«ديا»... متصفح إنترنت جديد بالذكاء الاصطناعي التوليدي

تصاميم لأدوات ذكية تحدد مستقبل الويب

«ديا»... متصفح إنترنت جديد بالذكاء الاصطناعي التوليدي
TT

«ديا»... متصفح إنترنت جديد بالذكاء الاصطناعي التوليدي

«ديا»... متصفح إنترنت جديد بالذكاء الاصطناعي التوليدي

متى كانت آخر مرة فكرت فيها في متصفح الويب الخاص بك؟ إذا كنت لا تتذكر، فلن يلومك أحد. لم تتغيَّر متصفحات الويب بشكل جوهري منذ عقود: إذ إنك تفتح تطبيقاً، مثل «كروم» أو «سافاري» أو «فاير فوكس»، وتكتب عنوان موقع الويب في شريط العنوان. وقد استقرَّ كثير منا على متصفح واحد، ووقع فيما أسميه «جمود المتصفح»، ولم يكلف نفسه عناء البحث عن بديل أفضل.

ومع ذلك، فإن متصفح الويب مهم؛ لأن كثيراً مما نقوم به على أجهزة الكمبيوتر يجري داخله، بما في ذلك معالجة النصوص، والدردشة على تطبيق «سلاك (Slack)»، وإدارة مواعيد التقويم، والبريد الإلكتروني.

متصفح «ديا» الجديد

لهذا السبب، شعرتُ بالحماس عندما جربتُ أخيراً متصفح «ديا (Dia)»، وهو نوع جديد من متصفحات الويب من شركة «براوزر كومباني أوف نيويورك»، وهي شركة ناشئة. يعمل التطبيق بواسطة الذكاء الاصطناعي التوليدي، وهي التكنولوجيا التي تدعم روبوتات الدردشة الشهيرة مثل «تشات جي بي تي»، و«جيميناي» من «غوغل»، للإجابة عن أسئلتنا. ويوضح «ديا» كيف يمكن لمتصفح الويب أن يفعل أكثر بكثير من مجرد تحميل مواقع الويب، بل ويساعدنا على التعلم وتوفير الوقت. وقد اختبرتُ متصفح «ديا» لمدة أسبوع، ووجدت نفسي أتصفح الويب بطرق جديدة. في ثوانٍ معدودة، إذ قدَّم المتصفح ملخصاً مكتوباً لمقطع فيديو مدته 20 دقيقة دون أن أشاهده بالكامل. وفي أثناء تصفح مقال إخباري عاجل، أنشأ المتصفح قائمةً بمقالات أخرى ذات صلة لفهم أعمق. حتى إنني كتبت إلى روبوت الدردشة المدمج في المتصفح لطلب المساعدة على تدقيق فقرة من النص. ويُتاح متصفح «ديا» - الذي لم يُطرح للجمهور بعد – بوصفه تطبيقاً مجانياً لأجهزة كمبيوتر «ماك» من «أبل» على أساس الدعوة فقط.

متصفحات جديدة

يقفُ متصفح «ديا» على أعتاب عصر جديد من متصفحات الإنترنت المدعومة بالذكاء الاصطناعي التي يمكن أن تقنع الناس بتجربة شيء جديد. هذا الأسبوع، أعلنت شركة «بربليكستي»، وهي شركة ناشئة لتطوير محركات البحث، عن متصفح ويب مدعوم بالذكاء الاصطناعي يسمى «كوميت (Comet)». وأفادت مجموعة من وسائل الإعلام بأن شركة «أوبن إيه آي»، الشركة التي تقف وراء تطوير «تشات جي بي تي»، تخطط أيضاً لإطلاق متصفح خاص بها هذا العام. ورفضت شركة «أوبن إيه آي» التعليق على ذلك.

أضافت شركات التكنولوجيا العملاقة مثل «غوغل» و«أبل» ميزات ذكاء اصطناعي خفيفة الوزن إلى متصفحَيها الحاليَّين، «كروم» و«سافاري»، بما في ذلك أدوات لتدقيق النصوص والتلخيص التلقائي للمقالات.

مستقبل الويب

ماذا يعني كل ذلك لمستقبل الويب؟ إليك ما تحتاج إلى معرفته.

• ما هو متصفح الذكاء الاصطناعي، وماذا يفعل؟ مثل متصفحات الويب الأخرى، فإن متصفح «ديا» هو تطبيق تفتحه لتحميل صفحات الويب. وما يميزه هو طريقة دمج المتصفح بسلاسة مع روبوت محادثة يعمل بالذكاء الاصطناعي للمساعدة، من دون مغادرة صفحة الويب.

يؤدي الضغط على اختصار «command+E» في روبوت «ديا» إلى فتح نافذة صغيرة تعمل بالتوازي مع صفحة الويب. هنا، يمكنك كتابة أسئلة تتعلق بالمحتوى الذي تقرأه أو الفيديو الذي تشاهده، وسيقوم روبوت الدردشة بالرد.على سبيل المثال:

> في أثناء كتابة هذا المقال على موقع «غوغل دوكس (Google Docs)»، سألت روبوت الدردشة عمّا إذا كنت قد استخدمت عبارة «على أعتاب (on the cusp)» بشكل صحيح، وأكد لي أنني استخدمتها بشكل صحيح.

> في أثناء قراءة مقال إخباري عن فيضانات تكساس، طلبتُ من روبوت الدردشة في المتصفح أن يخبرني بمزيد عن كيفية تطور الأزمة. وأنشأ الروبوت ملخصاً عن تاريخ البنية التحتية للسلامة العامة في تكساس، وضمّن قائمة بالمقالات ذات الصلة.

> في أثناء مشاهدة مقطع فيديو مدته 22 دقيقة على «يوتيوب» حول أجهزة تشغيل السيارات، سألتُ روبوت الدردشة عن أفضل الأدوات، فقام روبوت «ديا» على الفور باستخراج ملخص لأفضل الأدوات من نص الفيديو، مما وفَّر عليّ عناء مشاهدة الفيديو بالكامل.

على النقيض من ذلك، تتطلب روبوتات الدردشة مثل «تشات جي بي تي» و«جيميناي» و«كلود» فتح علامة تبويب أو تطبيق منفصل ولصق المحتوى حتى تتمكَّن روبوتات الدردشة من تقييم الأسئلة والإجابة عنها، وهي عملية كانت دائماً تعوق سير عملي.

• كيف يعمل؟ تولّد روبوتات الدردشة الذكية، مثل «تشات جي بي تي» و«جيميناي» و«كلود»، استجابات باستخدام نماذج لغوية كبيرة، وهي أنظمة تستخدم إحصاءات معقدة لتخمين الكلمات ذات الصلة ببعضها بعضاً. ولكل نموذج من روبوتات الدردشة مَواطن قوته ونقاط ضعفه.

أعلنت شركة «براوزر كومباني أوف نيويورك» أنها تعاونت مع شركات عدة لاستخدام نماذج الذكاء الاصطناعي الخاصة بها، بما في ذلك تلك التي تقف وراء «تشات جي بي تي» و«جيميناي» و«كلود». عندما يكتب المستخدمون سؤالاً، يقوم متصفح «ديا» بتحليله واستخراج الإجابات من نموذج الذكاء الاصطناعي الأنسب للإجابة.

على سبيل المثال، يتخصَّص نموذج الذكاء الاصطناعي «كلود سونيت (Claude Sonnet)» من تطوير شركة «أنثروبيك (Anthropic)»، في برمجة الحاسوب. لذلك، إذا كانت لديك أسئلة حول شيء تقوم ببرمجته، فسوف يستخرج المتصفح إجابة من هذا النموذج. وإذا كانت لديك أسئلة حول الكتابة، فقد يُولّد متصفح «ديا» إجابة باستخدام النموذج الذي تستخدمه شركة «أوبن إيه آي» لـ«تشات جي بي تي»، والمعروف جيداً بمعالجته اللغوية.

ما أقدّره في هذا التصميم هو أنك - بصفتك مستخدماً - لا تحتاج إلى معرفة أو التفكير في روبوت الدردشة الذي يجب استخدامه. وهذا يجعل الذكاء الاصطناعي التوليدي أكثر سهولة بالنسبة للجمهور العام.

وقال جوش ميلر، الرئيس التنفيذي لشركة «براوزر كومباني أوف نيويورك»، التي تأسست في عام 2020، وجمعت أكثر من 100 مليون دولار: «يجب أن تكون قادراً على القول: (مرحباً، أنا أنظر إلى هذا الشيء، ولدي سؤال عنه)». ثم تابع يقول: «يجب أن نكون قادرين على الإجابة عنك والقيام بالعمل نيابة عنك».

خرق الخصوصية... وعيوب المتصفح

• ماذا عن الخصوصية؟ يعني طلب المساعدة من الذكاء الاصطناعي بشأن صفحة ويب تشاهدها، أن البيانات قد تتم مشاركتها مع أي نموذج ذكاء اصطناعي يُستخدم في الإجابة عن السؤال، ما يثير مخاوف تتعلق بالخصوصية.

وأكدت شركة «براوزر كومباني أوف نيويورك» أن البيانات الضرورية المتعلقة بطلباتك فقط هي التي تتم مشاركتها مع شركائها الذين يوفرون نماذج الذكاء الاصطناعي، وأن هؤلاء الشركاء ملزمون بالتخلص من بياناتك بموجب التعاقد.

لطالما حذَّر خبراء الخصوصية من مشاركة أي معلومات حساسة، مثل مستند يحتوي على أسرار تجارية، مع روبوت الدردشة الذي يعمل بالذكاء الاصطناعي، لأن موظفاً محتالاً قد يتمكَّن من الوصول إلى البيانات.

لذا، أوصي بطلب المساعدة من روبوت الدردشة «ديا» فقط في أنشطة التصفح غير الضارة، مثل تحليل مقطع فيديو على «يوتيوب». ولكن عند تصفح شيء لا تريد أن يعرفه الآخرون، مثل حالة صحية، تجنب استخدام الذكاء الاصطناعي.

قد تكون هذه المبادلة - التي قد تتطلب التخلي عن بعض الخصوصية للحصول على المساعدة من الذكاء الاصطناعي - هي العقد الاجتماعي الجديد في المستقبل.

• ولكن، ألا توجد عيوب له؟ على الرغم من أن «ديا» قد أثبت فائدته في أغلب اختباراتي، فإنه كان - مثل جميع أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي - غير دقيق في بعض الأحيان.

في أثناء تصفحي لموقع «وايركاتر (Wirecutter)»، وهو نشرة تابعة لصحيفة «نيويورك تايمز» تقدم مراجعات للمنتجات، سألتُ روبوت الدردشة عمّا إذا كانت هناك أي عروض على الموقع لفلاتر المياه. وأجاب روبوت الدردشة بالنفي، حتى عندما قرأت عن نظام لتنقية المياه كان معروضاً للبيع.

قال ميلر إن المتصفح استمد إجاباته من نماذج مختلفة للذكاء الاصطناعي، لذا كانت إجاباته عرضة للأخطاء نفسها، التي تقع فيها روبوتات الدردشة الخاصة بها. فهذه الروبوتات أحياناً ما تخطئ في الحقائق وتختلق أشياء، وهي ظاهرة تُعرف باسم «الهلوسة».

ومع ذلك، وجدتُ في أغلب الأحيان أن «ديا» أكثر دقة وفائدة من روبوت الدردشة المستقل. ومع ذلك، شرعتُ في التحقق من الإجابات مرة أخرى من خلال النقر على أي روابط كان روبوت «ديا» يستشهد بها، مثل المقالات ذات الصلة بالفيضانات الأخيرة في تكساس.

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

«غوغل» تطلق ميزة جديدة لتنظيم الاشتراكات البريدية في «جيميل»

تكنولوجيا «غوغل»: الميزة الجديدة داخل «جيميل» لا تستهدف محاربة الرسائل التسويقية (جيميل)

«غوغل» تطلق ميزة جديدة لتنظيم الاشتراكات البريدية في «جيميل»

ميزة إدارة الاشتراكات في «جيميل» تهدف لتنظيم الرسائل الترويجية وجمعها في صفحة واحدة مع إلغاء مباشر للاشتراك وتحسين الأمان والإنتاجية للمستخدمين يومياً.

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
خاص يشكّل التصوير الجزيئي ركيزة أساسية في التحول الصحي لدعم الاكتشاف المبكر والطب الدقيق والرعاية الوقائية (شاترستوك)

خاص التصوير الجُزيئي كـ«بنية تحتية»: كيف يدعم التحول الصحي في السعودية؟

يتوسع التصوير الجزيئي في السعودية لدعم التشخيص المبكر والطب الدقيق، فيما يظل التنسيق والبنية التحتية والكوادر التحدي الأبرز، لا توفر الأجهزة فقط.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا يسهم في تسريع إنجاز المهام اليومية وتقليل الأعمال الروتينية وتعزيز كفاءة الإنتاجية داخل بيئات العمل «كلود»

«كلود كوورك»... أداة جديدة تعتمد الذكاء الاصطناعي لتنفيذ المهام المكتبية

تقوم الأداة بتحليل المحتوى والتخطيط للتنفيذ ثم إتمام المهمة ورفع المخرجات في نفس المكان دون الحاجة لسلسلة من التعليمات التفصيلية.

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
تكنولوجيا تُظهر بيانات عام 2025 أن الغالبية العظمى من هجمات التصيد الاحتيالي تستهدف سرقة بيانات تسجيل الدخول للحسابات الإلكترونية (شاترستوك)

47 مليون رابط تصيد احتيالي استهدف مستخدمي الشرق الأوسط خلال عام

تكشف «كاسبرسكي» تصاعد التصيد الاحتيالي في الشرق الأوسط حيث تُسرق بيانات الدخول ويُعاد بيعها، ما يحول الهجمات الفردية إلى مخاطر سيبرانية طويلة الأمد.

نسيم رمضان (لندن)
خاص خبراء: سيادة الذكاء الاصطناعي باتت محوراً استراتيجياً يُعاد عبرها تعريفه بوصفه بنية تحتية وطنية وصناعية لا أدوات تقنية منفصلة (شاترستوك)

خاص من التجارب إلى المصانع... كيف يتحول الذكاء الاصطناعي بنيةً تحتية وطنية؟

ينتقل الذكاء الاصطناعي في الخليج من مرحلة التجارب إلى أنظمة تشغيلية سيادية، تُبنى بوصفها بنيةً تحتية صناعية وطنية قادرة على التوسع والحوكمة وتحقيق قيمة اقتصادية

نسيم رمضان (لندن)

«غوغل» تطلق ميزة جديدة لتنظيم الاشتراكات البريدية في «جيميل»

«غوغل»: الميزة الجديدة داخل «جيميل» لا تستهدف محاربة الرسائل التسويقية (جيميل)
«غوغل»: الميزة الجديدة داخل «جيميل» لا تستهدف محاربة الرسائل التسويقية (جيميل)
TT

«غوغل» تطلق ميزة جديدة لتنظيم الاشتراكات البريدية في «جيميل»

«غوغل»: الميزة الجديدة داخل «جيميل» لا تستهدف محاربة الرسائل التسويقية (جيميل)
«غوغل»: الميزة الجديدة داخل «جيميل» لا تستهدف محاربة الرسائل التسويقية (جيميل)

مع توسّع الخدمات الرقمية وتزايد التسجيل في التطبيقات والمنصات، بدأ البريد الإلكتروني في مواجهة ظاهرة متنامية، تتمثل في تراكم الرسائل الإعلانية والعروض والاشتراكات الدورية. هذا التراكم لا يعرقل تجربة الاستخدام فحسب، بل يشتت الانتباه ويؤثر على قدرة المستخدم على الوصول إلى الرسائل المهمة. ورغم أن هذه الرسائل ليست «سباماً» بالمعنى التقني، فإنها تشكل عبئاً حقيقياً على المستخدم عندما تُخفي خلفها مراسلات شخصية أو مهنية أكثر أهمية.

في هذا السياق، أعلنت «غوغل» عن إطلاق ميزة جديدة داخل خدمة البريد الإلكتروني «جيميل» (Gmail) تحمل اسم إدارة الاشتراكات (Manage Subscriptions)، وذلك لمعالجة هذا النوع من الإزعاج بطريقة عملية ومنظمة.

اشتراكات مشروعة... وإزعاج متواصل

الإزعاج الذي يشتكي منه المستخدمون في بريدهم ليس بالضرورة ناتجاً عن رسائل احتيالية أو عشوائية، بل بسبب اشتراكات بريدية قانونية حصلت بموافقة المستخدم عند التسجيل في مواقع التجارة الإلكترونية أو المتاجر الرقمية أو التطبيقات أو الفعاليات. ومع الوقت، تتحول هذه الاشتراكات إلى ما يمكن تسميته بـ«الإزعاج المشروع» دون أن تمارس أي انتهاك. نتيجة ذلك، يتراجع حضور البريد الشخصي والمهني داخل صندوق الوارد، وتقل فاعلية البريد كأداة اتصال يومية.

ميزة تجمع اشتراكات البريد في صفحة واحدة وتتيح إلغاءها مباشرة لتنظيم الإيميل (جيميل)

«غوغل» تدخل على الخط

تقول «غوغل» إن الميزة الجديدة داخل «جيميل» لا تستهدف محاربة الرسائل التسويقية، بل تهدف إلى تنظيمها وإعادة السيطرة للمستخدم.

تعتمد الميزة على مبدأ بسيط وفعّال، وهو أن جمع كل القوائم البريدية النشطة في صفحة واحدة داخل «جيميل»، مع ترتيب الجهات الأكثر إرسالاً، وإتاحة خيار إلغاء الاشتراك مباشرة دون الانتقال إلى روابط خارجية أو تعبئة نماذج إضافية. هذا النموذج يعالج فجوة تقنية كانت موجودة منذ سنوات، حيث كان إلغاء الاشتراك سابقاً يتطلب فتح رابط خارجي قد يكون غير موثوق، أو المرور بخطوات مصممة لجعل الإلغاء أقل سهولة.

إلغاء الاشتراكات البريدية مباشرة من صفحة واحدة دون فتح روابط خارجية (جيميل)

فوائد تنظيمية وأمنية

تقول «غوغل» إن الميزة تهدف إلى تحسين تجربة البريد من خلال:

• تقليل الرسائل الترويجية المتكررة

• إبراز الرسائل المهمة ذات الأولوية

• رفع مستوى الأمان عبر تقليل التفاعل مع الروابط الخارجية

• تحسين الإنتاجية وتقليل وقت الفرز اليدوي

• تعزيز تنظيم البريد على المدى الطويل

هذه الخطوة لا تأتي مجرد تحسين بصري أو تقني، بل ضمن توجه أوسع لجعل البريد الإلكتروني أكثر قابلية للإدارة في ظل توسع الاشتراكات الرقمية.


فيديو: روبوت بملامح بشرية يستبق تعابير الوجه ويُتقن مزامنة الشفاه عبر لغات متعددة

فيديو: روبوت بملامح بشرية يستبق تعابير الوجه ويُتقن مزامنة الشفاه عبر لغات متعددة
TT

فيديو: روبوت بملامح بشرية يستبق تعابير الوجه ويُتقن مزامنة الشفاه عبر لغات متعددة

فيديو: روبوت بملامح بشرية يستبق تعابير الوجه ويُتقن مزامنة الشفاه عبر لغات متعددة

في خطوة جديدة على طريق تعزيز التفاعل بين الإنسان والآلة، طوّر باحثون نظاماً متقدماً يتيح للروبوتات ذات الملامح البشرية مزامنة حركات الشفاه مع الصوت المنطوق بدقة عالية، بما يقرّب تعابيرها من السلوك الإنساني الطبيعي أكثر من أي وقت مضى. ويعتمد النظام على نموذج عكسي مُحسَّن قادر على توليد أوامر الحركة بسرعة تفوق النماذج السابقة بخمس مرات؛ ما يسمح باستجابات آنية تحاكي التفاعل البشري المباشر.

ووفقاً لفريق بحثي من جامعة كولومبيا، جرى اختبار النظام على أكثر من 45 مشاركاً، وأظهرت النتائج تفوقه على خمسة مناهج معتمدة حالياً، محققاً أعلى درجات التطابق بين حركات فم الروبوت ونماذج مرجعية مثالية، وفقاً لموقع «إنترستنغ إنجنيرنغ».

تعميم لغوي يتجاوز بيانات التدريب

اللافت في هذا التطور أن النظام لا يقتصر على لغة بعينها؛ إذ أظهر قدرة لافتة على التعميم عبر لغات متعددة، من بينها الفرنسية والصينية والعربية، حتى وإن لم تكن ضمن بيانات التدريب الأصلية.

ويقول الباحثون إن الإطار الجديد «يمكّن من توليد حركات شفاه واقعية عبر 11 لغة غير إنجليزية ذات بُنى صوتية مختلفة»؛ ما يفتح المجال أمام استخدامات أوسع في التعليم، وخدمات الدعم الاجتماعي، ورعاية المسنين.

ورغم هذه الإمكانات، شدد الفريق على أهمية التعامل الحذر مع هذه التقنيات المتقدمة، تفادياً لأي استخدامات غير أخلاقية أو مضللة.

من التفاعل المتأخر إلى الاستجابة الاستباقية

ولا تزال معظم الروبوتات الحالية تعتمد على التفاعل المتأخر، حيث تقلّد تعابير الإنسان بعد حدوثها؛ ما يمنح التواصل طابعاً آلياً مصطنعاً في المقابل، تمثل التعابير الاستباقية القائمة على التنبؤ بردود الفعل العاطفية عنصراً محورياً في بناء تفاعل طبيعي، لا سيما فيما يتعلق بالابتسامات وتعبيرات الوجه التي تعزز الثقة والروابط الاجتماعية.

وتسعى الأبحاث الحديثة في مجال الروبوتات الاجتماعية إلى تجاوز نماذج الرسوم المتحركة المبرمجة مسبقاً، نحو تعابير ديناميكية عفوية قادرة على دعم الاندماج السلس للروبوتات في البيئات البشرية.

«إيمو»... وجه آلي بقدرات تعبيرية متقدمة

ضمن هذا السياق، كشف الفريق عن روبوت وجهي متطور أُطلق عليه اسم «إيمو»، صُمّم خصيصاً لتعزيز التفاعل الاجتماعي. ويعد «إيمو» تطويراً للمنصة السابقة «إيفا»، مع تحسينات عتادية بارزة، أبرزها تزويده بـ26 مشغّلاً (actuator) تسمح بإنتاج تعابير وجه غير متناظرة، مقارنة بعشرة فقط في النسخة السابقة.

ويعتمد الروبوت على نظام مغناطيسي مباشر لتشكيل جلد قابل للاستبدال، ما يتيح تحكماً أدق مقارنة بأنظمة الكابلات التقليدية. كما زُوّد بكاميرات RGB عالية الدقة مدمجة في العينين، تمنحه قدرة متقدمة على الإدراك البصري الآني واستشراف تعابير الطرف المقابل.

تعبيرات آنية بزمن قياسي

ولتحقيق التزامن الدقيق، طوّر الباحثون نموذجاً تنبؤياً دُرِّب على 970 مقطع فيديو، قادر على استشراف التعابير المستقبلية انطلاقاً من تغيرات وجهية أولية دقيقة. ويعمل النموذج بسرعة تصل إلى 650 إطاراً في الثانية، بينما ينفّذ النموذج العكسي أوامر المحركات بسرعة 8000 إطار في الثانية، ما يتيح توليد التعابير خلال 0.002 ثانية فقط.

وبما أن تعابير الوجه البشرية تستغرق عادةً نحو 0.8 ثانية، فإن هذا الفارق الزمني يمنح الروبوت هامشاً مريحاً للاستجابة المتزامنة. وأظهرت التحليلات أن النموذج نجح في التنبؤ الصحيح بتفعيل التعابير في أكثر من 72 في المائة من الحالات، مع دقة تنبؤية إيجابية تجاوزت 80 في المائة.

تحديات ثقافية وحدود قائمة

ورغم النتائج المشجعة، أقرّ الباحثون بوجود تحديات ثقافية، إذ تختلف أنماط التعبير والتواصل البصري من مجتمع إلى آخر. ومع ذلك، يرون أن الانتقال من محاكاة التعابير إلى استباقها يمثل خطوة جوهرية في التطور الاجتماعي للروبوتات، ويقربها أكثر من فهم السلوك الإنساني والتفاعل معه بواقعية أكبر.


التصوير الجُزيئي كـ«بنية تحتية»: كيف يدعم التحول الصحي في السعودية؟

يشكّل التصوير الجزيئي ركيزة أساسية في التحول الصحي لدعم الاكتشاف المبكر والطب الدقيق والرعاية الوقائية (شاترستوك)
يشكّل التصوير الجزيئي ركيزة أساسية في التحول الصحي لدعم الاكتشاف المبكر والطب الدقيق والرعاية الوقائية (شاترستوك)
TT

التصوير الجُزيئي كـ«بنية تحتية»: كيف يدعم التحول الصحي في السعودية؟

يشكّل التصوير الجزيئي ركيزة أساسية في التحول الصحي لدعم الاكتشاف المبكر والطب الدقيق والرعاية الوقائية (شاترستوك)
يشكّل التصوير الجزيئي ركيزة أساسية في التحول الصحي لدعم الاكتشاف المبكر والطب الدقيق والرعاية الوقائية (شاترستوك)

غالباً ما يُتناول تحوّل القطاع الصحي عبر محطات واضحة للعيان، مثل إنشاء مستشفيات جديدة، وإطلاق منصات رقمية، واعتماد أجهزة طبية متقدمة. غير أنّ جانباً أقل ظهوراً وأكثر حسماً يتمثل في بناء بنية تحتية تشخيصية قادرة على دعم الاكتشاف المبكر والطب الدقيق والرعاية الوقائية على نطاق وطني. ويقع التصوير الجزيئي، ولا سيما التقنيات الهجينة، مثل «PET - MRI» في صميم هذا التحول.

وعلى خلاف التصوير التقليدي، يجمع التصوير الجزيئي بين التفاصيل التشريحية والبيانات الوظيفية الآنية، ما يتيح للأطباء رؤية كيفية عمل الأنسجة لا مجرد شكلها. وفي مجالَي الأورام والأمراض العصبية، قد يُحدث هذا الفرق تحولاً في توقيت الاكتشاف أو في تعديل خطط العلاج أو في تجنّب إجراءات غير ضرورية. غير أن توسيع هذه القدرات عبر بلد واسع ومتنوّع جغرافياً يطرح تحديات تتجاوز كثيراً مجرد اقتناء الأجهزة.

الدكتور سامح الشيخ المدير العام لشركة التصوير الجزيئي والقطاع الطبي بوادي جدة

ما بعد الجهاز

أحرزت السعودية تقدماً تدريجياً في نشر أنظمة التصوير المتقدم، بما في ذلك «PET - CT» و«PET - MRI» داخل مراكز طبية كبرى. وبحسب الدكتور سامح الشيخ المدير العام لشركة التصوير الجزيئي والقطاع الطبي بوادي جدة، أثبتت هذه التقنيات قيمتها السريرية عبر الكشف عن انتشار سرطاني أو اضطرابات لم تُظهرها وسائل التصوير التقليدية، ما أتاح تعديل العلاج فوراً في عدد من الحالات.

لكن التركيز على المعدات وحدها قد يُبسّط المشكلة أكثر من اللازم؛ فالتصوير الجزيئي يعتمد على منظومة متكاملة تشمل إنتاج المستحضرات الصيدلانية الإشعاعية، وكوادر بشرية عالية التخصص، وإدارة آمنة للبيانات، ومسارات إحالة منسّقة.

ويشير الشيخ خلال حديثه مع «الشرق الأوسط» إلى أن «وجود جهاز دون متتبعات إشعاعية أو كوادر مدرّبة أو بنية لوجستية فعّالة، يحوّله إلى أصل غير مستغل بالكامل».

عملياً، يتحدد مستوى الإتاحة بقدر ما تتحدد بسلاسة سلاسل الإمداد وتنمية رأس المال البشري.

توسّع غير متكافئ إقليمياً

من منظور بنيوي، لا تزال خدمات التصوير الجزيئي تتركز في المدن الكبرى في عدة دول عربية، وهو تحدٍّ يزداد تعقيداً مع التقنيات المعتمدة على متتبعات قصيرة العمر. فالمتتبعات المستخدمة في فحوصات «PET» تتلاشى إشعاعياً بسرعة، ما يحدّ من مسافات النقل وفترات الصلاحية السريرية. وبناءً عليه، تؤثر قدرات الإنتاج المحلي أو غيابها مباشرة في فرص الوصول.

ويوضح الدكتور سامح الشيخ أن توطين إنتاج المتتبعات أسهم في تقليص التأخير وتخفيف أعباء السفر، خصوصاً في المنطقتين الغربية والجنوبية، كما خفف الضغط على المراكز المركزية.

ولا يتعلق الأمر بالعدالة الجغرافية فحسب؛ إذ قد تتسبب تأخيرات التشخيص في سلاسل من الآثار، تشمل إطالة مسارات العلاج، وارتفاع التكاليف، وتراجع النتائج الصحية. ومن منظورٍ منظومي، يُقوّض التفاوت الإقليمي مكاسب الكفاءة التي يُفترض أن تحققها التقنيات المتقدمة.

يواجه التصوير الجزيئي تحدياً يتمثل في التفاوت الإقليمي حيث تتركز الخدمات المتقدمة في المدن الكبرى مقارنة بالمناطق الأخرى (شاترستوك)

التنسيق كبنية تحتية

تُبرز هذه القيود حقيقة أوسع؛ فالسعة التشخيصية تُعد بنية تحتية بحد ذاتها، لا تقنية منفصلة. ويتطلب التوسع الفعّال تنسيقاً متعدد المستويات بين مقدمي الرعاية في القطاعين العام والخاص والجهات التنظيمية والمؤسسات الأكاديمية وشبكات الخدمات اللوجستية.

في السعودية، يتقاطع هذا التنسيق بشكل متزايد مع أهداف «رؤية السعودية 2030»، التي تركز على الوقاية والاكتشاف المبكر وتحسين جودة الحياة. ويمكن للتصوير الجزيئي دعم هذه الأهداف، شريطة إدماجه ضمن إطار متماسك يضمن توحيد المعايير وحماية البيانات وتطوير الكفاءات. ويشير الشيخ إلى أن أنماط الإحالة تُعد مؤشراً على الثقة والتكامل داخل النظام؛ إذ تأتي نسبة متزايدة من حالات التصوير الجزيئي من مستشفيات حكومية، إلى جانب مزودين من القطاع الخاص وجهات خيرية. ويعكس هذا التنوع ثقة أوسع بالتقنية، لكنه يفرض أيضاً متطلبات أعلى على الجدولة وتبادل البيانات والتنسيق السريري.

رأس المال البشري كعنق زجاجة

يمثل توفر الكوادر المتخصصة عنق زجاجة آخر. فأطباء الطب النووي والصيادلة الإشعاعيون والفيزيائيون الطبيون والتقنيون المدرّبون عناصر أساسية لتشغيل خدمات التصوير الجزيئي بأمان وكفاءة. وهذه المهارات نادرة عالمياً نسبياً، وبناؤها محلياً يتطلب وقتاً واستثماراً مستداماً. وقد استثمرت السعودية في برامج تدريب واعتماد لتوسيع هذه القاعدة، غالباً بالتعاون مع مؤسسات أكاديمية.

ويؤكد الشيخ أهمية التدريب العملي في مواقع العمل بما يربط التعليم الأكاديمي بالتطبيق السريري. ومن دون استثمار طويل الأمد في رأس المال البشري، قد يتجاوز نشر التقنيات القدرة التشغيلية الفعلية.

وهنا تبرز أهمية الشراكات بين مقدمي الرعاية والجامعات. فالمؤسسات المرتبطة بجامعة الملك عبد العزيز، عبر أذرع استثمار وابتكار، مثل وادي جدة، تُظهر كيف يمكن للمنظومات الأكاديمية دعم التقنيات الطبية التطبيقية عبر الربط بين البحث والتعليم وتقديم الخدمة.

قيمة هذه التقنيات لا تكمن في الأجهزة وحدها بل في المنظومة المتكاملة التي تشمل المتتبعات الإشعاعية والكوادر المتخصصة وسلاسل الإمداد (شاترستوك)

البيانات والأمن والتكامل

مع توسع التصوير الجزيئي، تتزايد أحجام البيانات وحساسيتها. وتُعد بيانات التصوير من أكثر أنواع المعلومات الصحية تفصيلاً، ما يستلزم ضوابط صارمة وإتاحة محدودة. وتفرض الأنظمة الوطنية في السعودية متطلبات مشددة لحماية البيانات، تضمن الخصوصية وقصر الوصول على المصرّح لهم.

غير أن التخزين الآمن ليس سوى جزء من المعادلة؛ فالقيمة طويلة الأمد للتصوير الجزيئي تكمن في تكامله مع أنظمة المعلومات الصحية الأوسع، بما يتيح دعم الرعاية الطولية وتحليل النتائج، وربما التحليلات التنبؤية مستقبلاً. ولا يزال تحقيق هذا التكامل من دون الإخلال بالأمن أو قابلية التشغيل البيني قيد التطوير.

منظور إقليمي

إقليمياً، يضع التبني المبكر للتصوير الجزيئي والدعم المالي المستمر السعودية في موقع متقدم مقارنة بعدد من الأسواق المجاورة. ويشير الدكتور سامح الشيخ إلى أن برامج التدريب والاستثمار في إنتاج المتتبعات وتوسيع التطبيقات السريرية أسهمت في تسريع الاعتماد. وفي المقابل، يعني الطلب المتنامي مدفوعاً بالنمو السكاني وتزايد عبء الأمراض أن توسيع السعة يجب أن يستمر لمجرد مواكبة الحاجة.

وتبرز هنا مفارقة النجاح؛ فكلما ازدادت فعالية التصوير الجزيئي، ارتفع الطلب عليه، ما يضع ضغوطاً إضافية على البنية التحتية والكوادر وسلاسل الإمداد. وإدارة هذا الطلب تتطلب تخطيطاً على المستوى الوطني، لا إضافات متفرقة على مستوى المراكز.

الطريق إلى «2030»

يُتوقع أن تُسهم تطبيقات الذكاء الاصطناعي والأدوات المعتمدة على البيانات في تحسين تفسير الصور وتقليص زمن التقارير وتعزيز الاتساق. ويؤكد الشيخ أن هذه المكاسب لن تتحقق إلا بعد معالجة الأسس، من حيث توحيد سير العمل وتوفر الكوادر المدرّبة وتكامل أنظمة البيانات؛ فالذكاء الاصطناعي هنا مُسرّع، وليس بديلاً عن البنية التحتية.

بحلول عام 2030، سيُقاس نجاح التصوير الجزيئي أقلّ بتطور الأجهزة الفردية وأكثر بسلاسة دعمه لمسارات المرضى عبر النظام الصحي؛ فالتشخيص الأسرع وتقليل حالات الإغفال والعلاجات الأكثر دقة هي النتائج المنشودة، لكنها رهينة بتكامل التكنولوجيا والسياسات والموارد البشرية ضمن إطار وطني متماسك.

وتُظهر تجربة السعودية درساً أوسع للأنظمة الصحية عالمياً؛ إذ إن أعظم قيمة للتشخيص المتقدم تتحقق عندما يُعامل كبنية تحتية وطنية. وفي هذا السياق، لا يتمثل التحدي الحاسم في اقتناء المعدات بل في مواءمة المكوّنات العديدة التي تمكّنه من العمل بفعالية وعلى نطاق واسع.