سرطان الغدّة الدرقية... مراجعة علمية للأدلة والعلاجات

مستجدات بيولوجية وتحديات إكلينيكية

سرطان الغدّة الدرقية... مراجعة علمية للأدلة والعلاجات
TT

سرطان الغدّة الدرقية... مراجعة علمية للأدلة والعلاجات

سرطان الغدّة الدرقية... مراجعة علمية للأدلة والعلاجات

الغدة الدرقية هي غدة صغيرة تقع في مقدمة العنق، وتلعب دوراً في تنظيم عملية الأيض بالجسم. على الرغم من صِغر حجم هذه الغدّة وتموضعها الخفي في مقدّمة العنق، فإنّ أي اضطرابٍ يطولها قد ينعكس على استقلاب الجسم بأسره.

تصاب الغدة الدرقية بالسرطان عندما تطرأ تغييرات في الحمض النووي (DNA) لخلايا الغدة. ويُصنَّف سرطان الغدة الدرقية حاليّاً سابعَ أكثر الأورام شيوعاً عالميّاً، وفقاً لإحصاءات المرصد العالمي للسرطان (GCO)، مع تبايناتٍ لافتة بين الجنسَين في معدّلات التشخيص.

وعلى الصعيد العالمي، تُشخَّص النساء بالإصابة بسرطان الغدة الدرقية بمعدل يقارب ضعف معدل الرجال. ومع ذلك، تُظهر بحوث حديثة أن الرجال يواجهون مستوى الخطر نفسه، ومن ذلك بحوث صادرة عن «مايو كلينيك» تُظهر أنّ مستوى الخطـر الحقيقي متقـارب بين الرجال والنساء، ما يستدعي إعادة النظر في استراتيجيات التحري والتوعية، ويستوجب أن يكون الرجال والنساء -على حد سواء- على دراية بخطر الإصابة بسرطان الغدة الدرقية، وفقاً لما نشر في موقع أخبار «مايو كلينيك» (newsnetwork.mayoclinic.org).

وتقُدر الإصابات العالمية بسرطان الغدة الدرقية بنحو نصف مليون حالة وفق إحصاءات عام 2022، أي بمعدّل يقارب 10 حالات لكل 100 ألف من السكان؛ حسب المرصد العالمي للسرطان (GCO) المتخصص في رصد إحصاءات السرطان العالمية، وتعزيز البحث العلمي في هذا المجال.

وتحتل النساء تقليديّاً النسبة الأكبر من حالات التشخيص؛ إذ تُشخَّص إصابتهن بمعدل يناهز ضعفي الرجال. ولكن التحليل المرحلي لبيانات السجلات الطبية يشير إلى أنّ هذا الفرق يرتبط أساساً بأنواعٍ منخفضة العدوانية للسرطان، لا تهدد الحياة نسبياً، تُكتشَف مبكراً لدى النساء، لا بارتفاع حقيقي في قابلية الإصابة البيولوجيّة.

أما في الأورام المتقدّمة من سرطان الغدة الدرقية عالية الخطورة، فتتلاشى الفروق بين الجنسَين؛ ويصبح مستوى الخطر متساويًا بين الرجال والنساء؛ بل إنّ بعض الدراسات تُلمِح إلى تأخر تشخيص الرجال نتيجة انخفاض معدّلات الفحص الوقائي لديهم.

الأسباب وعوامل الخطورة

• الأسباب: في معظم الحالات، لا يُعرف سبب التغيرات التي طرأت على الحمض النووي وأدت إلى الإصابة بسرطان الغدة الدرقية. فإن التعرّض لمستويات عالية من الإشعاع، مثل العلاج الإشعاعي لمنطقة الرأس والعنق، قد يزيد من خطر الإصابة، كذلك بعض أنواع سرطان الغدة الدرقية قد تكون وراثية وتتوارث بين أفراد العائلة.

ويتعرض الرجال لخطر الإصابة أيضاً، ولكن حالاتهم لا تُكتشف بالقدر الكافي، والسبب غير واضح، ولكن إحدى النظريات تُرجّح أن النساء أكثر اهتماماً بصحتهن، ويلجأن إلى زيارة الطبيب بانتظام؛ ما يؤدي إلى تشخيص مزيد من الحالات بينهن.

• عوامل الخطورة: تشمل:

- التعرّض للإشعاع المؤيَّن: ولا سيما العلاجات الشعاعية للرأس والعنق في مرحل الطفولة.

- الاستعداد الوراثي: طفرات RET أو BRAF أو TP53 في السرطان الحليمي أو اللبّي.

- العوامل الهرمونية: أدوار الإستروجين والبروجسترون في تفسير فروق التشخيص، ولكن الأدلة غير حاسمة.

- نمط الحياة والبيئة: نقص أو فرط اليود، والبدانة، وملوِّثات معيّنة.

• طيف الأنواع النسيجية للسرطان، وتشمل:

- السرطان الحُلَيمي (PTC): يمثّل نحو 80– 85 في المائة من مجمل الحالات. ونموّه بطيء، وينتشر عادة إلى العقد اللمفاوية القريبة. مؤشرات الإنذار بحدوثه ممتازة؛ إذ يتخطى معدّل البقاء على قيد الحياة 95 في المائة خلال 10 سنوات.

- السرطان الجُريبي (FTC): يشكّل تقريباً 10– 15 في المائة من الحالات. يميل إلى الانتشار دمويّاً، ولا سيما إلى الكبد والعظام. يُعدّ إنذاره جيّداً عموماً.

- السرطان اللبّي (MTC): تبلغ نسبته نحو 2– 3 في المائة من جميع سرطانات الغدة الدرقية، وقد يرتبط بمتلازمة الأورام الصمّاوية المتعدّدة من النوع الثاني (MEN2). الإنذار متوسّط.

- السرطان اللانمطي/ الكشمي: نادر جدّاً (أقل من 2 في المائة). يتميّز بشدّة عدوانيته وسرعة انتشاره، ويُعدّ إنذاره ضعيفاً.

الدكتور إريك مور

الأعراض والتشخيص والعلاج

• الأعراض: قد لا يسبب سرطان الغدة الدرقية أي أعراض في البداية، فيظلّ المرض صامتاً غالباً؛ ثم تظهر الشكوى الأولى في صورة عُقدة درقية يكتشفها المريض أو الطبيب الفاحص السريري. ومع التقدّم قد تتطور إلى:

- بحّة أو تغيّر مستمر في الصوت.

- تورّم أو ألم في الرقبة.

• التشخيص القياسي، ويشمل:

- تصوير العنق بالموجات فوق الصوتية لتوصيف العقدة وتقويم العقد اللمفاويّة.

- خزعة الشفط بالإبرة الرفيعة (FNA) للتحليل الخلوي.

- المقايسة الجينية للطفرات في العينات المشتبه فيها، لفرز الحاجة إلى الجراحة.

• خيارات العلاج: يقول الدكتور إريك مور (Dr. Eric Moore) جرّاح الرأس والعنق ورئيس قسم طب الأنف والأذن والحنجرة في «مايو كلينيك» بمدينة روتشستر، مينيسوتا، والمدير الطبي في «مايو كلينيك إنترناشيونال»: إنّ بعض أنواع سرطان الغدة الدرقية، رغم ندرتها، تكون شديدة العدوانية ويصعب علاجها. ورغم أن هذه الأنواع كانت تعدُّ في السابق غير قابلة للعلاج، فإننا أخيراً أحرزنا تقدماً كبيراً في علاج أكثرها عدوانية، وقد أحدثت العلاجات الحديثة تغييرات جذرية في نتائج المرضى المصابين بهذه الأنواع من سرطان الغدة الدرقية.

ويضيف: إن معظم أنواع سرطان الغدة الدرقية قابلة للعلاج، ويكون التدخل كالتالي:

- استئصال الغدة الدرقية: قد تتضمن العملية الجراحية لإزالة الغدة الدرقية استئصال نسيج الغدة بالكامل (استئصال كلي) أو استئصال معظم نسيج الغدة (استئصال شبه كلي). يترك الجراح عادة حوافَّ صغيرة من نسيج الغدة الدرقية حول الغدد الجار درقية لتقليل خطر تلف هذه الغدد التي تساعد في تنظيم مستويات الكالسيوم في الدم.

- استئصال فص الغدة الدرقية: في أثناء استئصال فص الغدة الدرقية، يزيل الجراح نصف الغدة الدرقية. وقد يُوصَى باستئصال الفص في حال الإصابة بسرطان بطيء النمو في جزء واحد من الغدة الدرقية، ولا توجد عقيدات مشتبه فيها في أجزاء أخرى من الغدة، ولا توجد علامات على وجود سرطان في العقد الليمفاوية.

- إزالة العقد الليمفاوية في العنق: عادة ما ينتشر سرطان الغدة الدرقية إلى العقد الليمفاوية القريبة في العنق. قد يكشف فحص العنق بالموجات فوق الصوتية قبل الجراحة عن علامات تشير إلى أن خلايا السرطان قد انتشرت إلى العقد الليمفاوية. إذا كان الأمر كذلك، فقد يستأصل الجراح بعض العقد الليمفاوية في العنق لفحصها وتحليلها.

- العيادة متعددة التخصصات: فريق طبي يشمل أطباء الغدد الصماء، وجراحي الرأس والعنق، واختصاصيي الأنف والأذن والحنجرة، وأطباء الأورام، وأطباء الأشعة، واختصاصيي الباثولوجي (علم الأمراض). تُركز هذه العيادة على الأنواع الشرسة والمتقدمة من سرطان الغدة الدرقية. يدرس الفريق جميع مراحل المرض، من المراحل المبكرة إلى السرطانات المتقدمة، بهدف الوصول إلى أحدث التقنيات والأساليب والأدلة، وموازنة خيارات العلاج لوضع خطة مخصصة لكل مريض، تضمن تحقيق أفضل النتائج.

- العلاجات الموجهة: تُوظف مثبطات (RET، BRAF، NTRK) والأشعة الموضعية في الأنواع الكشمية أو المنتكسة.

توصيات التوعية والرعاية

• توصيات التوعية العالمية، وتشمل:

- الرجال بحاجة إلى تحرٍّ نشط؛ إذ قد يحجب انخفاض زياراتهم الوقائية التشخيص المبكّر؛ وينبغي أن تستهدفهم حملات التوعية مباشرة.

- الفحص الذاتي للعقد الرقبية، وتعليم المرضى متى يلجؤون للفحص المتخصص.

- تدريب أطباء الرعاية الأولية على رصد العلامات المبكرة، وتوجيه المرضى لتقييم الغدّة الدرقية.

• جودة الرعاية: وهي لا تتوقف عند حدود العمل الجراحي أو العلاجات الدوائية؛ بل تشمل أيضاً:

- رعاية المتابعة طويلة الأمد: مراقبة مستويات الثيروغلوبيولين، وتعديل جرعات هرمون الدرق التعويضي بدقة لمنع قصور أو فرط المعاوضة، وتقييم التأثيرات المتأخرة للعلاج بالإشعاع أو العلاجات الهادفة.

- الدعم النفسي والاجتماعي: إذ يواجه كثير من المرضى قلق تكرار الورم أو تحدّيات في صورة الجسد بعد الجراحة، ويتطلب ذلك برامجَ شاملة للصحة النفسية وإعادة التأهيل الصوتي.

- تقليل التفاوتات الصحية: لا يزال الوصول إلى التشخيص المبكر والعلاجات المتقدّمة متفاوتاً بين المناطق الريفية والحضرية وبين الدول مرتفعة ومنخفضة الدخل. وتوفّر مبادرات الصحة العالمية بقيادة هيئات مثل «المرصد العالمي للسرطان» (GCO) بيانات حيّة تساعد واضعي السياسات على توجيه الموارد؛ حيث تمسّ الحاجة.

التعرُّض للإشعاع المؤيَّن والاستعداد الوراثي والعوامل الهرمونية أهم أسباب حدوثه

دور الذكاء الاصطناعي

• نظرة مستقبلية: يكشف المنظور المعاصر لسرطان الغدّة الدرقية أنّ الفروق الظاهريّة في معدّلات الإصابة بين الرجال والنساء ليست ناجمة عن اختلافات بيولوجيّة جوهرية، بقدر ما تعكس فجوة في الاكتشاف المبكّر وأنماط الاستعانة بالخدمات الصحية. ومع تصحيح هذا التحيّز عبر برامج التثقيف المجتمعي والفحص الدوري، ولا سيما بالتصوير فوق الصوتي للعنق وخزعة الإبرة الرفيعة لدى أي عُقَيْدَة مشتبه بها، يُمكن تقليص التأخّر التشخيصي وتحديد الأورام في مراحل يسهل علاجها.

لقد أفضت الثورة الجزيئية إلى كشْف الطفرات المحرِّكة مثل (BRAF وRET وNTRK وTERT) وتطوير علاجات موجَّهة أحدثت تحسّناً كبيراً في معدلات الاستجابة، حتى في الأنماط الأكثر عدوانية، كالسرطان الكشمي واللبّي المنتشر. وفي الوقت نفسه، أظهرت الجراحات المحافظة بقيادة مراكز رائدة أن استئصال الفص أو الاستئصال شبه الكلي خيارٌ آمنٌ لبعض الأورام منخفضة الخطورة، ما يقلِّل اختلاطات نقص الكالسيوم وقصور الدرق المزمن، مع الحفاظ على معدلات بقاء مرتفعة.

• دور الذكاء الاصطناعي: على صعيد البحث، يُعدّ دمج الذكاء الاصطناعي والتعلّم الآلي في تحليل صور الموجات فوق الصوتية والخزعات خطوة واعدة لرفع دقّة التشخيص، وخفض الأخطاء البشرية. كذلك تَعِدُ دراسات المناعة الورمية (Immuno-oncology) بإضافة خيارات علاجية جديدة يمكن أن تُغيّر قواعد اللعبة؛ خصوصاً للأنماط المقاومة للأدوية الموجّهة التقليدية.

ختاماً، فإن المستقبل القريب يشهد تقاطعاً مثمراً بين الاكتشاف الجزيئي، والتكنولوجيا الجراحية قليلة التوغّل، والطبّ الدقيق الشخصي. عند هذا التقاطع، تبرز الفرصة لتحويل سرطان الغدّة الدرقية من تهديدٍ صامت إلى مرضٍ مُحكَم السيطرة، مع رفع معدلات الشفاء وتحسين جودة الحياة لمئات الآلاف سنوياً حول العالم.

وتتحقق هذه الرؤية بالاستثمار المتواصل في البحث متعدد التخصصات، وبناء الشبكات المرجعية العالمية، وضمان عدالة الوصول إلى الرعاية المتقدمة، لتصبح قصص النجاة القاعدة، لا الاستثناء.

* استشاري طب المجتمع.


مقالات ذات صلة

دراسة تحذر من احتواء أكواب القهوة الجاهزة على آلاف من جزيئات البلاستيك

صحتك الجزيئات البلاستيكية الدقيقة قد تتغلغل في الشرايين (رويترز)

دراسة تحذر من احتواء أكواب القهوة الجاهزة على آلاف من جزيئات البلاستيك

حذرت دراسة من أن أكواب القهوة الجاهزة إذا كانت مصنوعة من البلاستيك أو مبطنة بطبقة رقيقة منه، فمن المحتمل جداً أن يتسرب منها آلاف من جزيئات البلاستيك الدقيقة

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك السمنة تُعدُّ عاملاً رئيسياً في زيادة خطر الإصابة بكثير من أنواع السرطان (جامعة نوتنغهام)

«صيحات» منتظرة لمعالجة السمنة

يتوقع الخبراء خمسة تغييرات رئيسية في علاج السمنة من المرجح ظهورها في عام 2026، وفقاً لشبكة «فوكس نيوز» الأميركية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
صحتك يُقدّم الشاي العديد من الفوائد الصحية (رويترز)

الشاي البارد مقابل الساخن... أيهما يحتوي على مضادات أكسدة ومغذيات أكثر؟

يُحضّر الشاي البارد بنقع أوراق الشاي في الحليب البارد أو الماء لعدة ساعات... فهل تُعد هذه الطريقة صحية أكثر؟ أم أن الشاي الساخن أفضل؟

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الولايات المتحدة​ صيدلي يتحقق من وزن أقراص الباراسيتامول في الهند (رويترز) play-circle

مراجعة علمية دقيقة تفند مزاعم ترمب: الباراسيتامول آمن أثناء الحمل

أظهرت مراجعةٌ علميةٌ دقيقةٌ للأدلة أن تناول الباراسيتامول أثناء الحمل لا يزيد من احتمالية إصابة الطفل بالتوحد.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك الأشخاص المصابون بالاكتئاب الشديد هم أكثر عرضة للإصابة بالصداع النصفي بثلاث مرات (بيكسلز)

من الصداع إلى آلام الظهر: كيف يظهر الاكتئاب جسدياً؟

يعاني العديد من الأشخاص حول العالم من الاكتئاب، إلا أن كثيرين منهم قد لا يدركون إصابتهم به، إذ يميلون لربط الأعراض الجسدية التي يعانون منها بمشكلات صحية أخرى.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

دراسة تحذر من احتواء أكواب القهوة الجاهزة على آلاف من جزيئات البلاستيك

الجزيئات البلاستيكية الدقيقة قد تتغلغل في الشرايين (رويترز)
الجزيئات البلاستيكية الدقيقة قد تتغلغل في الشرايين (رويترز)
TT

دراسة تحذر من احتواء أكواب القهوة الجاهزة على آلاف من جزيئات البلاستيك

الجزيئات البلاستيكية الدقيقة قد تتغلغل في الشرايين (رويترز)
الجزيئات البلاستيكية الدقيقة قد تتغلغل في الشرايين (رويترز)

حذرت دراسة من أن أكواب القهوة الجاهزة إذا كانت مصنوعة من البلاستيك أو مبطنة بطبقة رقيقة منه، فمن المحتمل جداً أن يتسرب منها آلاف من جزيئات البلاستيك الدقيقة مباشرةً إلى مشروبك، بحسب موقع «ساينس أليرت».

وقال الموقع إن العالم يستهلك ما يُقدّر بـ500 مليار كوب سنوياً، وتناولت دراسة نُشرت في مجلة «المواد الخطرة»، تأثير البلاستيك في الأكواب عند تسخينها، وخلصت إلى أن الحرارة عامل رئيسي في إطلاق الجزيئات البلاستيكية الدقيقة، ومادة صنع كوبك لها تأثير أكبر مما تتصور.

ما الجزيئات البلاستيكية الدقيقة؟

هي شظايا بلاستيكية يتراوح حجمها بين ميكرومتر واحد وخمسة ملليمترات تقريباً؛ أي ما يعادل حجم ذرة غبار إلى حجم حبة سمسم.

أكواب قهوة (رويترز)

وتتكون هذه الجزيئات عند تحلل المواد البلاستيكية الكبيرة، أو قد تنطلق مباشرةً من المنتجات في أثناء الاستخدام العادي، وينتهي بها المطاف في بيئتنا، وغذائنا، وفي نهاية المطاف، أجسامنا.

وحالياً، لا نملك أدلة قاطعة حول كمية هذه الجزيئات البلاستيكية الدقيقة التي تبقى في أجسامنا.

والدراسات في هذا المجال عرضة للتلوث، ومن الصعب جداً قياس مستويات هذه الجزيئات الدقيقة في أنسجة الجسم بدقة.

ولا يزال العلماء يدرسون تأثير الجزيئات البلاستيكية الدقيقة على صحة الإنسان على المدى البعيد، وهناك حاجة ماسة إلى مزيد من الأبحاث، ولكن في الوقت الراهن، من الجيد أن نكون على دراية بمصادر الجزيئات البلاستيكية الدقيقة المحتملة في حياتنا اليومية.

وتُعدّ درجة الحرارة عاملاً مهماً، بحسب الدراسة التي قامت بتحليل بيانات من 30 دراسة، على أنواع البلاستيك الشائعة، مثل البولي إيثيلين والبولي بروبيلين، في ظل ظروف مختلفة، وبرز عامل واحد فوق جميع العوامل الأخرى: درجة الحرارة.

أكواب القهوة

مع ارتفاع درجة حرارة السائل داخل الوعاء، يزداد إطلاق الجزيئات البلاستيكية الدقيقة عموماً.

وفي تلك الدراسات، تراوحت كميات الجزيئات المُطلقة من بضع مئات إلى أكثر من 8 ملايين جزيء لكل لتر، وذلك تبعاً للمادة المستخدمة وتصميم الدراسة.

ومن المثير للاهتمام أن «مدة النقع» - أي المدة التي يبقى فيها المشروب في الكوب - لم تكن عاملاً ثابتاً، ويشير هذا إلى أن ترك مشروبنا في كوب بلاستيكي لفترة طويلة ليس بنفس أهمية درجة حرارة السائل عند ملامسته للبلاستيك.

اختبار 400 كوب قهوة

وأوضح الفريق الذي قام بالدراسة أنه جمع 400 كوب قهوة: أكواب بلاستيكية مصنوعة من البولي إيثيلين، وأكواب ورقية مبطنة بالبلاستيك، تبدو كالورق ولكنها تحتوي على طبقة بلاستيكية رقيقة من الداخل.

وأجريت الاختبارات على الأكواب عند درجة حرارة 5 درجات مئوية (درجة حرارة القهوة المثلجة) و60 درجة مئوية (درجة حرارة القهوة الساخنة). وبينما أطلق كلا النوعين جزيئات بلاستيكية دقيقة، كشفت النتائج عن اتجاهين رئيسيين.

أولاً، للمادة المصنوعة منها الكوب أهمية، فقد أطلقت الأكواب الورقية المبطنة بالبلاستيك كمية أقل من الجزيئات البلاستيكية الدقيقة مقارنةً بالأكواب البلاستيكية بالكامل عند كلتا درجتي الحرارة.

ثانياً، الحرارة تُحفز إطلاق كميات كبيرة من الجزيئات البلاستيكية الدقيقة، فبالنسبة للأكواب البلاستيكية بالكامل، أدى الانتقال من الماء البارد إلى الماء الساخن إلى زيادة إطلاق الجزيئات البلاستيكية الدقيقة بنسبة 33 في المائة تقريباً.

وإذا شرب شخص ما 300 ملليلتر من القهوة يومياً في كوب مصنوع من البولي إيثيلين، فقد يبتلع 363 ألف قطعة من الجزيئات البلاستيكية الدقيقة سنوياً.

كوب قهوة (بيكساباي)

لماذا تُعدّ الحرارة مهمةً للغاية؟

باستخدام التصوير عالي الدقة، فحصت الجدران الداخلية لهذه الأكواب، ووجد أن الأكواب البلاستيكية بالكامل تتميز بأسطح أكثر خشونة - مليئة بالنتوءات والانخفاضات - مقارنةً بالأكواب الورقية المبطنة بالبلاستيك.

وهذا الملمس الخشن يُسهّل تفتت الجزيئات، وتُسرّع الحرارة هذه العملية بتليين البلاستيك وتسببه في تمدده وانكماشه، مما يُؤدي إلى زيادة عدم انتظام السطح الذي يتفتت في النهاية إلى مشروبنا.

ووفقاً للدراسة، لسنا مضطرين للتخلي عن عادة شراء المشروبات الجاهزة صباحاً، ولكن يُمكننا تغيير طريقة تناولها، بالنسبة للمشروبات الساخنة، يُعدّ استخدام كوب قابل لإعادة الاستخدام مصنوع من الفولاذ المقاوم للصدأ أو السيراميك أو الزجاج الخيار الأمثل؛ لأن هذه المواد لا تُطلق جزيئات بلاستيكية دقيقة.

وإذا اضطررنا لاستخدام كوب للاستخدام لمرة واحدة، فتُشير أبحاثنا إلى أن الأكواب الورقية المبطنة بالبلاستيك تُطلق عموماً جزيئات أقل من الأكواب البلاستيكية الخالصة، مع العلم أن كليهما لا يخلو من الجزيئات البلاستيكية الدقيقة.


«صيحات» منتظرة لمعالجة السمنة

السمنة تُعدُّ عاملاً رئيسياً في زيادة خطر الإصابة بكثير من أنواع السرطان (جامعة نوتنغهام)
السمنة تُعدُّ عاملاً رئيسياً في زيادة خطر الإصابة بكثير من أنواع السرطان (جامعة نوتنغهام)
TT

«صيحات» منتظرة لمعالجة السمنة

السمنة تُعدُّ عاملاً رئيسياً في زيادة خطر الإصابة بكثير من أنواع السرطان (جامعة نوتنغهام)
السمنة تُعدُّ عاملاً رئيسياً في زيادة خطر الإصابة بكثير من أنواع السرطان (جامعة نوتنغهام)

يتوقع الخبراء خمسة تغييرات رئيسية في علاج السمنة من المرجح ظهورها في عام 2026، وفقاً لشبكة «فوكس نيوز» الأميركية.

ويُعتبر التحول من «إنقاص الوزن البسيط» إلى أدوية «متعددة الأنظمة» أهم هذه التغييرات.

وتتواصل التطورات الكبيرة في مجال إنقاص الوزن في العام الجديد، وذلك في أعقاب الأبحاث الرائدة حول أدوية GLP-1 التي تستعمل لفقدان الوزن وغيرها.

وتحدث خبراء إنقاص الوزن حول توقعاتهم لأهم التغييرات المتوقعة:

أدوية السمنة تُستخدم لمساعدة الأشخاص على فقدان الوزن الزائد (جامعة هارفارد)

1- التحول إلى علاج شامل للجسم

أوضح الدكتور بيتر بالاز، اختصاصي الهرمونات وإنقاص الوزن في نيويورك ونيوجيرسي، أن أهم تغيير هو على الأرجح تصنيف أدوية GLP-1 على أنها «معدلات أيضية متعددة الأنظمة» بدلاً من «أدوية إنقاص الوزن البسيطة».

وقال: «لم يعد الهدف من العلاج يقتصر على خفض مؤشر كتلة الجسم، بل يشمل الحدّ من المخاطر الأيضية القلبية الوعائية الشاملة، مع توثيق آثارها على الكبد والقلب والكلى والأوعية الدموية».

وأضاف: «نشهد انخفاضاً ملحوظاً في المضاعفات القلبية الوعائية الخطيرة وتطور أمراض الكلى».

ووفقاً لتوقعات الخبراء، سيتسع نطاق استخدام أدوية GLP-1 ليشمل مجالات أخرى غير إنقاص الوزن وعلاج السكري.

كما أشار الدكتور فيليب رابيتو، المتخصص في الغدد الصماء وإنقاص الوزن والصحة العامة في مدينة نيويورك، إلى أن هناك تطورات «واعدة» تنتظر أدوية إنقاص الوزن، بما في ذلك GLP-1 وGIP.

وأضاف: «تُظهر هذه الأدوية من الجيل الجديد، إلى جانب التركيبات المبتكرة التي تشمل الجلوكاجون ومحفزات الأميلين، نتائج مبهرة في إنقاص الوزن تفوق العلاجات المتاحة حالياً، مع إمكانية تحمل أفضل ونتائج مستدامة».

وتابع: «هناك أيضاً تفاؤل كبير بشأن الاتفاقيات الفيدرالية الجديدة مع الشركات المصنعة التي تهدف إلى جعل هذه الأدوية متاحة على نطاق أوسع وبأسعار معقولة لشريحة واسعة من المرضى الذين هم في أمسّ الحاجة إليها».

2- جرعات أكثر ملاءمة

ذكر بالاز أنه عادةً ما تُعطى أدوية GLP-1 عن طريق الحقن أسبوعياً، ولكن من المتوقع أن تتغير طرق الإعطاء والجرعات إلى طرق أكثر ملاءمة بحلول عام 2026.

وأصبح دواء Wegovy، وهو مصمم لعلاج السمنة، متوفراً الآن على شكل أقراص بجرعة 25 ملغ يومياً، وهو مُعتمد لإدارة الوزن المزمنة، مما يوفر خياراً غير حقني لبعض المرضى.

وأشار بالاز إلى أن دواء GLP-1 الفموي الذي يُؤخذ مرة واحدة أسبوعياً يخضع حالياً للمرحلة الثانية من التجارب السريرية، بالإضافة إلى إمكانية دراسة إعطائه عبر الحقن بهدف استمرار فاعلية جرعة الدواء لمدة تتراوح بين ثلاثة وستة أشهر.

3- جراحة أقل توغلاً

بالإضافة إلى انخفاض المخاطر أثناء الجراحة لمستخدمي GLP-1، توقع بالاز أيضاً أن تصبح جراحة التمثيل الغذائي غير الجراحية خياراً أفضل.

وقال: «قد تصبح الإجراءات التنظيرية غير الجراحية -مثل تكميم المعدة بالمنظار، وهو إجراء غير جراحي لإنقاص الوزن يُصغّر حجم المعدة من الداخل، وإعادة بناء الغشاء المخاطي للاثني عشر وهو إجراء غير جراحي يُعيد ضبط جزء من الأمعاء الدقيقة لمساعدة الجسم على تنظيم مستوى السكر في الدم بشكل أفضل- أكثر فاعلية وانتشاراً».

وأضاف: «توفر هذه الإجراءات فوائد أيضية كبيرة مع فترة نقاهة أقصر ومخاطر أقل من الجراحة التقليدية».

واتفق رابيتو على أن «التقدم السريع» في إجراءات إنقاص الوزن طفيفة التوغل «يفتح خيارات جديدة فعّالة للمرضى المترددين في الخضوع لجراحة السمنة التقليدية».

وذكر الخبير أن هذا الخيار يوفر «إنقاصاً حقيقياً ومستداماً للوزن مع مخاطر أقل، وفترات نقاهة أقصر، ودون الحاجة إلى شقوق جراحية خارجية».

وأكد الدكتور محمد غانم، جراح السمنة في معهد أورلاندو هيلث لجراحة إنقاص الوزن وعلاج السمنة، أن الجراحة لا تزال «الطريقة الأكثر نجاحاً لعلاج السمنة... مع أعلى معدلات فقدان الوزن وأكثر النتائج استدامة حتى الآن».

4- مستخدمو GLP-1 الأصغر سناً

بما أن دواء Wegovy مُعتمد لعلاج السمنة لدى المراهقين فوق سن 12 عاماً، ذكر بالاز أن استخدام أدوية إنقاص الوزن لدى الأطفال «أصبح واقعاً» وتوقع أن تتم الموافقة على بدائل أخرى في عام 2026 للمستخدمين الأصغر سناً.

يسهم الاكتشاف الجديد في فهم أمراض السمنة والاضطرابات النفسية (جامعة غرانادا)

5- إنقاص الوزن المدعوم بالذكاء الاصطناعي

في ظل نمو الذكاء الاصطناعي، توقع بالاز توسعاً في التطبيق السريري لأساليب إنقاص الوزن المدعومة بالذكاء الاصطناعي.

وأضاف أن هذا قد يشمل تصنيف السمنة إلى أنواع فرعية مثل «العقل المتعطش» و«الجوع العاطفي» و«الاحتراق البطيء»، وذلك لتخصيص العلاج وتجاوز أسلوب «التجربة والخطأ»، واتفق غانم مع ذلك الطرح، وذكر أنه من المرجح أن يكون هناك «تغيير كبير».

وسيركز البحث العلمي في عام 2026 على إجراء فحوصات فردية لتحديد أسباب السمنة، نظراً لتعدد أسبابها واختلافها من شخص لآخر، مما يستدعي علاجات مختلفة.

ويتوقع أن يلجأ المزيد من المرضى إلى الجمع بين العلاجات والبرامج الشاملة.

وقال غانم: «أصبح المرضى أكثر وعياً بتوفر خيارات علاجية متعددة لمكافحة السمنة، وهم يبحثون عن نهج شامل ومتعدد التخصصات».

وتوقع بالاز أن خيارات العلاج ستتحول أيضاً إلى الحلول الرقمية مع ازدياد استخدام العلاجات الرقمية الموصوفة لإنقاص الوزن.

وأضاف: «هذه تطبيقات برمجية تُقدم العلاج السلوكي المعرفي، والتغذية الشخصية، والتدريب الأيضي من خلال خوارزميات، وغالباً ما تكون مُدمجة مع أجهزة مراقبة الجلوكوز المستمرة، ويتم تعويضها كعلاجات طبية».


ميزات جينية وراء ظاهرة «المسنّين الخارقين»

شملت الدراسة أكثر من 18 ألف مشارك من ثماني مجموعات وطنية لدراسة الشيخوخة (رويترز)
شملت الدراسة أكثر من 18 ألف مشارك من ثماني مجموعات وطنية لدراسة الشيخوخة (رويترز)
TT

ميزات جينية وراء ظاهرة «المسنّين الخارقين»

شملت الدراسة أكثر من 18 ألف مشارك من ثماني مجموعات وطنية لدراسة الشيخوخة (رويترز)
شملت الدراسة أكثر من 18 ألف مشارك من ثماني مجموعات وطنية لدراسة الشيخوخة (رويترز)

كشفت دراسة جديدة، أجراها باحثون من المركز الطبي بجامعة فاندربيلت الأميركية، أن من يُطلق عليهم «المسنون الخارقون» يتمتعون بميزتين جينيتين رئيسيتين على الأقل.

استخدمت الدراسة التي نُشرت، الجمعة، في مجلة «ألزهايمر والخرف»، بيانات من مشروع تسلسل جينوم مرض ألزهايمر (ADSP-PHC). وشملت الدراسة أكثر من 18 ألف مشارك من ثماني مجموعات أميركية وطنية لدراسة الشيخوخة.

وتتبعت الدراسة التى تعد الأكبر حتى الآن، زوجاً من الجينات، يزيد أحدهما، والذي يحمل اسم «APOE-ε4»، من الخطر الوراثي للإصابة بمرض ألزهايمر. في حين يُعتقد أن متغيراً آخر من نفس الجين، وهو «APOE-ε2»، يُوفر حماية ضد المرض.

قام الباحثون بقياس مدى انتشار المتغيرين الجينيين لدى من يُطلق عليهم «المسنون الخارقون» - وهم الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 80 عاماً أو أكثر، والذين تُضاهي وظائفهم الإدراكية وظائف أشخاص أصغر منهم بعشرين أو ثلاثين عاماً.

وأظهرت النتائج أن كبار السن ذوي القدرات الإدراكية الاستثنائية أقل عرضة بنسبة 68 في المائة لحمل جين «APOE-ε4»، وهو الجين الذي لا يرغب فيه أحد، مقارنةً بالأفراد المصابين بألزهايمر في الفئة العمرية نفسها، كما أنهم كانوا أقل عرضة بنسبة 19 في المائة لحمل جين «APOE-ε4»، مقارنةً بالمشاركين ذوي القدرات الإدراكية الطبيعية من نفس الفئة العمرية.

قالت الدكتورة ليزلي جاينور، الأستاذة المساعدة في قسم طب الشيخوخة، والتي قادت الدراسة بالتعاون مع الدكتورة ألينا دورانت، محللة الإحصاء الجيني في مركز فاندربيلت للذاكرة وألزهايمر: «كانت هذه النتيجة هي الأبرز في دراستنا».

وأضافت في بيان، الجمعة: «تشير دراستنا إلى إمكانية استخدام نمط كبار السن ذوي القدرات الإدراكية الاستثنائية لتحديد سمات فئة كبار السن ممن لديهم خطر وراثي منخفض للإصابة بألزهايمر».

وكانت الدراسة قد وجدت أيضاً أن كبار السن ذوي القدرات الإدراكية الفائقة لديهم تردد أعلى للمتغير الجيني المرغوب «APOE-ε2»؛ إذ تزيد احتمالية حملهم لهذا المتغير بنسبة 28 في المائة، مقارنةً بالأفراد الأصحاء إدراكياً ممن تبلغ أعمارهم 80 عاماً فأكثر، وبنسبة 103 في المائة، مقارنةً بالمشاركين المصابين بألزهايمر ممن تبلغ أعمارهم 80 عاماً فأكثر.

ويُتوقع أن تُسهم هذه النتائج في استمرار الاهتمام بدراسة كيفية تأثير هذه المتغيرات الجينية على تطور الخرف الناتج عن ألزهايمر، وكذلك على ظاهرة الشيخوخة الفائقة بشكلٍ عام.

وهو ما تشدد عليه جاينور، قائلة: «مع تزايد الاهتمام بظاهرة الشيخوخة الفائقة، تُعزز نتائجنا بشكلٍ ملحوظ الرأي القائل إن هذه الظاهرة ستكون مفيدة في البحث المستمر عن آليات تُكسب بعض الأفراد مقاومةً لمرض ألزهايمر».