زوينة آل تويّه: المترجم يُفاوض «شبح المؤلف» في أحيان كثيرة

المترجمة العمانية تشدد على ضرورة ترجمة الأدب العربي للغات أخرى

زوينة آل تويّه
زوينة آل تويّه
TT

زوينة آل تويّه: المترجم يُفاوض «شبح المؤلف» في أحيان كثيرة

زوينة آل تويّه
زوينة آل تويّه

ارتبط اسم المترجمة العمانية زوينة آل تويّه بعدد من الأعمال المهمة المترجمة عن اللغة الإنجليزية، منها «بارتبلي النساخ» للأميركي هرمان ميلفل، ورواية «الهدية الأخيرة» للروائي التنزاني البريطاني عبد الرزاق قرنح، الحائز جائزة نوبل للآداب لعام 2021، و«شهر في سيينّا» للروائي الليبي - البريطاني هشام مطر، و«وحده العالم يصحو» للبلغارية ماريا بوبوفا، و«عمدة كاستربريدج- قصة رجل محترم» لتوماس هاردي، وغيرها.

حصلت زوينة على الماجستير في الترجمة من جامعة إدنبره بإنجلترا، كما أشرفت على مختبر الترجمة في مؤسسة «بيت الزبير»، ولها مجموعة قصصية بعنوان «المرأة الواقفة تجلس». هنا حوار معها حول الترجمة، واختياراتها للنصوص:

> ترجمتكِ لكتاب «شهر في سيينّا» للكاتب الليبي - البريطاني هشام مطر لها خصوصيتها، سواء من ناحية الحسّ اللغوي اللافت أو من حيث العناية الدقيقة بترجمة التفاصيل الفنية المرتبطة بالأعمال التشكيلية والرحلة السيينية. كيف اقتربتِ من هذه التجربة وما الذي شكّل تحدياً فيها؟

- لا شك أن أي كتاب يُترجَم -شأنه شأن أي كتاب يُكتَب- تحيط به قصص ومواقف وتجارب تشكِّل مصيره ومساره. وكتاب «شهر في سيينّا» ليس برواية ولا قصة ولا سيرة ذاتية، لكنه نتج عن هذا كلِّه واتخذ له مساره الخاص مستفيداً من المدرسة الفنية السيينية. الترجمة بدورها ما كان لها أن تغفل ما سبق الكتاب من تجارب أسهمت في تشكيله، والرجوع إلى أصل الحكاية، وتأمل تجربة الكاتب المريرة وما ألقته من ظلال على حياته. هنا يختلط الواقع بالمتخيَّل ويشتبك الفن بالسرد واللغة وتأمل الحياة والموت والحب والخير والشر في لوحات قديمة قلَّما تشغل الناس اليوم، لكنها على قِدمها وإيغالها في التاريخ شغلت الكاتب وانغمس في قراءتها وتأمُّلها ومحاورتها وتفكيك رموزها على خلفية قصته المؤلمة.

يمكننا القول إن الكاتب استعان بالعام ليدرك الخاص، تناول الصورة الأكبر لينظر في تجربته الأصغر. فكرة بهذا التعقيد لا بد أن تشكِّل تحدِّياً في الترجمة. كان لا بد من الجلوس أمام كل لوحة وتصوُّرها كما تصوَّرها الكاتب، فالأمر أشبه باستعارة عين أخرى وفكر آخر. وهذا ليس بالأمر الهين، فلكل امرئ مسلكه وسبيله في رؤية الأشياء، ويصبح ذلك أعقد إذا ما فكرنا في مزاج المشاهد وثقافته. يحدث أيضاً أن يركز الكاتب على تحليل عنصر من عناصر اللوحة، ثم ينقل القارئ إلى زمن آخر ومكان آخر وفكرة أخرى رابطاً بين هذا كله وبين رؤيته، ومستعيناً في أحايين أخرى بقصة أو حادثة أو قول أو كتاب.

> كذلك حملت ترجمتك لكتاب الروائية العمانية جوخة الحارثي «الجسد في الغزل العذري» تحدياً من نوع آخر، كيف خضتِ هذه الرحلة، وما أبرز ما استوقفك خلالها؟

- في كتاب «الجسد في الغزل العذري» التي كتبته بالإنجليزية، شاركتُ الكاتبةَ شَغَفَها بالشعر العربي القديم، وشهدتُ معها بذرة الكتاب تنمو منذ دراستنا معاً في الجامعة نفسها، فكان لهذا أثر في ترجمته بعد ذلك بسنوات. ترجمةُ هذا الكتاب تشبه من يعود إلى وطنه وسكناه بعد طوافه في الأرض زائراً بلاداً وآفاقاً شتَّى، ولا سيَّما أنه كُتِب في بلاد أجنبية. القصائد خصوصاً، كانت أيسر ما تناولته الترجمة بالرجوع إلى دواوين الغزل العذري، وكذا الأمر مع المراجع العربية، لا سيَّما «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني الذي اتخذته الكاتبة مصدراً رئيساً لأخبار الشعراء العذريين. وسهل من ترجمة الكتاب قرب الكاتبة وسهولة الاتصال بها في كل ما يشكل أو يظهر من عقبات، وإتاحتها بعض المراجع العربية والأجنبية. لكنَّ العمل لم يخلُ من إعادة نظر في بعض المراجع التي لم تعد متاحة، وكان لزاماً التصرف وإيجاد بدائل والبحث عن مصادر أحدث تناولت الموضوع.

> كيف تنظرين إلى ظاهرة تكرار ترجمة الأعمال الكلاسيكية، هل ترين في هذا التكرار إثراءً أم إرباكاً للمشهد القرائي؟

- إعادة ترجمة بعض الأعمال، خصوصاً الأعمال الكلاسيكية، تمنحها الحياة والولادة من جديد. فهي أعمال خالدة مثل «الجريمة والعقاب»، و«الإخوة كارامازوف» و«الحرب والسلم»، و«مدام بوفاري» وغيرها. ولا شكَّ أن وجود أكثر من ترجمة لعمل واحد يتيح للقارئ اختيار ترجمة بعينها، ومترجم بعينه، وحتى دار النشر، وقد يدخل في ذلك عامل السعر أيضاً. لا ننسى أيضاً أن ثمَّة أعمالاً تُرجِمَت عن لغة وسيطة، وهذه أولى بأن تُعاد ترجمتها عن لغتها الأصل متى ما سنحت الفرصة. إلا أن عشوائية إعادة الترجمة تؤثر في هذه العوامل كلها غافلةً عن أعمال أخرى لم تترجم قطّ. وهذه العشوائية تكثر في الترجمات العربية فيختلط الحابل بالنابل؛ إذ تغيب عنها المنهجية والتنظيم، فترجمة جديدة للكتاب نفسه لا تتلافى عثرات ترجمته السابقة بل تزيد الطين بِلَّة بإضافة عثرات أخرى. لا يوجد حوار بين هذه الترجمات ليقدم كل منها رؤية مختلفة أو تأويلات جديدة للنص الأصلي.

> ما الذي جذبك لترجمة رواية «هامنت» للكاتبة الآيرلندية ماجي أوفاريل؟ بخاصة في مقاربتها لعالم شكسبير من زاوية حميمية وشخصية؟

- رواية «هامنت» لا تتناول حياة شكسبير نفسه، بل تشير إليه من طرف خفي، حتى إنها لا تمنحه اسماً، فهو الأب والزوج والمعلم. إنها تركِّز على ابن شكسبير وزوجته وعائلته، ولعل هذا هو أكثر ما يثير اهتمام القارئ. الاقتراب من حياة المحيطين بشكسبير. اخترت ترجمة هذه الرواية لأنها سرد حيّ لمعنى الأمومة والحب والزواج والأبناء والعائلة، بلغة تكاد تكون شعرية وحالمة.

> من واقع تجربتكِ، ما الذي قد يجذب المترجم إلى الاشتغال على نص منقول عبر لغة وسيطة، كما في تجربتك مثلاً مع ترجمة مييكو كاواكامي؟ ما التحديات التي يفرضها هذا المسار؟

- ينبغي أن نعترف، نحن المترجمين، بأن القارئ الذي يقرأ ترجمة ما إنما يقرأ أسلوب المترجم أكثر مما يقرأ أسلوب المؤلف نفسه، مهما ادعينا اقترابنا من النص الأصل وإخلاصنا له. كأن النص الأصل يُكتَب كتابةً ثانية، فالقارئ مثلاً يقرأ أسلوب صالح علماني في «مائة عام من العزلة» أكثر مما يقرأ أسلوب ماركيز، وبالمثل في ترجمة الرواية إلى الإنجليزية، يقرأ القارئ غريغوري راباسا أكثر مما يقرأ ماركيز الذي ذهب بنفسه إلى حدِّ اعتبار ترجمة راباسا أفضل من الأصل الإسباني. إلا أن ذلك لا يعني ابتعاد الترجمة كليّاً عن النص الأصل واستيلاء المترجم على الأصل وتخريبه، إنما يَبِين للقارئ الحصيف ما يميز أسلوب مترجمٍ ما باستعماله تراكيب وصِيَغاً ومفردات معينة تدل عليه وتتكرر في ترجماته، خصوصاً إذا كان المترجم نفسه كاتباً. لكنَّ الأمر يتعقَّد إذا ترجم المترجم عن لغة وسيطة؛ فهو يترجم ترجمةً لا نصّاً أصليّاً، ومن ثم يمكننا القول إنه يترجم أسلوب مترجم النص عن لغته الأصل لا أسلوب الكاتب نفسه -إذا ما زعمنا اقترابنا من أسلوب الكاتب- فنكون أمام ثلاثة أساليب للنص الواحد. وفوق هذا قد لا يعرف القارئ أبداً أن الكتاب مترجَمٌ عن لغة وسيطة ما لم يُشِر المترجم أو الناشر إلى ذلك. ما زلتُ أتوجَّس من الترجمة عن لغة وسيطة وأرتاب منها وأنظر إليها بتحرُّز؛ لا سيَّما إذا كان الكاتب معروفاً بحيله السردية أو غموض أسلوبه، فقد خَبُرتُ هذا في ترجمة رواية «الجنة» لمييكو كاواكامي وكتاب آخر أترجمه منذ مدة. كان من محاسن المصادفات أن تمكنتُ من مراسلة مترجم رواية كاواكامي من اليابانية إلى الإنجليزية، بعد ما وجدت ارتباكاً في النص المترجم ظننته موجوداً في الأصل، ثم راجع المترجم ترجمته وأكَّد وجود الارتباك في ترجمته نفسها لا في الأصل. إلا أنني لاحظت أن المترجم وقع في هذا الارتباك بسبب غموض النص الأصلي وتلاعب الكاتب بالسرد. هذا بالطبع ليس دفاعاً ولا تبريراً، بل ملاحظة لا غير.

> حسب أمبرتو إيكو فإن «الترجمة عملية تفاوض مستمرة بين لغتين». كيف تتجلى هذه الفكرة في تجربتك؟ وبرأيك، هل يتم هذا التفاوض مع النص والكاتب الغائب، أم مع القارئ في اللغة الهدف، أم مع الناشر وحدود السوق؟

- المفاوضة في الترجمة أمر لا بدَّ منه بغية الوصول إلى تسوية، والمترجم يفاوض أطرافاً عدة؛ النص الأصل، والنص المترجم، والثقافة التي ينتمي إليها النصان، ومؤلف النص الأصل، والقارئ، والناشر. على مستوى النص، لا تكاد المفاوضة تتوقف لتوليد صياغة مقبولة تعوِّض عن الخسارات التي كثيراً ما تواجه المترجم، وهذا يعني أيضاً أن الترجمة تأويل مستمر في سياق ثقافي ولغوي جديد كما يذهب أمبرتو إيكو، لا سيَّما أن المترجم يفاوض «شبح المؤلف» في كثير من الأحيان. خَبُرتُ مفاوضة المؤلف في ترجمتَي «الجسد في الغزل العذري» و«شهر في سيينا»، حيث كان الكاتبان حاضرين للنقاش والمفاوضة. وفي ترجمة رواية «الهدية الأخيرة» لعبد الرزاق قرنح تحفَّظتْ الجهة الراعية لترجمة أعمال قرنح على بعض المفردات الواردة في الرواية مقترحة تخفيف حدَّتها، لكنني أصررتُ على ترجمتها مثلما كانت في الأصل حرصاً على نقل أثرها إلى العربية.

> برأيك، لماذا لا تزال جهود الترجمة العكسية من العربية إلى الإنجليزية أقل من المستوى الذي نطمح إليه؟ وما العوائق التي تَحول دون ذلك؟

- في مطلع الثمانينات أسَّست الأديبة والمترجمة والناقدة والأكاديمية الفلسطينية سلمى الخضراء الجيوسي «مشروع بروتا - PROTA» الذي عُنِيَ بنقل الأدب العربي إلى الإنجليزية، وضمَّ المشروع موسوعات وكتباً رائدة في الأدب العربي بين شعر ومسرح ورواية وقصة وما يتعلق بالحضارة العربية الإسلامية. وقد نجح هذا المشروع المتميز نجاحاً كبيراً حتى إنه أثار حفيظة المثقفين الإسرائيليين المقيمين في أميركا الذين سعوا إلى الحيلولة دون ترجمة الأدب الفلسطيني ونشره، حسب الناقدة الدكتورة مديحة عتيق. لا أعرف إذا كان هذا المشروع الرائد ما زال قائماً، لكننا اليوم في أمسّ الحاجة إلى مثيله أكثر من أي وقت مضى. بخاصة أن معظم الكتب المترجمة أصبحت روايات وقلَّما نرى دواوين شعر وكتباً فلسفية ونقدية وعلمية مترجمة.


مقالات ذات صلة

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

كتب الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

ثمة مفارقة تاريخية حادة تسكن جوهر الجدل الثقافي المعاصر في القارة العجوز؛ فبينما يتباهى العقل الأوروبي بأنه وريثُ «الأنوار» ومنجزات الحداثة والعقلانية،

ندى حطيط
كتب البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري

في كتابه «خربشات في التراث الشعبي المصري»، الصادر عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة»، يرصد الباحث دكتور محمد أحمد إبراهيم عدداً من المفردات الخاصة بالمأكولات

«الشرق الأوسط» ( القاهرة)
يوميات الشرق من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)

ماري بينيت... إعادة الإعتبار لشخصية من عالم جين أوستن

لماذا لا يكتفي الناس بما تركته الروائية الإنجليزية جين أوستن من كتب؟ لماذا لا تنتهي المعالجات الأدبية والفنية لرواياتها؟ لا يبدو ذلك ممكناً.

عبير مشخص (لندن)
ثقافة وفنون أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها.

ندى حطيط

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا
TT

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

ثمة مفارقة تاريخية حادة تسكن جوهر الجدل الثقافي المعاصر في القارة العجوز؛ فبينما يتباهى العقل الأوروبي بأنه وريثُ «الأنوار» ومنجزات الحداثة والعقلانية، فإنه يمارس في الوقت ذاته نوعاً من الـ«أمنيزيا» المنهجية، أو الفقدان المتعمّد للذاكرة، حين يتصل الأمر بالإسلام.

في الخطاب اليميني الشعبوي المتصاعد، يُرسم الإسلام على أنه عنصر غريب أو ظاهرة ديموغرافية طارئة، ارتبطت حصراً بموجات الهجرة بعد الحرب العالمية الثانية، أو بقوارب اللجوء التي عبرت المتوسط في العقد الأخير. هذا الاختزال ليس مجرد خطأ لناحية قراءة التاريخ، بقدر ما أنه عملية تشويه متعمد للهوية الأوروبية، تهدف إلى استئصال جزء بنيوي من تكوينها؛ لتبدو أوروبا جزيرةً مسيحية - يهودية معزولة، لم يطأها «الآخر» إلا بصفة «ضيف ثقيل» أو «وافد مضطر».

معضلة اليمين الأوروبي المتطرف تكمن في أن التاريخ لا يُكتب بالنيات، بل بالشواهد التي لا تقبل الإلغاء. يذكرنا طارق حسين في كتابه الاستقصائي المهم «أوروبا المسلمة (Muslim Europe)»، بأن الإسلام كان في أوروبا منذ عام 647 ميلادية، أي بعد 16 عاماً فقط من وفاة الرسول ﷺ. بمعنى أن الإسلام وصل إلى القارة العجوز قبل أن تصل المسيحية إلى مناطق واسعة في شمال وشرق أوروبا بقرون. ومن قبرص إلى صقلية، ومن ملقة إلى لشبونة، لم يكن المسلمون ضيوفاً عابرين، بل كانوا مجتمعات مستقرة؛ حاكمة، ومنتجة للمعرفة. في صقلية، تحت حكم المسلمين، ازدهرت نظم الريّ المبتكرة، وارتفعت معايير المعيشة لتصبح الأعلى عالمياً، لدرجة أن الملوك النورمان الذين غزوها لاحقاً لم يجدوا بُداً من تبني الثقافة والعلوم واللغة العربية لإدارة ملكهم.

وإذا كان اليمين الغربي المتطرف يحاول محو التاريخ من الكتب، فإنه لا يستطيع محوه من الحجارة أو اقتلاعه من الأفق البصري للمواطن الأوروبي. فالعمارة القوطية التي أبدعت كاتدرائيات باريس ولندن، كما تقول الباحثة ديانا دارك - في كتابها «السرقة من السراسنة (اسم أوروبي قديم يطلق على المسلمين) Stealing from the Saracens» - ليست في جوهرها الهيكلي والجمالي سوى صدىً للعمارة الإسلامية. لقد انتقلت «العقود المدببة» والتقنيات الهندسية التي سمحت ببناء تلك الصروح الشاهقة من الحواضر الإسلامية عبر صقلية والأندلس، لتمتزج بالنسيج العمراني الأوروبي، وتصبح جزءاً من هويته الثقافية الصامتة. إن الأوروبي الذي يتأمل «نوتردام» إنما يتأمل، في حقيقة الأمر، تجلياً من تجليات التلاقح الحضاري الذي كان الإسلام قطبه الأهم.

أما على جبهة السياسة والقانون، فالجدل الثقافي غالباً ما يسقط في فخ تصوير المسلم بوصفه كائناً «ما قبل حداثي». لكن الباحثين في تاريخ البلقان وشرق أوروبا (المؤرخة إميلي غريبل مثلاً) يعلمون بأن المسلمين لم يكونوا مجرد بقايا لإمبراطورية منسحبة، بل كانوا فاعلين أصليين في صياغة مفهوم المواطنة والدولة الحديثة أوروبياً، وخاضت المجتمعات المسلمة في البلقان سجالات قانونية وفلسفية لتعريف «الأوروبية» من منظور تعددي؛ مما أسهم على نحو كبير في تشكيل مفاهيم الحقوق والديمقراطية التي يفاخر بها الغرب اليوم. وبذلك، لم يكن المسلم مشكلة طرأت على الحداثة، بل كان أحد العقول التي هندست شروطها في القارة.

لا تتوقف السردية عند حدود الأطلال الأندلسية أو الروايات التاريخية القديمة، بل تمتد لتشكل النسيج الحيوي لأوروبا اليوم. لذلك؛ تصطدم محاولات اليمين لتصوير المسلمين عالة على «الرفاه الأوروبي» بواقع إسهاماتهم الجوهرية عبر مختلف المجالات الحيوية. ففي أروقة المختبرات العلمية، يقف علماء من أصول إسلامية في طليعة الابتكار؛ ولعل المثال الأنصع في الذاكرة القريبة هو الزوجان أوزليم توريجي وأوغور شاهين، اللذان أنقذا القارة والعالم بأسره عبر تطوير لقاح «بيونتيك» ضد «كورونا»، معيدين الاعتبار إلى إسهام العقل المسلم في صلب العلوم الدقيقة.

أما لناحية المجالين الثقافي والأدبي، فلم يبقَ المسلم موضوعاً للكتابة فحسب، وإنما صار الكاتبَ الذي يسهم في إعادة تعريف الأدب الأوروبي المعاصر؛ فأسماء مثل ليلى سليماني في فرنسا، وطاهر بن جلون، وصولاً إلى المبدعين في السينما والفنون البصرية، يرفدون الثقافة الأوروبية بدماء جديدة تكسر الرتابة وتفتح آفاقاً لأسئلة الهوية والوجود.

اقتصادياً، يمثل المسلمون في مدن كبرى، مثل برلين ولندن وباريس، جزءاً لا يتجزأ من منظومة الخدمات والمهن الحرة والابتكار الرقمي، مسهمين بمليارات اليوروات في الناتج المحلي الإجمالي. إنهم ليسوا جميعهم مهاجرين ينتظرون المعونات كما «يستقصد» اليمين المتطرف أن يصورهم. فأكثريتهم مواطنون دافعون للضرائب، وبناة مؤسسات، ومبدعون في الفلسفة والسياسة والرياضة، وترفع أسماؤهم رايات الدول الأوروبية في المحافل الدولية. وحضورهم اليوم هو استمرار طبيعي لتلك السلسلة التي بدأت ذات وقت من قرطبة، مؤكدين أن الإسلام داخل أوروبا هو طاقة بناء، لا عبء بقاء.

ولذا؛ فالأزمة الراهنة التي تسكن خلايا العقل الأوروبي ليست «أزمة هجرة» بقدر ما أنها أزمة «تعريف للذات». فاليمين المتطرف لدى محاولته الهروب من استحقاقات العولمة، ينكفئ نحو هوية متخيَّلة ثابتة ومغلقة، محاولاً سلب المسلم الأوروبي - سواء أكان من أصول تترية بولندية أم بوسنية أم سليل أسرة مهاجرة من الجيلين الثالث أو الرابع - حقه التاريخي في «الأصالة». إن استحضار شهادة الملك تشارلز الثالث (حين كان أميراً لويلز) ضمن خطابه الشهير عام 1993، يضعنا أمام الحقيقة الفاقعة: «الإسلام جزء لا يتجزأ من تاريخنا المشترك»، وتجاهله ليس سوى إنكار لجزء من الذات الأوروبية نفسها.

من هذا المنظور يكون الدفاع عن الحضور الإسلامي في تاريخ أوروبا دفاع عن الحقيقة التاريخية ضد التزييف السياسي وليس حِجاجاً عن طائفة أو فئة أو أقليّة. أوروبا اليوم تقف أمام مرآة ماضيها؛ فإما تتقبل تعدد وجوهها المتداخلة، وتنوع أصولها، وإما تظل أسيرة صورة مشوهة مذعورة رسمها يمينٌ إقصائي يخشى مواجهة التاريخ. فالإسلام لم يأتِ إلى أوروبا في قوارب اللجوء؛ لقد كان هناك حين بُنيت مداميكها الأولى، وسيبقى جزءاً بنيوياً من هويتها التي لن تكتمل يوماً من دونه.


البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري
TT

البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري

في كتابه «خربشات في التراث الشعبي المصري»، الصادر عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة»، يرصد الباحث دكتور محمد أحمد إبراهيم عدداً من المفردات الخاصة بالمأكولات المرتبطة بعادات قديمة وجذور تاريخية ومفاهيم خاصة تجمع بين الأساطير الجمعية والحس الطريف المبهج لدى المصريين.

ومن أبرز تلك المفردات نبات البصل الذي يعد من أقدم الخضروات التي عرفها المصري القديم وقدسها، وخلد اسمه على جدران المعابد وأوراق البردي حتى أنه كان يوضع في توابيت الموتى مع الجثث المحنطة لاعتقادهم أنه يساعد الميت على التنفس عندما تعود إليه الحياة مرة أخرى، كما ذكر أطباء الفراعنة البصل في قوائم الأغذية المقوية التي كانت توزع على العمال الذين عملوا في بناء الأهرامات بل وصفوه بأنه مغذ ومنشط ومدر للبول.

وتشير بعض الدراسات إلى أن الاسم الأول للبصل كان يعرف بـ«بدجر» أو «بصر» ثم قلبت الراء إلى لام في اللغات السامية واللغة العربية، كما ارتبط اسمه ببعض القصص والأساطير القديمة ومنها تلك التي تقول إن أحد ملوك الفراعنة كان له طفل وحيد مرض مرضاً عجز الأطباء والكهنة والسحرة في علاجه حتى أقعده عدة سنوات فاستدعى الملك الكاهن الأكبر لمعبد آمون بطيبة الذي قال له إن مرض الطفل يعود إلى وجود أرواح شريرة تسيطر عليه وتشل حركته بفعل السحر الأسود.

قام الكاهن بوضع ثمرة ناضجة من البصل تحت رأس الطفل الصغير في فراشه عند غروب الشمس بعد أن قرأ عليها بعض التعاويذ ثم شقها إلى نصفين ووضعها عند أنف الطفل ليستنشق عصيرها، كما أمر الكاهن بتعليق حزم البصل الطازج فوق السرير وعلى أبواب الغرف وبوابات القصر وبالفعل شفي الطفل وغادر فراشه وخرج ليلعب مع غيره من الأطفال، وشارك الشعب الملك أفراحه بتعليق حزم البصل على أبواب منازلهم لاعتقادهم أنه طارد الأرواح الشريرة.

وانتشرت في أساطير الفلاحين الشعبية أسطورة «النداهة»، حيث يزعم البعض أنها امرأة جميلة تظهر في الليالي المظلمة في الحقول تنادي باسم شخص ما فيقوم مسحوراً ويتبع النداء إلى أن يصل إليها وفي الصباح يتم العثور عليه ميتاً، ولاتقاء شرها يجب أن توضع حزمة من البصل على باب البيت أو عتبته. وتقول أسطورة أخرى إن أرواحاً شريرة قد تظهر في صورة قطة تغري الضحية بكنز من الذهب وبالفعل يكون الكنز حقيقياً، ويعود به إلى بيته فرحاً مسروراً، لكنه يجده في الصباح وقد تحول إلى مجموعة من البصل.

وكان لافتاً أن حاكم محمد على باشا الكبير أنشأ في القرن التاسع ميناء في الإسكندرية أطلق عليه «مينا البصل»، حيث كانت تتجمع به الكثير من المحاصيل كالقطن والبصل من محافظات مصر كافة لتصديره إلى أوروبا، كما ارتبط البصل بالكثير من المرادفات العامية المصرية التي تطلق في بعض المناسبات مثل «بيقشر بصل» للدلالة على الفقر والإفلاس، و«حاشر نفسه زي البصل» للدلالة على التدخل في شؤون الآخرين دون داع انطلاقاً من حقيقة أن البصل يدخل في العديد من الأكلات والوصفات كعنصر أساسي.

أما على صعيد الأمثال الشعبية المصرية فلا يوجد نبات من النباتات أو الخضراوات احتل مكانة مميزة كالبصل، إذ يوجد ما يقرب من مائة مثل تستشهد به وتضرب المثل ومنها «بصلة المحب خروف» كناية عن التقدير الشديد لأي شيء يأتينا من شخص نحبه مهما كان بسيطاً. وهناك أيضاً المثل الشعبي الذي لا يقل شهرة «لما أمك البصلة وأبوك التوم تجيب منين الريحة الحلوة يا شوم»، في إشارة إلى أن الأمور يجب أن تسير وفق وتيرة منطقية ومقدمات تؤدي إلى نتائج.


مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام
TT

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

يشكل السرد على ضفاف زمن قديم مرتكزاً أساسياً في المجموعة القصصية «محكمة الوحي الإلهي» للكاتب المصري أحمد فؤاد الدين، الصادرة عن «دار ديوان للنشر» بالقاهرة.

لا يستدعي المؤلف في مجموعته الزمن بوصفه زمناً مكتملاً، بل تاريخاً متعثراً، لا سيما حين يرتبط بحق الاختيار وسؤال العدالة، الذي يبدو موضع شك؛ «فهل للمسوخ أن تختار؟» كما يتساءل أحد أبطال القصص، الذين يقفون في قلبها تائهين، يفتّشون عن أصواتهم المفقودة، وربما عن لعنتهم.

في هذا الأفق، لا تبدو ثنائية الأب والابن محض رابطة عائلية، بل بنية مركزية يعيد الكاتب اختبارها عبر قصصه، بوصفها واحدة من أكثر العلاقات الإنسانية التباساً وتعقيداً، لا تُبنى فقط على الامتداد، بل على التكرار، وعلى استعادة جروح قديمة في تمثيلات جديدة.

وسرعان ما تتسع هذه الثنائية لتتحوّل إلى ثلاثية: أب، وابن، وحفيد، في سلسال لا ينقطع، تتوارث فيه الأدوار، والقسوة، وأحياناً الإقصاء، كعقاب قسري على محاولة الخروج من عباءة الأب.

يبلغ هذا التوتر ذروته في قصة «محكمة الوحي الإلهي»، حيث يترك الأب رسالة طويلة مُتوسلة، طالباً إسقاط نسب ابنه عنه، مبرِراً ذلك بما يراه جحوداً وعصياناً وفق منطقه الخاص، حيث يتحول تمرّد الابن إلى جريمة تستدعي محو رابطة البنوّة نفسها.

يستعيد الأب في رسالته الطويلة ملامح برّه بوالده التي لم يجد نظيرها مع ابنه: «لا يُلبي لي أمراً إلا بمساءلة، ولا يُقبّل يدي إلا إذا سألته: هل فعلت ذلك مع أبي؟ أبداً».

ينقل الكاتب هذه المواجهة بين الأب والابن إلى مستويات أكثر عمقاً، حيث يتجاوران في مفارقات سردية حادة داخل الواقع، ويلتقيان في فضاءات الأحلام، التي تتحرر فيها دوافع القُرب والانفصال معاً. وعبر هذا التداخل، تتكشف تدريجياً بواطن الأب، لا بوصفه سلطة غاشمة، بل كذاتٍ مرتبكة، هاربة إلى الوحي.

هاجس الصوت

لا ينفصل توتر العلاقة بين نموذج الأب والابن عن سؤال الهوية، إذ نرى البطل في قصة «صدى الصوت» في فزع فقدان صوته، يطارده هاجس أن صوته قصار هو نفسه صوت أبيه؛ صوت غنائه له في الطفولة، وصراخه وتوبيخه، فلا يعود الصوت محض وراثة، بل بنية قسرية يعيد إنتاجها الأب داخل الابن.

في هذا السياق، يفتح الكاتب هذا التماهي على أفق فانتازي، يوّظف فيه الأحلام بوصفها مساحةً موازيةً لاختبار هذه العلاقة ودفعها إلى أقصاها: «قال لي إن هيبة صوته لن تفارقني أبداً، وأن كل عصياني له سيبقى معي لنهاية عمري، وحتى في الضفة الأخرى من النهر، سيتحول معي، وسيسمعه ابني، كل كلمات ستكون ملكاً له، بكيت، وتوسلت له أن يترك لي صوتي، لم يتوقف، بدأ يغني، كل الأغاني التي أحبها، كل الكلمات التي قلتها في يوم من الأيام تلاها عليّ، حتى ضحكتي كررها، بكيت ولم يتوقف، ثم استيقظت».

من هذا المنظور، تبدو الأحلام مساحة مفتوحة على الدخول والخروج بوعي ذهني، تتكثف داخلها المواجهات المؤجلة، وتنكشف الطبقات التي يعجز الواقع عن قولها، بحيث يصبح الحلم ساحة بديلة تُعاد داخلها صياغة العلاقات، أو تُعرّى فيها على نحو أكثر قسوة.

وعلى امتداد هذه البنية، تتبدى ملامح عالمٍ يحكمه تسلسل هرمي مُجحف، ينقسم فيه البشر إلى سادة وعبيد، ففي قصة «حد السماء»، يصبح الجسد ذاته موضع إدانة، حيث يتحوّل بطلها «القِزم» إلى هدية تُقدّم إلى الحاكم، بوصفه مادة للضحك والسخرية، غير أن هذا التشوّه لا يقف عند حدود الشكل، بل يمتد إلى الوعي، حيث يحمل الابن شعوراً عارماً بالذنب تجاه الأب، كأن وجوده نفسه خطأ يستوجب التبرير: «ما اكتفى الزمان بيديّ القصيرتين حدّ الشذوذ، وقدميّ المقوّستين حدّ الضحك، ولا رأسي الكبير على جسدٍ يكاد لا تُرى له رقبة. لم يكتفِ بأبٍ عاش يحلم بذكرٍ يخلفه، فإذا به يُرزق بمسخٍ بعد خمس بنات».

عناصر الطبيعة

يوّظف الكاتب عناصر الطبيعة محطات وعتبات تُعيد الذوات المنهكة إلى نفسها، كما يتجلى في الحضور المتكرر لشجرة «الجميز»، التي يلجأ إليها أبطال القصص في لحظات إنهاكهم كهدنة مؤقتة داخل مسار مضطرب، سرعان ما تنكشف الشجرة عن خضوعها لقانون أكبر يعيد الشخصيات إلى مسارها الأول، فأحد الأبطال يُساق إليها كالمُسيّر: «مرّ الوقت حتى وصلت إلى شجرة جميز في قرية لا أعرفها»، ويتكرر هذا الحضور أيضاً في قصة «ما دون النباتات»، حيث يستريح البطل تحت ظل شجرة الجميز أمام بيته، منتظراً اصطحاب والده الضرير في رحلتهما اليومية لاكتشاف النباتات.

إلا أن هذه القصة، وفي مقابل سلطة الأب، تفتح أفقاً موازياً تهيمن عليه مملكة النباتات، التي تجمع الأب والابن في طقس يومي قائم على المعرفة الحسية، قبل أن تنتهي إلى مفارقة حادة، حيث يفقد الابن والده في إحدى تلك الرحلات، فيظل ملتصقاً بجثته، رافضاً مغادرتها.

بالموازاة، تبرز «الحِرف» في المجموعة كملاذ آخر، حيث تستعيد «اليد» قدرتها على الفهم والتشكيل خارج أنظمة السلطة والوراثة، فأغلب شخصيات المجموعة يجمعها العمل في الخزف، والنحت، والنجارة، لتنخرط في معرفة حسية تقوم على اللمس والتجربة، وتصبح الحرفة وسيلة فنية لاختبار العلاقة بين الإنسان والأشياء، بما يشكّل منظومة سردية موازية، لا تورّث عبر النسب، بل يُعاد إنتاجها عبر اليد والمهارة الفردية.

يبدو استدعاء المخيال المصري القديم بمثابة مظلة سردية تمنح القصص إيقاعها المشدود بين المقدّس والفاني، وتدفع لغتها إلى نغمية هذا الإيقاع، حيث تتداخل طقوس الموت والبعث مع إشكالات النسب والسيرورة، ففي «هوامش على متون الأهرام»، لا ينقطع الرابط بين الأب ونسله بالموت، بل يُعاد تشكيله عبر رحلة أخرى مؤجلة: «يا نابش قبري، أستجديك أن تترك للمسافر زاداً في رحلة سماوية يخوضها، وستَخوضها من بعده».