تعاون سعودي - إيطالي لتمكين السلطة الفلسطينية وفق حل الدولتين

تشديد على ربط ترتيبات ما بعد الحرب بحل ينهي الاحتلال

الوزير أنطونيو تاياني مستقبلاً الأمير فيصل بن فرحان في روما الخميس (الخارجية السعودية)
الوزير أنطونيو تاياني مستقبلاً الأمير فيصل بن فرحان في روما الخميس (الخارجية السعودية)
TT

تعاون سعودي - إيطالي لتمكين السلطة الفلسطينية وفق حل الدولتين

الوزير أنطونيو تاياني مستقبلاً الأمير فيصل بن فرحان في روما الخميس (الخارجية السعودية)
الوزير أنطونيو تاياني مستقبلاً الأمير فيصل بن فرحان في روما الخميس (الخارجية السعودية)

قالت السعودية وإيطاليا، الخميس، إنهما تبحثان أوجه التعاون الفاعلة لتمكين السلطة الفلسطينية بناءً على حل الدولتين، وبما يتوافق مع رؤية البلدين في إحلال السلام والأمن بالمنطقة وخارجها.

وأكد وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، ونظيره الإيطالي أنطونيو تاياني، التزامهما بتحقيق سلام عادل وآمن وشامل ومستدام في الشرق الأوسط، وذلك عبر بيان مشترك عقب جلسة مباحثات رسمية استضافتها روما.

ودعا الوزيران إلى الوقف الفوري للحرب في غزة والإفراج الفوري عن جميع الرهائن، معربين عن إدانتهما أي إجراءات أحادية الجانب أو أعمال عنف في الضفة الغربية من شأنها أن تقوض حل الدولتين.

كما دعا البيان للسماح بوصول المساعدات الإنسانية والإمدادات الحيوية دون قيود إلى جميع أنحاء قطاع غزة، فضلاً عن رفع القيود عن جميع إيرادات المقاصة الفلسطينية المحتجزة.

وجدَّد الوزيران رفضهما القاطع لأي تهجير للسكان الفلسطينيين تحت أي ذريعة، والتأكيد على وجوب الالتزام الكامل بمبدأ عدم التهجير والطرد.

الوزير أنطونيو تاياني والأمير فيصل بن فرحان خلال مؤتمر صحافي في روما الخميس (الخارجية السعودية)

وشدَّد البيان على أن أي ترتيبات لما بعد الحرب، يجب أن ترتبط ارتباطاً وثيقاً بتنفيذ واضح ومحدد زمنياً يفضي لحل سياسي ينهي الاحتلال، ويحقق سلاماً عادلاً وشاملاً.

وشهدت جلسة المباحثات مناقشة أهمية مواصلة العمل والتنسيق تجاه جميع القضايا الإقليمية والدولية، ودعم التوصل إلى الحلول السلمية وإنهاء النزاعات، لا سيما في غزة، وأهمية اتخاذ جميع الخطوات والتدابير لإدخال المساعدات الإغاثية والإنسانية إلى القطاع بالتعاون الكامل مع الآليات الدولية.

ونوَّه وزير الخارجية السعودي خلال مؤتمر صحافي مشترك، بأن حل الدولتين هو السبيل الوحيد لتحقيق السلام بالمنطقة، موضحاً أن هناك توافقاً بين الرياض وروما بشأن ضرورة وقف إطلاق النار في غزة، وإفساح المجال أمام الحوار السياسي، بما يضمن إنهاء معاناة المدنيين وفتح الطريق أمام حل شامل.

بدوره، أكّد تاياني دعم بلاده للمبادرات السعودية والدولية الهادفة لوقف إطلاق النار في غزة، والتزامها بـ«حل الدولتين» بوصفه خياراً أساسياً لتحقيق الأمن والاستقرار بالشرق الأوسط، مشدداً في الوقت نفسه على ضرورة الالتزام بالقانون الدولي الإنساني، وضمان تدفق المساعدات إلى السكان المدنيين في القطاع.


مقالات ذات صلة

«stc» تحتفي باليوم الوطني بموروث مناطق المملكة وتجارب تفاعلية

عالم الاعمال تواصل مجموعة stc فعالياتها بمناسبة اليوم الوطني السعودي الـ96 (الشرق الأوسط)

«stc» تحتفي باليوم الوطني بموروث مناطق المملكة وتجارب تفاعلية

تواصل مجموعة stc، لليوم الثالث على التوالي، فعالياتها بمناسبة اليوم الوطني السعودي الـ96.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج وزراء خارجية السعودية ومصر وباكستان وتركيا في صورة جماعية عقب اجتماعهم في مدينة نيويورك الأربعاء (واس)

«بيان رباعي» من نيويورك يندد بالاعتداء الحوثي على السعودية

شدد وزراء خارجية السعودية ومصر وباكستان وتركيا، الأربعاء، على أن الحوار والدبلوماسية يمثلان السبيل الوحيد للوصول إلى حلول مستدامة في المنطقة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد مركز الملك عبد الله المالي (كافد)

السعودية تستهدف 72.3 مليون دولار للمنتجات المحلية

تتجه هيئة المحتوى المحلي السعودية لإضافة 81 منتجاً جديداً إلى القائمة الإلزامية للمنتجات الوطنية، بما تستفيد منها 77 مصنعاً بإنفاق حكومي يبلغ 72.3 مليون دولار.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد عاملان ضمن موقع بناء بمشروع في العاصمة السعودية الرياض (أ.ف.ب)

تكاليف البناء في السعودية ترتفع 2.3 % خلال أغسطس

كشفت بيانات الهيئة العامة للإحصاء، اليوم (الثلاثاء)، عن ارتفاع الرقم القياسي لتكاليف البناء في السعودية بنسبة 2.3 في المائة خلال أغسطس (آب) 2026.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص التدخل البشري لا يزال ضرورياً في القرارات الحساسة والقطاعات المنظمة (أدوبي)

خاص التحدي المقبل: كيف نفهم قرارات وكلاء الذكاء الاصطناعي قبل منحهم مزيداً من الصلاحيات؟

تبحث المؤسسات عن توازن بين استقلالية وكلاء الذكاء الاصطناعي، والمخاطر مع استمرار التدخل البشري، وأهمية الرؤية الكاملة للبيانات.

نسيم رمضان (دنفر - الولايات المتحدة)

السعودية تكتب فصلاً جديداً في مسيرة الطاقة... إرث نفطي وطموح نووي

صورة أرشيفية لمضخة استخراج النفط في السعودية (واس)
صورة أرشيفية لمضخة استخراج النفط في السعودية (واس)
TT

السعودية تكتب فصلاً جديداً في مسيرة الطاقة... إرث نفطي وطموح نووي

صورة أرشيفية لمضخة استخراج النفط في السعودية (واس)
صورة أرشيفية لمضخة استخراج النفط في السعودية (واس)

حين تدفّق النفط من بئر الدمام رقم 7 عام 1938، كانت السعودية قد مضى على إعلان توحيدها نحو ستة أعوام، وكان البحث عن موارد تعين على بناء الدولة حاضراً في قرارات مؤسسها الملك عبد العزيز. وبعد سنوات من التنقيب والانتظار، حملت البئر، التي عُرفت لاحقاً باسم «بئر الخير»، بداية تحوّل اقتصادي امتد أثره إلى حياة الناس، وإلى المدن التي اتسعت، والطرق التي وصلت أطراف البلاد.

واليوم، فيما تستقبل المملكة يومها الوطني السادس والتسعين، تتسع حكاية الطاقة لتشمل صناعة النفط والغاز، ومشروعات الشمس والرياح، وآفاق الاستخدام السلمي للطاقة النووية. وتستعيد البلاد هذه الرحلة في عام أظهرت فيه اضطرابات الإمداد خلال الحرب مع إيران قيمة ما بنته من منشآت ومنافذ تصدير بديلة، برز معها «ينبع» على ساحل البحر الأحمر بوصفه أحد المواقع التي أسهمت في استمرار وصول النفط السعودي إلى الأسواق.

البئر التي فتحت الطريق

بدأت إحدى المحطات الحاسمة في هذه الرحلة بتوقيع امتياز التنقيب عام 1933 مع شركة «ستاندرد أويل أوف كاليفورنيا». وفتح القرار مجالاً لاستكشاف ثروات لم تكن حدودها معروفة، في دولة وضعت التوحيد أساساً لبناء مؤسساتها وتوسيع مواردها. غير أن الوصول إلى النفط بكميات تجارية تطلَّب سنوات من العمل، تخلّلتها نتائج محدودة وأعطال فنية وضغوط بسبب تكلفة التنقيب.

وتحفظ الرواية التاريخية المنشورة في «أرامكو وورلد» تفاصيل من تلك الصعوبات؛ من تعثّر أدوات الحفر وتساقط الصخور داخل البئر، إلى القلق المتزايد بشأن جدوى مواصلة الإنفاق. وفي تلك الأجواء، تمسّك الجيولوجي ماكس ستاينكي بقناعته بأن الاستمرار يستحق المحاولة، مستنداً إلى ما جمعه من شواهد خلال عمله الميداني. وجاءت اختبارات مارس (آذار) 1938 لتثبت وجود إنتاج تجاري، وتفتح الطريق أمام التوسع.

وحول مواقع التنقيب، أخذت تنشأ متطلبات حياة وعمل جديدة. احتاجت الآلات إلى صيانة، واحتاج العاملون إلى مساكن وماء وطرق، واتسعت الحاجة إلى التدريب والنقل والخدمات. ومن هذه التفاصيل اليومية يمكن قراءة جانب من التحوّل؛ إذ دخل السعوديون أعمالاً ومهارات ارتبطت بالصناعة الحديثة، وأصبحت الخبرة التي يكتسبها العامل في موقعه جزءاً من الثروة التي تتراكم فوق الأرض.

جانب من العمل في محطة سكاكا لإنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية (واس)

صناعة تتسع وخبرة تتراكم

ومع تعاقب العقود، تطورت الصناعة، واتسع الحضور السعودي في إدارتها. واكتملت ملكية الحكومة لأرامكو عام 1980، ثم تأسست شركة الزيت العربية السعودية «أرامكو السعودية» عام 1988. وحملت هذه المسيرة انتقالاً في المسؤولية والقدرة على إدارة الموارد، بالتوازي مع نمو أعمال التكرير والتسويق والاستثمار في الخارج.

وأصبح للبرميل امتداد داخل الاقتصاد؛ من تشغيل المصافي إلى الصناعات التي تستخدم مشتقاته، وما يتصل بها من مقاولات وخدمات هندسية. ومع توسّع هذه الأنشطة، ازدادت أهمية الجامعات والتدريب المهني والبحث التطبيقي، بما يجعل المعرفة المحلية قادرة على تشغيل المنشآت وتطويرها. فالقدرة على إدارة حقل أو مصفاة تتراكم عبر سنوات من العمل، ثم تنتقل من جيل إلى آخر داخل المؤسسة.

ينبع في اختبار الحرب

وخلال الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران في 2026، أظهرت اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز أهمية تعدّد منافذ التصدير. وأوردت وكالة «رويترز»، في الثاني من أبريل (نيسان)، أن صادرات الخام السعودي عبر ينبع ارتفعت إلى نحو 4.6 مليون برميل يومياً مع تحويل مسارات الشحن. وجاء ذلك في وقت اضطرت فيه دول منتجة، بينها السعودية، إلى خفض الإنتاج بسبب تعطل المرور عبر المضيق.

واستندت هذه الاستجابة إلى خط أنابيب «شرق - غرب» ومرافق التخزين والتصدير التي أُنشئت وطُوّرت على مدى عقود. وأتاحت هذه المنظومة نقل جانب كبير من الإمدادات إلى البحر الأحمر، فظهرت القيمة العملية للاستثمار في منفذ بديل يستطيع استقبال النفط وتخزينه وتحميله عندما يتعثر المسار المعتاد. واستفادت المملكة بذلك من امتدادها بين ساحلين، ومن البنية التي تصل مناطق الإنتاج بمنافذ التسويق.

وفي بيان نتائج النصف الأول من 2026، أوضح رئيس أرامكو وكبير إدارييها التنفيذيين أمين الناصر، أن التخطيط الممتد لعقود، بما يشمله من خطوط أنابيب وتخزين ومرافئ، ساعد الشركة على مواصلة الإنتاج والتصدير رغم اضطرابات هرمز. وأعلنت «أرامكو» صافي دخل معدّلاً بلغ 67.2 مليار دولار للنصف الأول، وهو مؤشر إلى قدرتها المالية خلال تلك الفترة المضطربة.

صورة أرشيفية لمرافق التخزين والأرصفة في ميناء الملك فهد الصناعي بينبع (واس)

وتقدّم تجربة ينبع مثالاً ملموساً على مرونة قطاع الطاقة السعودي؛ فقد مكّنت الاستثمارات السابقة من الحد من تعطل الإمدادات، وأبقت جزءاً مهماً من النشاط التجاري قائماً تحت الضغط. وتظل الحرب مكلفة للإنتاج والنقل والأسواق، فيما تساعد البدائل الجاهزة على احتواء بعض آثارها، وتمنح إدارة الاقتصاد مجالاً أوسع للتعامل مع الصدمات.

خيارات أوسع للطاقة

وتوازي المحافظة على قدرات الصناعة النفطية خطوات لتنويع مصادر الطاقة؛ ففي يوليو (تموز) 2025، أُعلنت اتفاقات شراء طاقة لمشروعات شمسية ورياح بقدرة إجمالية تبلغ 15 غيغاواط، باستثمارات تقارب 8.3 مليار دولار، عبر تحالف تقوده «أكوا باور». وتأتي هذه المشروعات في سياق استهداف توليد نحو نصف الكهرباء من مصادر متجددة بحلول 2030، بما يوسّع الاستفادة من موارد الشمس والرياح في المملكة.

ويشمل التوسع قطاع الغاز أيضاً؛ إذ أفادت نتائج «أرامكو» للنصف الأول من 2026 باستمرار إنتاج المرحلة الأولى من الجافورة من غاز البيع والمكثفات، ومواصلة أعمال المرحلة الثانية المتوقع إنجازها في 2027. ويضيف تطوير الغاز مورداً يمكن توظيفه في توليد الكهرباء والصناعة، ويمنح منظومة الطاقة خيارات أوسع لتلبية الطلب المحلي.

وتحمل هذه الاستثمارات أثراً يتجاوز مواقع التوليد نفسها؛ فالمشروعات تحتاج إلى شبكات تنقل الكهرباء، ومورّدين يوفّرون المعدات، وكفاءات تتولى التشغيل والصيانة. وتزداد قيمة التنويع حين يرتبط ببناء هذه القدرات داخل المملكة، وبتوسيع مشاركة المنشآت المحلية في الأعمال، بحيث يرافق نمو الإمدادات نموٌّ في الخبرة والفرص الاقتصادية.

آفاق التقنية النووية

وفي هذا السياق، تبرز الطاقة النووية السلمية ضمن الخيارات التي تعمل السعودية على تطويرها لتلبية احتياجاتها المستقبلية. وتتيح هذه التقنية إنتاج كهرباء منخفضة الانبعاثات الكربونية؛ إذ تُستخدم الحرارة الناتجة من الانشطار النووي في تشغيل منظومة توليد الكهرباء. وبحسب الوكالة الدولية للطاقة الذرية، فإن تشغيل المحطات النووية لا يُنتج عملياً انبعاثات ثاني أكسيد الكربون التي تصاحب حرق الوقود الأحفوري.

ويحتاج بناء برنامج نووي إلى إعداد طويل، يشمل الكوادر والتراخيص والرقابة، وترتيبات الوقود وإدارة النفايات المشعّة. وتوفّر الوكالة الدولية إرشادات ومراجعات للدول التي تطوّر برامجها، بما يساعدها على بناء المؤسسات والخبرات اللازمة. ومن هنا، يرتبط الطموح السعودي في هذا المجال بامتلاك القدرة على إدارة التقنية واستيعاب متطلباتها على امتداد عمر المشروع.

شراكة سعودية - أميركية

وضمن الشراكات التي تخدم هذا المسار، حملت الزيارتان المتبادلتان للرئيس الأميركي دونالد ترمب وولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان محطات للتعاون. ففي زيارة ترمب إلى الرياض في مايو (أيار) 2025، شملت المباحثات ملفات الطاقة والتقنية والمعادن والبنية التحتية. ثم شهدت زيارة ولي العهد إلى واشنطن في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام نفسه إعلان استكمال مفاوضات التعاون في الطاقة النووية المدنية، إلى جانب اتفاقات في مجالات أخرى.

وفي 22 يوليو (تموز) 2026، أعلنت وزارة الطاقة الأميركية توقيع اتفاق للتعاون النووي السلمي، المعروف باتفاق «المادة الـ123»، بين وزير الطاقة ووزير الصناعة والثروة المعدنية الأمير عبد العزيز بن سلمان، ووزير الطاقة الأميركي كريس رايت. وأفاد البيان بأن الاتفاق يضع أساساً قانونياً لشراكة طويلة الأمد، وذكر أنه سيُحال إلى الكونغرس للمراجعة. وتندرج هذه الخطوة ضمن مراحل تأسيس التعاون، تمهيداً لما قد يتبعها من مشروعات وترتيبات تنفيذية.

وتكتسب هذه الشراكات قيمتها بقدر ما تتيحه من وصول إلى التقنيات والخبرات، وما تسهم به في تطوير القدرات السعودية. فالمشروع الذي يبدأ باتفاق يحتاج، عند تنفيذه، إلى مؤسسات وكفاءات تستطيع تحويله إلى إنتاج وخدمات، وربطه باحتياجات الاقتصاد المحلي.

امتداد لحكاية الاستدامة

وفي هذه الرحلة، تبقى الخبرة السعودية عنصراً يصل المراحل ببعضها؛ من العامل الذي تعلّم صيانة معدات الحفر، إلى المهندس الذي يدير شبكة الإمداد، والباحث الذي يستعد لتطبيقات جديدة للطاقة. وكلما اتسعت قدرة المؤسسات على إعداد هؤلاء وتأهيل مَن يأتي بعدهم، اتسعت قدرتها على الاستفادة من الموارد ومواجهة التغيرات.

وتستحضر السعودية في يومها الوطني «بئر الخير» بوصفها بداية فصل اقتصادي مهم في دولة سبق أن وحّدت أرضها. وبعد ثمانية وثمانين عاماً على الاكتشاف، تظهر ثمار تلك الرحلة في صناعة متكاملة، ومنافذ تصدير برهنت على أهميتها وقت الأزمات، ومصادر جديدة يجري تطويرها. وتواصل البلاد، بما راكمته من خبرة، كتابة الفصل التالي من حكاية الطاقة، وتوسيع ما تمنحه هذه الحكاية لأجيالها المقبلة.


السعودية تحتفي بيومها الوطني باقتصاد رقمي يقارب سُدس ناتجها

الملك سلمان من الرياض يرأس القمة الافتراضية الاستثنائية لقادة مجموعة العشرين خلال جائحة «كورونا» (واس)
الملك سلمان من الرياض يرأس القمة الافتراضية الاستثنائية لقادة مجموعة العشرين خلال جائحة «كورونا» (واس)
TT

السعودية تحتفي بيومها الوطني باقتصاد رقمي يقارب سُدس ناتجها

الملك سلمان من الرياض يرأس القمة الافتراضية الاستثنائية لقادة مجموعة العشرين خلال جائحة «كورونا» (واس)
الملك سلمان من الرياض يرأس القمة الافتراضية الاستثنائية لقادة مجموعة العشرين خلال جائحة «كورونا» (واس)

حين توحَّدت أجزاء البلاد، كانت المسافات تُقاس بأيام السفر، وكانت البرقية إحدى وسائل الدولة في وصل أطرافها. اليوم، بينما تستقبل السعودية يومها الوطني، تنتقل المعلومات في أجزاء من الثانية، ويُنجز المواطن عبر هاتفه ما كان يستدعي رحلةً وملفاً وانتظاراً، وخلف هذا المشهد اليومي، اتسع حضور الاقتصاد الرقمي حتى بلغت مساهمته نحو 16 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في 2025، بحسب وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات السعودية، بما يقارب سُدس الاقتصاد السعودي.

ويأتي الاحتفال باليوم الوطني في عام اختارت له السعودية مسمى «عام الذكاء الاصطناعي»، ليجمع بين استحضار مسيرة التوحيد، والنظر إلى مصادر القوة الاقتصادية المقبلة. ويستند التحول الراهن إلى مسيرة تنموية قادها الملك سلمان وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وجعلت التقنية حاضرة في كفاءة الحوكمة، ونمو الأعمال، وتأهيل الإنسان، وفي طموح المملكة إلى امتلاك حصة أكبر من صناعة المعرفة.

في أبريل (نيسان) 2016، أقرَّ مجلس الوزراء السعودي برئاسة الملك سلمان «رؤية السعودية 2030»، التي قاد ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إعدادها ومتابعة تنفيذها. وأعطت الرؤية للتحول الرقمي موقعاً ضمن مشروع أوسع لتنويع الاقتصاد ورفع كفاءة الإنفاق والخدمات، فارتبط الاستثمار في الشبكات بإصلاح الإجراءات، وتطوير الأنظمة، وفتح المجال أمام القطاع الخاص. ومع تراكم هذه المسارات، أصبح في وسع الجهات أن تبني خدمات تتصل ببعضها، وأن تقيس ما توفره للمستفيد من وقت وجهد.

من حفل وضع حجر الأساس لمركز بيانات «هيكساجون» في الرياض بطاقة مخططة تبلغ 480 ميغاواط (واس)

وجاءت جائحة «كورونا» لتضع تلك الاستثمارات أمام اختبار عملي، ففي الـ26 من مارس (آذار) 2020، ترأس الملك سلمان من الرياض القمة الاستثنائية الافتراضية لقادة مجموعة العشرين. فبينما كانت قيود الحركة تغلق المطارات وقاعات الاجتماعات حول العالم، حملت الشاشة يومها مشهداً دبلوماسياً استثنائياً، وأظهرت قدرة البنية الرقمية على دعم استمرار العمل والتواصل حين يتعذَّر اللقاء المباشر.

وفي العام نفسه، ربط ولي العهد الأمير محمد بن سلمان الاستراتيجية الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي بطموح أن تصبح بلاده نموذجاً عالمياً في هذا المجال، ثم توالت المبادرات والمؤسسات والشركات، وصولاً إلى موافقة مجلس الوزراء السعودي في مارس الماضي على تسمية 2026 «عام الذكاء الاصطناعي». وتكشف هذه الاستمرارية تحوّل التوجهات الكبرى إلى برامج تتوزع على الحكومة والاستثمار والتعليم، وتلتقي عند توسيع القدرة الوطنية على إنتاج التقنية واستخدامها.

يمكن للقارئ أن يتتبع هذا التحوّل في تجديد وثيقة عبر منصة «أبشر»، ومتابعة إجراء عدلي عبر «ناجز»، والدخول إلى خدمات جهات متعددة باستخدام «نفاذ». وقد غيَّرت هذه الخدمات علاقة المستفيد بالخدمة، فأصبحت معاملات كثيرة متاحة خارج ساعات العمل الحكومي والخاص، وتراجعت الحاجة إلى حمل المستندات بين المكاتب، وأصبح الوصول إلى الإجراء أيسر على مَن يسكن بعيداً عن مقار الجهات.

وامتدت التجربة إلى الصحة، عبر خدمات «صحتي»، وإلى الوثائق والخدمات التي تجمعها منصة «توكلنا». وخلف كل خطوة يراها المستخدم على الشاشة، توجد أعمال أقل ظهوراً، تشمل ربط السجلات، والتحقق من الهوية، وحماية المعلومات، وضمان استمرار التشغيل. ومن هنا اكتسبت الحكومة الرقمية أثراً اقتصادياً، فهي تختصر تكلفة المعاملة على الفرد والمنشأة، وتخلق طلباً على البرمجيات والأمن والتشغيل والخبرات السعودية.

وفي المتاجر، غيَّرت المدفوعات الإلكترونية جانباً من حركة البيع، وساعد تكامل الدفع والتوصيل والمنصات على اتساع التجارة الإلكترونية، وبات في مقدور منشأة صغيرة أن تعرض منتجاتها لعملاء خارج الحي والمدينة، وأن تدير مخزونها ومدفوعاتها بأدوات رقمية. هذه الاستخدامات تفسّر كيف يصل الاقتصاد الرقمي إلى أنشطة التجارة والنقل والمال والصحة، وكيف يتجاوز أثره حدود الشركات التي تحمل صفة تقنية.

وتقدر وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات السعودية حجم سوق الاتصالات وتقنية المعلومات في المملكة بنحو 53 مليار دولار (199 مليار ريال) خلال عام 2025. ويختلف حجم سوق الاتصالات وتقنية المعلومات عن مساهمة الاقتصاد الرقمي في الناتج المحلي؛ إذ يشمل الأخير أنشطة رقمية تمتد إلى قطاعات اقتصادية متعددة. ويظهر هذا التأثير في توسّع استخدام الشركات للشبكات والبرمجيات والخدمات الرقمية، بما يساعدها على زيادة الإنتاج والوصول إلى العملاء. وتستفيد المنشآت الصغيرة والمتوسطة بشكل خاص من هذا التحوّل، من خلال حصولها على أدوات وتقنيات كانت في السابق تحتاج إلى استثمارات وخبرات أكبر.

مؤسسات تحرس الثقة... وتربط الخدمة

واقتضى اتساع هذا النشاط بناء مرجعيات تنظّم علاقاته وتحميه، فتولت الهيئة الوطنية للأمن السيبراني دور المرجع الوطني في شؤون الأمن السيبراني. وجاءت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، لتقود شؤون البيانات والذكاء الاصطناعي، بينما تعمل هيئة الحكومة الرقمية على تنظيم الأعمال الرقمية الحكومية وتطوير تكاملها. ومن خلال تكامل هذه الأدوار، تتصل الخدمة بالهوية والبيانات والحماية، وتزداد قدرة الجهات على بناء تجارب موثوقة للمستفيدين.

ولهذا التحول عنوان مكاني أيضاً. ففي شمال العاصمة الرياض، تجمع «المدينة الرقمية» أبراجاً ومقار جهات وشركات، من بينها وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات السعودية. ويمنح هذا الحضور العمراني صورة محسوسة لاقتصاد تجري فيه معاملات كثيرة دون الحاجة إلى ورق. فخلف الخدمات فرق تعمل، وشركات تتجاور، وبيئة تحتاج إليها صناعة تعتمد على تبادل المعرفة وتكامل التخصصات.

جانب من أروقة مؤتمر «ليب 2026» في الرياض (واس)

شركات سعودية تبني القدرة على الإنتاج

ومع نضوج السوق، اتجهت الاستثمارات إلى بناء قدرات وطنية في مراحل متعددة من الصناعة الرقمية، وهنا يبرز دور صندوق الاستثمارات العامة السعودي، برئاسة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، في تأسيس شركات تستهدف فرصاً تتصل بالتنويع الاقتصادي. وتوضح الشركة السعودية لتقنية المعلومات (سايت) جانباً من هذا المسار، من خلال عملها في الحلول التقنية الآمنة والأمن السيبراني والخدمات السحابية، إذ تصبح الخبرة في حماية الأنظمة وتشغيلها مجالاً للأعمال والتأهيل وتطوير المنتجات.

أما شركة «هيوماين» التي أُطلقت في مايو (أيار) 2025، ويرأس مجلس إدارتها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، فتعمل على وصل مراكز البيانات والحوسبة السحابية بالنماذج والتطبيقات. ويشمل هذا المسار نماذج لغوية مثل «علّام»، وتطبيقات للمحادثة مثل «هيوماين تشات»، وبناء شراكات مع شركات التقنية العالمية. وتكتسب اللغة العربية هنا بعداً اقتصادياً، فالقدرة على فهمها ومعالجة محتواها تساعد على تطوير خدمات تلائم احتياجات المؤسسات والمستخدمين، وتوسّع حضور المعرفة العربية في منتجات الذكاء الاصطناعي.

ويتطلب تطوير هذه المنتجات عملاً بحثياً على جودة البيانات ودقة الإجابات وفهم السياقات المحلية، إلى جانب اختبار الاستخدام في المؤسسات، وهذا يفتح مجالاً لتعاون الباحثين والجامعات والقطاع الخاص، ولتحويل المعرفة المتخصصة في الصحة والصناعة والخدمات إلى تطبيقات نافعة، كما يمنح الاستثمار في اللغة فرصة لبناء خبرات سعودية يمكن أن تخدم أسواقاً عربية أوسع.

خلف الإجابة السريعة... صناعة كاملة

وراء خدمات الذكاء الاصطناعي التي تبدو سهلة على شاشة الهاتف، تقف تجهيزات وخبرات واسعة، فالإجابة التي تظهر خلال ثوانٍ تستند إلى معالجات وشبكات وتخزين وكهرباء وتبريد. ومن هنا تتقدَّم مراكز البيانات بوصفها بنيةً أساسيةً لاقتصاد الذكاء الاصطناعي. وتراهن المملكة في استقطابها على توافر الطاقة ورأس المال والموقع والطلب المحلي المتنامي، مع بناء شراكات تتيح الوصول إلى التقنيات المتقدمة.

وفي الرياض، تم مطلع هذا العام وضع حجر أساس مركز بيانات «هيكساجون» التابع لـ«سدايا» بطاقة مخططة تبلغ 480 ميغاواط. ويُعبِّر المشروع، الذي بلغ مرحلة التنفيذ، عن حجم التَّوسُّع المستهدف في استضافة الأنظمة والقدرات الحاسوبية. كما يوضِّح أن تطوير الحكومة الرقمية والذكاء الاصطناعي يستدعي استثمارات مادية كبيرة، تتكامل فيها أعمال البناء والطاقة والاتصالات والتشغيل المتخصص.

وتستعد السوق خلال الأشهر المقبلة لاتساع خيارات الحوسبة السحابية المحلية. فقد أعلنت شركة «مايكروسوفت» إتاحة منطقة مراكز البيانات «السعودية الشرقية» اعتباراً من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، بينما أكدت شركة «أمازون ويب سيرفيسز (AWS)» إطلاق منطقتها السحابية الأولى في المملكة في ديسمبر (كانون الأول) من هذا العام. وتتيح هذه المناطق للمؤسسات خيارات أوسع لاستضافة البيانات وتشغيل التطبيقات محلياً، مع الاستفادة من منصات وأدوات تستخدمها الأعمال حول العالم.

وتظهر صلة هذه الاستثمارات بالمنتج المحلي في توسع تعاون «أمازون» و«هيوماين» الذي يتضمن مساراً لإتاحة «علام» عبر منصة «بيدروك». ويتيح هذا التعاون ربط المطوّر المحلي بمنصات التوزيع العالمية، وتزداد قيمة هذا الربط حين يقترن بمنتجات تستجيب لحاجة واضحة لدى العميل.

«ليب»... استثمارات تتجه إلى السوق

وقدَّمت النسخة الخامسة من مؤتمر «ليب»، التي اختتمت أعمالها في الرياض مطلع سبتمبر (أيلول) الحالي، صورة مكثفة لهذا النشاط. ووفق الحصيلة الختامية لوكالة الأنباء السعودية (واس) قاربت الاستثمارات والإطلاقات 15 مليار دولار، وتجمع هذه الحصيلة إعلانات ذات آجال وطبيعة مختلفة، يتحدَّد أثرها الاقتصادي مع التنفيذ ودخول المنتجات والمشروعات إلى السوق.

ومن بين الأمثلة، أعلنت شركة «المعمر لأنظمة المعلومات» استثماراً بقيمة 1.2 مليار دولار لتوسيع قدراتها في مراكز البيانات إلى 192 ميغاواط، ضمن إعلانات اليوم الثاني للمؤتمر. وفي اتجاه يصل الحوسبة بالمحتوى، وسّعت «أدوبي» شراكتها مع وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات السعودية وشركة «هيوماين» لدعم الإبداع باستخدام الذكاء الاصطناعي، وتوضِّح هذه النماذج اتساع الفرص، من بناء البنية التحتية، إلى تطوير الأدوات التي يستخدمها المصمم وصانع المحتوى والمنشأة. وتكمن أهمية المؤتمر كذلك في جمع المستثمر والمطور والمورد والعميل في مكان واحد، فالشركة الناشئة تحتاج إلى فرصة للوصول إلى السوق، والمصنع يحتاج إلى شركاء ومشترين، والمشروع الحاسوبي يحتاج إلى استخدامات تشغل قدرته. وعندما تتحول هذه العلاقات إلى عقود وأعمال مستمرة، يمتد أثر المؤتمر إلى ما بعد أيام انعقاده، ويظهر في الشركات وتوطين الخبرات.

الإنسان في قلب الاقتصاد

وبقدر ما تستقطب المراكز والمشروعات الاهتمام، يبقى الإنسان عنصراً حاسماً في نجاحها. فالاقتصاد الرقمي يحتاج إلى الباحث الذي يطوّر النموذج، والمهندس الذي يشغّل المنظومة، والمختص الذي يحمي البيانات، والمعلّم الذي يهيئ الطالب، ورائد الأعمال الذي يحوّل الفكرة إلى خدمة. ومن هذا المنظور تتصل برامج التدريب والتعليم والشراكات الجامعية بالاستثمار التقني، وتصبح مشاركة الشباب والشابات في هذه المجالات جزءاً من العائد التنموي المنتظر، ويمتد ذلك إلى أصحاب المهن القائمة، فالطبيب والمحامي والمحاسب وصاحب المتجر يحتاجون إلى مهارات تساعدهم على الاستفادة من الأدوات الجديدة وتقييم مخرجاتها. وكلما اتسعت هذه المعرفة، زادت فرص انتقال التقنية إلى الاستخدام اليومي المنتج، كما يتسع المجال أمام المحتوى العربي والبحث والتطوير، وأمام منشآت سعودية تقدم حلولاً تنطلق من حاجات السوق المحلية وتكون قابلة للتَّوسُّع خارجها.

نحو اليوم الوطني المئة

وحين تستقبل المملكة يومها الوطني الـ100 في عام 2030، سيكون من الممكن قراءة حصيلة هذه المرحلة في نوعية المنتجات التي تطورها، والوظائف التي تتيحها، والمعرفة التي توطنها، وفي أثر ذلك على حياة الناس وتنافسية الشركات. فالمسار الذي تسارع مع الرؤية، بقيادة الملك سلمان وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، يفتح أمام الاقتصاد السعودي مجالاً أوسع للمشارَكة في صناعة التقنية وتوجيه استخداماتها، وبين البرقية التي كانت تحمل الخبر إلى أطراف البلاد، والنموذج العربي الذي يعالج المعرفة ويتيحها عبر الشبكات، تتجدَّد قيمة الاتصال في جمع الناس وتيسير أعمالهم. وفي عام الذكاء الاصطناعي، تحمل المملكة إلى يومها الوطني حصيلة تحوّل يلمسه المواطن والمقيم في هاتفه، ويعمل على توسيعه مهندس في مركز، وباحث في مختبر، وشاب وشابة يؤسسان مشروعاً جديداً، ومن هذه التفاصيل تتشكَّل الصفحة المقبلة من التنمية السعودية.


عن البناء المؤسسي للدولة السعودية... مائة عام على «التعليمات الأساسية»

من أوائل الصور التاريخية والنادرة للملك عبد العزيز في مكة المكرمة بعد خروجه من المسجد الحرام (دارة الملك عبد العزيز)
من أوائل الصور التاريخية والنادرة للملك عبد العزيز في مكة المكرمة بعد خروجه من المسجد الحرام (دارة الملك عبد العزيز)
TT

عن البناء المؤسسي للدولة السعودية... مائة عام على «التعليمات الأساسية»

من أوائل الصور التاريخية والنادرة للملك عبد العزيز في مكة المكرمة بعد خروجه من المسجد الحرام (دارة الملك عبد العزيز)
من أوائل الصور التاريخية والنادرة للملك عبد العزيز في مكة المكرمة بعد خروجه من المسجد الحرام (دارة الملك عبد العزيز)

تميزت الدولة السعودية بأنها لم تقم على أنقاض دولة أخرى أو استعمار ترك لها بنى تحتية وهياكل مؤسسية؛ وهو ما جعل تأسيسها قبل ثلاثة قرون إنجازاً فريداً وغير مسبوق في تاريخ الجزيرة العربية، وقائماً في حد ذاته.

وفي حين لم يرث المؤسس الملك عبد العزيز جهاز دولة موحداً ومتكاملاً على امتداد البلاد، فقد استطاع أن يتعامل مع أوضاع وتنظيمات متفاوتة بين الأقاليم، وأن يستفيد مما كان قائماً منها، ثم أعاد إدماجها وتطويرها ضمن مشروع مؤسسي آخذ في الاتساع. وبعد اكتمال ضم الحجاز عام 1925، استطاع وضع قواعد جديدة لبناء مؤسسات الدولة وتنظيماتها الإدارية، ما أسهم في تسريع اندماج الأقاليم وتعميق وحدة البلاد.

وتمر بنا هذه الأيام ذكرى اليوم الوطني السعودي السادس والتسعين، وتتزامن مع مرور مائة عام على صدور «التعليمات الأساسية» في 31 أغسطس (آب) 1926، تلك الوثيقة التي تُعد «أول وثيقة دستورية محررة في تاريخ الدولة السعودية الحديثة»، وفقاً لوصف الدكتور عبد الرحمن الشبيلي.

ومما يجعل هذه المناسبة منعطفاً يستحق التأمل أنها تتزامن أيضاً مع إتمام عقد كامل على إطلاق «رؤية المملكة العربية السعودية 2030» في عام 2016، بكل ما حفل به ذلك العقد من إنجازات غير مسبوقة. هذا الوعي المؤسسي الحاضر في مسيرة الدولة، ما بين عشرينات القرن الماضي وعشرينات هذا القرن، لم ينل ما يستحقه من الدراسة والبحث، وهو ما سنحاول تسليط بعض الضوء عليه في هذا الموضوع.

مائة عام على الوثيقة التأسيسية الأولى

صدرت «التعليمات الأساسية» في أعقاب مبايعة الملك عبد العزيز ملكاً على الحجاز في يناير (كانون الثاني) 1926، وكانت بمثابة الدستور الأول المؤذن ببداية المرحلة المؤدية إلى توحيد المملكة العربية السعودية عام 1932.

المؤسس الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن

وتضمنت الوثيقة، المكوّنة من تسع وسبعين مادة، التأسيس القانوني لنظام الحكم، وتحديد صلاحيات نائب الملك في الحجاز، وهياكل الإدارة، ومجلس الشورى، والشُّعَب الست: الشرعية، والداخلية، والخارجية، والمالية، والمعارف، والجيش. وكانت تلك الشُّعَب الست بذرة ما صار لاحقاً منظومة حكومية متكاملة، تضم اليوم أكثر من عشرين وزارة، وما يزيد على ثلاثمائة مؤسسة وهيئة وجهاز.

ولفهم حجم ما كان يعنيه صدور تلك الوثيقة في سياقها التاريخي، تجدر الإشارة إلى أن الملك عبد العزيز كلّف لجنة منتخبة ضمت شخصيات وطنية من مختلف التخصصات، من بينهم: عبد القادر الشيبي، ومحمد شرف عدنان، ومحمد المرزوقي أبو حسين، وصالح شطا، ومحمد حسين نصيف، وسليمان قابل، ومحمود شلهوب، وحسين باسلامة، وعلي كتبي، ومحمد سعيد أبو الخير، ومحمد ماجد الكردي، وعبد الله زينل، وحسين عدنان، وعبد الله الدهلوي. كل أولئك أسهموا في صياغة وثيقة كان الهدف منها بناء دولة مؤسسات؛ وهي فكرة تعكس نضجاً سياسياً مبكراً في منطقة كانت تعيش على إيقاع الغزو والسيطرة، لا على إيقاع التأسيس المؤسسي.

غير أن ثمة جانباً أقل حضوراً في المصادر المتداولة، وهو أن «التعليمات الأساسية» كانت خاصة بمملكة الحجاز، وإن امتد أثر مؤسساتها إلى بقية الأقاليم؛ إذ كانت الدولة لا تزال مملكتين: نجد والحجاز، تحت حكم الملك عبد العزيز. وقد أشار فؤاد حمزة إلى أنه، خلال العمل بتلك التعليمات، طرأ على بعض أقسامها تعديلات استلزمتها الأوضاع والمتغيرات.

وظلت تلك التعليمات دستوراً لحين إعلان توحيد المملكتين. وأظهر التاريخ أنها كانت، في حقيقتها، وثيقة تأسيسية مرحلية بوعي، صُممت لمرحلة مخاض لا لنظام ثابت. وهذا يكشف بُعداً جوهرياً في عقلية الملك المؤسس؛ إذ وضع ترتيبات وبنى مؤسسية كان يعرف أنه سيتجاوزها إلى بنية أكبر وأشمل.

عقود ومراحل بين الوثيقتين

نظمت «التعليمات الأساسية» عمل مؤسسات الدولة بين عامي 1926 و1932، تحت القيادة البارعة والمتابعة المضنية للملك عبد العزيز، وجاءت لتؤسس لمرحلة انتقال نحو دولة موحدة. ومثل ذلك، جاءت وثيقة «رؤية 2030» لترسم مسار انتقال من مرحلة إلى أخرى. وعناوين التحول هنا كثيرة، منها التحول من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد متنوع، ومن دولة مستهلكة إلى دولة منتجة، وغير ذلك كثير.

خادم الحرمين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي عهد الأمير محمد بن سلمان لدى إطلاق مشروعات كبرى في الرياض (واس)

بيد أن المقارنة بين الوثيقتين لا تقتصر على الشكل، بل تمتد إلى المضمون. فكما جمعت «التعليمات الأساسية»، قبل مائة عام، بين بنود تنظيم الجيش والتعليم والقضاء والضرائب والحج في وثيقة واحدة، تجمع «رؤية 2030» بين قطاعات الطاقة والتقنية والثقافة والسياحة والصناعة والتعليم في مسار وطني واحد. والفارق أن وثيقة 1926 أدارت مؤسسات مملكة كانت تصارع العيش في محيط ملتهب، فيما تدير وثيقة 2016 طموح دولة بات اقتصادها الأكبر في المنطقة، وهي عضو في مجموعة العشرين لكبرى اقتصادات العالم، وقائدة للعالمين العربي والإسلامي.

من البناء الداخلي إلى الحضور الدولي

مرت المملكة العربية السعودية، خلال مائة عام، بتحولات كبرى، وشهدت قفزات تنموية ونهضة في جميع المجالات، وكان هاجس المحافظة على الاستقرار والاستمرار في التنمية والبناء حاضراً دائماً، في ظل ظروف إقليمية وعالمية مضطربة وبالغة التعقيد.

شكّل الحفاظ على السيادة ووحدة الدولة خطاً أحمر لا تُقبل فيه أي مساومة عبر تاريخ الدولة السعودية، غير أن الحزم في هذا الملف لم يكن مطلقاً، بل اقترن دوماً بحساب دقيق لكلفة المواجهة ومآلاتها.

ويقابل هذا الحزم اعتدال واضح في إدارة الصراعات: تفضيل الدبلوماسية والوساطة على المواجهة المفتوحة، وتجنّب الدخول في حروب غير متكافئة كلما أمكن ذلك. وتعكس هذه السمة قراءة واقعية تُعد إحدى سمات السياسة السعودية.

يفسّر التمييز بين ما هو ثابت وما هو متغير في السياسة السعودية قدرتها على الاستمرار المؤسسي عبر ثلاثة قرون، رغم تبدّل موازين القوى الإقليمية والدولية مرات عدة.

الدراسات التي ترصد استمرارية السياسة الخارجية السعودية تؤكد أن هذه المبادئ راسخة منذ عهد الملك عبد العزيز، وأنها شكّلت خيطاً ناظماً يفسّر التشابه الواضح بين القرارات الكبرى في مراحل تاريخية متباعدة زمنياً.

اللافت في مسيرة الأعوام الأخيرة أن الدولة السعودية قلبت معادلة تقليدية كانت سائدة في فهم دورها الدولي؛ فقد برز تحوّل تدريجي في أسلوب إدارة الملفات الإقليمية نحو ما وُصف إعلامياً وبحثياً بسياسة «تصفير الأزمات» أو «صفر مشاكل»، بالتوازي مع أجندة «رؤية 2030» التي تربط الاستقرار الإقليمي بمتطلبات التنويع الاقتصادي وجذب الاستثمار. كما برز انخراط أكبر في الملفات الدولية، وبناء محكم للتحالفات والشراكات الاستراتيجية الدولية.

وتبقى السمة الجوهرية لهذا التحول أنه طال الأدوات والأسلوب، لا الثوابت ذاتها؛ فالقدرة على التكيف من دون المساس بالمرتكزات تظل السمة الأبرز لاستمرارية هذه السياسة.

التعليمات الأساسية في جريدة «أم القرى» الرسمية

الخطاب السياسي السعودي يؤكد احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وهي المبادئ ذاتها التي كان الملك عبد العزيز يكافح من أجل ترسيخها في مواجهة البريطانيين، منذ مباحثات العقير عام 1922 ومعاهدة جدة عام 1927.

والسؤال الذي يستحق الطرح هنا: لماذا لا تحظى هذه الثوابت والتحولات باهتمام مؤسسي وأكاديمي يعكس حجمها الفعلي؟

دولة تُصدّر النماذج

في عام 1926، استطاع الملك عبد العزيز صياغة الوثيقة الدستورية الأولى لدولة لم تكن تملك من الموارد ما يكفيها، ولم يتوافر لها من وسائل الحياة الحديثة ما يستحق الذكر. وفي عام 2026، تحتل المملكة العربية السعودية المرتبة الأولى عالمياً في نمو منظومة الابتكار وريادة الأعمال، وفق تقرير «StartupBlink» لعام 2025. الدولة التي كافحت قبل مائة عام لتكتب وثيقتها الدستورية الأولى في ظل شح الموارد، باتت اليوم تُستدعى نماذجها في تحويل الاقتصادات وإدارة الملفات السياسية.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى التي لا تحظى بما يكفي من الانتباه: ففي ديسمبر (كانون الأول) 1922، حضر الملك عبد العزيز مؤتمر العقير مفاوضاً مع البريطانيين بشأن حدود دولته، وبعد نحو مائة عام، ظفرت المملكة العربية السعودية بحق استضافة «إكسبو 2030» بأعلى نسبة تصويت في تاريخ هذه الفعالية، وبحق استضافة كأس العالم 2034 من دون منافس. وباتت الدولة التي كانت تتفاوض مع القوى العظمى لرسم حدودها تُمنح من دول العالم حق استضافة اثنين من أبرز الأحداث العالمية.

لقد كانت «التعليمات الأساسية» وثيقة مرحلية بوعي، كما أسلفنا، بُنيت لتُتجاوز. و«رؤية 2030»، وإن اختلفت عنها في طبيعتها ووظيفتها، صُممت هي الأخرى بوصفها وثيقة مرحلية بوعي؛ فهي مرحلة انتقالية وُضعت لا للتوقف عندها، بل لتجاوزها إلى ما هو أبعد. وهذا هو جوهر الاستمرارية في الدولة السعودية عبر مائة عام: أن كل وثيقة أو رؤية لم تكن غاية في ذاتها، بل خطوة مرحلية تضع السياق لما بعدها، وتُعلي، في الوقت ذاته، من سقف ما بعدها؛ لأن الطموح خصيصة ملازمة للسعودية، قيادة وشعباً؛ بدأت منذ ثلاثة قرون بطموح لَمّ الشتات، وتتواصل اليوم بتوالي الإنجازات وتجاوز المستهدفات.

وأرى أنه من المهم هنا إيضاح أن وثيقة تعليمات 1926 أدارت انتقالاً مؤسسياً، بينما تدير وثيقة «رؤية 2030» تحولاً مؤسسياً؛ فـ«التعليمات الأساسية» وثيقة تنظيمية قانونية للحكم والإدارة، و«رؤية 2030» إطار استراتيجي وطني. والمقارنة هنا لا تقوم على وحدة الطبيعة القانونية للوثيقتين، إذ إن لكل منهما سياقاً ووظيفة، وإنما على فكرة إدارة الانتقال المؤسسي ووضع إطار جامع للتحول.

وختاماً؛ فإن هذه الصفحات المتجددة في قراءة تاريخ المملكة العربية السعودية، التي تكشفها المنجزات الوطنية المتوالية، هي مما يستحق أن يُبرز ويُلقى عليه الضوء ويُبذل فيه الجهد، لا من الباحثين والمؤرخين فحسب، بل من مراكز السياسة العامة والجامعات والمؤسسات التي ما زالت تتعامل مع الراهن باعتباره تحصيل حاصل، لا مبحثاً مهماً للدراسة والتوثيق.