفاوضات الثلاثية بين البرلمان والمجلس والمفوضية لا تزال تراوح مكانها حول مسألة جوهرية هي: هل تخضع أنظمة الذكاء الاصطناعي المُدمجة في منتجات مثل الأجهزة الطبية والسيارات لقانون الذكاء الاصطناعي؟ أم تكتفي بالتشريعات القطاعية القائمة؟

وتُضاف إلى ما تقدم ذكره حزم بيئية ودفاعية وزراعية تستهدف مجتمعةً خفض أعباء الامتثال في قطاعات بالغة الأهمية.

ما يكمن وراء الخطاب التبسيطي

إذا كانت الحجج الرسمية تستند إلى ضرورة تعزيز «تنافسية» الشركات، فإن الدوافع الأعمق أكثر تعقيداً. إذ ثمة خشية حقيقية من تسرّب الشركات الأوروبية الناشئة نحو الولايات المتحدة، حيث البيئة التمويلية أيسر، والاشتراطات التنظيمية أخفّ، في حين لا تلتزم الإدارة الأميركية بمعايير مناخية مماثلة، ولا الصين بمستوى مماثل من الرقابة.

ويُضاف إلى ذلك ثقل الضغط الانتخابي الذي كشفت عنه الانتخابات الأوروبية، وضغط جماعات الأعمال الكبرى التي يُشير تحليل منظمة «كوربورت يوروب أوبسرفاتوري» إلى أنها استأثرت بـ69 في المائة من اجتماعات المفوضية عام 2025، مقابل 16 في المائة فحسب لمنظمات المجتمع المدني. وهذا ما دفع أكثر من 360 منظمة مدنية إلى إصدار بيان مشترك، محذّرةً من أن «الأومنيبوس» يُعيد تأطير الشفافية والمساءلة البيئية بوصفهما عبئاً بيروقراطياً بدلاً من اعتبارهما ركيزةً للحوكمة. وذهب باحثون إلى أن الجزء الأكبر من التوفيرات المُعلنة لا يأتي من تبسيط الإجراءات، بل من تقليص النطاق، وإعفاء الشركات من الالتزام أساساً، وثمة فارق جوهري بين التبسيط الحقيقي والتراجع المُقنَّع.

بين السيادة الأوروبية... والبرغماتية

هذه المراجعات تُظهر، حقاً، أن أوروبا لم تعُد تتصرف كما لو أنها تملك رفاهية التشريع المثالي. فهي اليوم تُدير مرحلة برغماتية هدفها حماية وحدة السوق، وتخفيف الضغط على الصناعة، ومنع الانقسام بين دولها الأعضاء، غير أن البرغماتية ليست بلا ثمن. ذلك أن الاتحاد بنى نفوذه الدولي على كونه «حارس معايير» عالمياً في البيئة، وحماية البيانات، وحقوق العمال، والذكاء الاصطناعي. وهذه السمعة رأسمال دبلوماسي واقتصادي حقيقي يتآكل في كل مرة تتراجع فيها أوروبا عن مبدأ راسخ.

في المقابل، يرى المدافعون عن التبسيط أن أي «قاعدة لا تُطبَّق ليست قاعدة»، بل إنها وهم، وأن المعيار الذي تعجز الشركات والجهات الرقابية عن الامتثال له في مواعيده يُفضي إلى فوضى قانونية لا إلى حماية فعلية. ولقد عبّرت فون دير لاين عن هذه المعادلة الصعبة حين دعت في العاصمة الدنماركية كوبنهاغن خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 إلى «التبسيط وإزالة القواعد الزائدة» جاعلةً حزم «الأومنيبوس» النموذجَ المرجعي، في حين يرى المنتقدون أن الخط الفاصل بين إزالة البيروقراطية الزائدة وتفكيك الحماية الجوهرية أرقّ مما توحي به الخطب.

مرحلة جديدة تكتب بروكسل معادلتها الصعبة

في أي حال، المراجعات الجارية في المفوضية الأوروبية ليست مجرد تحديثات تقنية، بل هي محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين القانون، والاقتصاد، والسيادة في لحظة تاريخية فارقة... لحظة تتراجع فيها العولمة الليبرالية، وتتصاعد فيها الحماية الاقتصادية، ويُعاد فيها رسم خرائط النفوذين التكنولوجي والتجاري على مستوى العالم.

وعليه، فالنتيجة الأرجح هي دخول أوروبا مرحلة جديدة أقل مثالية، وأكثر حساباً، وربما أكثر تناقضاً بين ما تريده بوصفها قارةً معيارية تُصدّر قيمها إلى العالم، وما تسمح به باعتبارها قوةً اقتصادية تسعى إلى البقاء بتنافسية في عالم يزداد صلابة.

وبين هذين القطبين المتوترَين، تنسج بروكسل يومياً معادلتها الصعبة، لأن شكل القاعدة القانونية في المركز يُحدّد في نهاية المطاف شكل الحياة اليومية في باريس، وروما، وبرلين، ومدريد، وأثينا. وحينئذٍ تتحوّل السياسة من نصٍّ تفاوضي فوقي إلى تجربة ملموسة في الأسواق، والمصانع.


علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»
TT

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

عندما اقتلعت دبابة أميركية ضخمة يوم 9 أبريل (نيسان) عام 2003 تمثالاً ضخماً للرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، كان يتوسّط «ساحة الفردوس» لم يكن علي الزيدي قد بلغ سن «الرشد السياسي» آنذاك. إلا أن ذلك الشاب تحوّل فيما بعد إلى واحد من كبار أغنياء رجال المال والأعمال في «عراق ما بعد عام 2003»، مع أن سجلّ ولادته يشير إلى أنه ولد في إحدى قرى محافظة ذي قار بجنوب العراق يوم 1/5/1985. منظر تلك الدبابة الأميركية «استفز» قائد «القيادة الوسطى الأميركية» - آنذاك - الجنرال تومي فرانكس، الذي كان يراقب المشهد من قاعدة العُديد في قطر، بعدما شاهد جندياً أميركياً يلف سارية العلم العراقي بالعلم الأميركي. وهذا تصرّف رفضه فرانكس فوراً، فأمر بإنزال العلم الأميركي وتعويضه بالعلم العراقي الذي لا يزال حتى الآن مُختلفاً عليه مع أنه لا يزال يحمل عبارة «الله أكبر» التي كتبت بخط يد صدام حسين.

كان منظر اقتلاع التمثال مدهشاً سواءً للموالين لصدام حسين، الذين شاهدوا سقوط نظامه السريع بينما لا يزال البديل مجهولاً، أو لمعارضيه.

يومذاك كان المعارضون ينقسمون إلى «معارضات» حسب الدول التي أقاموا فيها بين الشرق والغرب. أيضاً لم يكن لبعضهم أي وزن سياسي بعد ما عرف مرة بـ«السقوط» ومرة بـ«التحرير» وثالثة بـ«الاحتلال»، وهو الوصف الذي اتفق عليه لأول مرة مع اختلاف المنطلقات والأهداف مؤيدو صدام ومعارضوه.

طالب الصفوف الثانوية

بين المؤيدين والمعارضين، لم يكن الشاب علي الزيدي في عام 2003 قد أكمل الدراسة الثانوية بعد. وكذلك ما كان قد تشكل طموحه السياسي في ظل فوضى «المحاصصة»، التي سرعان ما دمغت النظام السياسي المتشكل بعد عام 2003، وذلك عن طريق طبقة سياسية لم تكن من الناحية العملية بمثابة «آباء مؤسسين» لهذا النظام. وهذا، مع أنه يجري تداول هذا المصطلح على مستوى التوارث السياسي للسلطة بين الأجيال.

وحقاً، لم تكن ثمة فرصة للأجيال الجديدة في تولي السلطة في العراق، بعدما احتكرتها طبقة الجيل الأول من السياسيين العراقيين. وكان هؤلاء قد انتظموا أول الأمر فيما عُرف بـ«مجلس الحكم»، الذي تألف من 25 قيادياً سياسياً، طبقاً للمحاصصة العرقية والطائفية والدينية والمذهبية بقيادة الحاكم المدني الأميركي بول بريمر.

لذلك اتجه علي الزيدي ومعه عدد كبير من «مجايليه» الشبان بعد إكمال دراساتهم الأولية والجامعية إلى عالم المال والأعمال.

الدولة «مدينة» له!

ونجح الزيدي في عالم المال والاقتصاد والتجارة أيّما نجاح؛ إذ غدا، بمساعدة عائلته، من كبار الأثرياء في البلاد، وهذا إلى الحد الذي وجد معه أن الدولة التي يحتلّ المنصب التنفيذي الأول فيها - أي منصب «رئيس مجلس الوزراء» - مدينة له شخصياً بنحو ملياري دولار أميركي.

مع ذلك، حرص الزيدي على إكمال تحصيله الدراسي، فحصل على درجة الماجستير في تخصّص المالية والمصرفية، في أعقاب إنهائه المرحلة الجامعية الأولى بحصوله على درجتي بكالوريوس في المجال ذاته، إلى جانب الإجازة في القانون. ومنذ ذلك الحين عرف علي الزيدي بخبرته المهنية التي شملت تدرّجه في عدد من المناصب الإدارية والقيادية، منها تولّيه رئاسة مجالس إدارة كلٍّ من «الشركة الوطنية القابضة»، و«جامعة الشعب»، و«معهد عشتار الطبي»، إضافة إلى «مصرف الجنوب».

الزيدي... الشاب الذي اقتحم الحلبة

لقد وقف نوري المالكي، رئيس الوزراء الأسبق وأحد أبناء «الجيل الأول» من السياسيين العراقيين في حقبة ما بعد 2003، وهو ينظر إلى علي الزيدي، الذي لم يكن عام 2003 - وهي حقبة ما بعد سقوط صدام حسين ونظامه - قد بلغ سن الرشد السياسي بعد.

بيد أنه اليوم، وبحضور المالكي ومن معه من قيادات الصف الأول، يقف مكلّفاً بتشكيل حكومة عراقية هي التاسعة بعد التغيير عام 2003، بموجب مرسوم جمهوري من رئيس الجمهورية نزار آميدي.

في هذا السياق، الجميع يعرف أن إسقاط صدام حسين ما كان ليحصل لولا الولايات المتحدة الأميركية، التي - مع هذا - لم يستمر «شهر عسلها» مع القوى السياسية التي سلمتها واشنطن السلطة على طبق من فضة بعد مقتل أكثر من 5000 آلاف جندي أميركي وإنفاق عدة تريليونات من الدولارات. ذلك أن هذه القوى سرعان ما قلبت ظهر المِجَنّ لواشنطن، وبدأت عملية تداول «سلمي» وغريب للسلطة... تُدار عبر انتخابات يقتصر الاعتراف بنتائجها على تقاسم الوزارات، بينما يجري توزيع باقي المناصب طبقاً للمحاصصة العرقية والطائفية.

وللعلم، طوال العقدين الماضيين من الزمن، بدت الكفة الإيرانية التي تؤيد الطبقة السياسية الشيعية التقليدية هي الأكثر أرجحية مقابل «هزيمة» للأميركيين!

بطبيعة الحال، هذه المعادلة لم ترض الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترمب، الذي رفض ترشيح قوى «الإطار التنسيقي» الشيعية لنوري المالكي، الذي سبق له أن ترأس الحكومة العراقية لدورتين، بينما لم ينجح في نيل الثالثة بسبب «فيتو» المرجعية آنذاك، ثم واجه هذه المرة «فيتو» ترمب.

دور «فيتو» ترمب في ترئيس الزيدي

ترمب، فرض «الفيتو» أخيراً؛ لأنه أعرب دائماً عن ضيقه من الخسائر الأميركية التي ترتّبت على إسقاط صدام، وأيضاً غضبه من إحجام القيادات السياسية العراقية - لا سيما الشيعية منها - عن تقديم الشكر لواشنطن على ما يعدّه ترمب «عملاً كبيراً» قامت به القوات المسلحة، وكذلك المؤسسات السياسية في الولايات المتحدة، لصالحها.

وبالتالي، فإنه بعد «الفيتو» على تولي المالكي رئاسة الحكومة، عجزت القوى السياسية الشيعية عن الإتيان ببديل من داخلها، الأمر الذي مهّد الطريق أمام ما بات يسمى في العراق بـ«الإزاحة الجيلية»، الذي تقدَّمه هذه المرة رجل المال والأعمال علي الزيدي، الذي بات يحظى بقبول أميركي واسع النطاق، بينما تحاول إيران مُرغمة على الترحيب به.

وفي الحقيقة، الزيدي ليس فقط من خارج توليفة «الجيل الأول»، الذي يضم إلى جانب المالكي أشخاصاً كإياد علاوي، وإبراهيم الجعفري، وحيدر العبادي، وعادل عبد المهدي. بل، هو أيضاً ليس حتى من «الجيل» الذي تلاهم، ومنه مصطفى الكاظمي ومحمد شياع السوداني. إلا أنه يصطف مع الجيل الأول الذي تعامل مع مُرسي النظام السياسي الحالي؛ أي الحاكم الأميركي بول بريمر.

أكبر من إزاحة جيلية

مهما يكن من أمر، اقتحم علي الزيدي الحلبة متسلّحاً برؤية اقتصادية ومالية هي أهم ما يحتاج إليه العراق الآن، ولا سيما في أعقاب فشل ما يمكن تسميته تجاوزاً «جيل التأسيس» في بناء دولة قادرة على مواجهة التحديات الاقتصادية والمالية والتنموية.

إذ إن العراق لم يتمكن بعد من الخروج من «عنق زجاجة» المماحكات السياسية التي أثقلته بالمديونية، وبملايين الموظفين الذين يعتمدون على مبيعات النفط فقط. مع ذلك، فإن الزيدي، الذي اقتحم الحلبة بصورة مفاجئة، لا يبدو «طارئاً» على الجسم السياسي، وبالأخص بعد كل المباركات الداخلية والإقليمية والدولية التي حصل عليها.

ولا يبدو هذا التبادل للسلطة قسرياً من الظاهر، بل كل شيء جرى أمام كاميرات التلفزيون وسط تبادل للابتسامات والنظرات، وربما الحسرات المُضمرة، التي لم تكشف عنها «فلاشات» التصوير التي تطايرت أضواؤها في تلك اللحظة عند أول انتقال سلمي للسلطة، وهي التي لم يتداولها منذ عقدين ونيف من الزمن سوى مؤسسي الآيديولوجيات الحزبية... ببُعديها السياسي القومي والديني.

كسر القواعد والسياقات

بلا شك، هناك من يرى أن ما حصل تحوّل كبير كسر كل القواعد والسياقات، بل أيضاً القوالب التي بدت صامدة وصلدة ومحمية، طوال 23 سنة من عمر هذا النظام السياسي.

وطبقاً للنتائج والمعطيات، فإن ما حصل لانتقال السلطة، وبهذه الطريقة من صراع بين كبار آيديولوجيّي ومؤدلجي هذه السلطة بزعاماتها التاريخية والجغرافية والطبقية والمناطقية، بدا مفاجئاً. لكنه جاء أيضاً سلساً إلى جيل الأبناء، وإن كان هذه المرة من خارج «النموذج» السياسي.

ليس هذا فقط. بل هناك ما هو لافت أكثر؛ فمن المعروف أن واشنطن هي التي جاءت بـ«الجيل الأول» - أو «جيل الآباء» - من الطبقة السياسية التي أخفقت في تأسيس نظام خارج «المحاصصة» وتوزيع المغانم. ولكن الرئيس ترمب، الذي لديه ملاحظات على طريقة «تحرير» العراق أيام كانت مفردة «التحرير» تحتل كل القواميس، أو «احتلال» العراق التي باتت هي المفردة الأكثر تداولاً فيما بعد، يرى أن التغيير الحالي من «جيل الآباء إلى جيل الأبناء إنما تحقق بمساعدته أيضاً».

ماذا يعني هذا؟ إنه يعني أكبر من مجرد «إزاحة جيلية»، بل يثبت أن واشنطن... هي اللاعب الأساسي في تقرير من يحكم العراق. أنها، كما جاءت بـ«الجيل الأول» ها هي نفسها تأتي بـ«جيل الأبناء»، وهذه المرة خروجاً من خارج دهاليز السياسة... إلى قلب مصالح المال والأعمال.


الفرص والتحديات أمام رئيس الحكومة العراقية العتيد

لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)
لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)
TT

الفرص والتحديات أمام رئيس الحكومة العراقية العتيد

لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)
لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)

لم يتأخر الرد الإيراني على ما صدر عن الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن تكليف علي الزيدي بتشكيل الحكومة العراقية المقبلة. وللعلم، من المقرر أن ينال الزيدي، هذا الأسبوع، تأكيدات راسخة من البرلمان العراقي حيال ترؤس الحكومة العراقية التاسعة بعد عام 2003.

هذا، وفي حين أقرّت الولايات المتحدة، ومعها حليفتها بريطانيا، بعد مرور أقل من شهر على غزو العراق واحتلاله يوم 9 أبريل (نيسان) 2003، بأنهما «قوتا احتلال» وفق القانون الدولي، تغير الحال؛ إذ بعد ذلك، فرغت إيران من ترتيب أوراقها في العراق، وأحكمت سيطرتها على جميع مفاصل السلطة عن طريق قوى المعارضة - الشيعية، بالذات - التي تسلّمت السلطة. وسرعان ما بات يطلق على الوجود الأميركي في العراق مسمى «احتلال» يتطلب المقاومة لإخراجه.

في ضوء ذلك، تشكلت «قوى السلاح»، التي لا تزال ترفع شعار المقاومة رغم تغير الحكومات وخروج القوات الأميركية من العراق عام 2011، ثم عودتها إلى عام 2014 بطلب من الحكومة العراقية بعد احتلال تنظيم «داعش» ثلث الأراضي العراقية.

وعلى الرغم من استمرار الجدل والخلاف بين واشنطن وطهران في شأن العراق، وانقسام القوى السياسية العراقية بين مؤيد بالكامل لإيران، وهي «قوى السلاح» وعدد كبير من القوى الشيعية، فإن الكرد والسنّة ما زالوا في مرحلة انعدام الوزن نتيجة عجزهم عن الموازنة في العلاقة بين واشنطن وطهران مرة، وبغداد مرة ثالثة، حتى اليوم.

ولكن الواضح أنه بدأت ملامح علاقة جديدة تترسم في الأفق على صعيد العلاقة بين واشنطن وطهران بعد حربي «الـ12 يوماً» عام 2025 والحرب الراهنة مع الوقف الهشّ لإطلاق النار. فللمرة الأولى تلوح في الأفق ملامح «حالة جديدة» تتشكل داخل العراق... جوهرها تراجع النفوذ الإيراني لصالح واشنطن في عهد دونالد ترمب.

ترمب (آ ب)

ويتمثل هذا من ناحية في رجحان كفة الحرب الراهنة لصالح واشنطن على أذرع طهران في المنطقة - ومنها «قوى السلاح» في العراق - التي بدأت تتلقى ضربات عنيفة، ومن ناحية ثانية في عجز القوى الشيعية القريبة من طهران من تشكيل حكومة عراقية على هواها أو هوى العاصمة الإيرانية... وبخاصة بعد «الفيتو» الذي فرضه الرئيس الأميركي على نوري المالكي لتشكيل الحكومة.

بالتالي، في حين بدا وصول شاب في الأربعينات من عمره، أي الزيدي، إلى منصب رئيس الوزراء - أهم منصب تنفيذي في العراق، وهو الذي احتكرته منذ عام 2003 وإلى اليوم القيادات الشيعية - أمراً مفاجئاً، فإن الأمور لا تزال قليلة الوضوح. فالزيدي، وفق مراقبين، في حالة من انعدام الوزن تتمثل بكون تكليفه «فرصة» له للنجاح بسبب خلفيته الاقتصادية، وبكون التكليف «تحدّياً» تؤكّده الرسائل الموجّهة إليه من الرئيس ترمب ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان.

طهران، كما يبدو، اختارت خوض «معركة دبلوماسية» مع واشنطن عبر بغداد برسائل «شديدة الانفجار»، بعدما كشفت الرئاسة الإيرانية عن مضمون المكالمة الهاتفية التي أجراها بزشكيان مع الزيدي بعد نحو أسبوعين على ترشيحه. وبينما سارع ترمب إلى تهنئة الزيدي بعد أيام قليلة على تكليفه، فإن بزشكيان لم يكتف بتهنئة الزيدي، بل كتب في تدوينة على منصة «إكس» عبارة «نحن المسلمين قد خضعنا سابقاً؛ خضعنا للقدير المتعال، ولا أحد غيره يستطيع أن يُخضعنا». وأضاف في حديث هاتفي مع الزيدي، «شددتُ على ضرورة نصح المسؤولين الأميركيين بسحب التهديد العسكري من منطقتنا؛ لأنه لا يمكن إخضاع أتباع المذهب الشيعي».