على امتداد عقود كان الدولار مؤشراً على الوضع الاقتصادي في مصر، ومرآة للأزمات التي يعيشها الشعب. وكان توافر الدولار أو «العملة الصعبة» -كما يطلق عليه المصريون- رمزاً للاستقرار الاقتصادي.
وقد سجلت الدراما المصرية رحلة هبوط الجنيه أمام الدولار منذ أربعينات القرن الماضي، عندما كانت الجنيه يساوي خمسة دولارات حتى تجاوز الدولار في سوق الصرف الرسمي حاجز الـ50 جنيهاً. وتعد أسعار الدولار أخباراً رئيسية في الإعلام المحلي الذي يستغرق في تحليل أسباب ارتفاع الدولار، ويحتفي بأي تراجع فيها، وهو ما حدث أخيراً عندما تراجع الدولار إلى 48.6 جنيه.
وفيما يلي رصد لتحركات الدولار أمام الجنيه منذ أحداث عام 2011، التي تسببت في تراجع الاحتياطيات الأجنبية مع تأثر حركة السياحة والاستثمار ليتحرك السعر الرسمي من نحو 5.8 جنيه مقابل الدولار إلى نحو سبعة جنيهات في 2013.
رصد زمني للتحركات
لعقود حافظ البنك المركزي على أسلوب «التعويم المدار» الذي يعني السماح بتحريك سعر الصرف بقرارات مركزية، ليدور سعر الدولار حلول 7.7 جنيه خلال عامي 2014 و2015، في حين ازدهرت السوق الموازية التي سجلت سعراً أعلى، مما فاقم نقص الدولار لدى المستوردين.
وفي مارس (آذار) 2016 خفّض البنك المركزي المصري سعر الدولار رسمياً إلى 8.85 جنيه في «عطاء استثنائي»، في خطوة عدَّت آنذاك «تمهيداً لتحريرٍ أوسع». وبالفعل، أعلن البنك المركزي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2016 تعويم الجنيه في إطار برنامج إصلاح اقتصادي مرتبط بقرض من صندوق النقد الدولي، وخفض البنك المركزي قيمة الجنيه بنحو 32 في المائة ليصل سعر الدولار إلى 13 جنيهاً، تبعه تراجع في السعر إلى نطاق 16 - 18 جنيهاً قبل أن يستقر في حدود 15 جنيهاً. تسببت تلك الخطوة في تخفيف الضغوط على النقد الأجنبي، تزامناً مع ارتفاع التضخم وزيادة تكلفة المعيشة.
بعد الصدمة الأولى، استقر السعر طويلاً ضمن نطاق 15 جنيها أو أكثر قليلاً مقابل الدولار الواحد، مع تحسّن تدفقات النقد الأجنبي.
وخلال عامي 2020 و2021، ورغم جائحة «كوفيد-19»، حافظ الجنيه على مستوى يدور حول 15.6 – 16.2 جنيه للدولار. بيد أن اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية وتداعياتها العالمية، من ارتفاع تكلفة واردات القامة والطاقة، أخرج «الأموال الساخنة» من مصر، مما دفع إلى تخفيض جديد لقيمة الجنيه عام 2022، ليصل سعر الدولار في مارس (آذار) إلى 18.2، قبل أن تعلن مصر انخفاضاً آخر في أكتوبر (تشرين الأول) من العام ذاته، في إطار اتفاق قرض مع صندوق النقد الدولي بقيمة 3 مليارات دولار، ليقفز السعر الرسمي وقتها إلى نحو 23 - 24 جنيهاً للدولار.
بعدها، استمرت رحلة الهبوط، وفي يناير (كانون الثاني) 2023 تراجع إلى ما دون 32 جنيه للدولار، قبل أن يرتدّ إلى ما حول 30 و31، وهذا المستوى حاول البنك المركزي المصري الحفاظ عليه لما يزيد على سنة، الأمر الذي دفع إلى أزمة في توفير النقد الأجنبي أدت إلى ازدهار السوق الموازية (السوق السوداء) التي تجاوز سعر الدولار فيها في بعض الأحيان حاجز الـ70 جنيهاً.
بناءً عليه فرضت الدولة قيوداً على التعامل بالنقد الأجنبي للأفراد والشركات. وتحت ضغط شحّ الدولار، والتزامات برنامج صندوق النقد الدولي، حرّر البنك المركزي المصري سعر الصرف معلناً اعتماد سعر صرف مرن، تزامناً مع رفع الفائدة 600 نقطة أساس دفعة واحدة.
هنا قفز الدولار مرة أخرى من نحو 30.85 إلى ما فوق 50 جنيهاً قبل أن يتراجع سعر الدولار قليلاً في اليوم نفسه إلى 49.4 جنيه. وإثر هذه القرارات زادت قيمة قرض صندوق النقد الدولي إلى 8 مليارات دولار، لتتقلّص الضغوط على النقد الأجنبي، ويستمر استقرار سعر صرف الجنيه أمام الدولار في حدود 48 و49 جنيهاً للدولار، ويتراجع التضخم.
وأخيراً أعلن البنك المركزي تخفيض القيود على صرف العملات الأجنبية والتعامل بها في الداخل والخارج موحياً بانحسار أزمة يخشى مراقبون من عودتها.
