زوينة آل تويّه: المترجم يُفاوض «شبح المؤلف» في أحيان كثيرة

المترجمة العمانية تشدد على ضرورة ترجمة الأدب العربي للغات أخرى

زوينة آل تويّه
زوينة آل تويّه
TT

زوينة آل تويّه: المترجم يُفاوض «شبح المؤلف» في أحيان كثيرة

زوينة آل تويّه
زوينة آل تويّه

ارتبط اسم المترجمة العمانية زوينة آل تويّه بعدد من الأعمال المهمة المترجمة عن اللغة الإنجليزية، منها «بارتبلي النساخ» للأميركي هرمان ميلفل، ورواية «الهدية الأخيرة» للروائي التنزاني البريطاني عبد الرزاق قرنح، الحائز جائزة نوبل للآداب لعام 2021، و«شهر في سيينّا» للروائي الليبي - البريطاني هشام مطر، و«وحده العالم يصحو» للبلغارية ماريا بوبوفا، و«عمدة كاستربريدج- قصة رجل محترم» لتوماس هاردي، وغيرها.

حصلت زوينة على الماجستير في الترجمة من جامعة إدنبره بإنجلترا، كما أشرفت على مختبر الترجمة في مؤسسة «بيت الزبير»، ولها مجموعة قصصية بعنوان «المرأة الواقفة تجلس». هنا حوار معها حول الترجمة، واختياراتها للنصوص:

> ترجمتكِ لكتاب «شهر في سيينّا» للكاتب الليبي - البريطاني هشام مطر لها خصوصيتها، سواء من ناحية الحسّ اللغوي اللافت أو من حيث العناية الدقيقة بترجمة التفاصيل الفنية المرتبطة بالأعمال التشكيلية والرحلة السيينية. كيف اقتربتِ من هذه التجربة وما الذي شكّل تحدياً فيها؟

- لا شك أن أي كتاب يُترجَم -شأنه شأن أي كتاب يُكتَب- تحيط به قصص ومواقف وتجارب تشكِّل مصيره ومساره. وكتاب «شهر في سيينّا» ليس برواية ولا قصة ولا سيرة ذاتية، لكنه نتج عن هذا كلِّه واتخذ له مساره الخاص مستفيداً من المدرسة الفنية السيينية. الترجمة بدورها ما كان لها أن تغفل ما سبق الكتاب من تجارب أسهمت في تشكيله، والرجوع إلى أصل الحكاية، وتأمل تجربة الكاتب المريرة وما ألقته من ظلال على حياته. هنا يختلط الواقع بالمتخيَّل ويشتبك الفن بالسرد واللغة وتأمل الحياة والموت والحب والخير والشر في لوحات قديمة قلَّما تشغل الناس اليوم، لكنها على قِدمها وإيغالها في التاريخ شغلت الكاتب وانغمس في قراءتها وتأمُّلها ومحاورتها وتفكيك رموزها على خلفية قصته المؤلمة.

يمكننا القول إن الكاتب استعان بالعام ليدرك الخاص، تناول الصورة الأكبر لينظر في تجربته الأصغر. فكرة بهذا التعقيد لا بد أن تشكِّل تحدِّياً في الترجمة. كان لا بد من الجلوس أمام كل لوحة وتصوُّرها كما تصوَّرها الكاتب، فالأمر أشبه باستعارة عين أخرى وفكر آخر. وهذا ليس بالأمر الهين، فلكل امرئ مسلكه وسبيله في رؤية الأشياء، ويصبح ذلك أعقد إذا ما فكرنا في مزاج المشاهد وثقافته. يحدث أيضاً أن يركز الكاتب على تحليل عنصر من عناصر اللوحة، ثم ينقل القارئ إلى زمن آخر ومكان آخر وفكرة أخرى رابطاً بين هذا كله وبين رؤيته، ومستعيناً في أحايين أخرى بقصة أو حادثة أو قول أو كتاب.

> كذلك حملت ترجمتك لكتاب الروائية العمانية جوخة الحارثي «الجسد في الغزل العذري» تحدياً من نوع آخر، كيف خضتِ هذه الرحلة، وما أبرز ما استوقفك خلالها؟

- في كتاب «الجسد في الغزل العذري» التي كتبته بالإنجليزية، شاركتُ الكاتبةَ شَغَفَها بالشعر العربي القديم، وشهدتُ معها بذرة الكتاب تنمو منذ دراستنا معاً في الجامعة نفسها، فكان لهذا أثر في ترجمته بعد ذلك بسنوات. ترجمةُ هذا الكتاب تشبه من يعود إلى وطنه وسكناه بعد طوافه في الأرض زائراً بلاداً وآفاقاً شتَّى، ولا سيَّما أنه كُتِب في بلاد أجنبية. القصائد خصوصاً، كانت أيسر ما تناولته الترجمة بالرجوع إلى دواوين الغزل العذري، وكذا الأمر مع المراجع العربية، لا سيَّما «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني الذي اتخذته الكاتبة مصدراً رئيساً لأخبار الشعراء العذريين. وسهل من ترجمة الكتاب قرب الكاتبة وسهولة الاتصال بها في كل ما يشكل أو يظهر من عقبات، وإتاحتها بعض المراجع العربية والأجنبية. لكنَّ العمل لم يخلُ من إعادة نظر في بعض المراجع التي لم تعد متاحة، وكان لزاماً التصرف وإيجاد بدائل والبحث عن مصادر أحدث تناولت الموضوع.

> كيف تنظرين إلى ظاهرة تكرار ترجمة الأعمال الكلاسيكية، هل ترين في هذا التكرار إثراءً أم إرباكاً للمشهد القرائي؟

- إعادة ترجمة بعض الأعمال، خصوصاً الأعمال الكلاسيكية، تمنحها الحياة والولادة من جديد. فهي أعمال خالدة مثل «الجريمة والعقاب»، و«الإخوة كارامازوف» و«الحرب والسلم»، و«مدام بوفاري» وغيرها. ولا شكَّ أن وجود أكثر من ترجمة لعمل واحد يتيح للقارئ اختيار ترجمة بعينها، ومترجم بعينه، وحتى دار النشر، وقد يدخل في ذلك عامل السعر أيضاً. لا ننسى أيضاً أن ثمَّة أعمالاً تُرجِمَت عن لغة وسيطة، وهذه أولى بأن تُعاد ترجمتها عن لغتها الأصل متى ما سنحت الفرصة. إلا أن عشوائية إعادة الترجمة تؤثر في هذه العوامل كلها غافلةً عن أعمال أخرى لم تترجم قطّ. وهذه العشوائية تكثر في الترجمات العربية فيختلط الحابل بالنابل؛ إذ تغيب عنها المنهجية والتنظيم، فترجمة جديدة للكتاب نفسه لا تتلافى عثرات ترجمته السابقة بل تزيد الطين بِلَّة بإضافة عثرات أخرى. لا يوجد حوار بين هذه الترجمات ليقدم كل منها رؤية مختلفة أو تأويلات جديدة للنص الأصلي.

> ما الذي جذبك لترجمة رواية «هامنت» للكاتبة الآيرلندية ماجي أوفاريل؟ بخاصة في مقاربتها لعالم شكسبير من زاوية حميمية وشخصية؟

- رواية «هامنت» لا تتناول حياة شكسبير نفسه، بل تشير إليه من طرف خفي، حتى إنها لا تمنحه اسماً، فهو الأب والزوج والمعلم. إنها تركِّز على ابن شكسبير وزوجته وعائلته، ولعل هذا هو أكثر ما يثير اهتمام القارئ. الاقتراب من حياة المحيطين بشكسبير. اخترت ترجمة هذه الرواية لأنها سرد حيّ لمعنى الأمومة والحب والزواج والأبناء والعائلة، بلغة تكاد تكون شعرية وحالمة.

> من واقع تجربتكِ، ما الذي قد يجذب المترجم إلى الاشتغال على نص منقول عبر لغة وسيطة، كما في تجربتك مثلاً مع ترجمة مييكو كاواكامي؟ ما التحديات التي يفرضها هذا المسار؟

- ينبغي أن نعترف، نحن المترجمين، بأن القارئ الذي يقرأ ترجمة ما إنما يقرأ أسلوب المترجم أكثر مما يقرأ أسلوب المؤلف نفسه، مهما ادعينا اقترابنا من النص الأصل وإخلاصنا له. كأن النص الأصل يُكتَب كتابةً ثانية، فالقارئ مثلاً يقرأ أسلوب صالح علماني في «مائة عام من العزلة» أكثر مما يقرأ أسلوب ماركيز، وبالمثل في ترجمة الرواية إلى الإنجليزية، يقرأ القارئ غريغوري راباسا أكثر مما يقرأ ماركيز الذي ذهب بنفسه إلى حدِّ اعتبار ترجمة راباسا أفضل من الأصل الإسباني. إلا أن ذلك لا يعني ابتعاد الترجمة كليّاً عن النص الأصل واستيلاء المترجم على الأصل وتخريبه، إنما يَبِين للقارئ الحصيف ما يميز أسلوب مترجمٍ ما باستعماله تراكيب وصِيَغاً ومفردات معينة تدل عليه وتتكرر في ترجماته، خصوصاً إذا كان المترجم نفسه كاتباً. لكنَّ الأمر يتعقَّد إذا ترجم المترجم عن لغة وسيطة؛ فهو يترجم ترجمةً لا نصّاً أصليّاً، ومن ثم يمكننا القول إنه يترجم أسلوب مترجم النص عن لغته الأصل لا أسلوب الكاتب نفسه -إذا ما زعمنا اقترابنا من أسلوب الكاتب- فنكون أمام ثلاثة أساليب للنص الواحد. وفوق هذا قد لا يعرف القارئ أبداً أن الكتاب مترجَمٌ عن لغة وسيطة ما لم يُشِر المترجم أو الناشر إلى ذلك. ما زلتُ أتوجَّس من الترجمة عن لغة وسيطة وأرتاب منها وأنظر إليها بتحرُّز؛ لا سيَّما إذا كان الكاتب معروفاً بحيله السردية أو غموض أسلوبه، فقد خَبُرتُ هذا في ترجمة رواية «الجنة» لمييكو كاواكامي وكتاب آخر أترجمه منذ مدة. كان من محاسن المصادفات أن تمكنتُ من مراسلة مترجم رواية كاواكامي من اليابانية إلى الإنجليزية، بعد ما وجدت ارتباكاً في النص المترجم ظننته موجوداً في الأصل، ثم راجع المترجم ترجمته وأكَّد وجود الارتباك في ترجمته نفسها لا في الأصل. إلا أنني لاحظت أن المترجم وقع في هذا الارتباك بسبب غموض النص الأصلي وتلاعب الكاتب بالسرد. هذا بالطبع ليس دفاعاً ولا تبريراً، بل ملاحظة لا غير.

> حسب أمبرتو إيكو فإن «الترجمة عملية تفاوض مستمرة بين لغتين». كيف تتجلى هذه الفكرة في تجربتك؟ وبرأيك، هل يتم هذا التفاوض مع النص والكاتب الغائب، أم مع القارئ في اللغة الهدف، أم مع الناشر وحدود السوق؟

- المفاوضة في الترجمة أمر لا بدَّ منه بغية الوصول إلى تسوية، والمترجم يفاوض أطرافاً عدة؛ النص الأصل، والنص المترجم، والثقافة التي ينتمي إليها النصان، ومؤلف النص الأصل، والقارئ، والناشر. على مستوى النص، لا تكاد المفاوضة تتوقف لتوليد صياغة مقبولة تعوِّض عن الخسارات التي كثيراً ما تواجه المترجم، وهذا يعني أيضاً أن الترجمة تأويل مستمر في سياق ثقافي ولغوي جديد كما يذهب أمبرتو إيكو، لا سيَّما أن المترجم يفاوض «شبح المؤلف» في كثير من الأحيان. خَبُرتُ مفاوضة المؤلف في ترجمتَي «الجسد في الغزل العذري» و«شهر في سيينا»، حيث كان الكاتبان حاضرين للنقاش والمفاوضة. وفي ترجمة رواية «الهدية الأخيرة» لعبد الرزاق قرنح تحفَّظتْ الجهة الراعية لترجمة أعمال قرنح على بعض المفردات الواردة في الرواية مقترحة تخفيف حدَّتها، لكنني أصررتُ على ترجمتها مثلما كانت في الأصل حرصاً على نقل أثرها إلى العربية.

> برأيك، لماذا لا تزال جهود الترجمة العكسية من العربية إلى الإنجليزية أقل من المستوى الذي نطمح إليه؟ وما العوائق التي تَحول دون ذلك؟

- في مطلع الثمانينات أسَّست الأديبة والمترجمة والناقدة والأكاديمية الفلسطينية سلمى الخضراء الجيوسي «مشروع بروتا - PROTA» الذي عُنِيَ بنقل الأدب العربي إلى الإنجليزية، وضمَّ المشروع موسوعات وكتباً رائدة في الأدب العربي بين شعر ومسرح ورواية وقصة وما يتعلق بالحضارة العربية الإسلامية. وقد نجح هذا المشروع المتميز نجاحاً كبيراً حتى إنه أثار حفيظة المثقفين الإسرائيليين المقيمين في أميركا الذين سعوا إلى الحيلولة دون ترجمة الأدب الفلسطيني ونشره، حسب الناقدة الدكتورة مديحة عتيق. لا أعرف إذا كان هذا المشروع الرائد ما زال قائماً، لكننا اليوم في أمسّ الحاجة إلى مثيله أكثر من أي وقت مضى. بخاصة أن معظم الكتب المترجمة أصبحت روايات وقلَّما نرى دواوين شعر وكتباً فلسفية ونقدية وعلمية مترجمة.


مقالات ذات صلة

«الأمل مرضي المفضل»... الماضي وجراحه روائيّاً

ثقافة وفنون «الأمل مرضي المفضل»... الماضي وجراحه روائيّاً

«الأمل مرضي المفضل»... الماضي وجراحه روائيّاً

في المفارقة التي ينطوي عليها عنوان رواية «الأمل مرضي المفضل» للروائي المصري مينا ناجي، يتحدد أحد توتراتها الأساسية

منى أبو النصر (القاهرة)
ثقافة وفنون الذات والتاريخ في «مرآتان لوجه واحد»

الذات والتاريخ في «مرآتان لوجه واحد»

صدر أخيراً في القاهرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب ديوان «مرآتان لوجه واحد» للشاعر العراقي عدنان الصائغ، ضمن إصدارات سلسلة «الإبداع العربي».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الولايات المتحدة​ الصحافي الأميركي بوب وودوارد (أ.ب- أرشيفية)

كاشف أسرار واشنطن... بوب وودوارد يزيح الستار عن مصادره السرية

يكشف الصحافي المخضرم بوب وودوارد في مذكراته الجديدة هويات مصادره السرية، وكواليس تحقيقاته عن أسرار واشنطن، ويوجِّه انتقادات إلى جيف بيزوس.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
لمسات الموضة يسلط الكتاب الضوء على عملية الإبداع وما يليها (ديور)

كتاب يستعيد زمناً وفرصة ذهبية في دار «ديور»

يتضمن الكتاب شعوراً عميقاً بالامتنان من شاب أُتيحت له فرصة استثنائية للعمل مع الكبار ثم عاد بعد عقود ليستحضر تلك المبادرة التي غيّرت مسار حياته

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون تكريم مبارك ربيع في أصيلة

الروائي المغربي مبارك ربيع: حضورنا الأدبي في المشرق غير مُرضٍ

يُعدّ الروائي والأكاديمي المغربي مبارك ربيع أحد أبرز الأسماء التي أسهمت في تأسيس الرواية المغربية الحديثة، ومن الجيل الذي رافق تحولات المجتمع المغربي

ميرزا الخويلدي (أصيلة - المغرب)

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟
TT

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟

لم يعد الكتاب الصوتي يقف على هامش عالم النشر، بوصفه نسخة أخرى من كتاب سبق أن اكتملت حياته على الورق. ففي معرض فرانكفورت للكتاب، الذي أقيم بين السابع والحادي عشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2026، احتلّ موقعاً بارزاً، لا بوصفه ابتكاراً في وسائل الإتاحة فحسب، بل بوصفه تجربة ثقافية تعيد طرح أسئلة القراءة نفسها: كيف نتلقّى الأدب حين نسمعه؟ وماذا يضيف صوت الراوي إلى النص؟ وهل تستطيع الحكاية، حين تغادر الصفحة إلى الأذن، أن تبلغ قرّاء لم تكن تصل إليهم من قبل؟

اللافت، أن المعرض منح هذا التحوّل حيّزاً أوسع ضمن «فرانكفورت أوديو»، فجمع بين مركز جديد للقاء الناشرين والمنتجين والمنصّات، ومساحات تتيح للجمهور اكتشاف الأعمال المسموعة والاقتراب من أصحابها. ولم يقتصر البرنامج على مناقشة الأسواق ووسائل الإنتاج؛ بل شمل لقاءات بين الكتّاب والرواة، وفضاءً للاستماع إلى أدب الفانتازيا.

حين يصبح الصوت جزءاً من الكتاب

ليس الكتاب الصوتي نصًّا مطبوعاً أضيف إليه تسجيل فحسب. ففي المسافة بين الكلمة المكتوبة والكلمة المنطوقة، ينشأ عمل آخر يشتغل على المعنى: نبرة تكشف التردّد، ووقفة تمنح الصمت ثقله، وإيقاع يقرّب الشخصيات أو يباعد بينها. لا يكتب الراوي الحكاية من جديد، لكنه يقترح سبيلاً إلى سماعها، ويصبح أداؤه ضرباً من التأويل؛ فقد يلتقط المستمع في جملة مألوفة سخرية خفيّة أو حزناً لم ينتبه إليه على الصفحة.

وتزداد هذه العلاقة خصوصية حين يقرأ الكاتب سيرته بنفسه. ففي النسخة المسموعة من «وأصبحت» لميشيل أوباما، التي أدّتها بصوتها، يغدو الاستماع لقاءً بين رواية الحياة والصوت الذي يستعيدها. وكانت دار «بنغوين راندوم هاوس» قد وصفت النسخة المسموعة من مذكراتها بأنها الأسرع مبيعاً بين كتبها الصوتية آنذاك.

أما الأعمال الروائية التي ارتبط بها القرّاء طويلاً، فتفتح النسخة المسموعة باباً آخر للعودة إليها. ومن الأمثلة الدالّة اهتمام «فرانكفورت» بعالم «هاري بوتر»؛ إذ تضمّن برنامجه لقاءً مع الأصوات التي أدّت الكتب بالألمانية. هنا لا يأتي الجمهور لاكتشاف الحكاية وحدها، بل للتعرّف إلى من منح شخصياتها حضورها المسموع؛ كأنّ للرواية ذاكرة صوتية تضاف إلى ذاكرتها المكتوبة.

على أن خصوصية هذه التجربة لا تجعل الاستماع أعلى منزلة من القراءة البصرية أو أدنى منها. فقارئ الورق يضبط سرعته، ويتوقّف عند عبارة، ويعود بعينه إلى صفحة سابقة، في حين يختبر المستمع زمناً يصوغه الأداء، وإن استطاع إيقافه أو استعادته. إنهما علاقتان مختلفتان بالنص، ليست امتحاناً لإثبات أفضلية أحدهما على الآخر. وتكمن جاذبية الكتاب الصوتي أيضاً في أنه يوسّع الأوقات التي يمكن للأدب أن يجد فيها مكاناً: في الطريق، وأثناء المشي، وبين الأعمال اليومية.

جمهور يتّسع... ومبيعات يصعب حصرها

تقدّم فرنسا صورة دالّة على اتّساع هذه الصلة. فحسب بارومتر «صوفيا» والنقابة الوطنية للنشر وجمعية أهل الأدب لاستخدامات الكتاب الرقمي والكتاب الصوتي، الذي أنجزه معهد «ميديامتري» ونُشر في 2026، استمع نحو 10.1 مليون شخص، أي 17 في المائة من السكان بين 6 و80 عاماً، إلى كتاب صوتي رقمي خلال الاثني عشر شهراً الماضية. وتكشف الدراسة أيضاً عن أن جمهور هذا النوع من الكتب أصغر سنًّا، في المتوسط، من جمهور الكتاب المطبوع. والأهم ثقافيًّا ليس الرقم وحده، بل ما يفتحه من سؤال: هل يصبح الصوت مدخلاً إلى الأدب لدى فئات لا تجعل القراءة الورقية عادة ثابتة؟

رأت لور ساجيه، المديرة العامة لدار «أوديوليب»، في اتّساع العرض فرصة لتجديد الجمهور. وقالت لصحيفة «لوموند»، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، إن هذا التطوّر «سيجعل جمهور الكتاب الصوتي أصغر سنًّا، ويوسّع انتشاره». وربطت ذلك بإمكان تجربة مؤلّفين وأجناس مختلفة، بدلاً من حصر الاختيار منذ البداية في عنوان واحد. بهذا المعنى، قد تقود عتبة الاستماع السهلة إلى مغامرة أدبية: قصّة قصيرة لم يكن المتلقّي ليشتريها منفردة، أو كتاب للأطفال، أو كاتب يلتقيه للمرة الأولى.

غير أن عدد المستمعين لا يساوي عدد المشترين، ولا يكفي وحده لقياس مكانة الكتاب الصوتي في اقتصاد النشر. ففي مقالها «سبوتيفاي يربك عالم الكتاب الصوتي» المنشور في 26 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، أوضحت «لوموند» أن السوق الفرنسية لا تُقاس بدقّة، بسبب امتناع منصّات رئيسية عن نشر بياناتها، وقدّرتها آنذاك بنحو اثنين في المائة من قطاع النشر. وفي المقابل، تُظهر بيانات جمعية ناشري الكتب الصوتية الأميركية استمرار نموّ الإيرادات في الولايات المتحدة خلال 2025؛ إذ ارتفعت 9 في المائة لتبلغ 2.43 مليار دولار، بما يؤكّد أن الكتاب الصوتي لم يعد تجربة عابرة في أسواق النشر الكبرى. لكنّ نجاحه الثقافي يظلّ أوسع من حصيلته التجارية.

مَن يتحكّم في بوابة الاستماع؟

خلف الألفة التي يصنعها صوت الراوي، تقف وساطة أخرى أقلّ ظهوراً: المنصّة التي يكتشف عبرها المستمع كتابه. في فرنسا، رسّخت «أوديبل»، التابعة لـ«أمازون»، موقعاً مهيمناً في هذا المجال. وقدّرت صحيفة «لو فيغارو»، في مقالها «سبوتيفاي يستثمر مليون يورو لإنتاج كتب صوتية في أوروبا»، المنشور في 11 أبريل (نيسان) 2025، حصّتها آنذاك بنحو ثلثي السوق الفرنسية. وتناول المقال نفسه استثماراً أعلنت عنه «سبوتيفاي» لدعم الإنتاج في أسواق من بينها فرنسا وهولندا. وفي حديثها إلى «لوموند»، وصفت لور ساجيه عرضَي «أوديبل» و«سبوتيفاي» بأنهما «عرضان متكاملان»، يتيحان بيع كتب مختلفة. وأوضحت أن الاضطرار إلى مفاضلة حاسمة قد يدفع إلى اختيار الكتب الأشهر أو الأطول، في حين يشجّع إمكان التجربة على التنقّل بين مؤلّفين وأجناس أدبية قبل الاستقرار على عمل بعينه.

الناشرون بين توسيع الجمهور وحماية القيمة

لا يقف الناشرون خارج هذا التحوّل؛ فهم من يصنع مادّته الأدبية ويختار الأصوات التي تحملها. وفي فرنسا، تعمل دور متخصّصة، من بينها «أوديوليب» المرتبطة بهاشيت وألبان ميشيل، و«ليزي» التابعة لإديتيس، إلى جانب نشاط مجموعة «مادريغال»، على توسيع حضور الكتاب الصوتي. وقد ربط مسؤولو هذه الجهات وصول منصّات جديدة بإمكان تنويع الجمهور وإعادة تحريك أعمال من رصيدهم المنشور، لا بالاكتفاء بمرافقة الإصدارات الحديثة.

وفي هذا السياق، قال إريك ماربو، مدير المبيعات الرقمية في مجموعة «مادريغال»، لصحيفة «لوموند» إن العرض الجديد يتيح «استقطاب مستمعين عرضيّين جدد»، ولاحظ «تنوّعاً جميلاً في الأعمال المستمع إليها»، مرحّباً خصوصاً بالتفات الجمهور إلى عناوين أقدم في فهارس المجموعة. وهذه نقطة جوهرية في الرهان الثقافي: أن يمنح الصوت الكتاب حياة إضافية، وأن يعيده إلى التداول بعدما يكون قد ابتعد عن واجهات المكتبات.

وقد أعادت الكتب الصوتية إلى بعض روائع الأدب الكلاسيكي قرّاءً جدداً؛ فاستعادت «البؤساء» لفيكتور هوغو و«الكونت دي مونت كريستو» لألكسندر دوما حضورها بين المستمعين، كما سهّلت التسجيلات الصوتية الاقتراب من «البحث عن الزمن المفقود» لمارسيل بروست. وشهدت «كبرياء وهوى» لجين أوستن ارتفاعاً ملحوظاً في الاستماع، بما يثبت أن الصوت قادر على إحياء النصوص القديمة وإعادة الشباب إليها.

وبعيداً عن التفاؤل التجاري الذي يحمله هذا القول، فإن جمهور الكتاب الصوتي ليس كتلة واحدة؛ فتعدّد منافذ الوصول يمكن أن يتيح طرائق متباينة للقاء الأدب، بشرط أن يصاحبه تعدّد حقيقي في الأعمال المعروضة. ومن هنا يتّصل السؤال الثقافي بالتجاري: كيف تصل رواية أقلّ شهرة إلى الأذن التي قد تحبّها؟ وما الذي يضمن بقاء مكان للقصّة القصيرة، وللأعمال التي تحتاج إلى إصغاء صبور، حين يصبح الإقبال معياراً حاسماً في الاختيار؟ إن زيادة المعروض فرصة، لكنها لا تكفي وحدها لصون التنوّع. فليست قيمة الكتاب في قدرته على جمع ساعات الاستماع فحسب، بل في التجربة التي يتركها، ولو لدى جمهور محدود.


«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي

«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي
TT

«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي

«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي

يوثِّق كتاب «كتابة المذبحة... أشكال تناول صبرا وشاتيلا»، الصادر عن المركز القومي للترجمة بالقاهرة، للباحثة سمية ممدوح الشامي، الكثير من وقائعها، كما يأتي مواكباً للذكرى الرابعة والأربعين لحدث اختلط فيه السياسي بالإنساني بالثقافي، وتعددت بشأنه السرديات والشهادات، لكن المؤكد أنه يظل وصمة عار على جبين كل حر، حتى لو لم يعاصر وقائع إبادة المخيمين اللذين كانا يضمان لاجئين فلسطينيين في بيروت بين يومي 16 و18 سبتمبر (أيلول) 1982.

وحسب تقارير الأمم المتحدة، دخل مسلحون من «القوات اللبنانية»، الجناح العسكري لـ«حزب الكتائب»، إلى صبرا وشاتيلا، واستمرت عمليات القتل الجماعي نحو 43 ساعة لتخلف أعداداً غير مسبوقة من الضحايا، بينهم جثامين أطفال ونساء، لكن الكتاب الذي كان في الأصل آخر رسالة علمية بالإنجليزية ناقشتها الكاتبة والأكاديمية الراحلة رضوى عاشور قبل أسابيع من رحيلها في 30 نوفمبر (تشرين الثاني) 2014، يعيد تفكيك سردية المذبحة من منظور ثقافي ليرصد تجلياتها في التحليل الغربي والرواية العربية، على حد سواء.

يتوقف الكتاب، الذي ترجمته نسمة محمد دياب وياسمين أسامة الشيمي وراجعه عمرو زكريا عبد الله، بشكل خاص، عند تجارب ثلاثة مثقفين غربيين اختاروا أن ينظروا إلى المأساة الفلسطينية من خارج القوالب الجاهزة، وأن يستندوا إلى ما شاهدوه وقرأوه وعايشوه، بدلاً من الاكتفاء بإعادة إنتاج الخطاب الإعلامي السائد آنذاك.

على رأس هؤلاء يأتي الكاتب الفرنسي جان جينيه، لا سيما مقاله «أربع ساعات في شاتيلا» الذي يصف فيه، بلغة مشحونة بالألم، تفاصيل الصدمة التي خلفتها المشاهد التي رآها، كما توقف مطولاً عند إشكالية اللغة التي استخدمها الخطاب السياسي في وصف الفلسطينيين، وكيف يمكن لكلمة أو توصيف مختزل أن يحجب إنسانية الضحية ويطمس هويتها، كما ذهب إلى أن الواقعة تحولت من منظوره إلى مواجهة أوسع مع الاستبداد، بعد أن بات «يشتم رائحة الموت تنبعث من جسده»، وفق تعبيره.

وفيما يتعلق بالصحافي البريطاني روبرت فيسك، فقد اقترب من مأساة المخيم بأدوات التحقيق الصحافي الميداني، إذ توجه إلى المكان وعاين آثار المذبحة وطرح أسئلة مباشرة حول الروايات التي قُدمت لتفسير ما حدث، ومن بين ما لفت انتباهه الطريقة التي جرى بها استخدام اللغة، مثل استبدال تعبير فضفاض هو «أحداث» بكلمة «مذبحة»، أو حذف كلمة «فلسطيني» من بعض الصياغات، بما يسهم في طمس حقيقة ما جرى.

أما المفكر الأميركي نعوم تشومسكي، فيركز على الروايات الرسمية والحجج التي قُدمت حول المذبحة، محاولاً تفكيك ما اعتبره «تناقضات داخل بنيتها»، عبر أدوات التحليل والسخرية للكشف عن الفجوات بين ما قيل وما حدث على الأرض. كما توقف كذلك عند الطريقة التي يمكن أن يتحول بها الجدل السياسي إلى وسيلة لإغلاق النقاش، من خلال وضع «منتقدي الصهيونية» تلقائياً في مواجهة اتهامات بـ«معاداة السامية»، بما يصرف الانتباه عن مناقشة الظروف السياسية التي أحاطت بالمذبحة، على حد تعبيره.

في المقابل، تتوقف الباحثة عند ثلاث روايات عربية، هي: «الحب في المنفى» لبهاء طاهر، و«الطنطورية» لرضوى عاشور، و«باب الشمس» لإلياس خوري، إذ تتناول تلك النصوص المأساة من زوايا مختلفة، وتقدم سردية أدبية إبداعية لما حدث بالفعل، من خلال منظور فني يستند إلى سردية الواقع.

تضع «الحب في المنفى» الواقعة في سياق إنساني يتجاوز حدود فلسطين ولبنان، فالرواية تربط بين ما يواجهه المعارضون في العالم العربي وبين مآسٍ شهدتها شعوب أخرى، من تشيلي وغينيا إلى إسبانيا، لتصبح «صبرا وشاتيلا» واحدة من صور القمع التي يتعرض لها الإنسان عندما يتم إخضاع الآخرين وسلب حقوقهم بالقهر. وتقدم «الطنطورية» معالجة مختلفة، إذ تمتد أحداث الرواية زمنياً من نكبة 1948 إلى تحرير الجنوب اللبناني عام 2000، عبر حكايات الشخصيات وذكرياتها وما عاشته من تهجير وفقد، عبر سردية تمتزج فيها التفاصيل التاريخية مع جوانب من الحياة اليومية والتراث الشعبي الفلسطيني، مما يمنح الأحداث بعداً إنسانياً لافتاً. وتعيد «باب الشمس» بناء جانب واسع من تاريخ النكبة من خلال قصص الفلسطينيين وذاكرتهم، مثل سقوط قرى: عين الزيتون والبروة والشعب خلال عام 1948، فالكاتب هنا لا يتوقف فقط عند الأحداث الكبرى المحفورة في الوجدان العام، إنما يهتم أيضاً بالتفاصيل الصغيرة التي حفظها أصحابها، من أسماء الأماكن إلى حكايات العائلات وتجارب النزوح.


الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني

الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني
TT

الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني

الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني

تحت عنوان «الصراع حول أفريقيا»، صدر عن المركز القومي للترجمة في القاهرة الجزء الأول من كتاب «يوميات ويلفريد بلنت - سردية شخصية للأحداث من 1888 حتى 1914»، من تأليف الرحالة والشاعر والدبلوماسي البريطاني ويلفريد سكاون بلنت، ترجمة أسامة الغزولي.

يعد الكتاب سجلاً تاريخياً واجتماعياً يلتقي فيه الخاص بالعام، والسفر بالتأمل السياسي، عبر مفارقة نادرة لرجل انحاز للشرق وتعاطف معه ضد سياسات بلاده الاستعمارية، كما يكتسب أهمية خاصة للقارئ العربي لأنه يقدم شهادة شخصية مباشرة على مرحلة شديدة الاضطراب من تاريخ المنطقة، تمتد في الأصل إلى الفترة من 1888 إلى 1914.

عاش بلنت في الفترة من 1840 حتى 1922، وعمل في السلك الدبلوماسي البريطاني بين عامي 1858 و1869، ثم اتجه لاحقاً إلى السفر والكتابة، وارتبط اهتمامه بالشرق بعلاقته بزوجته الليدي آن بلنت، حفيدة الشاعر الإنجليزي لورد بايرون، إذ جاب الزوجان مناطق واسعة من الشرق الأوسط، وأسسا لاحقاً مزرعة لتربية الخيول العربية.

ورغم ذلك، لم يكن اهتمامه بالشرق مجرد شغف بالرحلات أو بالحياة البدوية، فقد تطور تدريجياً إلى موقف سياسي ناقد للإمبريالية البريطانية، بالتزامن مع موقف أقرب إلى الانبهار بالثقافة العربية.

وتكمن قيمة الكتاب في أن مؤلفه لم يكن مؤرخاً يكتب بعد عقود من وقوع الأحداث، وإنما رجل تحرك داخل دوائر سياسية واجتماعية متعددة، وشاهد شخصيات وأحداثاً وصراعات كانت لا تزال في طور التشكل، ولذلك تبدو اليوميات أقرب إلى كاميرا تتحرك بين لندن والقاهرة ومناطق الشرق، فتسجل الانطباعات والمحادثات والأخبار والقرارات، ثم تربطها بسياق سياسي أكبر.

ينتقل المؤلف إلى تونس وليبيا، في خطوة من شأنها توسيع زاوية النظر من مصر إلى شمال أفريقيا في الوقت الذي كانت فيه القوى الأوروبية تتنافس على المنطقة، كما أولى شبه الجزيرة العربية اهتماماً خاصاً، في إطاراهتمامه بالخيول العربية والمجتمعات البدوية، إذ انتقد النظرة الغربية المنحازة سلفاً ضد المجتمعات المحلية.

يتسع المشهد ليشمل السودان أيضاً، من خلال فصل «أم درمان وفاشودة»، حيث تدخل اليوميات في قلب التنافس البريطاني الفرنسي في أفريقيا، ضمن محطات التوتر بين القوتين في نهاية القرن التاسع عشر، مع تحول موقف المؤلف من «الاستشراق الرومانسي» في شبابه إلى بلورة موقف نقدي أكثر تماسكاً للسياسة الاستعمارية.

ولأنه شاعر في الأساس، لا يمكن فصل الحس الأدبي عن طريقة كتابة اليوميات لدى ويلفريد بلنت فحتى عندما يتناول الشأن السياسي المباشر لا يكتفي بتسجيل أسماء المسؤولين أو القرارات، إنما يهتم بالشخصيات وطباعها وعلاقاتها بما وراء التصريحات الرسمية، عبر لغة تجمع بين الصورة الأدبية ودقة المؤرخ والحس التوثيقي.

على هذه الخلفية، يصعب التعامل مع الكتاب بوصفه وثيقة محايدة فيما يتعلق بتناول الشأن المصري تحديداً، فالمؤلف نفسه شخصية سياسية ذات مواقف واضحة، فقد عاش خصماً للسياسة الإمبراطورية البريطانية، ومناصراً لثورة الزعيم الوطني أحمد عرابي، وهو ما يعني أن اختياراته لما يسجله وطريقته في وصف الشخصيات والأحداث تأثرت برؤيته الفكرية كناقد للإمبريالية ومتعاطف مع الحركة الوطنية المصرية.

من هنا تكتسب المواجهة بين بلنت واللورد كرومر، المندوب السامي البريطاني في القاهرة، أهمية خاصة لأنها تكاد تكون مواجهة بين رؤيتين متناقضتين لمصر بعيون إنجليزية، فالثاني يمثل الإدارة الاستعمارية ويدافع عن تجربتها في مستعمرات الشرق، بينما كان بلنت يرى أن الوجود البريطاني تحول إلى سيطرة سياسية تتعارض مع حق المصريين في تقرير مستقبلهم.

اللافت أن هذه اليوميات تجعل التاريخ أقل تجريداً وحيادية كما تمنحه بعداً شخصياً ملموساً، فبدلاً من أن نقرأ الاحتلال البريطاني للبلدان العربية في صورة تواريخ ومعاهدات وأسماء حكام، نراه من خلال رجل يتحرك بين لندن والشرق، ويتابع العلاقات بين القوى السياسية، ويراقب المجتمع والناس، ويكتب عن صراع الإمبراطوريات وهي تتوسع، على نحو يثبت أن الاستعمار لم يكن مجرد احتلال عسكري، وإنما شبكة من النفوذ المالي والإداري والسياسي والثقافي.