إسرائيل تتخذ خطوات لإخلاء مدينة غزة وتصعّد عملياتها

نتنياهو: نقترب من نهاية حرب «الجبهات السبع»... و«حماس» لن تبقى في غزة

فلسطينيتان مع أغراضهما أثناء النزوح من مدينة غزة صوب الجنوب (رويترز)
فلسطينيتان مع أغراضهما أثناء النزوح من مدينة غزة صوب الجنوب (رويترز)
TT

إسرائيل تتخذ خطوات لإخلاء مدينة غزة وتصعّد عملياتها

فلسطينيتان مع أغراضهما أثناء النزوح من مدينة غزة صوب الجنوب (رويترز)
فلسطينيتان مع أغراضهما أثناء النزوح من مدينة غزة صوب الجنوب (رويترز)

صعَّدت إسرائيل من هجماتها في أنحاء متفرقة من قطاع غزة والضفة الغربية، قبيل انعقاد المجلس الوزاري السياسي الأمني المصغَّر (الكابنيت)، مساء الخميس، للمصادقة على خطة احتلال مدينة غزة؛ بينما قال رئيس وزرائها، بنيامين نتنياهو، إن الجيش الإسرائيلي سيسطر على غزة في جميع الأحوال.

وفي مقابلة مع شبكة «سكاي نيوز» الإخبارية، قال نتنياهو: «حتى إذا وافقت (حماس) على اتفاق، فإن الجيش الإسرائيلي سوف يسيطر على غزة». وتابع: «سنفعل ذلك على أي حال، ليس هناك شك في ذلك، و(حماس) لن تبقى في غزة».

وأضاف، بحسب ما نقلته صحيفة «يديعوت أحرونوت»: «نقترب من نهاية الحرب، حرب على 7 جبهات، تشمل إيران ووكلاءها».

من جهة أخرى، ذكرت وسائل إعلام عبرية أن وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي، رون ديرمر، أكد أن شرط إبرام اتفاق لوقف إطلاق النار هو إطلاق سراح جميع الرهائن، وفق ما نقل موقع «أكسيوس».

وتأتي تعليقات ديرمر، بعد أيام من تقديم حركة «حماس» موافقتها للوسطاء المصريين والقطريين على مقترحهم، لهدنة تستمر 60 يوماً.

على الصعيد الميداني

كثَّفت القوات الجوية الإسرائيلية من غاراتها العنيفة في بلدتي جباليا البلد والنزلة، مستهدفةً مربعات سكنية كاملة، بعد أن أجبرت سكانها على الإخلاء والنزوح مجدداً، في أعقاب عودة بعضهم إلى منازلهم في الأيام القليلة الماضية.

نازحون فلسطينيون متجمعون حول حفرة خلَّفتها ضربة إسرائيلية على خيام في دير البلح بوسط قطاع غزة يوم الخميس (أ.ف.ب)

وتحد البلدتان مدينة غزة من الجهة الشمالية، في حين يحدها جنوباً حيَّا الزيتون والصبرة اللذان يتعرضان لسلسلة غارات جوية مماثلة، إلى جانب عمليات نسف واسعة تقوم بها أجهزة روبوت متفجرة، استُخدم أيضاً بعضها في مناطق بجباليا البلد في الأيام الماضية، وإن كان على نحو أقل حدة عنه في الصبرة والزيتون.

أما الجهة الشرقية، فتسيطر عليها القوات الإسرائيلية نارياً، بعدما انسحبت من أجزاء منها في الأسابيع القليلة الماضية، وهي تخلو أو تكاد، من السكان، وتحديداً في حيَّيْ الشجاعية والتفاح. وفي الأجزاء الوسطى والغربية من مدينة غزة، يتركز نحو 950 ألف نسمة، غالبيتهم من النازحين من شرق وجنوب المدينة، وكذلك من شمال القطاع، ويُتوقع أن تطلب منهم إسرائيل الإخلاء.

وأحدثت العمليات العسكرية دماراً هائلاً، واضطر السكان للنزوح إلى غرب المدينة أو الجزء الجنوبي الغربي منها، في ظروف قاسية، بينما نزح قِلة إلى جنوب القطاع، خصوصاً منطقة المواصي الممتلئة بشكل شبه كامل بالنازحين الذين قدموا من مناطق متفرقة من القطاع.

وقال الناطق العسكري باسم الجيش الإسرائيلي، مساء الأربعاء، إن قواته بدأت فعلياً عملية تمهيدية في مدينة غزة لفرض حصار عليها.

وتوقَّع مسؤولون في الجيش الإسرائيلي أن تنصب العناصر المسلحة التابعة لحركة «حماس» مزيداً من الكمائن في قطاع غزة بهدف أَسْر جنود، وذلك بعد هجوم مباغت استهدف قوات من لواء كفير في خان يونس، الأربعاء.

مركبات عسكرية إسرائيلية متمركزة على الحدود مع قطاع غزة يوم الخميس (أ.ف.ب)

ونقلت صحيفة «جيروزاليم بوست» عن مسؤولين في قيادة المنطقة الجنوبية بالجيش الإسرائيلي القول إن الهجوم أظهر أن «حماس» ما زالت قادرة على تنفيذ عمليات ذات طابع منظم، خلافاً لتقديرات بعض ضباط الجيش بأنها لم تعد تعمل في إطار منظم بالمناطق التي سيطرت عليها إسرائيل.

وخلصت تقديرات الاستخبارات العسكرية وجهاز الأمن العام (الشاباك) إلى أن «حماس» ستركز على مهاجمة القوات في المواقع التي تتمركز فيها، إلى حين بدء العملية الواسعة للسيطرة على مدينة غزة، بحسب الصحيفة.

الإخلاء والضحايا

في الوقت نفسه، أعلن الجيش الإسرائيلي أنه بدأ بإجراء محادثات تحذيرية أولية مع الجهات الطبية والمنظمات الدولية في شمال قطاع غزة، وطلب منها نقل المعدات الطبية إلى جنوب القطاع، بهدف استيعاب المرضى والجرحى.

كما جرت اتصالات هاتفية تطلب من السكان الإخلاء.

ويتزامن ذلك مع تكثيف عمليات النسف في مناطق متفرقة من وسط وشمال وجنوب ومشارف غرب خان يونس، وغارات جوية وقصف مدفعي لم يتوقف منذ أكثر من ثلاثة أشهر.

وقُتل نتيجة الغارات الإسرائيلية، منذ فجر الخميس وحتى ساعات الظهيرة، ما لا يقل عن 34 فلسطينياً، بينهم 8 من منتظري المساعدات عند نقاط توزيع «مؤسسة غزة الإنسانية»، وطرق دخول الشاحنات.

وبحسب إحصاءات وزارة الصحة بغزة، وصل إلى المستشفيات خلال 24 ساعة، من ظهر الأربعاء إلى الخميس، 70 قتيلاً و356 مصاباً، ما يرفع حصيلة العدوان الإسرائيلي منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 إلى 62 ألفاً و192 قتيلاً، إضافة إلى 157 ألفاً و114 مصاباً.

ومن بين مجمل الضحايا 10 آلاف و646 قتيلاً، و45 ألفاً و73 مصاباً منذ 18 مارس (آذار) الماضي، عندما استأنفت إسرائيل الحرب بعد وقف إطلاق نار مؤقت استمر شهرين.

وسجلت مستشفيات قطاع غزة، خلال 24 ساعة، حالتي وفاة نتيجة المجاعة وسوء التغذية، ليرتفع العدد الإجمالي إلى 271 حالة وفاة، من ضمنهم 112 طفلاً، بحسب وزارة الصحة في غزة.

ومن منتظري المساعدات، سقط 18 قتيلاً و117 مصاباً، ما يرفع إجمالي ضحايا المساعدات إلى 2036، وأكثر من 15064 مصاباً منذ نهاية مايو الماضي.

المساعدات والوضع الإنساني

رغم أن هناك دخولاً محدوداً للبضائع والمساعدات الإنسانية، لا يزال الوضع الإنساني صعباً، وإن كان أفضل بعض الشيء عما كان عليه سابقاً، خصوصاً أن المقتدرين يستطيعون شراء ما يتوفر بالأسواق.

إسقاط مساعدات إنسانية جواً فوق قطاع غزة يوم الخميس (رويترز)

غير أن الغالبية العظمى ليس لديها المال لشراء أي بضائع في ظل الغلاء الفاحش، كما أنه لا توجد مواد غذائية مهمة، مثل اللحوم والدواجن والبيض وغيرها، ولا يتوفر بشكل محدود سوى بعض الألبان والزيوت والأرز والسكر والدقيق، في حين أن جزءاً كبيراً مما يدخل من مساعدات يُنهب ولا يصل لمستحقيه.

وأكد «مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)» أن الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة تزداد سوءاً، حيث «يُقتل ويصاب الفلسطينيون يومياً، كما يستمر تفاقم المجاعة وسوء التغذية».

وحذر مكتب الأمم المتحدة، في بيان، من وجود أزمة كبيرة في أماكن الإيواء، حيث إن تلبية احتياجات المأوى الحالية لنحو 1.4 مليون شخص تتطلب 3500 شاحنة محملة بالخيام والأغطية البلاستيكية والمستلزمات المنزلية الأساسية، وذلك دون حساب أي نزوح مستقبلي يزيد الاحتياجات، فيما لا يزال إيصال هذه الإمدادات يشكل تحدياً بسبب القيود المستمرة.

ودعا المكتب إلى تسهيل العمل الإغاثي والإنساني، مشدداً على ضرورة إبقاء المعبر المؤدي إلى الشمال وإلى مدينة غزة مفتوحاً لوصول مواد الإيواء.

وعبّر فيليب لازاريني، المفوض العام لـ«وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)»، عن مخاوفه من موت أطفال يعانون سوء التغذية، إذا لم تتوفر فوراً المخصصات العاجلة خلال العملية العسكرية الإسرائيلية في مدينة غزة.

تزاحم للحصول على طعام من تكية خيرية في خان يونس بجنوب قطاع غزة يوم الخميس (رويترز)

وذكر لازاريني أن بيانات «الأونروا» أظهرت زيادة عدد الأطفال المصابين بسوء التغذية في مدينة غزة، بواقع 6 أمثال ما كان عليه قبل مارس (آذار) الماضي. وقال خلال اجتماع لنادي الصحافيين في جنيف: «لدينا سكان ضعفاء للغاية سيتعرضون لعملية عسكرية كبيرة جديدة... ببساطة لن يكون لدى الكثير منهم القوة اللازمة للنزوح مجدداً».

وعن أطفال غزة قال: «لن ينجو كثير منهم... إنها مجاعة مصطنعة ومفتعَلة، إنها متعمَّدة؛ استُخدم الغذاء كأداة حرب».

وقالت «اللجنة الدولية للصليب الأحمر»، الخميس، إن تكثيف القتال في قطاع غزة أمر «لا يُحتمَل». وقال كريستيان كاردون، الناطق باسم اللجنة رسالة إلى «وكالة الصحافة الفرنسية»: «تكثيف القتال في غزة يعني المزيد من القتلى والمزيد من النزوح والدمار والمزيد من الذعر».

مؤتمر حل الدولتين

وفيما يتعلق بمؤتمر حل الدولتين الذي تستضيفه نيويورك على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، في سبتمبر (أيلول) المقبل، قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إن بلاده ستتشارك مع السعودية في رئاسة المؤتمر، وذلك ضمن المساعي لإحراز تقدمٍ في هذا الصدد.

وأضاف، في منشور عبر حسابه الرسمي على منصة «إكس»: «لن يُفضي الهجوم العسكري الذي تُعِدّ له إسرائيل في قطاع غزة إلا إلى كارثة حقيقية لكلا الشعبين، وسيجرّ المنطقة إلى حرب دائمة».

ويرى ماكرون أن السبيل الوحيد لإنهاء هذه الحرب يتمثل في تحقيق وقف إطلاق نار دائم في غزّة، والإفراج عن جميع الرهائن، وإيصال المساعدات الإنسانية إلى السكان بكثافة، ونزع سلاح حركة «حماس»، وتعزيز دور السلطة الفلسطينية في القطاع.

ونوّه الرئيس الفرنسي بأن «حل الدولتين يُمثِّل السبيل الوحيد الموثوق من أجل أُسر الرهائن ومن أجل الإسرائيليين والفلسطينيين».

وكانت السعودية قد ترأست بمشاركة فرنسية «المؤتمر الدولي لتسوية القضية الفلسطينية بالطرق السلمية وتنفيذ حل الدولتين» على المستوى الوزاري، بمقر الأمم المتحدة في مدينة نيويورك الأميركية، يومي 28 و29 يوليو (تموز) الماضي.

الضفة الغربية

ولا تزال الضفة الغربية تشهد أعمالاً عدائية من قبل الجيش الإسرائيلي والمستوطنين، في ظل دعم وزراء اليمين المتطرف لها، مع تبني توسيع المستوطنات التي تفصل شمال الضفة عن جنوبها، بما يمنع مستقبلاً إقامة دولة فلسطينية.

وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش يمسك بخريطة توضح خطة استيطانية جديدة بالضفة يوم 14 أغسطس 2025 (رويترز)

واعتبرت 21 دولة، بينها المملكة المتحدة وفرنسا، في بيان مشترك، الخميس، أن خطة الاستيطان في الضفة الغربية المحتلة «غير مقبولة»، وتشكل «انتهاكاً للقانون الدولي». وأضافت هذه الدول: «ندين هذا القرار ونطالب بأكبر قدر من الحزم بإلغائه فوراً».

وتنص الخطة الإسرائيلية على بناء 3400 وحدة استيطانية من شأنها فصل شمال الضفة عن جنوبها وتقويض فرصة إقامة دولة فلسطينية متصلة.

من جانب آخر، أعلن الجيش الإسرائيلي عن تحييد شاب فلسطيني بزعم أنه رفع مسدساً لاستهداف قوة إسرائيلية قرب الخليل، ليتبين لاحقاً أنه «مسدس وهمي»، فيما فرضت قواته حصاراً، وأغلقت مداخل ومخارج قرية المغير وبلدة ترمسعيا شمال شرقي رام الله، بدعوى إطلاق نار على راعي غنم إسرائيلي؛ ما أدى لإصابته بجروح طفيفة.

فلسطينيون يتفقدون أنقاض منزل هدمه الجيش الإسرائيلي قرب رام الله بالضفة يوم الثلاثاء (أ.ب)

كما فرضت القوات الإسرائيلية منعاً للتجول على عدد من أحياء البلدة القديمة من الخليل، وداهمت منازل وعاثت فيها خراباً.

واقتحم عشرات المستوطنين باحات المسجد الأقصى، ونفذوا جولات استفزازية، وأدَّوا طقوساً تلمودية، بحماية الشرطة الإسرائيلية.

واعتدت مجموعة من المستوطنين على فلسطينية ونجلها في قرية المنيا شرق بيت لحم، ما تسبب بإصابتهما بجروح طفيفة، بينما هدمت القوات الإسرائيلية منشأة زراعية في قرية الخاص، وغرفة سكنية في قرية الرشايدة شرق المدينة ذاتها.


مقالات ذات صلة

إيطاليا تستدعي السفير الإسرائيلي بعد احتجاز مواطنين في أسطول الصمود

أوروبا جنود إسرائيليون على متن سفينة تحمل رموز أسطول الصمود العالمي وخلفها سفينة شحن كما شوهدت من أشدود جنوب إسرائيل (رويترز) p-circle

إيطاليا تستدعي السفير الإسرائيلي بعد احتجاز مواطنين في أسطول الصمود

قالت ​الحكومة الإيطالية اليوم (الأربعاء)، إن معاملة إسرائيل لنشطاء ‌أسطول ‌الصمود غير مقبولة، وإنها ستستدعي السفير ⁠الإسرائيلي ‌لتقديم توضيح.

«الشرق الأوسط» (روما)
تحليل إخباري فلسطينيون يبكون مقتل أحد أقاربهم في مستشفى شهداء الأقصى بدير البلح (أ.ف.ب) p-circle

تحليل إخباري تباينات ملادينوف و«حماس»... كيف تنعكس على «اتفاق غزة»؟

دخلت العلاقة بين الممثل الأعلى لمجلس السلام في قطاع غزة، نيكولاي ملادينوف، وحركة «حماس»، مرحلة شدّ وجذب لا تتوقف عن تبادل الاتهامات

محمد محمود (القاهرة)
خاص قياديون في «حماس»... من اليمين: روحي مشتهى وصالح العاروري وإسماعيل هنية (اغتيلوا جميعاً) وخالد مشعل وخليل الحية (أرشيفية - إعلام تابع لحماس) p-circle

خاص ظاهرة «الأوراق البيضاء»... لماذا تعثر انتخاب قائد جديد لـ«حماس»؟

سألت «الشرق الأوسط» مصادر من «حماس» داخل غزة وخارجها عن أسباب تعثر انتخاب قائد جديد للحركة، وأفادوا بملابسات مختلفة، منها ظاهرة «الأوراق البيضاء»... فما سرها؟

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون حول حفرة كبيرة سبَّبها القصف الإسرائيلي لمنطقة خان يونس (أ.ف.ب)

مجلس السلام يؤكد وجود فجوة في تمويل خطة إعمار غزة

أكد مجلس السلام برئاسة الرئيس الأميركي ضرورة الإسراع في سد الفجوة بين التعهدات المالية وصرف الأموال في خطة ترمب لإعادة إعمار غزة.

«الشرق الأوسط» (جنيف - تل أبيب)
المشرق العربي نظَّم متظاهرون احتجاجاً أمام وزارة الخارجية بأثينا في 18 مايو 2026 احتجاجاً على اعتراض البحرية الإسرائيلية أسطول التضامن العالمي قرب قبرص (أ.ف.ب)

إسرائيل تعترض 41 قارباً من «أسطول الصمود» وتعتقل ناشطين

قال منظمو أسطول المساعدات المتجه إلى غزة، الثلاثاء، إنَّ القوات الإسرائيلية اعترضت 41 قارباً في شرق البحر المتوسط، في حين لا تزال 10 قوارب تبحر باتجاه القطاع.

«الشرق الأوسط» (غزة)

هل يعلق لبنان حضوره «المسار الأمني» مع إسرائيل أم يُشارك لتثبيت الهدنة؟

الصورة الرسمية لأول جلسة تفاوض بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي بحضور مسؤولين دبلوماسيين أميركيين في واشنطن (الخارجية الأميركية)
الصورة الرسمية لأول جلسة تفاوض بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي بحضور مسؤولين دبلوماسيين أميركيين في واشنطن (الخارجية الأميركية)
TT

هل يعلق لبنان حضوره «المسار الأمني» مع إسرائيل أم يُشارك لتثبيت الهدنة؟

الصورة الرسمية لأول جلسة تفاوض بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي بحضور مسؤولين دبلوماسيين أميركيين في واشنطن (الخارجية الأميركية)
الصورة الرسمية لأول جلسة تفاوض بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي بحضور مسؤولين دبلوماسيين أميركيين في واشنطن (الخارجية الأميركية)

استمرار الخروقات الإسرائيلية لوقف إطلاق النار، بدلاً من العمل على تثبيته، لا يشجّع لبنان، المتردد في المشاركة في اجتماع المسار الأمني، الذي يطغى عليه الحضور العسكري ويجمعه بالوفد الإسرائيلي، برعاية وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) في واشنطن يوم 29 مايو (أيار) الحالي.

ويقف لبنان حالياً أمام خيارين؛ إما تعليق مشاركته، وإما حضوره، مشترطاً إدراج وقف إطلاق النار بنداً أول على جدول الأعمال التقني، لأن تعذّر وقفه يحرج، في آنٍ واحد، رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون وحكومة الرئيس نواف سلام، بعدما كانا قد ربطا موافقتهما على بدء المفاوضات بوقف الأعمال العدائية، التي أخذت تتوسع، بدلاً من أن تتراجع، مع ارتفاع وتيرة الغارات الإسرائيلية على البلدات الواقعة شمال نهر الليطاني.

فلبنان لا يبدي حماسةً لاستئناف المفاوضات تحت ضغط إسرائيل بالنار ورد «حزب الله» عليها، وهذا ما يضع الولايات المتحدة الأميركية أمام اختبار تعهدها بالضغط على تل أبيب لإلزامها بوقف النار على أن ينسحب تلقائياً على «حزب الله».

وفي هذا السياق، قال مصدر وزاري لـ«الشرق الأوسط» إن لبنان تجاوب مع طلب الولايات المتحدة الدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، كما استجاب لاحقاً لرغبتها في رفع مستوى التمثيل وضم عسكريين إلى الوفد المفاوض، مقابل إصراره على أن تبدأ بتثبيت الهدنة.

وتساءل المصدر: ماذا قدَّم الراعي الأميركي للبنان؟ وما الأسباب الكامنة وراء عدم تجاوبه في تثبيت وقف إطلاق النار بما يُعزّز موقع الدولة اللبنانية في مواجهة «حزب الله»، الذي يرفض المفاوضات المباشرة، ويطالب باستبدال أخرى غير مباشرة بها، ويشن عليها أقسى الحملات السياسية، فيما يتباهى نوابه بالإنجازات والانتصارات التي حققها مقاتلو الحزب، ويدعون إلى استثمارها، ولكن عبر مفاوضات غير مباشرة؟

ولفت المصدر إلى أن لبنان كان قد اتخذ قراره بعدم ربط مصيره بإيران، خلافاً لإصرار «الثنائي الشيعي»، ومن ثم لا يجد ما يبرر لواشنطن عدم إلزام إسرائيل بوقف إطلاق النار. وقال إن لبنان شارك في الجلسة الثالثة من المفاوضات بوفد ترأسه السفير السابق سيمون كرم، وإن مشاركته جاءت في إطار إعلان نيته إنهاء حال الحرب مع إسرائيل التي لم تلتزم بوقف الأعمال العدائية. وأضاف أن لبنان كان، ولا يزال، يراهن على تدخل الإدارة الأميركية فور انتهاء الجولة، للضغط على إسرائيل وتهيئة المناخين السياسي والأمني الملائمين لانعقاد اجتماع يقتصر على العسكريين تحت سقف البحث في المسار الأمني، تمهيداً لاستئناف اجتماعات المسار السياسي يومي 2 و3 يونيو (حزيران) المقبل.

وأكد أن لبنان بدأ التحضير لاجتماع المسار الأمني، الذي يغلب عليه الطابع التقني، مستغرباً ما روّج له البعض عن أن عون، بالتوافق مع سلّام، يدرسان تشكيل لواء خاص بالجنوب استجابة لطلب واشنطن. وأوضح أن هذا الطرح لم يُدرج على بساط البحث خلال جولة المفاوضات الأخيرة، وأن ما جرى تداوله استند، بصورة غير مباشرة، إلى تصريحات وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو لإحدى المحطات الأميركية.

عناصر في الدفاع المدني يبحثون عن ضحايا عالقين تحت أنقاض منزل استهدف بغارة إسرائيلية في بلدة دير قانون النهر يوم الثلاثاء (أ.ب)

واستغرب المصدر الحملة التي شنّها نواب «حزب الله» في هذا الخصوص، وقال إنهم كانوا في غنى عنها لو استمزجوا رأي عون فيما يجري التداول به عبر الوسيط الرئاسي الذي يتواصل مع النائب حسن فضل الله، والمقصود به العميد أندريه رحال. وأكد أن تشكيل لواء خاص مقاتل من الجيش ليس مطروحاً؛ لأنه لا وجود لدى قيادته لأي تمييز بين لواء وآخر، ولا فرز لألويته إلى فئة «أ» و«ب». إضافة إلى أن موقف عون لا جدال فيه في هذا الشأن. ولفت إلى أن «حزب الله» يفتعل معركة لا وجود لها لصرف الأنظار عن مطالبته بحصرية السلاح بيد الدولة لبسط سلطتها على كل أراضيها تطبيقاً لاتفاق الطائف الذي يؤيده وبدأ يستحضره في جميع المناسبات.

وأوضح المصدر أن تشكيل الوفد العسكري إلى اجتماع المسار الأمني لا يزال موضع تداول وتشاور بين عون وسلام وقائد الجيش العماد رودولف هيكل. وتوقّع أن يضم الوفد، إضافة إلى الملحق العسكري في سفارة لبنان في واشنطن العميد أوليفر حاكمة، عدداً من الضباط ذوي الاختصاص والخبرة الميدانية، ولم يستبعد أن يكون من بينهم قائد عمليات منطقة جنوب الليطاني العميد نيقولا تابت، الذي يمثّل لبنان في اجتماعات لجنة «الميكانيزم» المكلفة بالإشراف على تطبيق اتفاق وقف الأعمال العدائية. كما توقّع أن تستجيب واشنطن والمجتمع الدولي لاحتياجات الجيش من التجهيزات على مختلف المستويات، بما يُتيح له تعزيز انتشاره في الجنوب.

ولم يستبعد بأن يلتحق بالوفد ضباط من مديرية الشؤون الجغرافية وغرفة العمليات في وزارة الدفاع، وقال إن اجتماع المسار الأمني هو لوضع اتفاق الإطار الذي يتمسك به الوفد المفاوض، ويكون بمثابة خريطة الطريق لنشر الجيش في جنوب الليطاني حتى الحدود الدولية، بالتزامن مع انسحاب إسرائيل منه طبقاً لجدول زمني يُتفق عليه برعاية أميركية وبواسطة لجنة ارتباط ثلاثية، تضم ضباطاً عن الأطراف الثلاثة، يوكل إليها مراقبة تنفيذ الاتفاق الأمني لإنهاء حال الحرب بين البلدين والتدخل لمعالجة الخروق في حال حصولها.

ورأى المصدر أن هناك ضرورة لوجود ممثل عن مديرية الشؤون الجغرافية، للتحقق من انسحاب إسرائيل حتى الحدود الدولية، تطبيقاً لما نصّت عليه اتفاقية الهدنة المعقودة بين البلدين عام 1949. وأضاف أنه يمكن تقسيم الجنوب إلى قطاعات أمنية للتأكد، بشكل ملموس، من عدم وجود أي سلاح غير شرعي. ورجّح أن يبحث المسار الأمني مرحلة ما بعد انتهاء مهام قوات «يونيفيل» في مطلع العام المقبل، بهدف إيجاد بديل لها، وقد يقع الخيار على تفعيل دور هيئة المراقبين المنبثقة عن الهدنة مع زيادة عددها، علماً بأنها تنتشر حالياً على جانبي الحدود، ولها مقران رئيسيان في محلة بئر حسن في الضاحية الجنوبية لبيروت، وفي القدس.

الدخان يتصاعد من بلدة البرج الشمالي في جنوب لبنان إثر استهدافها بقصف إسرائيلي (أ.ف.ب)


لبنان: تأجيل جلسة «العفو العام» تحت ضغط الشارع

متظاهرون يحملون صورة الشيخ أحمد الأسير خلال تحرك رفضاً لمشروع قانون العفو عند مدخل صيدا بعد ظهر يوم الثلاثاء (أ.ب)
متظاهرون يحملون صورة الشيخ أحمد الأسير خلال تحرك رفضاً لمشروع قانون العفو عند مدخل صيدا بعد ظهر يوم الثلاثاء (أ.ب)
TT

لبنان: تأجيل جلسة «العفو العام» تحت ضغط الشارع

متظاهرون يحملون صورة الشيخ أحمد الأسير خلال تحرك رفضاً لمشروع قانون العفو عند مدخل صيدا بعد ظهر يوم الثلاثاء (أ.ب)
متظاهرون يحملون صورة الشيخ أحمد الأسير خلال تحرك رفضاً لمشروع قانون العفو عند مدخل صيدا بعد ظهر يوم الثلاثاء (أ.ب)

شكّل قرار رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري تأجيل الجلسة النيابية المخصصة لإقرار «قانون العفو العام» مؤشراً على حجم الانقسام السياسي والطائفي الذي أحاط بالملف.

وأعلن بري تأجيل الجلسة في بيان قال فيه: «لما كان القصد لاقتراح قانون العفو، وتخفيض بعض العقوبات بشكل استثنائي يرمي لإعادة الاعتبار لمبدأ العدالة بوصفه ركناً من أركان الدولة القانونية، وضمانة حرية الأفراد، لا سيما أن الوضع في السجون اتسم بتأخير مزمن في إصدار الأحكام الجزائية، ورغم الجهود التي قامت بها دوائر المجلس النيابي واللجان المشتركة للتوصل إلى توافق وطني يكون علامة جمع في وطن أحوج ما يكون به للتضامن، والتوافق، غير أن الذي جرى وشوهد في أكثر من منطقة مترافق مع تحريض ويا للأسف طائفي، ومذهبي، تقرر تأجيل جلسة الغد (الخميس) إلى موعد آخر شعاره التوافق».

ورغم أنّ الصيغة التي أقرتها اللجان النيابية المشتركة الثلاثاء تضمّنت تخفيضات للعقوبات، وتخفيف مدة الأحكام، فإنّ الاعتراض تمحور حول البنود المرتبطة بالموقوفين الإسلاميين الذين اعتبروا أنّ القانون لا يمنحهم عفواً فعلياً، بل يضعهم ضمن إطار «التخفيضات» فقط، مع إبقاء عدد كبير منهم خارج الاستفادة، بسبب استثناءات تتعلق بالقتل العمد، أو الدعاوى الشخصية، أو الملفات المصنفة إرهابية.

الفئات المستفيدة وفق الصيغة الأخيرة

وتشمل الفئات المستفيدة من قانون العفو العام بصيغته الأخيرة الموقوفين الذين أمضوا سنوات طويلة من دون محاكمة، أو من دون صدور حكم نهائي بحقهم، وخصوصاً من تجاوزت مدة توقيفهم 14 عاماً، على أن تبقى هذه النقطة رهن الإقرار النهائي في الهيئة العامة. كما يستفيد المحكومون بعقوبة الإعدام بعدما جرى تحويل العقوبة إلى 28 سنة سجنية، أي ما يعادل نحو 21 سنة فعلية، إضافة إلى المحكومين بالمؤبد، مع طرح تخفيض العقوبة إلى 17 سنة سجنية، أي نحو 13 سنة فعلية.

وتنص الصيغة أيضاً على تخفيض سائر العقوبات إلى الثلث، باستثناء الجرائم التي اتخذ فيها المتضرر صفة الادعاء الشخصي، إذ لا يتم تخفيض العقوبة إلا بعد إسقاط الحق الشخصي. وتشمل الاستفادة عدداً من الموقوفين الإسلاميين المرتبطين بملفات أمنية، أو أحداث قديمة، باستثناء من تثبت إدانتهم بجرائم إرهابية كبرى، أو بعمليات قتل مباشرة. كذلك يستفيد بعض المتورطين بملفات المخدرات، وخصوصاً في قضايا التعاطي، أو الترويج الفردي، فيما تُستثنى شبكات التهريب، والتجارة المنظمة، والتصنيع الكبير.

كما تشمل الصيغة المبعدين، والفارين الموجودين خارج لبنان (إسرائيل)، والسماح بتسوية أوضاع فئات منهم، إضافة إلى محكومين بجرائم وجنح عادية، مع إمكان تخفيض العقوبات إلى الثلث في بعض الحالات.

في المقابل، تستثني الصيغة الجرائم الإرهابية، والقتل العمد، والجرائم المحالة إلى المجلس العدلي، وجرائم اختلاس المال العام، وشبكات المخدرات المنظمة، والاعتداء على الجيش، والقوى الأمنية، إضافة إلى بعض الجرائم المرتبطة بالتعامل مع العدو، أو التفجيرات الكبرى.

المحكمة العسكرية في لبنان (الوكالة الوطنية)

النائب ريفي: نرفض وضع الطائفة السنية بوجه الجيش

وفي هذا الإطار أكد النائب عن طرابلس أشرف ريفي أن «دعم العفو العام يأتي من المسؤولية الوطنية لا من منطلق طائفي»، مشيراً إلى أن أوضاع «السجون باتت مأساوية، ولم تعد تحتمل، والمطلوب تحقيق العدالة، ورفع المظلومية عن الجميع».

ولفت ريفي في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أن المحكمة العسكرية في المرحلة السابقة كانت تعمل في ظل الهيمنة الإيرانية على لبنان»، مضيفا: «معارضو (حزب الله) كانوا يُتهمون بالإرهاب لحملهم صورة، أو سلاحاً، فيما كان آخرون ينقلون المدافع في المدن من دون محاسبة»، مؤكداً أن «الوضع اللبناني تغيّر اليوم، وعلى الجميع قراءة هذه التحولات».

وشدد على رفض «وضع الطائفة السنية في مواجهة الجيش اللبناني»، مؤكداً أن «شهداء الجيش شهداؤنا، وأغلبهم من أبناء الطائفة السنية». كما سأل عن ملف النقيب الطيار سامر حنا الذي قتل باستهداف مروحيته العسكرية جنوب لبنان عام 2008، وكلنا نعلم من قتله (في إشارة إلى «حزب الله»)، بينما طوي ملفه».

وطالب ريفي بإسقاط البند المتعلق بالقضايا التي اتخذ فيها المتضرر صفة الادعاء الشخصي «للوصول إلى العدالة، ومنع الاستنسابية، ورفع المظلومية».

التطور الأبرز تمثّل في دخول دار الفتوى بشكل مباشر على خط الأزمة، عبر بيان لرئيس الشؤون الإعلامية في هيئة رعاية السجناء وأسرهم، نديم بيضون، الذي اعتبر أنّ «العدالة ليست استنسابية»، متسائلاً عن كيفية طرح الإفراج عن متورطين في ملفات مخدرات، أو تعامل مع العدو، مقابل إبقاء عشرات الموقوفين الإسلاميين داخل السجون رغم مرور سنوات طويلة على توقيفهم.

وأشار بيضون إلى أنّ جزءاً من هؤلاء الموقوفين لم يحصل أساساً على محاكمات عادلة، فيما لا يزال بعضهم موقوفاً على خلفية منشورات، أو تعليقات على وسائل التواصل الاجتماعي، محذراً «من أي مقاربة تؤدي إلى شعور الطائفة السنية بأنها مستهدفة، أو مستثناة من التسويات المطروحة».

نساء مشاركات في تحرك رفضاً لمشروع قانون العفو في مدينة صيدا في جنوب لبنان (أ.ب)

الشارع يتحرك... وقطع طرقات

وهذا الاعتراض ترافق مع تحركات شعبية في مناطق عدة، خصوصاً في الشمال، وصيدا، وإقليم الخروب، وعكار، حيث قطعت طرقات رئيسة، فيما شهد جسر الأولي عند مدخل صيدا اعتصاماً لمناصري الشيخ أحمد الأسير المحكوم بالإعدام على خلفية «أحداث عبرا» التي وقعت عام 2013 في صيدا جنوب لبنان بين مناصري الأسير والجيش اللبناني، مع دعوات إلى اعتصام مفتوح، ونصب خيم احتجاجية.

كما شهدت ساحة النور في طرابلس تحركات احتجاجية رُفعت خلالها شعارات تندد بما وصفه المحتجون بـ«العفو الجائر»، معتبرين أنّ القانون يمنح تسهيلات لمرتكبي جرائم أخرى، فيما يبقي الموقوفين الإسلاميين داخل السجون.

ودعت لجنة أهالي السجناء في لبنان الأهالي في بيان إلى التحرك في الشارع في مختلف المناطق مطالبة النواب السنّة بالعمل على تعديل البنود التي «ترفع الظلم عن الموقوفين الإسلاميين لا أن تكرّسه».

وفي سجن رومية، سادت أجواء غضب بعد تسريب تفاصيل الصيغة النهائية للقانون، حيث اعتبر الموقوفون أنّ بعض البنود «فُرضت عن سابق إصرار»، بهدف استثناء أكبر عدد ممكن منهم من الاستفادة، فيما شهدت المناطق التي قُطعت فيها الطرقات انتشاراً كثيفاً للجيش اللبناني لمنع توسّع الاحتجاجات.


الهدنة تعيد سكان الضاحية الجنوبية تدريجياً إلى منازلهم

أحد مباني «القرض الحسن» في الضاحية الجنوبية لبيروت بعد تعرضه لغارة إسرائيلية خلال الحرب في 2024 (أرشيفية - الشرق الأوسط)
أحد مباني «القرض الحسن» في الضاحية الجنوبية لبيروت بعد تعرضه لغارة إسرائيلية خلال الحرب في 2024 (أرشيفية - الشرق الأوسط)
TT

الهدنة تعيد سكان الضاحية الجنوبية تدريجياً إلى منازلهم

أحد مباني «القرض الحسن» في الضاحية الجنوبية لبيروت بعد تعرضه لغارة إسرائيلية خلال الحرب في 2024 (أرشيفية - الشرق الأوسط)
أحد مباني «القرض الحسن» في الضاحية الجنوبية لبيروت بعد تعرضه لغارة إسرائيلية خلال الحرب في 2024 (أرشيفية - الشرق الأوسط)

تشهد الضاحية الجنوبية لبيروت عودة تدريجية للسكان، بعد تمديد اتفاق وقف إطلاق النار لمدة 6 أسابيع، وبعد 3 أشهر على نزوحهم من المنطقة، وإثر تحييدها إلى حد كبير في الهدنة عن القصف الإسرائيلي، في وقت يقول السكان إنه لا خيار أمامهم سوى العودة بعد اختبار النزوح وقسوته، وشعورهم بالبطالة.

وبدأت العودة إلى الضاحية منذ مطلع الأسبوع، رغم أن الطمأنينة المطلقة غير موجودة، حسبما يقول السكان لـ«الشرق الأوسط»، ويؤكد هؤلاء أن العودة إلى مصدر الرزق، والعودة إلى المنازل ضرورة، انطلاقاً من الحاجة إلى استعادة دورة الحياة المعيشية.

الرزق يفتح الأبواب

في منطقة يعتمد جزء كبير من سكانها على الأعمال الحرة، والمتاجر الصغيرة، باتت إعادة تشغيل مصدر الرزق شرطاً أساسياً لإعادة تشغيل الحياة نفسها. يقول علي زين الدين، الأب لولدين وصاحب محل ألبسة في الضاحية الجنوبية، إن «الناس تعود لأن لديها عملاً، أو مصلحة، أو مصدراً تعيش منه. فالعودة اليوم مرتبطة بلقمة العيش أكثر مما ترتبط بالشعور بالاطمئنان».

مبانٍ مدمرة نتيجة القصف الإسرائيلي على الضاحية الجنوبية لبيروت حيث يرتفع علم لـ«حزب الله» (إ.ب.أ)

ويشير إلى أن امتلاكه للمحل ساعده على إعادة فتح أبوابه في وقت يجد فيه كثيرون صعوبة في العودة وسط أعباء الإيجارات، والخسائر. لكن إعادة فتح الأبواب لم تعنِ استعادة الحياة السابقة بصورة كاملة.

ويشير إلى أنّ «الحركة موجودة لكنها خجولة، وهناك بيع وشراء بشكل محدود، لكنها تساعد في تأمين جزء من مصاريف العائلة». ويضيف أن نمط الحياة نفسه تبدّل بعد الحرب، موضحاً: «قبل الحرب كنا نعمل حتى وقت متأخر من الليل، أما اليوم فأفتح صباحاً، وأغلق في وقت أبكر قبل المغيب، لأن حركة الناس نفسها تغيّرت. كثيرون ينزلون نهاراً، ثم يغادرون مساءً، وبالتالي لم يعد الليل يشبه ما كان عليه سابقاً».

ويرى أن المشهد العام لا يزال يعكس عودة تدريجية أكثر منه استقراراً كاملاً، مضيفاً: «الناس تحاول أن تستعيد حياتها بما هو متاح، لكن لا أحد يتصرف وكأن كل شيء عاد طبيعياً».

انتظار طويل

لم يكن وسام شهاب، صاحب محل خضراوات وأب يعيل عائلة من خمسة أشخاص، ينوي العودة سريعاً في البداية، لكنه وجد نفسه أمام واقع مختلف مع مرور الوقت.

يقول: «عدنا لأن مصدر رزقي موجود هنا. محلي في الضاحية، ومنه أعيش، وأعيل عائلتي. في البداية كنا نعتقد أن مرحلة النزوح ستكون قصيرة، وأن الأمر يحتاج فقط إلى بعض الوقت، لكن عندما بدأت الفترة تطول لم يعد ممكناً أن تبقى الحياة معلّقة».

ويضيف أن «استمرار العائلة في حالة انتظار مفتوحة سيجعل الأمور أكثر تعقيداً من الناحية المعيشية، والنفسية»، لذلك قرر العودة والاستقرار مجدداً في منزله.

لكن هذه العودة لم تدفعه إلى إلغاء كل الاحتمالات الأخرى. ويقول: «أبقينا مكان نزوحنا في جبل لبنان كما هو تحسباً لأي تطورات جديدة. صحيح أننا عدنا واستقر أمرنا في الضاحية، لكن أحداً لا يشعر بأن الظروف أصبحت محسومة بالكامل».

ويرى شهاب أن الشعور بعدم الأمان لم يعد مرتبطاً بمنطقة بعينها، قائلاً: «الضاحية تبدو اليوم محيّدة نسبياً، لكن عدم الأمان أصبح حالة عامة يشعر بها الناس أينما كانوا».

أطفال نازحون من الضاحية الجنوبية إلى وسط بيروت (أ.ف.ب)

العودة لا تُنهي النزوح

في المقابل، لم تتخذ أم حسن حرقوص وعائلتها قرار العودة الكاملة حتى الآن، إذ لا تزال العائلة تتنقل بين الضاحية الجنوبية وبشامون حيث مكان نزوحها الحالي.

وتقول إنها تنزل نهاراً إلى الضاحية، ثم تغادر قبل مغيب الشمس، لأن العودة بالنسبة إليها لا تعني مجرد فتح باب المنزل لساعات محددة.

وتوضح أن أسباب تأجيل العودة لا ترتبط فقط بالهواجس الأمنية، بل أيضاً بخسارة مصدر الرزق الذي كانت تعتمد عليه العائلة. فمحل السمانة الذي كان يؤمن موردها الأساسي تحوّل خلال الحرب إلى وسيلة للبقاء، بعدما اعتمدت العائلة على المواد الغذائية الموجودة داخله خلال فترة النزوح.

وتقول: «كنا نعيش مما هو موجود في المحل، واستهلكنا محتوياته تدريجياً خلال الحرب حتى استطعنا الاستمرار».

وتضيف: «كيف يمكن للإنسان أن يعود ليستقر إذا كان مصدر عيشه نفسه قد توقف؟ العودة ليست مجرد منزل، فالناس تحتاج إلى عمل، وإلى حياة تستطيع أن تستمر بها».

وتشير إلى أن «أفراد عائلتها تعرضوا بدورهم لخسائر مهنية ومعيشية، ما زاد صعوبة اتخاذ قرار العودة الكاملة».

مؤسسات تنتظر... وأفراد عادوا

وتقول سوسن عمار، وهي مدرسة في إحدى مدارس الضاحية الجنوبية، إن «مدارس تقع في عمق الضاحية، ومنها المدرسة التي تعمل فيها، لم تفتح أبوابها حتى الآن، خوفاً على سلامة الطلاب، وأفراد الهيئة التعليمية»، مؤكدة أنه: «لا حاجة للمخاطرة في ظل استمرار حالة عدم الاستقرار».

وتشير إلى أن المؤسسات التعليمية تختلف بطبيعتها عن المصالح الفردية، موضحة أن «الأمر لا يتعلق بشخص واحد يتخذ قراراً لنفسه، بل بمئات الطلاب والعاملين».

المنزل أقل قسوة من النزوح

في الجهة المقابلة، يختصر حسن معتوق جانباً آخر من المشهد. فالرجل الذي كان يعيش مع عائلته داخل مدرسة خُصصت للنازحين قرر العودة إلى منزله رغم إدراكه أن المخاوف لا تزال قائمة.

ويقول: «العودة إلى البيت، حتى مع وجود خطر نسبي، تبقى أفضل من البقاء في حالة تهجير مستمرّة».

ويضيف أن فترة النزوح الطويلة تركت آثاراً نفسية كبيرة، قائلاً: «عندما يعيش الإنسان لفترة طويلة خارج بيته يشعر كأنه يعيش حياة مؤقتة، وكأنه ضيف في مكان ليس مكانه».

ويتابع: «لا أحد يستطيع أن يقول إنه عاد، لأنه لم يعد خائفاً، لكن الناس تتعب من حياة الانتظار نفسها».