للمكفوفين حصّة في الجمال... حدث يُبدّد «التحيُّز البصري»

معرض يُتيح للفنّ أن يُلمس كما يُرى ويفتح المجال لحواس فاقدي البصر

تحدّي «التحيُّز البصري» (معرض ليدز سيتي للفنون)
تحدّي «التحيُّز البصري» (معرض ليدز سيتي للفنون)
TT

للمكفوفين حصّة في الجمال... حدث يُبدّد «التحيُّز البصري»

تحدّي «التحيُّز البصري» (معرض ليدز سيتي للفنون)
تحدّي «التحيُّز البصري» (معرض ليدز سيتي للفنون)

يستضيف معهد هنري مور في ليدز بإنجلترا معرضاً بعنوان «ما وراء المرئي»، بهدف تحدّي «التحيُّز البصري» في صالات العرض.

وأعلن فريق العمل الإبداعي أنّ الأعمال الفنّية اللمسية ينبغي أن تصبح أمراً شائعاً في صالات العرض البريطانية، لضمان وصول المكفوفين إلى الأعمال الفنّية والاستمتاع بها. كما ينبغي بذل المزيد لمواجهة «التحيّز البصري»؛ ويُقصد به التحيّز الذي يُعطي الأفضلية للبصر على باقي الحواس في تجربة الفنّ.

وذكرت «الغارديان» أنه في نوفمبر (تشرين الثاني)، من المقرّر أن يستضيف معهد هنري مور في ليدز معرض «ما وراء المرئي»؛ أوّل معرض منحوتات يُنظَّم بمشاركة فنانين مكفوفين وضعاف البصر، ويضمّ مزيجاً من الأعمال الجديدة والقديمة. ويأمل المنظمون أن يشجّع هذا الحدث قيادات القطاع الفنّي على جعل صالات العرض أكثر انفتاحاً على الزوّار والفنانين المكفوفين من خلال عرض أعمال يمكن لمسها.

في هذا السياق، قال البروفيسور كين وايلدر، أحد القائمين على المعرض: «من أهداف المشروع أن يُحدث تغييراً مؤسّسياً. نريد أن نتحدّى التحيّز البصري العميق الجذور في عالم الفنّ، الذي يجعل معظم معارض المنحوتات تمنع لمس الأعمال الفنّية».

ويُعدُّ المعرض ثمرة برنامج بحثي استمر 3 سنوات، وأدّى بالفعل إلى إقرار تغييرات في معهد هنري مور. وعن ذلك، قالت القيّمة البحثية في المعهد، الدكتورة كلير أودود: «نطلب الآن أعمالاً قابلة للّمس. إذا كنّا نعمل مع فنان على قيد الحياة، نطلب منه قطعاً أو مواد يمكن استخدامها في جولات اللّمس، ربما نموذجاً مصغَّراً أو مادة يستخدمها الفنان، لكي يحصل الزائر على إحساس أعمق بالعمل الفنّي».

معرض يُعيد التفكير في كيفية رؤية الفنّ ولَمْسه (معرض كاثرين كلارك)

من جهته، قال أحد القائمين على المعرض، المُحاضر المُساعد في كلية تشيلسي للفنون، الفنان الكفيف آرون ماكبيك، إنّ التغييرات التي تجريها المؤسّسات لتصبح أكثر شمولاً للمكفوفين غالباً ما تفيد الجميع، ويُطلق عليها «مكاسب العمى».

وأضاف: «مثلاً، الإعلانات الصوتية في الحافلات والقطارات التي تُخبر الركّاب بالمحطة الآتية، أُقرت في الأساس لخدمة المكفوفين، لكن الآن يستفيد منها الجميع؛ إذ يمكنهم القراءة من دون أن يفوّتوا محطة النزول. هذه الوسائل المصمَّمة لتكون أكثر شمولاً، يستخدمها الجميع وتعود بالنفع عليهم».

ويضمّ المعرض عمل لينا كلايتون بعنوان «منحوتة للمكفوفين». وأوضح وايلدر أنّ الفنانة «تعاونت مع 17 فناناً كفيفاً لإعادة ابتكار عمل (منحوتة للمكفوفين) للفنان الروماني الشهير كونستانتين برانكوشي، الذي، من المفارقات، يوجد خلف زجاج في متحف فيلادلفيا للفنون ولا يمكن لمسه».

وتتضمَّن الأعمال الأخرى «فتاة الكلب 2025» لإميلي لويز جوسيو، وهي «منحوتة خزفية مجسَّمة» مُستوحاة من كلبها المرشد، و«دلو المطر» لجنيفر جاستس، وهو عمل فني معلّق شديد الحساسية للّمس، و«مشروع زهرة النار» لكولين فان أوشيلين، الذي يضمّ سلسلة من الألواح اللّمسية المُضيئة.

كما أُقيمت معارض بارزة أخرى تناولت موضوع العمى أو سعت إلى إشراك الجمهور المكفوفين: معرض «منحوتة للمكفوفين» في متحف تيت عام 1981، ومعرض «رؤيا للأيدي» عام 1987 في معرض ليدز سيتي للفنون، حيث دُعي الزوّار إلى لمس الأعمال الـ20 المعروضة.

وفي الفترة الأخيرة، استكشف معرض «على مرأى من الجميع» في مجموعة ويلكوم، ومعرض «طبقات الرؤية» في كلية كينغز كوليدج لندن، علاقة الفنون بالرؤية.

وفي أوائل القرن الـ20، ظهرت معارض «اللّمس»، التي سمحت للمكفوفين بالتفاعل مع المعروضات في مؤسّسات، مثل مدرسة المكفوفين في نيوكاسل، وكانت هذه المعارض تُعدُّ تعليمية وعلاجية. وإنما ماكبيك يشير إلى أنّ هذا التصنيف لا يزال يُلاحق فنّ المكفوفين. وقال إنه «غالباً ما يُنظر إلى الفنّ الموجَّه للمكفوفين، أو الذي يُنتجه مكفوفون، بكونه نشاطاً علاجياً. وإنما في حقيقة الأمر، هناك ما هو أعمق بكثير من ذلك».

كما شارك عمل للفنان هنري مور بعنوان «الأم والطفل: القوس (1959)» في المعرض السابق «رؤية بالأيدي»، وسيُعرض كذلك في معرض «ما وراء المرئي».

وقالت أودود: «لطالما كان اللّمس عنصراً أساسياً في عمل هنري مور. لم يكن يهتم فقط بلمس الشكل النهائي، وإنما بالأشياء التي يستخدمها في الإلهام والإبداع: الخشب، والحجارة، والأحفوريات، والعظام... الجانب اللمسي فيها كان عاملاً رئيساً من وجهة نظره».

معرض «ما وراء المرئي» يُقام في معهد هنري مور من 28 نوفمبر 2025 حتى 8 مارس (آذار) 2026.


مقالات ذات صلة

«حكايات المكان» تجربة بصرية تبرز تراث العمارة في مصر

يوميات الشرق عدد من الصور المشاركة في معرض «حكايات المكان» (الشرق الأوسط)

«حكايات المكان» تجربة بصرية تبرز تراث العمارة في مصر

في تجربة بصرية تُبرز تراث العمارة المصرية، يصحبك معرض «حكايات المكان» في رحلة بين مختلف الأحياء والمباني التاريخيّة.

فتحية الدخاخني (القاهرة)
يوميات الشرق لوحة مستوحاة من أحلام فتاة من جنوب مصر (الشرق الأوسط)

«عشر سنوات بالداخل» يستكشف العلاقة بين الفنان والزمن

لا يقف معرض «عشر سنوات بالداخل» للفنان التشكيلي المصري علي حسان عند تجربة العرض البصري فقط.

منى أبو النصر (القاهرة)
يوميات الشرق في لوحاته عن الحفلات التي كانت تقام في الهواء الطلق يجسد رينوار الرقة في التعاملات ورغد العيش (متحف أورساي)

رينوار يلقي أشعته على ربيع باريس

موضوع المعرض هو الحب بأشكاله المتعددة، وهو محاولة لإلقاء نظرة جديدة على الرسام الذي عُرف عنه عشقه للطبيعة قبل البشر.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق قلادة تحمل ثقل قرن من الفقدان (معرض مانشستر للفنون)

«جوهرة الحِداد» تفكّ شفرة لوحة غامضة بعد 400 عام

أُعيد اكتشاف «جوهرة حداد» تعود إلى عصر «هامنيت» (نجل شكسبير)، بعد مرور 4 قرون على تخليدها في إحدى أكثر اللوحات العائلية غموضاً وشهرة في بريطانيا...

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

في عالم الموضة اليوم، يمدّ الحاضر يده للأمس. من أزياء وإكسسوارات مستلهمة من التسعينيات والخمسينيات وغيرها من الحقب السابقة، إلى تنظيم معارض تُسلِط الأضواء على…

جميلة حلفيشي (لندن)

«حكايات المكان» تجربة بصرية تبرز تراث العمارة في مصر

عدد من الصور المشاركة في معرض «حكايات المكان» (الشرق الأوسط)
عدد من الصور المشاركة في معرض «حكايات المكان» (الشرق الأوسط)
TT

«حكايات المكان» تجربة بصرية تبرز تراث العمارة في مصر

عدد من الصور المشاركة في معرض «حكايات المكان» (الشرق الأوسط)
عدد من الصور المشاركة في معرض «حكايات المكان» (الشرق الأوسط)

في تجربة بصرية تبرز تراث العمارة المصرية، يصحبك معرض «حكايات المكان» في رحلة بين مختلف الأحياء والمباني التاريخيّة، مستغلاً التقنيات التفاعلية في إضفاء الحياة على مجموعة من الصور الفوتوغرافية التي وثقت تفاصيل الأماكن وسردت روايتها.

المعرض، الذي افتتح مساء الأربعاء بقصر الفنون في ساحة دار الأوبرا المصرية على هامش الاحتفالات باليوم العالمي للتراث، يضم الأعمال الفائزة بمسابقة «تراثي7» التي أطلقها «جهاز التنسيق الحضاري» التابع لوزارة الثقافة المصرية في إطار مسعاه لـ«إحياء التراث والحفاظ عليه»، حسب رئيس الجهاز المهندس محمد أبو سعدة.

وقال أبو سعدة، في كلمته خلال حفل توزيع جوائز المسابقة، إن «التراث قيمة مهمة، لا سيما في مصر التي تمتلك إرثاً عميقاً تُباهي به العالم»، مؤكداً أن مسابقة «تراثي» هي «محاولة لإلقاء الضوء على التراث المصري ونشر الوعي بأهميته وبضرورة الحفاظ على المباني العمرانية التراثية».

حضور كثيف في افتتاح معرض «حكايات المكان» (الشرق الأوسط)

وتقدم للمسابقة هذا العام 1108 متسابقين من 26 محافظة، شاركوا بإجمالي 7492 صورة فوتوغرافية. كما بلغ عدد الصور المشاركة ضمن المشروعات التي تضمها محاور المسابقة المختلفة 1596 صورة.

ينقل المعرضُ الزائرَ بين محاور عدة يروي كل منها حكاية المكان بطريقته، تبدأ بمحور «في طريقنا دائماً» الذي يتضمن «بورتريهات» للمباني التراثية بوصفها بطل الحكاية، ثم يتجه للتركيز على التفاصيل عبر محور «شبابيك فاكرة»، الذي يركز على النوافذ وتفاصيلها الجمالية.

وحتى لا تبقي العمارة التراثية أسيرة التاريخ، يسعى محور «لسه موجود» لإظهار الاستخدامات المعاصِرة لمبانٍ تراثية. وبينما يسعى المعرض في أحد محاوره لتجسيد علاقة الإنسان بالمكان، لا ينسى في محور آخر جماليات وفنيات الصورة التي تبرز الظلال والانعكاسات بوصفهما عنصرين أساسيين في السرد البصري.

ويعد «تصدير الجمال وقيمه» هدفاً رئيسياً لوزارة الثقافة، حسب وزيرة الثقافة المصرية الدكتورة جيهان زكي، التي أشارت في كلمتها، إلى أنه «رغم صعوبة تحقيق هذا الهدف، فإن الإقبال على المسابقة وحضور المعرض يدل على وجود قاعدة بشرية مهتمة بالجمال والثقافة»، داعيةً إلى مساندة مبادرات الوزارة الرامية لتحقيق العدالة الثقافية.

جانب من المعرض (الشرق الأوسط)

تتوزع قاعات العرض داخل قصر الفنون على أدوار عدة، مصطحبة الزائر في رحلة زمنية صعوداً وهبوطاً تنقله بين حقب تاريخيّة مختلفة من العصور الإسلامية إلى الحديثة، لا سيما القاهرة التاريخية، وتعيد إحياء وشخصيات ورموز ارتبطت بتلك الأماكن، من بينها الشيخ محمد رفعت، لتروي الجدران بصمت رحلة المكان مع الناس والزمان.

بدوره، قال محافظ القاهرة الدكتور إبراهيم صابر، إن «المحافظة تعمل على محورين؛ الأول هو الحفاظ على التراث والهوية، والآخر هو الاستدامة والخدمات مثل الطرق والتحول الرقمي»، مشيراً إلى «مشاريع تخطيط العشوائيات وتطوير وإحياء مناطق وسط البلد والقاهرة التاريخية».

وتحمل هذه الدورة من مسابقة «تراثي» رؤية جديدة للجهاز القومي للتنسيق الحضاري، من خلال الشراكة مع القطاع الخاص، ممثلاً في منصة «فلوج»، التي تجمع عدداً كبيراً من المصورين الفوتوغرافيين، مما «عزَّز إشراك شريحة كبرى من الشباب والمبدعين لتقديم تجربة بصرية معاصرة تجمع بين التوثيق الفوتوغرافي والسرد البصري والتقنيات التفاعلية»، حسب أبو سعدة.

عدد من الصور المشاركة في معرض «حكايات المكان» (الشرق الأوسط)

وأشادت وزيرة الثقافة المصرية بمشاركة القطاع الخاص في المسابقة، مشيرةً إلى عزم الوزارة على زيادة التعاون مع القطاع الخاص بوصفه السبيل لتعزيز الانتشار الثقافي، رغم «ما يكتنف التعاون بين الحكومة والقطاع الخاص من صعوبات وانتقادات متبادلة»، على حد تعبيرها.

يتنقل المعرض بسلاسة بين صور فوتوغرافية معلَّقة على الجدران، إلى عروض بصرية تفاعلية على الأرضيات وبعض الجدران في مزج يمنح الصور قدراً من الحركة والحياة.

جاءت الجوائز التي تبلغ قيمتها الإجمالية 150 ألف جنيه (الدولار بـ52.35 جنيه)، موزعةً على قسمين؛ المشاركات الفردية والمشروعات.

وانقسمت المشاركات الفردية إلى أربعة محاور، هي: «في طريقنا دائماً»، وفازت بجائزته مريم أشرف شحاتة سيد، بينما حصلت غادة عبد المحسن سليمان على الجائزة التشجيعية. أما المحور الثاني بعنوان «شبابيك فاكرة»، ففازت به دينا محمد محسن، وحصل على الجائزة التشجيعية أحمد شعبان عليمي. وفازت بالمحور الثالث بعنوان «لسه موجود» هاجر عبد الحميد نور الدين، وحصلت على الجائزة التشجيعية إنجي فرحات مصطفى. وحصل مارسيليو سامي رزق على جائزة المحور الرابع تحت عنوان «الظل والانعكاس»، وفازت بالجائزة التشجيعية منى حسن أبو عبده.

عمل مشارك بالمعرض (الشرق الأوسط)

وعلى صعيد المشروعات، جاء المشروع الأول تحت شعار «الناس والمكان»، وفاز بجائزته أحمد مصطفى سالم، بينما حصل على الجائزة التشجيعية عمر الشحات أحمد شلبي. أما المشروع الثاني فحمل عنوان «الحيطان سامعة»، وفازت بجائزته سمر سيد بيومي.

ولم يقتصر المعرض على أعمال المشاركين بالمسابقة، بل ضم أعمال لاثنين من الفنانين كرمهما جهاز التنسيق الحضاري؛ وهما الفنان يحيى العلايلي لمشاركته المتميزة بمعرض «ما زالت هنا»، والذي يعكس التغيّر الاجتماعي والعمراني في القاهرة، وتأثير ذلك في الحفاظ على التراث، والمعماري الفنان رمزي مكرم عبيد عن مشاركته بمعرض «ذا لوكال شو»، والذي يستعرض معالم معمارية مصرية فريدة، بُنيت بروح تعتمد على المجتمع، والاستدامة، والوظيفة، والهوية التراثية، مثل كنيسة السيدة العذراء القبطية الأرثوذكسية، ومسجد «باصونة» بمنطقة الدرب الأحمر.

وزيرة الثقافة تكرم د. محمد الكحلاوي رئيس اتحاد الآثاريين العرب (جهاز التنسيق الحضاري)

وشهد الاحتفال تكريم الدكتور محمد الكحلاوي، أستاذ الآثار الإسلامية ورئيس اتحاد الآثاريين العرب، الذي اختاره جهاز التنسيق الحضاري «شخصية العام» احتفالاً باليوم العالمي للتراث، لما له من إنجازات وإسهامات كبيرة في الحفاظ على التراث المعماري والعمراني المصري والعربي.


«كافيه مونو» فسحة ثقافية بيروتية تتحدَّى واقع الحرب

«كافيه مونو» يستضيف نجوم المسرح (مونو)
«كافيه مونو» يستضيف نجوم المسرح (مونو)
TT

«كافيه مونو» فسحة ثقافية بيروتية تتحدَّى واقع الحرب

«كافيه مونو» يستضيف نجوم المسرح (مونو)
«كافيه مونو» يستضيف نجوم المسرح (مونو)

في زمن تتكاثر فيه الحواجز وتثقل الذاكرة بظلال الحرب، تبرز مبادرات صغيرة في حجمها، كبيرة بأثرها، تعيد للناس شيئاً من الألفة المفقودة. من بين هذه المساحات، يفتح «كافيه مونو» أبوابه، لا على شكل ملتقى عابر فحسب، وإنما جسر تواصل حيّ يقفز فوق زمن الحرب، ويستضيف وجوهاً من عوالم مختلفة حول طاولة واحدة، كي يُقرّب المسافات بجلسات عفوية وصادقة تنبض بالحكايات والتجارب الإنسانية.

فؤاد يمّين، وجوليا قصّار، ولينا أبيض، وبديع أبو شقرا، وغيرهم... شكّلوا ضيوف هذه الجلسات المنعقدة في «مسرح مونو». مديرته جوزيان بولس، وإثر اندلاع الحرب، فرغت خشبة مسرحها من العروض، وقرَّرت أن تبحث عن بديل يُبقيه حيّاً نابضاً بالثقافة والفنّ. فاستحدثت مساحة لا مكان فيها للتكلُّف أو النصوص الجاهزة. الفنانون يخرجون من أدوارهم، ويصغون، كما يشاركون الناس لحظات تُشبههم.

فتحت بذلك نافذة ضوء من قلب عتمة الأحداث الدامية التي يشهدها لبنان، متحدّية واقعاً مُثقلاً، ليتحوَّل «كافيه مونو» إلى مساحة لقاء تُرمّم تصدّعاته. وتوضح لـ«الشرق الأوسط»: «لم أجد أمامي سوى هذه الخطوة للهروب من المأزق. الفكرة تراودني منذ سنوات، لكنني كنتُ أؤجّلها بسبب ازدحام المسرح بعروض مكثفة. ومع اندلاع الحرب، وجدتُها فرصة لتقريب الناس من المسرح».

جوليا قصّار التقت الجمهور متحدِّثة عن تجربتها مع المسرح (مونو)

تشرف جوزيان بولس على هذه اللقاءات من بعيد، فيما يتولى أنطوان أبي سمرا إدارة الحوارات. وفيها يفتح نجوم التمثيل قلوبهم أمام الناس، مستعيدين بداياتهم وتجاربهم وتراكم خبراتهم. وتضيف بولس: «الجميل في الموضوع هو حماسة الممثلين للمشاركة من دون تردُّد، ورغبتهم في مدّ الجسور مع الجمهور بعيداً عن أيّ عمل مسرحي أو درامي». وتشير إلى أنها وسَّعت التجربة عبر لقاءات مماثلة على تطبيق «زوم» مع فنانين أجانب، ممّا أوجد مساحة ثقافية غنيّة تضمّ مخرجين وممثلين ومصمّمي رقص وغيرهم من أهل المسرح الموجودين خارج لبنان.

ويضم جمهور هذه الجلسات فئات اجتماعية لبنانية مختلفة، غالبيتها من محبّي الفنون والمسرح ومن أعمار متعدّدة. وتلفت بولس إلى أنّ الإقبال يزداد يوماً بعد يوم، مع حضور من مناطق عدّة، بينها صيدا وأدما، إضافة إلى بيروت، بعد انتشار الفكرة عبر وسائل التواصل.

بديع أبو شقرا كسر الحواجز بينه وبين الحضور في أحاديث متنوّعة (مسرح مونو)

الموضوعات المطروحة مفتوحة دون قيود؛ إذ يشارك الفنانون تجاربهم الشخصية والمهنية، ويجيبون عن أسئلة الجمهور، حتى تلك المرتبطة بحياتهم الخاصة. وتقول بولس: «هذا النوع من اللقاءات يمنح الفنان طابعاً مختلفاً عمّا يظهر به على الشاشة أو الخشبة، ويخلق تفاعلاً مباشراً وصادقاً مع الناس. وقد انعكس ذلك توسعاً في قائمة الضيوف أسبوعاً بعد آخر».

وكانت المخرجة لينا أبيض أولى المشاركات، متحدِّثة عن تجربتها في الإخراج المسرحي. وكذلك الأمر بالنسبة إلى جوليا قصّار وبديع أبو شقرا اللذَيْن شاركا الحضور محطات من مسيرتيهما. أما فؤاد يمّين، فتناول الصعوبات التي واجهته، مقدّماً نصائح لهواة التمثيل، ومتطرّقاً أيضاً إلى تجربته الشخصية مع التنمُّر قبل أن ينجح في تغيير نمط حياته.

فؤاد يمّين من المشاركين في لقاءات «كافيه مونو» (مسرح مونو)

وترى بولس أنّ هذه المبادرة «خرقت العتمة» التي فرضتها الحرب، ووفَّرت متنفَّساً كان الناس في أمسّ الحاجة إليه، ليشعروا بأنّ الحياة مستمرّة. وتضيف: «في زمن الحرب نخوض تحديات كثيرة، و(كافيه مونو) أحدها. وقد عشنا تجربة مشابهة مع مسرحية (كذبة بيضا) التي عُرضت رغم القصف، وكانت دليلاً على عزيمة اللبنانيين؛ إذ حضر الجمهور من مختلف المناطق دعماً للمسرح».

وتشيد بولس بوعي اللبنانيين حيال المرحلة الدقيقة التي يمرّ بها البلد، وتروي: «سألتني إحدى الحاضرات عن رأيي في المسرحية التي يشهدها لبنان اليوم، فأجبتها بأنّ ممثليها فاشلون».

وقريباً، يستعيد مسرح «مونو» نشاطه الاعتيادي مع مجموعة من العروض الجديدة، تبدأ بمسرحية «حنّة» من بطولة ندى بو فرحات وإخراج إيلي كمال، على أن تتبعها أعمال أخرى، بينها «الوحش» من بطولة كارول عبود ودوري السمراني وإخراج جاك مارون. وتحكي المسرحية عن لقاء شخصين جرحتهما الحياة وتركت ندوبها على شخصيتيهما، وتبرز أهمية تقديم الإنسانية على أيّ قيم اجتماعية أخرى. وتُعلّق بولس: «هذه المسرحية سبق أن قدّمها جاك مارون عام 2019، لكن عرضها توقّف جراء الأزمة الاقتصادية، وانتشار الجائحة، اللذين شهدهما لبنان. وأنا سعيدة باستضافتها؛ لأنها لم تُشاهَد كما يجب».

وتختم: «ما دام الحوار قائماً بين المسرح والناس، فنحن بخير. عندما تُكسر الحواجز تولد الألفة، والفنان يلعب دوراً أساسياً في الأوقات الصعبة. وهذه اللقاءات في (كافيه مونو) تُظهر الجانب الإنساني من حياتنا، وتكشف عن صعوبة مهنتنا التي يظنّها البعض سهلة وزهرية».


أحمد عزمي: تجاوزت «الفترة الضبابية» بدعم يحيى الفخراني ووحيد حامد

الفنان أحمد عزمي في لقطة من مسلسل «حكاية نرجس» (الشركة المنتجة)
الفنان أحمد عزمي في لقطة من مسلسل «حكاية نرجس» (الشركة المنتجة)
TT

أحمد عزمي: تجاوزت «الفترة الضبابية» بدعم يحيى الفخراني ووحيد حامد

الفنان أحمد عزمي في لقطة من مسلسل «حكاية نرجس» (الشركة المنتجة)
الفنان أحمد عزمي في لقطة من مسلسل «حكاية نرجس» (الشركة المنتجة)

أكد الفنان المصري أحمد عزمي أنَّ مسلسل «حكاية نرجس» الذي شارك في بطولته بموسم رمضان الماضي جذبه منذ الحلقات الأولى للسيناريو، وأنَّه شعر بأهمية أن يترك تأثيراً بشخصية الأخ الأكبر التي أدَّاها، وعدَّ هذا العمل إلى جانب كل من مسلسلَي «ظلم المصطبة»، و«ميد تيرم» بمنزلة بداية فنية جديدة له، بعد أزمته الصعبة التي قضى بسببها 6 أشهر في السجن بتهمة «تعاطي مواد مخدرة» في عام 2015.

وأضاف في حواره مع «الشرق الأوسط» أنَّه لا ينسى مساندة الكاتب الراحل وحيد حامد الذي أعاده للتمثيل في مسلسل «الجماعة 2»، والفنان الكبير يحيى الفخراني الذي كان مشجعاً له وأعاده للمسرح في «الملك لير»، لافتاً إلى أنَّ نجله الوحيد آدم كان السبب الذي أخرجه من محنته.

وأدى أحمد عزمي بمسلسل «حكاية نرجس» شخصية «جمال»، وحظي المسلسل بردود فعل واسعة، كما يقول عزمي لـ«الشرق الأوسط»: «حين قرأت نصف الحلقات أعجبني الخط الاجتماعي والإنساني بالمسلسل، والعلاقات بين الشخصيات، وجذبتني شخصية (الأخ الأكبر) المسؤول عن العائلة كونها جديدة عليّ بعد أدوار (الابن الحالم) أو(الشقي) التي كنت أقدمها من قبل».

ويروي عزمي أنَّه بعد لقائه المخرج سامح علاء اتضحت ملامح الشخصية بالنسبة إليه بشكل أكبر: «منذ أول لقاء جمعني به كان كل منا لديه تصورات عن شخصية (جمال)، من حيث علاقته بأخيه وأمه، وكان المخرج يضيف تفاصيل تُقوِّي العلاقة بين الشخصيات، فهو إنسان بار بأمه حتى إنَّه لم يتحمَّل البقاء بالمنزل بعد رحيلها، والحقيقة أنَّ سيناريو المسلسل الذي كتبه عمار صبري لم يُفرط في تقديم كل شخصية بشكل قوي، فالشخصيات مرسومة بشكل جيد».

عزمي حصد إشادات في موسم دراما رمضان الماضي (حسابه على «فيسبوك»)

وتوقَّع عزمي وقتئذٍ أن العمل سيكون له صدى كبير، وأنَّ أداءه لا بد أن يُبرز شخصية «جمال»، ليحقِّق نجاحاً بين زملائه من الممثلين الكبار موهبةً وحضوراً.

وتلقَّى ردود أفعل أسعدته، مؤكداً أنَّ علاقة الجمهور بالمسلسل لها مساحة من السعادة والفرحة، وأنَّه تلقى رد فعل الجمهور على أدائه، إذ كانوا يقولون له: «حمد الله على السلامة، كنا ننتظر عودتك»، مضيفاً: «هذا الكلام أسعدني، إضافة لزملاء لم أكن أعرفهم وجدتهم يتواصلون معي ويهنئونني مثل هشام ماجد وشيكو وريهام حجاج».

وعَدَّ عزمي مسلسل «حكاية نرجس» مع دوريَه في مسلسلَي «ظلم المصطبة» و«ميد تيرم» بمثابة بداية جديدة له، قائلاً: «في (ظلم المصطبة) كنت بين أصدقاء وعِشرة عُمر أمثال فتحي عبد الوهاب، وريهام عبد الغفور، كما كان المخرج هاني خليفة من أكبر الداعمين لي، وساعدني على الدخول في الشخصية بأن أترك لحيتي وأحلق شعري تماماً قبل التصوير حتى أتعايش مع شخصية (الشيخ علاء) رجل الأعمال، كما أنَّ تركيبة الدور في (ميد تيرم) كانت مغريةً لشخصية الأب الذي لديه ابن مُدمن وآخر بطل، وجاء نجاح (حكاية نرجس) ليُتوِّج الأعمال التي شكَّلت بدايةً جديدةً ومختلفةً لي في عالم الدراما التلفزيونية».

عزمي أكد دخوله مرحلة فنية جديدة (حسابه على «فيسبوك»)

لا ينسى عزمي مساندة كل من الفنان يحيى الفخراني، والمؤلف الراحل وحيد حامد، له في أزمته قبل سنوات. ويقول عن ذلك: «بعد أزمتي مررت بفترة ضبابية لم أكن أعلم هل سأستطيع العودة لعملي، وهل سيقبلني الناس أم لا؟ وفي ظلِّ مخاوفي وجدت وحيد حامد يختارني للعمل في الجزء الثاني من مسلسل (الجماعة)، والفنان الكبير يحيى الفخراني يدعوني للمشارَكة في مسرحية (الملك لير)، وشعرت بأنَّ هذه إشارة من الله لكي أعود لعملي الذي أحبه، وقد جمعتني بالفنان الكبير يحيى الفخراني أعمال كثرة مثل مسلسل (عباس الأبيض في اليوم الأسود)، و(يتربى في عزو) و(قصص القرآن)، ثم (الملك لير)، وهو أستاذي الذي أكنُّ له كل شكر وعرفان على كل مواقفه معي».

وقد غيَّرته الأزمة التي كادت تعصف بمستقبله، مثلما يقول: «صرت أكثر صبراً، ولم أعد أنفعل بسرعة أو أتعجل في ردود أفعالي حتى لوكنت على حق، وأحياناً أجد الطرف الثاني هو مَن يبادر بالاعتذار، وقد كان نجلي الوحيد آدم (17 عاماً) هو مَن جعلني أتعافى من كل شيء، فقد جعلته هدفي، وقلت لو لم أنجح في شيء فعلى الأقل أجعل من ابني شخصاً محترماً؛ ما دفعني لتنظيم كل شيء في حياتي، لأحافظ عليه وعلى نفسي ومَن أحبهم ليكونوا فخورين بي».

عزمي كما ظهر في مسلسل «ظلم المصطبة» (حسابه على «فيسبوك»)

وقدَّم أحمد عزمي منذ بدايته أعمالاً درامية لافتة، وتجارب سينمائية عدة، من بينها أفلام «قبلات مسروقة»، و«الوعد»، و«عزبة آدم»، وبعد 20 عاماً من تخرجه في معهد الفنون المسرحية حظي مؤخراً بتكريم من أكاديمية الفنون، وقد جاء التكريم مواكباً لنجاح مسلسل «حكاية نرجس»، وكما يقول: «ربنا أراد أن يكون تكريمي عقب رجوعي للمكانة التي كان يراني فيها أساتذتي بالمعهد». على حد تعبيره.