بقاء الكاتب صنصال في السجن يمدد الأزمة بين الجزائر وفرنسا

باريس ما زالت تأمل في عفو «فردي» يصدره الرئيس تبون

الكاتب الجزائري الفرنسي بوعلام صنصال (أ.ف.ب)
الكاتب الجزائري الفرنسي بوعلام صنصال (أ.ف.ب)
TT

بقاء الكاتب صنصال في السجن يمدد الأزمة بين الجزائر وفرنسا

الكاتب الجزائري الفرنسي بوعلام صنصال (أ.ف.ب)
الكاتب الجزائري الفرنسي بوعلام صنصال (أ.ف.ب)

خيبة كبرى ألمت بالسلطات الفرنسية، التي كانت تراهن على صدور عفو عن بوعلام صنصال، الكاتب مزدوج الجنسية الجزائرية والفرنسية، بمناسبة العيد الوطني الـ63. فبعد الحكم الصادر عن محكمة الاستئناف، يوم الثلاثاء الماضي، الذي ثبّت حكم البداية (5 سنوات نافذة من السجن مقرونة بغرامة مالية)، سدّت السبل في وجه باريس التي لم يبقَ أمامها سوى قيام الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بـ«لفتة» تجاه فرنسا التي تطالب منذ الخريف الماضي بإطلاق سراح الكاتب البالغ من العمر 80 عاماً والمصاب بسرطان البروستات.

ولم يتردد فرنسوا بايرو، رئيس الحكومة الفرنسية، في الإعراب عن «تمني» باريس صدور العفو الذي ربطت به تحسن العلاقات الفرنسية - الجزائرية المتأزمة، وربما تطبيعها، التي زادها حكم الثلاثاء الماضي تفاقماً. ولاكتمال الصورة، تتعين الإشارة إلى الحكم الثقيل (7 سنوات من السجن النافذ) الذي صدر بحقّ الصحافي الرياضي الفرنسي كريستوف غليز، لإدانته بتهم خطيرة، منها «تمجيد الإرهاب» و«حيازة منشورات دعائية تضرّ بالمصلحة الوطنية» والتواصل مع أشخاص متهمين بالإرهاب.

أسباب الخيبة الفرنسية

ماكرون يترأس قمة كاليدونيا الجديدة في الإليزيه 2 يوليو (رويترز)

تظهر خيبة باريس من خلال غياب ردود الفعل الرسمية، التي رافقت صدور قرار العفو الرئاسي الجزائري. وتفيد معلومات متوافرة، فرنسياً، أن ثمة اتصالات بعيدة عن الأضواء جرت بين باريس والجزائر بخصوص صنصال. وكانت التوقعات الفرنسية تقوم على مجموعة اعتبارات؛ أولها أن السلطات الجزائرية «لا يمكنها تحمل أعباء وفاة صنصال في السجن للانعكاسات السلبية التي يثيرها أمر كهذا». كذلك، رجّحت باريس أن يعمد الرئيس تبون إلى الاستفادة من فرصة الاحتفال بالعيد الوطني الجزائري لتمرير العفو عن صنصال الذي سيكون واحداً من عدة آلاف حظوا بالعفو.

فضلاً عن ذلك، لم يعمد صنصال ولا محاميه الفرنسي إلى الإعلان عن نقل الملف إلى محكمة التمييز، وهي الهيئة القضائية العليا، إذ لا استئناف بعدها. وثمة من قرأ هذا الامتناع على أنه «تحضير» للقرار الذي لا يمكن أن يصدر قانوناً إلا إذا كان الحكم مبرماً ولا طلب استئناف قدّم لإلغائه، وذلك بعكس ما فعله غليز ومحاميه اللذان قررا نقل الملف إلى محكمة الاستئناف.

عفو لأسباب «إنسانية»

آخر مرجع فرنسي تحدث عن العفو كان بايرو، الذي قال، يوم الثلاثاء، معلقاً على حكم السجن لـ5 سنوات: «إن ما يتعرض له بوعلام صنصال وضعٌ لا يُطاق في نظر الفرنسيين والحكومة الفرنسية. والآن، بعد صدور الحكم، يُمكننا أن نتصور صدور عفو عنه، خصوصاً بالنظر إلى صحة مواطننا».

وبكلام آخر، إن ما توقعه بايرو هو عفو لأسباب «إنسانية». وكان الرئيس ماكرون شخصياً قد طالب أكثر من مرة بالإفراج عن صنصال. وخلال الفترة الفاصلة بين صدور الحكم وغياب العفو، لزمت فرنسا الرسمية الصمت، وهو النهج الذي تمسكت به بشكل صارم.

وكان لافتاً أن برونو روتايو، وزير الداخلية الفرنسي، المعروف بمواقفه المتشددة إزاء الجزائر، كان إلى جانب بايرو عند إدلاء الأخير بتصريحه. وعندما سُئل عن رأيه بالحكم، ردّ بما يشبه اللغز قائلاً: «لا أريد إضاعة أي فرصة، وعلى الأخص من الآن حتى نهاية الأسبوع، لإطلاق سراح بوعلام صنصال». وكان بذلك يشير إلى موعد صدور قرارات العفو الرئاسية الجزائرية.

تبون لا يخضع للضغوط

الرئيسان الجزائري تبون والفرنسي ماكرون على هامش قمة «السبع» في يونيو 2024 (الرئاسة الجزائرية)

بيد أن القراءة الجزائرية كانت، وفق ما يبدو، مختلفة تماماً عن قراءة باريس. والسبب أن تجاوب تبون مع ما يطلبه الطرف الفرنسي ويشدد عليه، كان سيفسر على أنه «خضوع» لما تريده القوة المستعمرة السابقة، ما يمكن أن يثير كثيراً من التساؤلات في الجزائر، خصوصاً أن «الخطيئة الكبرى» التي ارتكبها صنصال قوله لمجلة «فرونتيير» الفرنسية اليمينية إن قسماً من الأراضي المغربية، بما فيها مدينة وهران، سلخ زمن الاستعمار الفرنسي من المغرب، وضم إلى الجزائر. ما يشكل، وفق القضاء الجزائري، تهديداً لوحدة التراب الوطني.

رغم الخيبة الأخيرة، التي مردها بشكل رئيسي تواصل مناخ التوتر المسيطر على العلاقات بين العاصمتين، تناقصت الخيارات المتوافرة للجانب الفرنسي لإرجاع صنصال إلى فرنسا. وبحسب مصادر متابعة للملف، فإن الحقيقة المجردة من الأوهام تفيد بأن الخيار الوحيد الممكن أن يعمد الرئيس تبون «في لحظة ما، وفي إطار ظروف مساعدة، بعيداً عن الضغوط» إلى إصدار عفو فردي عن صنصال لأسباب «صحية» إنسانية، وهو ما أشار إليه رئيس الوزراء بايرو.

ولا شك أن ثمة عملاً دبلوماسياً يتم بين الطرفين في الخفاء، ولا مصلحة لأحد منهما في الإعلان عنه، خصوصاً الطرف الجزائري. الأمر الذي من شأنه أن يفسر غياب ردّ الفعل الفرنسي. وكانت صوفي بريماس، الناطقة باسم الحكومة الفرنسية، قد قالت، في حديث للقناة الإخبارية اليمينية، الخميس، إن فرنسا «تلجأ إلى القنوات الدبلوماسية للطلب من الرئيس تبون الإفراج عن صنصال».

«الفرنسي منذ 6 أشهر»

والثابت، حتى اليوم، أنه لا شيء مؤكد بهذا الخصوص، إذ ما تسعى إليه باريس قد لا يتحقق طالما تواصلت الحملات الإعلامية بين الطرفين، وبسبب تحول الملف إلى مادة للاستغلال السياسي الداخلي لديهما. وتساءلت صحيفة «لو سوار» الجزائرية الناطقة بالفرنسية عن الأسباب التي تجعل فرنسا تركز على حالة صنصال، وتنسى الـ1700 فرنسي الآخرين المعتقلين خارج البلاد، فيما تهكمت صحيفة «الخبر» على صنصال «الفرنسي منذ 6 أشهر».

إذا كانت فرنسا الرسمية صامتة، فإن رئيسة لجنة الدفاع عن صنصال، الوزيرة السابقة نويل لونوار، تحدثت يوم السبت لإذاعة «فرانس أنتير» العمومية، مشيرة إلى أنه «قد تم استثناء جميع السجناء السياسيين وسجناء الرأي في الجزائر من العفو الرئاسي السنوي».

وبعد أن عدّدت بعض المؤشرات الإيجابية، منها السماح لمحامي فرنسا بيار كورنو - جنتيل، بالسفر إلى الجزائر، وحضور جلسة المحكمة بجانب موكله، وسحب اقتراح قانون إلغاء الاتفاقيات السابقة مع الجزائر، فإن الأمل انهار مع صدور الحكم المتشدد بحقّ الصحافي كريستوفر غليز. بيد أن لونوار عبّرت عن نوع من التفاؤل لجهة إطلاق سراحه، «لأنه من المستحيل أن تتحمل الجزائر مسؤولية وفاته في السجن».


مقالات ذات صلة

البرلمان الجزائري يصادق بالإجماع على التعديلات الدستورية «التقنية»

شمال افريقيا جلسة البرلمان للتصويت على التعديل الدستوري التقني (البرلمان)

البرلمان الجزائري يصادق بالإجماع على التعديلات الدستورية «التقنية»

صوّت البرلمان الجزائري، اليوم الأربعاء، خلال اجتماع لغرفتيه بالإجماع على وثيقة «التعديل الدستوري التقني».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا ميلوني لدى وصولها إلى الجزائر (الوزارة الأولى)

ميلوني تصل إلى الجزائر لبحث زيادة إمدادات الغاز الطبيعي

وصلت رئيسة مجلس الوزراء الإيطالي جورجيا ميلوني، الأربعاء، إلى الجزائر في زيارة يُنتظر منها بحث سبل إمداد روما بكميات إضافية من الغاز الطبيعي.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا رئيسا حكومتَي الجزائر والنيجر خلال أشغال لجنة التعاون المشتركة (الحكومة الجزائرية)

الجزائر لفتح صفحة جديدة مع النيجر بعد «أزمة الطائرة المسيَّرة»

أجرى وفد حكومي جزائري رفيع المستوى محادثات في النيجر، يومي الاثنين والثلاثاء، تناولت تأمين الحدود البرية المشتركة ومكافحة الإرهاب.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا جانب من جلسة مصادقة النواب على حزمة قوانين الإصلاحات (أرشيفية - البرلمان الجزائري)

البرلمان الجزائري يصادق الأربعاء على «المراجعة الدستورية التقنية»

تندرج مراجعة الدستور ضمن الصلاحيات الأصيلة لرئيس الجمهورية، ويمكن عرضها إما على الاستفتاء الشعبي وإما مباشرة على البرلمان، بعد أخذ رأي المحكمة الدستورية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري مع رئيسة وزراء إيطاليا في روما خلال مايو 2023 (الرئاسة الجزائرية)

«قمة غاز» جزائرية - إيطالية الأربعاء المقبل... وتحذيرات فرنسية من استمرار القطيعة

من بين أهداف زيارة رئيسة الوزراء الإيطالية، جيورجيا ميلوني، وفق مصادر صحافية جزائرية، تعزيز التعاون الصناعي، والطاقوي عبر مختلف مراحل سلسلة الإنتاج.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

مقتل 28 مدنياً على الأقل في غارات بمسيّرات في السودان

عائلات سودانية نازحة من كردفان في ملعب كرة قدم ببلدة كادوقلي جنوب الإقليم (أ.ب)
عائلات سودانية نازحة من كردفان في ملعب كرة قدم ببلدة كادوقلي جنوب الإقليم (أ.ب)
TT

مقتل 28 مدنياً على الأقل في غارات بمسيّرات في السودان

عائلات سودانية نازحة من كردفان في ملعب كرة قدم ببلدة كادوقلي جنوب الإقليم (أ.ب)
عائلات سودانية نازحة من كردفان في ملعب كرة قدم ببلدة كادوقلي جنوب الإقليم (أ.ب)

قُتل 28 مدنياً على الأقل جراء غارتين بمسيّرات استهدفتا ولايتي شمال دارفور وشمال كردفان في السودان، وفق ما أفادت مصادر طبية وكالة الصحافة الفرنسية، اليوم (الخميس).

واستهدفت إحدى الغارتين الأربعاء سوقاً في مدينة سرف عمرة بولاية شمال دارفور، ما أسفر عن مقتل 22 شخصاً، بينهم رضيع، وإصابة 17 آخرين، وفق ما ذكر عامل صحي في المستشفى المحلي لوكالة الصحافة الفرنسية.

وتسببت غارة أخرى، الأربعاء، أيضاً باشتعال النيران في شاحنة كانت على طريق في شمال كردفان. وأفاد مصدر طبي في مستشفى مدينة الرهد المحلي لوكالة الصحافة الفرنسية بوصول 6 جثث إلى المستشفى، 3 منها متفحمة، بالإضافة إلى 10 جرحى، محملاً «قوات الدعم السريع» مسؤولية الهجوم.


البرلمان الجزائري يصادق بالإجماع على التعديلات الدستورية «التقنية»

جلسة البرلمان للتصويت على التعديل الدستوري التقني (البرلمان)
جلسة البرلمان للتصويت على التعديل الدستوري التقني (البرلمان)
TT

البرلمان الجزائري يصادق بالإجماع على التعديلات الدستورية «التقنية»

جلسة البرلمان للتصويت على التعديل الدستوري التقني (البرلمان)
جلسة البرلمان للتصويت على التعديل الدستوري التقني (البرلمان)

صوّت البرلمان الجزائري، اليوم الأربعاء، خلال اجتماع لغرفتيه بالإجماع على وثيقة «التعديل الدستوري التقني»، التي أعلنت عنها الرئاسة نهاية العام الماضي، وعرضتها على الأحزاب مطلع العام الحالي بغرض الموافقة. وحاز المسعى على ثلاثة أرباع أعضاء البرلمان (75 في المائة)، الذي يتكون من 583 عضواً، موزعين بين 407 أعضاء في «المجلس الشعبي الوطني»، و176 عضواً في «مجلس الأمة».

تفاعل قادة أحزاب مع مشروع الرئاسة تعديل الدستوري في اجتماع 25 يناير 2026 (الرئاسة)

وكان وزير العدل لطفي بوجمعة قد قدم عرضاً عن هذا التعديل أمام مكتب غرفتي البرلمان، أمس الثلاثاء، مؤكداً أن المراجعة «تمس جوهر تنظيم السلطات»، لا سيما وظيفة رئيس الجمهورية والبرلمان، والسلطة القضائية، بالإضافة إلى «السلطة المستقلة للانتخابات».

وعزت الحكومة هذه التعديلات، وفق ما ذكره وزير العدل، إلى «نقائص كشفت عنها الممارسة الدستورية على مدار خمس سنوات»، أي منذ إقرار دستور 2020، عادَة أنها «مجرد تحسينات تقنية تهدف لتطوير أداء المؤسسات». وبكلام آخر، ترى الحكومة أن هذه التعديلات لا تستدعي استفتاء شعبياً لأنها «تقنية» ولا تمس «الثوابت».

أعضاء مكتب غرفتي البرلمان مع وزير العدل خلال عرض التعديلات الدستورية (البرلمان)

فيما يخص منصب رئاسة الجمهورية، نص التعديل المقترح على المادة 87 بضرورة حيازة المترشح لـ«مستوى تعليمي» باعتباره شرطاً أساسياً؛ نظراً لتعاظم مسؤوليات المنصب، والحاجة لاتخاذ قرارات حاسمة في ملفات معقدة، دون أن يحدد النص الدرجة العلمية المطلوبة بدقة. كما سيتعزز دور الرئيس بصلاحية استدعاء «الهيئة الناخبة» لانتخابات محلية مسبقة بموجب تعديل المادة 91، وهو ما يهدف لسد ثغرة دستورية، كانت تحصر هذه الصلاحية في الانتخابات الرئاسية والتشريعية فقط.

كما اتجه المشروع نحو «دسترة» الممارسة التاريخية المتعلقة بأداء القسم، حيث سيؤدي الرئيس المنتخب اليمين أمام البرلمان بغرفتيه في الأسبوع الذي يلي انتخابه، وبحضور كبار مسؤولي الدولة، على أن يتلو نص القسم الرئيس الأول لـ«المحكمة العليا».

أما على مستوى البرلمان، فقد شهدت أحكام «مجلس الأمة» (الغرفة البرلمانية العليا) تغييرات جوهرية، حيث اقترحت الحكومة مراجعة معيار التمثيل، الذي يمنح مقعدين لكل محافظة حالياً (58 محافظة)، ليصبح مقعداً واحداً أو اثنين بناء على الحجم الديموغرافي لكل محافظة، وذلك لتجاوز الفوارق السكانية الكبيرة، حسب معدي نص التعديل.

كما رُفعت عهدة رئيس «مجلس الأمة» إلى ست سنوات، بدلاً من ثلاث لـ«ضمان استمرارية المؤسسات». ويشار إلى أن شاغل هذا المنصب، هو الرجل الثاني في الدولة، بحسب الدستور.

مدير الديوان بالرئاسة أثناء عرض التعديل الدستوري التقني في 25 يناير الماضي (الرئاسة)

وفي سياق العلاقة بين غرفتي البرلمان، أتاح تعديل المادة 145 للحكومة طلب الفصل النهائي من إحدى الغرفتين في حال استمرار خلاف تشريعي بينهما، وهو إجراء يهدف لتسريع المسار التشريعي وتفادي حالة الانسداد، حسب المبررات التي وردت في نص التعديل «التقني».

وعلى صعيد السلطة القضائية، شملت المراجعة تشكيلة «المجلس الأعلى للقضاء» (الهيئة المشرفة على المسار المهني للقضاة)، حيث تقرر إلغاء التمثيل النقابي للقضاة لـ«تجنب تضارب المصالح بين العمل النقابي ومهام المجلس الدستورية». كما خرج رئيس «مجلس حقوق الإنسان» (هيئة استشارية تابعة لرئاسة الجمهورية) من التشكيلة مقابل إدراج النائب العام لدى «المحكمة العليا» (أعلى هيئة في القضاء المدني).

عودة «الداخلية» إلى مفاصل العملية الانتخابية

تحت غطاء «البحث عن الفعالية»، يُحدث تعديل الدستور تحولاً كبيراً في تنظيم الانتخابات في الجزائر. فبينما تحتفظ «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات» رسمياً بمهام الرقابة وإعلان النتائج، فإنها تُجرد من عنصر أساسي في عملها، وهو التحضير المادي واللوجيستي. هذه المهمة، التي تشمل تسيير الموارد البشرية والتقنية ميدانياً، تُعاد رسمياً إلى وزارة الداخلية، وهو ما عده مراقبون تراجعاً عن مكسب ديمقراطي جاء به «الحراك الشعبي» المطالب بالتغيير في سياق رفض ترشح الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة لولاية خامسة عام 2019.

وتُبرر مذكرة أسباب هذا الخيار بـ«الرغبة في تمكين سلطة الانتخابات من تخفيف الأعباء الثقيلة للتركيز على دورها الرقابي». غير أن المراقبين ذاتهم يرون أن عودة الجهاز الإداري، ممثلاً في وزارة الداخلية والجماعات المحلية، إلى مفاصل العملية الانتخابية تُنهي مرحلة من الاستقلالية الكاملة لهذه الهيئة، وتعيد وضع السلطة التنفيذية في قلب المنظومة الانتخابية.

وشاركت معظم الأحزاب في «استشارة» نظمتها الرئاسة حول وثيقة التعديلات، ووافقت عليها رغم بعض التحفظات عليها. وأبرز هذه التحفظات صدرت عن الحزبين المعارضين «جبهة القوى الاشتراكية»، الذي يملك ثلاثة أعضاء في الغرفة البرلمانية العليا، ومن دون أي تمثيل في الغرفة السفلى (المجلس الشعبي الوطني)، و«حزب العمال» الغائب عن الغرفتين.

وزير العدل أثناء عرض التعديل الدستوري على مكتب غرفتي البرلمان (البرلمان)

وأكد قياديون في «حركة مجتمع السلم» الإسلامية المعارضة، أن كتلتها البرلمانية قررت رفع الأيدي لصالح وثيقة التعديل «رغم عدم اقتناعنا بها بشكل كامل».

ومن البداية أظهرت الأحزاب الموالية للرئيس والمهيمنة على البرلمان دعمها للخطوة، وهي «جبهة التحرير الوطني» و«التجمع الوطني الديمقراطي»، و«جبهة المستقبل»، و«حركة البناء الوطني».

وبعكس هذا «الإجماع»، حذر عثمان معزوز، رئيس حزب «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» المعارض، في بيان، من تداعيات المراجعة الدستورية على المسار الديمقراطي، عادّا أنها «تمهد لاستعادة النظام الرئاسي المطلق». وانتقد معزوز بشدة توسيع صلاحيات الرئيس لتشمل حل المجالس المحلية مسبقاً، وتعديل هيكلة «مجلس الأمة»، مؤكداً أن الأمر يتعلَق بـ«خطوات تهدف إلى إحكام القبضة على آليات الخلافة المؤسساتية».

كما ندد الحزب، الذي لم يشارك في الاستشارة بخصوص تعديل الدستور، بما وصفه بـ«غياب النقاش العمومي»، وبـ«توجه البرلمان لتبني نص المشروع دون تمحيص»، محذراً من أن «تحويل أدوار السلطة المضادة إلى وظائف شكلية يهدد جوهر التوازن المؤسساتي في البلاد».


تحركات أممية من الخرطوم لوقف الحرب... والبرهان يلتقي مبعوث غوتيريش

البرهان مستقبلاً المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو (مجلس السيادة السوداني)
البرهان مستقبلاً المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو (مجلس السيادة السوداني)
TT

تحركات أممية من الخرطوم لوقف الحرب... والبرهان يلتقي مبعوث غوتيريش

البرهان مستقبلاً المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو (مجلس السيادة السوداني)
البرهان مستقبلاً المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو (مجلس السيادة السوداني)

بحث رئيس مجلس السيادة الانتقالي، القائد العام للجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، الأربعاء، في العاصمة الخرطوم، مع المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو، الجهود الدولية الرامية إلى إنهاء الحرب في البلاد، في وقت تتصاعد فيه التطورات الميدانية في عدد من الأقاليم.

وجدَّد هافيستو، الذي يزور السودان في أول مهمة رسمية له منذ تعيينه، التزام الأمم المتحدة بدعم المساعي الهادفة إلى التوصل إلى وقف لإطلاق النار، والعمل على إيجاد حل سلمي دائم للنزاع، مؤكداً أن زيارته تمثل فرصة مهمة للاستماع المباشر إلى رؤى مختلف الفاعلين السياسيين والمدنيين الرئيسيين في البلاد.

وشدَّد المبعوث الأممي على أهمية تبني خيار الحوار وخفض التصعيد بوصفهما مدخلاً أساسياً نحو وقف شامل للأعمال العدائية، إلى جانب ضرورة إعطاء الأولوية لحماية المدنيين، واتخاذ تدابير لبناء ثقة تهيئ الظروف لإحراز تقدم ملموس في العملية السياسية. وأكَّد أن الأمم المتحدة «لا تزال منخرطة بشكل كامل مع الجهات المعنية كافة» لتعزيز السلام والاستقرار، وتقديم المساعدات الإنسانية في مختلف أنحاء السودان، مشدِّداً على حرص مجلس الأمن الدولي والأمين العام للأمم المتحدة على وحدة السودان وسلامة أراضيه. وأضاف أن المنظمة الدولية «تقف بحزم مع الشعب السوداني»، وتواصل العمل مع شركائها الدوليين لدعم الخطوات الجادة لإنهاء القتال، ورسم مسار نحو سلام دائم يتحقق عبر حوار شامل وحقيقي.

وزير المالية السوداني جبريل إبراهيم زعيم حركة «العدل والمساواة» الحليفة للجيش (رويترز)

وخلال زيارته، التقى هافيستو بوزير المالية السوداني، جبريل إبراهيم، واستمع منه إلى شرح مفصل حول الأوضاع الاقتصادية والإنسانية في البلاد في ظل استمرار النزاع. وأكَّد إبراهيم رفض الحكومة السودانية لأي «حلول جاهزة» قد يقدمها المجتمع الدولي، مشدداً على أن مشاركة جميع الفاعلين تمثل خطوة أساسية لبناء رؤية واضحة وتحديد نقطة انطلاق لعملية السلام. واتفق الجانبان على أهمية دمج القوى المسلحة ضمن مؤسسات الدولة وفق أسس قانونية واضحة، بما يمنع وجود أي قوى موازية خارج إطار الدولة، مؤكدين أن تحقيق السلام في السودان يتطلب نهجاً تراكمياً قائماً على خطوات عملية قابلة للتنفيذ، تمهّد لعملية سياسية شاملة ومستدامة.

تطورات ميدانية

في موازاة ذلك، أكَّد حاكم إقليم النيل الأزرق، أحمد العمدة، استقرار الأوضاع الأمنية في الولاية الواقعة جنوب شرقي السودان على الحدود مع إثيوبيا وجنوب السودان، وذلك في أول تعليق رسمي له عقب سقوط مدينة الكرمك الاستراتيجية قرب عاصمة الإقليم الدمازين. وقال العمدة، في تصريحات صحافية من مكتبه في الدمازين، إن القوات المسلحة السودانية تواصل العمل على بسط سيطرتها على المحافظات المتاخمة لدولتي جنوب السودان وإثيوبيا، مشيراً إلى استمرار العمليات العسكرية لتأمين الشريط الحدودي.

اشتعال جبهة النيل الأزرق (الشرق الأوسط)

ودعا المواطنين إلى عدم الالتفات لما وصفه بـ«الشائعات» التي تروج لها «غرف إعلامية» عبر وسائل التواصل الاجتماعي بهدف زعزعة الأمن والاستقرار، مؤكداً أن «الجيش الوطني خط أحمر» باعتباره الضامن لوحدة النسيج الاجتماعي في إقليم النيل الأزرق، ووقوفه في وجه ما وصفها بـ«المؤامرات» التي تستهدف البلاد.

وتأتي هذه التصريحات في وقت تتواتر فيه الأنباء عن تقدم ميداني متسارع لقوات تحالف «تأسيس»، بقيادة «قوات الدعم السريع»، نحو مدينة باو جنوب غربي الدمازين، بعد إعلانها، الثلاثاء، إكمال سيطرتها على مدينة الكرمك الواقعة على الحدود مع إثيوبيا. وأفادت تقارير محلية بفرار مئات الأسر من الكرمك باتجاه الدمازين والمناطق المحيطة بها، في حين قالت حكومة الولاية إنها قامت بإجلاء أعداد كبيرة من المواطنين إلى مناطق آمنة قبل دخول القوات إلى المدينة. وتداولت منصات إعلامية موالية لـ«قوات الدعم السريع» مقاطع فيديو عبر موقع «فيسبوك»، تظهر مجموعة من المسلحين يزعمون اختراق الدفاعات الأمامية للجيش السوداني في محيط الكرمك.

في المقابل، نفت السلطات المحلية في محافظة باو، بشكل قاطع، صحة هذه الأنباء، مؤكدة في بيان نشر عبر «فيسبوك» استقرار الأوضاع الأمنية في جميع أنحاء المحافظة، وعدم وجود أي تهديدات عسكرية في محيط المدينة، ومشدِّدة على أن ما يتم تداوله «أخبار كاذبة».

وفي تطور ميداني منفصل، أسفرت غارة بطائرة مسيَّرة مجهولة، صباح الأربعاء، عن مقتل ستة أشخاص على الأقل في بلدة التومات جنوب محلية الرهد بولاية شمال كردفان، وذلك إثر استهداف شاحنة نقل مدنية، بحسب ما أفاد به شهود عيان، الذين أشاروا أيضاً إلى إصابة عدد من الركاب. من جهتها، اتهمت «قوات الدعم السريع» الجيش السوداني بقصف سوق في بلدة سرف عمرة بولاية شمال دارفور، مما أدى إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى من المدنيين. وقالت، في بيان نشر عبر منصة «تلغرام»، إن هذا الهجوم يأتي بعد أيام من قصف مواقع مدنية، من بينها مستشفى الضعين في شرق دارفور، ومناطق أخرى في إقليم كردفان، مشيرة إلى أن تلك الهجمات أسفرت عن مقتل وإصابة مئات المدنيين في مواقع خالية من أي وجود عسكري. ولم يصدر تعليق فوري من الجيش السوداني بشأن هذه الاتهامات.