رئيس هيئة العدالة الانتقالية في سوريا لـ«الشرق الأوسط»: ملاحقة نظام الأسد تتطلب صبراً

العميد عبد الباسط عبد اللطيف قال إن الولاية الزمنية للهيئة 5 سنوات قابلة للتمديد

العميد عبد الباسط عبد اللطيف رئيس «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في سوريا (أرشيفية)
العميد عبد الباسط عبد اللطيف رئيس «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في سوريا (أرشيفية)
TT

رئيس هيئة العدالة الانتقالية في سوريا لـ«الشرق الأوسط»: ملاحقة نظام الأسد تتطلب صبراً

العميد عبد الباسط عبد اللطيف رئيس «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في سوريا (أرشيفية)
العميد عبد الباسط عبد اللطيف رئيس «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في سوريا (أرشيفية)

قبل انتهاء «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» من تشكيل مجلسها، بدأ القضاء السوري التحقيق مع أربعة من كبار رموز النظام السابق المدانين بارتكاب جرائم حرب ضد الشعب السوري، مما أثار التساؤلات عمّا إذا كانت سيُدرج في سياق مسار العدالة الانتقالية لا سيما في ظل غياب قانون سوري خاص بالعدالة الانتقالية.

غير أن رئيس الهيئة العميد عبد الباسط عبد اللطيف، أكد في مقابلة خاصة مع «الشرق الأوسط» أن «إحالة رموز النظام الأربعة إلى القضاء يندرج ضمن مسار العدالة الانتقالية»، وأن إحالتهم إلى القضاء جرى بالتنسيق بين الهيئة ووزارة العدل»، رداً على أنباء تشكك في جدية الدولة في ملاحقة مجرمي النظام البائد ومحاسبتهم.

كان النائب العام للجمهورية العربية السورية، القاضي المستشار حسان التربة، قد أعلن في 30 يوليو (تموز) الماضي، تحريك دعوى الحق العام بحق عدد من المُدعى عليهم بارتكاب جرائم وانتهاكات بحق الشعب السوري، انطلاقاً من تطبيق العدالة الانتقالية ومحاسبة المتورطين، وضمان حقوق الضحايا وأسرهم. وجرى تحريك الدعوى بحق كل من المسؤولين السابقين في عهد نظام الأسد: عاطف نجيب، وأحمد بدر الدين حسون، ومحمد الشعار، وإبراهيم الحويجة.

وزير الداخلية السوري الأسبق محمد إبراهيم الشعار يسلّم نفسه فبراير الماضي (متداول)

إطلاق مسار العدالة

أصدر الرئيس السوري في السابع عشر من مايو (أيار)، مرسوماً بتشكيل هيئة للعدالة الانتقالية، تتولى الكشف عن الحقائق بشأن انتهاكات النظام البائد، ومحاسبة المسؤولين عنها، وجبر الضرر الواقع على الضحايا. وذكر المرسوم أن تشكيل هذه الهيئة، «يأتي إيماناً بضرورة تحقيق العدالة الانتقالية بوصفه ركيزة أساسية لبناء دولة القانون، وضماناً لحقوق الضحايا، وتحقيقاً للمصالحة الوطنية الشاملة».

كما نص المرسوم على تعيين العميد عبد الباسط عبد اللطيف رئيساً للهيئة، وتكليفه بـ«تشكيل فريق العمل، ووضع النظام الداخلي خلال مدة لا تتجاوز 30 يوماً من تاريخ هذا الإعلان». وبيّن أن الهيئة «تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، وتمارس مهامها في جميع أنحاء الأراضي السورية».

والعميد عبد الباسط عبد اللطيف من مواليد دير الزور، شرق سوريا، 1963، درس الحقوق في جامعة حلب، وحصل على شهادات عليا بالعلوم الشرطية والقانونية، كما شغل منصب مدير منطقة القامشلي قبل انشقاقه عن النظام عام 2012. ثم شغل منصب الأمين العام للائتلاف الوطني السوري المعارض حتى سقوط النظام.

ستحقق الهيئة في شكاوى ضحايا الانتهاكات، وتشمل قمع نظام الأسد الاحتجاجات الشعبية التي اندلعت في مارس (آذار) 2011، وطالبت بتداول سلمي للسلطة، بعشرات الهجمات بالأسلحة الكيميائية، والقصف الجوي الواسع ببراميل متفجرة على مناطق مأهولة، إلى جانب الاعتقالات التعسفية، والإخفاء قسري، والتعذيب الممنهج في مراكز الاحتجاز مما أدى إلى مقتل وفقدان مئات الآلاف من المدنيين، وفق تقارير صادرة عن الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية دولية.

العميد عبد الباسط عبد اللطيف رئيس «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في سوريا (الشرق الأوسط)

مشروع قانون ينتظر الإقرار

في لقاء مع «الشرق الأوسط» بدمشق، قال العميد عبد اللطيف إنه يجري العمل على إنجاز مشروع قانون للعدالة الانتقالية وجرائم الانتهاكات الجسيمة، من المنتظر صدوره بعد انتخابات مجلس الشعب التي ستجري قريباً، وأشار إلى أن المحاكمات «ستشمل كل أنواع الجرائم المحددة في نص المرسوم، وهي الجرائم الجسيمة التي تسبب بها النظام البائد، والتي تُعرفها اتفاقيات جنيف الأربع؛ أي جرائم الإبادة وجرائم الحرب وجرائم التعذيب وجرائم الإخفاء القسري واستخدام الغازات السامة والكيماوي».

وعن إمكانية ملاحقة رأس النظام بشار الأسد وشقيقه ماهر، الفارين خارج البلاد، أوضح رئيس هيئة العدالة الانتقالية أن الملايين من السوريين ينتظرون إلقاء القبض على المجرم الذي تسبب بقتلهم وتشريدهم، «لكن ذلك يتطلب الكثير من العمل في جمع الأدلة والإثباتات وترتيبها بشكل قانوني، والى قليل من الصبر، فلا شيء يتحقق بسهولة».

دمار ناتج عن مجزرة حماة وسط سوريا التي نفذها نظام الأسد عام 1982 (الشبكة السورية لحقوق الإنسان)

تجدر الإشارة إلى أن الهيئة الآن في مرحلة التحضير لبدء عمل اللجان، وإعداد ملفات الادعاء ورفعها إلى القضاء لاستصدار مذكرات توقيف قضائية، و«سيتم التعاون مع كل الجهات والهيئات الدولية في سبيل إقامة العدل، وإنصاف الضحايا، وإحالة المجرمين إلى القضاء». وستشمل المحاسبة، حسب العميد عبد اللطيف، مرحلتَي الأسد الأب والابن، على امتداد أربع وخمسين عاماً، لأنه «من غير الأخلاقي عدم تسليط الضوء على الجرائم التي ارتكبها نظام حافظ الأسد، والماثلة لغاية الآن أمام التاريخ»، مثل مجزرة حماة التي راح ضحيتها أكثر من ثلاثين ألف ضحية، ومجازر جسر الشغور وحي المشارقة في حلب، وسجون تدمر وغيرها. «أهالي حماة يسألون إذا كان عملنا سيشمل مجازر الثمانينات، التي لم يتم التركيز عليها عالمياً لغياب الإعلام حينذاك»، غير أنه يطمئنهم مؤكداً أن «الهيئة ستستمع للجميع».

جرائم الماضي

يغطي مسار العدالة الانتقالية في سوريا، الفترة ما قبل 8 ديسمبر (كانون الأول)، وليس بعدها، وفق المرسوم الرئاسي، «وعموماً العدالة الانتقالية تبحث في جرائم الماضي»، يقول العميد عبد اللطيف في رده على سؤالنا، ويوضح: «صدر إعلان النصر وإعلان مؤتمر الحوار والإعلان الدستوري، وتشكلت الحكومة الانتقالية التي تضم وزارات الدفاع والداخلية والعدل، وهي الجهات المعنية بالتحقيق في قضايا الانتهاكات التي تحصل على الأراضي السورية، والقبض على الفاعلين ومحاكمتهم». أما هيئة العدالة الانتقالية فليست لها علاقة بتلك القضايا، دون استبعاد احتمال تكليف الهيئة بنظر بعض الجوانب التي قد تتصل بمسار عملها.

وفيما يخص الجرائم التي ارتُكبت قبل سقوط النظام من فصائل ومجموعات مسلحة غير سورية، جدَّد العميد عبد الباسط تأكيده أن المرسوم حدد الجرائم التي تسبب بها النظام البائد، لكن بما أنه هو من تسبب بدخول تنظيمات وقوات عديدة إلى الساحة السورية، يحق لكل سوري تعرض لاعتداء من أي فصيل أو جهة التقدم بشكوى ودعوى رسمية للهيئة وهي ستنظر فيها.

مصير المعتقلين والمفقودين من أكثر الأثار المروّعة للصراع في سوريا (أ.ف.ب)

تشكيل مجلس الهيئة

منذ صدور مرسوم تشكيلها منتصف مايو الماضي، تلقَّت الهيئة نحو 120 طلباً تقدم بها راغبون في العمل ضمن الهيئة، وجار اختيار خمسة عشر اسماً منها أعضاء في مجلس الهيئة، بالإضافة إلى الرئيس، ليكون عدد أعضاء المجلس ستة عشر عضواً. ويشرح القاضي العميد عبد اللطيف أن باقي المتقدمين سيتم توزيعهم إلى مجموعات حسب الاختصاص، للاستفادة منهم في عمل اللجان كلٌّ حسب اختصاصه. مع التأكيد على «الركيزة الأساسية لعمل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، أي الضحايا».

ملصق بمدينة عفرين شمال سوريا أغسطس 2023 في الذكرى العاشرة للهجمات الكيماوية على دوما قرب دمشق (أ.ف.ب)

وكشف رئيس الهيئة عن لقائه مع ممثلين لأكثر من عشرين دولة، خلال الشهرين الماضيين، ونحو ثلاثين منظمة مجتمع مدني محلية ودولية، تُعنى بالشأن السوري وشؤون العدالة. وقال: «كان رجاؤنا مع الجهات الدولية الاتجاه نحو إنشاء صندوق جبر الضرر، بسيادة وطنية سورية ومساهمة دولية، لأن القضية السورية لها خصوصية كبيرة، فالنظام البائد دمَّر البلد بشكل كامل وخلَّف عبئاً ثقيلاً، والدولة غير قادرة على تحمل هذا العبء وإعادة الإعمار». معبراً عن أمله بإدراج إعادة الإعمار ضمن جبر الضرر، على الأقل من جهة ترميم البيوت التي تحتاج إلى ترميم جزئي، على سبيل مواساة المتضررين ومساعدتهم.

وعن التعاون مع المنظمات السورية، قال إنها «راكمت خلال السنوات الماضية خبرات ممتازة فيما يتعلق بحقوق الإنسان والعدالة الانتقالية والمفقودين والمختفين قسرياً»، ويعد «التعاون معها هو الجزء الثاني من تشكيل الهيئة، أما الجزء الثالث فسيتشكل من الأكاديميين الحقوقيين والمؤرخين، الذي سيعملون في لجنة الذاكرة الوطنية وتخليد الذكرى من أجل التوثيق للأجيال القادمة ومنع تكرار الجرائم».

وبعد صدور مرسوم منتظَر لتشكيل أعضاء مجلس الهيئة وعقد الاجتماع الأول، سيتم التوجه بشكل تدريجي إلى المحافظات، بدءاً من الأكثر تضرراً، لكن في الوقت الراهن، يقول العميد عبد اللطيف، إنه لا إمكانات لفتح أربعة عشر فرعاً في المحافظات.

آلية تلقي الدعاوى

حول آلية العمل وتلقي الدعاوى، جارٍ العمل على إطلاق منصة إلكترونية و تخصيص أرقام هواتف لتلقي الطلبات، مع وجود برنامج لحماية الشهود. وستفرَز الطلبات وفق عمل اللجان؛ مثلاً، تذهب الادعاءات إلى لجنة الكشف عن الحقيقة التي تتولى جمع الدلائل والبراهين واستكمال ملفات الدعاوى.

وحول مدى الاستفادة من تجارب العدالة الانتقالية في العالم، قال عبد الباسط عبد اللطيف، إن العديد من الدول ذهبت في اتجاه المصالحة، ودول أخرى اتجهت نحو العدالة والمحاسبة، «نحن سنسعى لتجنب الأخطاء التي وقعت فيها تلك التجارب، ونحاول قدر الإمكان الاستفادة من إيجابياتها». وحسب رؤيته «لا بد من توازي المسارين في سوريا؛ الأول إطلاق مسار العدالة والإنصاف و المحاسبة حتى يطمئنّ المجتمع السوري بشكل كامل إلى أن العدالة أخذت مجراها، حينها يمكن الذهاب نحو مسار المصالحة الوطنية والسلم الأهلي».

وبالنظر إلى وجود أكثر من خمسين تجربة للعدالة الانتقالية في العالم، بعض الدول استغرقت خمس سنوات، وأخرى ثماني سنوات، أما النظام الداخلي للمرسوم السوري، فحدد مدة الولاية الزمنية بخمس سنوات، رغم التحديات الصعبة والكثيرة، «نأمل في إنجاز المهام خلال خمس سنوات، وإذا لم تكن كافية يمكن طلب تمديد لسنة وسنتين».

اقرأ أيضاً


مقالات ذات صلة

أوروبا محبطة من «فيتو» أوربان وتبحث عن بدائل لتأمين قرض لأوكرانيا

أوروبا جانب من المؤتمر الصحافي الختامي للقمة الأوروبية ببروكسل... يوم 20 مارس الحالي (إ.ب.أ) p-circle

أوروبا محبطة من «فيتو» أوربان وتبحث عن بدائل لتأمين قرض لأوكرانيا

أوروبا محبطة من «فيتو» أوربان وتبحث عن بدائل لتأمين قرض لأوكرانيا، وزيلينسكي يؤكد استئناف المحادثات مع واشنطن لإنهاء الحرب الروسية.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
أوروبا سعر لتر البنزين الخالي من الرصاص ووقود الديزل خارج محطة وقود تابعة لشركة «إيسو» في لوتروورث وسط إنجلترا (أ.ف.ب) p-circle

بوتين على خط الوساطة لإنهاء الحرب... مقترحات روسية لتسوية الأزمة

الرئيس الروسي يتوسط مع نظيره الأميركي لوقف الحرب على إيران بعد مرور يوم واحد على تعهده بمواصلة دعم طهران وتأكيد التزام بلاده بمسار الشراكة بين البلدين

رائد جبر (موسكو )
المشرق العربي سوريون يبحثون عن ذويهم بين كشوف المعتقلين في سجن بدمشق (رويترز)

مسؤول مخابرات سوري سابق أمام محكمة بريطانية في جرائم ضد الإنسانية

حضر ‌مسؤول سابق في المخابرات الجوية السورية جلسة استماع بمحكمة بريطانية عبر دائرة تلفزيونية اليوم (الثلاثاء) في مواجهة اتهامات بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وتعذيب

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي شرطة مكافحة الإرهاب في لندن (أرشيفية - متداولة)

مسؤول سوري سابق يواجه في لندن تهماً بارتكاب جرائم ضد الإنسانية

وجّه القضاء البريطاني إلى سوري تهمة القتل العمد، إضافة إلى التعذيب، بوصفهما من الجرائم ضد الإنسانية، على خلفية هجمات استهدفت مدنيين في سوريا عام 2011.

«الشرق الأوسط» (لندن)
تحليل إخباري براميل نفط مطبوعة بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد ومضخة نفط وخريطة توضح مضيق هرمز وإيران (رويترز) p-circle

تحليل إخباري فرنسا تعزز حضورها العسكري في الخليج وتنشط دبلوماسيا

باريس تعزز حضورها العسكري في الخليج والمتوسط، وتنشّط اتصالاتها الدبلوماسية، وتحرص على «مصداقيتها» إزاء حلفائها وشركائها، مستبعدة الاستجابة لدعوات خفض التصعيد

ميشال أبونجم (باريس)

خطة أمنية لبيروت الإدارية لطمأنة النازحين وتبديد هواجس مضيفيهم

خيام للنازحين في موقف للسيارات بوسط بيروت (أ.ف.ب)
خيام للنازحين في موقف للسيارات بوسط بيروت (أ.ف.ب)
TT

خطة أمنية لبيروت الإدارية لطمأنة النازحين وتبديد هواجس مضيفيهم

خيام للنازحين في موقف للسيارات بوسط بيروت (أ.ف.ب)
خيام للنازحين في موقف للسيارات بوسط بيروت (أ.ف.ب)

استفاقت بيروت الإدارية على بدء تنفيذ إجراءات وتدابير أمنية غير مسبوقة معززة باستقدام وحدات إضافية من الجيش وقوى الأمن الداخلي وتسيير دوريات عسكرية، وأخرى مخابراتية بلباس مدني تتبع كافة القوى الأمنية للإمساك بالوضع الأمني وقطع الطريق على من يحاول الإخلال به، والإساءة لاستيعاب واحتضان أهالي بيروت للنازحين، وللحفاظ على الاستقرار والسلم الأهلي، على أن تتلازم مع تدابير مماثلة تشمل المناطق التي تستضيفهم لتفويت الفرصة على إسرائيل في رهانها على إحداث فتنة مذهبية مع تدفّق مزيد من موجات النزوح.

خيام للنازحين الهاربين من الجنوب والضاحية الجنوبية في وسط بيروت (رويترز)

فبيروت الإدارية اليوم غير ما كانت عليه قبل استقدام التعزيزات للإمساك بالوضع مع بدء الجيش بمؤازرة القوى الأمنية بتطبيق خطة متكاملة. وعلمت «الشرق الأوسط» من مصدر وزاري رفيع أن التحضير للخطة الأمنية التي بوشر بتنفيذها بدأ على مراحل بترؤس رئيس الجمهورية العماد عون الاجتماع الاستثنائي لمجلس الدفاع الأعلى، وأتبعه بلقاء القيادات العسكرية والأمنية، تُوّج بوضع اللمسات الأخيرة عليها، وحُددت ساعة الصفر لتنفيذها، على أن تشمل بيروت الإدارية باعتبارها الحاضنة للعدد الأكبر من موجات النزوح، وتتبعها تدابير مماثلة تشمل المناطق التي تستضيف النازحين لطمأنتهم وتبديد ما لدى مضيفيهم من هواجس ومخاوف من التجاوزات التي تحصل، وعلى رأسها وجود أفراد يتجولون بأسلحتهم بين المراكز المخصصة لإيوائهم.

وكشف المصدر أن الاجتماعات التي عقدها عون تباعاً مع رئيسَي المجلس النيابي نبيه برّي، والحكومة نواف سلام، وقائد الجيش العماد رودولف هيكل، جاءت في سياق التحضير للمناخ السياسي المواتي لوضع تنفيذ الخطة الأمنية على نار حامية، وقال إن استقبال برّي لوزير الداخلية والبلديات العميد أحمد الحجار هو للتأكيد على أن اللعب بالأمن خط أحمر ولا يمكن السماح لأي كان بتهديده، وأن الخطة تحظى بتأييد برّي لتدارك حصول احتكاكات أو إشكالات بين النازحين ومضيفيهم، مبدياً ارتياحه لاحتضانهم واستيعابهم وللحملات التضامنية بالتعاون مع القوى السياسية في العاصمة والأماكن الأخرى لتأمين احتياجاتهم الضرورية.

وأكد أن برّي لم يتردد في طلب التشدُّد لضمان تنفيذ الإجراءات والتدابير الأمنية للحفاظ على الاستقرار ومنع أي تفلُّت أمني يفتح الباب أمام إغراق العاصمة في فتن مذهبية متنقلة، ووجوب التدخل فوراً لوأدها بملاحقة المخلين بالأمن ومحاسبتهم أمام القضاء المختص، ما يشكل شبكة أمان لقطع الطريق على إسرائيل التي تراهن على أن تدفق موجات النازحين إلى بيروت الإدارية سيتحول عاجلاً أو آجلاً إلى قنابل موقوتة سرعان ما تنفجر ويصعب السيطرة عليها، وتؤدي إلى إقحامها في نزاعات مذهبية. وقال إن التقارير التي ترد يومياً إلى عون من قبل الأجهزة العسكرية والأمنية تشير إلى أن 80 في المائة من الإشكالات تحصل بين النازحين أنفسهم، في حين أن 20 في المائة منها يعود إلى إشكالات فردية بين النازحين والمضيفين تتطلب معالجتها فوراً للسيطرة عليها لعدم تعكير علاقتهم بمضيفيهم.

لا يزال مئات النازحين ينامون في خيام بوسط بيروت رافضين الانتقال إلى مراكز للنزوح في الشمال أو جبل لبنان (رويترز)

ولفت المصدر إلى أن التنسيق قائم بين القيادات الأمنية والمعنيين بملف النزوح في حركة «أمل» و«حزب الله» بغية التعاون لتفادي التجاوزات التي تحصل من دون مبرر لها، ومعظمها يتعلق بمرور سيارات حزبية في شوارع العاصمة يصر أصحابها على بث الأناشيد والخطب، ومعظمها للأمين العام السابق لـ«حزب الله» حسن نصر الله الذي اغتالته إسرائيل، وهذا يستدعي تدخلهم لوضع حد لهذه التصرفات التي ترتد سلباً على تضامن البيارتة مع النازحين. وأكد أن مسؤولين في «حزب الله» ممن يهتمون بالنازحين يشكون باستمرار، في اتصالاتهم بالقيادات العسكرية والأمنية ووزراء، من وجود حملات تحريض على النازحين، وتحديداً ضد الجماعات المنتمية للحزب، ما يرفع من منسوب الاحتقان، وهم يغمزون من قناة حزب معين، في إشارة إلى «القوات اللبنانية»، بذريعة أنه يضيّق الحصار عليهم ويمنعهم من الإقامة في المناطق الخاضعة لسيطرته.

وقيل لمسؤولي الحزب، كما علمت «الشرق الأوسط»، إنه لا مشكلة تعوق معالجة ما يشكو منه بعض النازحين شرط أن يتجاوب الحزب مع رغبتهم في منع تنقل بعضهم، وإن كانوا قلة، بسلاح لا مبرر له ولا يخدم التضامن مع النازحين. فالشكوى في هذا الخصوص لا تقتصر على حزب معين، وإنما تكاد تكون شائعة لدى أهالي بيروت.

كما طالبوهم بضبط أداء مسؤوليه ومنعهم من استخدام المواقف والخطب النارية من العيار الثقيل التي تولد حالات من الحذر والريبة، وتذكّر أهالي العاصمة باجتياحه مدينتهم في مايو (أيار) 2008 احتجاجاً على قرار حكومة الرئيس فؤاد السنيورة آنذاك بتفكيك شبكة الاتصال الخاصة التابعة للحزب. فالضرورة تقضي، بحسب المصدر، بالحفاظ على التعايش في العاصمة والمناطق التي تستضيف النازحين بدلاً من اتباع بعض المجموعات سلوكاً لا يخلو من الاستفزاز.

وفي هذا السياق، علمت «الشرق الأوسط» أن نواباً سألوا زملاءهم في كتلة «الوفاء للمقاومة» عن الجدوى من تهديد أمين عام الحزب نعيم قاسم اللبنانيين بالحرب الأهلية، وملاقاته من قبل نائب رئيس مجلسه السياسي الوزير السابق محمود قماطي بإطلاق تهديدات ببتر اليد التي تمتد إلى سلاح المقاومة، وانضمام مسؤول وحدة الارتباط والتنسيق السابق في الحزب وفيق صفا لاحقاً إليهما بتهديده بالنزول إلى الشارع ما لم تتراجع الحكومة عن قرارها الأخير المتعلق بالجناح العسكري للحزب؟

وتوقف هؤلاء النواب المنتمون إلى كتل متعددة أمام اضطرار برّي للتدخل في حينها لدى الحزب لمنع توجّه محازبيه بمسيرات سيّارة إلى بيروت بذريعة الاحتجاج على ما يسمونه بـ«الخطيئة» التي ارتكبتها الحكومة بدعوة الحزب لتسليم سلاحه تطبيقاً لحصريته بيد الدولة، مبدين ارتياحهم لرد فعله أمام زواره على تهديد صفا الذي لا مبرر له وكان في غنى عنه، ما يضع قاسم أمام مسؤوليته حيال برّي، الذي يسعى جاهداً لتنقية الأجواء من الشوائب التي تعتريها والتي تعود إلى تجاوزات لا جدوى منها سوى أنها ترفع منسوب الاحتقان الذي وحدها إسرائيل هي المستفيدة منه بزرع الشقاق بين اللبنانيين، وتهديد وحدتهم التي هي بمنزلة سلاح معنوي في تصديهم للأخطار التي تهدد بلدهم. ويبقى على الحزب أن يستجيب للإجراءات والتدابير التي وحدها توفر شبكة الأمان للنازحين ومضيفيهم في آن واحد، وهذا يتطلب منه بالدرجة الأولى التصدي لحالات الانفلاش التي تُقلق مضيفيهم.


الحبّانية… منتجع عراقي للسياحة والحروب

الجفاف كان الزائر الدائم لبحيرة الحبانية العراقية خلال السنوات الماضية (أ.ف.ب)
الجفاف كان الزائر الدائم لبحيرة الحبانية العراقية خلال السنوات الماضية (أ.ف.ب)
TT

الحبّانية… منتجع عراقي للسياحة والحروب

الجفاف كان الزائر الدائم لبحيرة الحبانية العراقية خلال السنوات الماضية (أ.ف.ب)
الجفاف كان الزائر الدائم لبحيرة الحبانية العراقية خلال السنوات الماضية (أ.ف.ب)

مع تصاعد الضربات الأميركية التي طالت مواقع عسكرية في العراق خلال الأيام الأخيرة، عادت الحبّانية إلى واجهة الأحداث، لكن هذه المرة في سياق مختلف؛ إذ تشير البيانات الرسمية إلى أن الاستهداف طال وحدات من الجيش العراقي، في موقع مشترك دون تسجيل خسائر في صفوف «الحشد الشعبي»، رغم أن القاعدة تُستخدم غالباً موقع انتشار مشتركاً.

وحسب بيان وزارة الدفاع العراقية، فإن الضحايا الذين سقطوا في القصف هم من منتسبي الجيش، في تطور لافت يعيد طرح أسئلة حول طبيعة الأهداف وحدود الاشتباك، في واحدة من أكثر المناطق حساسية غرب البلاد.

جنود عراقيون يتفقدون موقعاً مُدمَّراً في قاعدة الحبّانية استُهدف بغارة جوية 25 مارس 2026 (أ.ف.ب)

الصحراء والدولة

تقع الحبّانية على مسافة نحو 85 كيلومتراً من بغداد، وعلى مسافة قريبة من الفلوجة، وتجمع بين بيئة صحراوية من الغرب ومراكز حضرية من الشرق. وتُعد بحيرتها، التي تمتد على مئات الكيلومترات المربعة، واحدة من أبرز المسطحات المائية في غرب العراق؛ ما منحها أهمية زراعية وسياحية على حد سواء.

لكن أهمية الحبّانية لا تقتصر على طبيعتها الجغرافية، بل تتجاوزها إلى دورها التاريخي في تشكل الدولة العراقية الحديثة.

صورة متداولة... منظر عام لبحيرة الحبّانية

سيادة عراقية

تعود جذور الحبّانية الحديثة إلى ثلاثينات القرن الماضي، حين أنشأت بريطانيا قاعدة RAF Habbaniya، لتكون إحدى أهم ركائز نفوذها العسكري في البلاد. ولم يكن اختيار الموقع عشوائياً؛ إذ وفر المسطح المائي والفضاء المفتوح بيئة مثالية للتدريب والعمليات الجوية.

وبرز دور القاعدة بشكل حاسم خلال حرب 1941 في العراق، حين تحولت مركزاً للمواجهة بين القوات البريطانية والجيش العراقي، في واحدة من أولى اللحظات التي تداخل فيها العامل العسكري مع الصراع السياسي في العراق الحديث.

وجعل هذا الإرث الحبّانية، في وعي الضباط العراقيين لاحقاً، رمزاً للنفوذ الأجنبي، وهو ما انعكس على المزاج العسكري الذي مهّد لثورة ثورة 14 يوليو (تموز) 1958، التي أنهت الحكم الملكي وفتحت الباب أمام مرحلة الانقلابات.

أرشيفية تعود لعام 1956 لمطار الحبّانية العسكري

ظل الانقلابات

خلال عقدي الخمسينات والستينات، لم تكن الحبّانية مركزاً مباشراً للانقلابات، لكنها بقيت جزءاً من البنية العسكرية التي تقوم عليها موازين القوة. فالقواعد الجوية، ومنها الحبّانية، كانت عنصراً حاسماً في أي تحرك عسكري، سواء لضمان السيطرة على الأجواء أو لتأمين خطوط الإمداد.

ومع انسحاب البريطانيين أواخر الخمسينات، تحولت القاعدة إلى منشأة عراقية خالصة، لتدخل ضمن شبكة مواقع عسكرية لعبت أدواراً غير مباشرة في الصراعات السياسية المتلاحقة.

صورة التقطها جندي أميركي عام 2009 لمدخل مقبرة الجنود البريطانيين في الحبّانية (إنستغرام)

عمق الحرب

خلال الحرب العراقية - الإيرانية، اكتسبت الحبّانية وظيفة مختلفة؛ إذ تحولت قاعدةً خلفية بعيدة نسبياً عن جبهات القتال المباشرة. واستُخدمت في التدريب وإعادة تنظيم الوحدات، فضلاً عن كونها جزءاً من العمق اللوجيستي للقوة الجوية العراقية.

هذا الموقع «الآمن نسبياً» جعلها منطقة استقرار عسكري، مقارنة بالقواعد القريبة من الحدود الشرقية التي تعرضت لهجمات متكررة.

إلى جانب دورها العسكري، عُرفت الحبّانية بصفتها وجهةً سياحية بارزة منذ السبعينات، مع تطوير منتجعها المطل على البحيرة، الذي افتُتح أواخر عهد الملكية وتوسع لاحقاً في السبعينات والثمانينات.

في تلك الفترة، كان المنتجع يعدّ من أبرز المصايف في العراق، ووجهةً للأزواج الجدد، قبل أن تتراجع مكانته تدريجياً بفعل الحروب والعقوبات ثم الفوضى الأمنية بعد 2003.

وتعرضت منشآته لدمار واسع خلال سنوات العنف، خصوصاً بعد سيطرة جماعات إرهابية على أجزاء منه بين 2006 و2007، قبل أن تستعيده القوات العراقية لاحقاً، دون أن يستعيد بريقه السابق.

صورة من أرشيف العريف تايلر ب. بارستو لجندية من المارينز الأميركي داخل المقبرة البريطانية في الحبّانية صيف 2009 (إنستغرام)

جفاف

بيئياً، تعكس بحيرة الحبّانية تقلبات حادة. فهي تعتمد بشكل كبير على الأمطار والإيرادات المائية من نهري دجلة والفرات؛ ما يجعلها عرضة للجفاف في سنوات الشح.

وخرجت البحيرة عن الخدمة جزئياً خلال السنوات الأخيرة بسبب انخفاض مناسيب المياه؛ ما أدى إلى اختلالات بيئية دفعت حيوانات برية، بينها الخنازير، إلى الاقتراب من المناطق السكنية.

لكن الموسم المطري الأخير أسهم، وفق وزارة الموارد المائية، في إنعاش البحيرة جزئياً، بعد توجيه إيرادات مائية عبر ناظمي الورار والذبان، في محاولة لإعادة التوازن البيئي وتعزيز الخزين المائي.

وتعود الحبّانية إلى دائرة الضوء، لكن ليس بصفتها منتجعاً ولا قاعدة تدريب، بل بصفتها ساحةً ضمن صراع إقليمي معقد. وبينما تتغير طبيعة الأدوار، تبقى القاعدة ثابتة في موقعها: نقطة التقاء بين الجغرافيا والتاريخ والسياسة.

فمن قاعدة بريطانية إلى رمز للسيادة، ومن منتجع سياحي إلى موقع عسكري حساس، تظل الحبّانية مرآة لتحولات العراق نفسه، بلد تتقاطع فيه الحروب مع الذاكرة، والطبيعة مع السياسة.


العراق والأردن يُحذران من الآثار المترتبة على الحرب في المنطقة

صورة تُظهر رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني وملك الأردن عبد الله الثاني (وكالة الأنباء العراقية)
صورة تُظهر رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني وملك الأردن عبد الله الثاني (وكالة الأنباء العراقية)
TT

العراق والأردن يُحذران من الآثار المترتبة على الحرب في المنطقة

صورة تُظهر رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني وملك الأردن عبد الله الثاني (وكالة الأنباء العراقية)
صورة تُظهر رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني وملك الأردن عبد الله الثاني (وكالة الأنباء العراقية)

بحث رئيس الحكومة العراقية محمد شياع السوداني، الخميس، مع العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني تطورات الأحداث في المنطقة.

وذكرت الحكومة العراقية، في بيان صحافي، الخميس، أن السوداني والملك عبد الله أكدا، خلال اتصال هاتفي، أهمية السعي الحثيث لوقف الحرب، وتعزيز التنسيق المشترك بين جميع الدول المعنية من أجل الحد من تداعياتها على الوضع الإقليمي والدولي.

كما حذّر الجانبان من الآثار المترتبة على الحرب التي انعكست على الجانب الاقتصادي وتأكيد بذل الجهود المطلوبة التي تضمن حرية الملاحة وفقاً للقوانين الدولية.