مصر: مساعي الحكومة لطمأنة قاطني «الإيجار القديم» لا تهدئ مخاوفهم

مطالبات بـ«تدخل رئاسي» عشية مناقشة البرلمان مشروع القانون الجديد

جلسة سابقة لمجلس النواب المصري (أ.ش.أ)
جلسة سابقة لمجلس النواب المصري (أ.ش.أ)
TT

مصر: مساعي الحكومة لطمأنة قاطني «الإيجار القديم» لا تهدئ مخاوفهم

جلسة سابقة لمجلس النواب المصري (أ.ش.أ)
جلسة سابقة لمجلس النواب المصري (أ.ش.أ)

ثمة ترقب مجتمعي لتصويت مجلس النواب المصري (البرلمان) على مشروع قانون «الإيجار القديم» الذي لا يزال يثير جدلاً مجتمعياً، وسط مطالبات بـ«تدخل رئاسي» لإنهاء الأزمة، فيما لم تنجح مساعي الحكومة لطمأنة المستأجرين، الذين ما زالوا يتخوفون من إقرار مواد تجبرهم على ترك منازلهم.

ويترقب ملايين المصريين جلسة مجلس النواب حول مشروع قانون «الإيجار القديم». وكانت لجنة برلمانية مشتركة (تكونت من لجان الشؤون الدستورية والتشريعية، والإسكان، والإدارة المحلية) أقرت مبدئياً في 10 يونيو (حزيران) الحالي، مشروع القانون الذي قدمته الحكومة، وقالت مصادر برلمانية لـ«الشرق الأوسط» إنه «من المتوقع أن يطرح مشروع القانون للتصويت على الجلسة العامة بمجلس النواب مطلع الأسبوع المقبل».

عضو مجلس النواب المصري، فريدي البياضي، رجح أن «يتم طرح مشروع القانون للتصويت خلال الجلسة العامة للمجلس الأحد المقبل»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «السيناريوهات غير واضحة، إذ يمكن التصويت على القانون كما هو، رغم وجود اعتراضات كثيرة عليه، أو يتم تعديل بعض مواده، لكن نأمل ألا تتم الموافقة عليه».

ويعد مشروع قانون «الإيجار القديم» من المشروعات الخلافية التي ترتبط بمصير نحو 6 ملايين مواطن يشغلون وحدات سكنية مؤجرة منذ عشرات السنين بمبالغ زهيدة، حسب «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء» في مصر.

وبحسب البياضي فإن «القانون سوف يسبب مخاطر اجتماعية وتوترات عدة، نتيجة تشريد نحو 6 ملايين مواطن».

وفي محاولة لطمأنة المستأجرين، أكد رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، أن «مشروع قانون (الإيجار القديم) يخضع حالياً للمناقشة داخل مجلس النواب، والحكومة حريصة على الحفاظ على استقرار العلاقة بين المالك والمستأجر، ولن يتم طرد أي مستأجر بعد انتهاء الفترة الانتقالية».

وقال مدبولي خلال مؤتمر صحافي عقب الاجتماع الأسبوعي للحكومة، مساء الأربعاء، إن «مشروع القانون يتضمن فترة انتقالية لتنظيم العلاقة التعاقدية بين الطرفين، لكنه لا يعني بأي حال من الأحوال إنهاء عقود الإيجار أو إخراج المستأجرين من الوحدات»، موضحاً أن «الهدف من القانون، هو تحقيق توازن عادل بين حقوق المالك والمستأجر، من خلال صياغة علاقة جديدة وواضحة تحفظ مصالح الطرفين».

ويتضمن مشروع القانون الذي وافقت عليه اللجنة البرلمانية مواد تحدد فترة انتقالية لإنهاء عقود الإيجار القديم مدتها 7 سنوات للأماكن المؤجرة لغرض سكني، و5 سنوات للأماكن المؤجرة لغير الغرض السكني، وإلزام «المستأجر بإخلاء المكان المؤجر ورده للمالك بانتهاء الفترة الانتقالية»، كما تنص مواده على «زيادة القيمة الإيجارية بنسب تختلف بين أماكن السكن والأماكن التجارية، وخلال الفترة الانتقالية، وحدد التشريع الجديد زيادة سنوية في القيمة الإيجارية بواقع 15 في المائة».

مشروع قانون «الإيجار القديم» يرتبط بمصير نحو 6 ملايين مواطن (الشرق الأوسط)

وكانت المحكمة الدستورية العليا بمصر قد أصدرت في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 حكماً بعدم دستورية تثبيت الأجرة السنوية للأماكن المرخص بإقامتها لأغراض السكن، وعدّته «عدواناً على حق الملكية».

ويرى رئيس «اتحاد مستأجري الإيجارات القديمة»، شريف عبد السلام الجعار، أن «تصريحات رئيس الوزراء المصري لم تنجح في طمأنة المستأجرين، أو تهدئة مخاوفهم».

وقال الجعار لـ«الشرق الأوسط» إن «رئيس الوزراء تحدث عن تحرير العلاقة الإيجارية، وفي الوقت نفسه عدم طرد المستأجرين، وهو كلام متناقض، حسب رأيه». وأضاف أن «تحرير العلاقة الإيجارية سيعني طرد المستأجرين»، متسائلاً: «حكم المحكمة الدستورية يتعلق فقط بعدم دستورية ثبات القيمة الإيجارية، فلماذا توسعت الحكومة في تعديل القانون ليطول مواد ستؤدي إلى طرد المستأجرين؟».

ووفق الجعار فإن «مواد مشروع القانون الذي يناقش حالياً يشوبها عدم الدستورية، وتتعارض مع أحكام قضائية عدة، ومنها أحكام لمحكمة النقض، والمحكمة الدستورية»، محذراً مما وصفه بـ«المخاطر الاجتماعية التي لن تتوقف عند حد تشريد الملايين، بل إنها ستؤدي إلى مواجهات بين الملاك والمستأجرين».

كما حذر نائب رئيس الوزراء المصري الأسبق، المفكر الاقتصادي، زياد بهاء الدين، من إقرار مشروع القانون بصيغته الحالية، مؤكداً أن «صدوره بهذا الشكل سيؤدي إلى موجة جديدة من المنازعات القضائية التي تعرقل التنفيذ». واقترح بهاء الدين في مقال بصحيفة «المصري اليوم» اليومية الخاصة، أن «تستغل الحكومة الأسابيع المتبقية من عمر البرلمان لكي تعيد دراسة القانون، وضبط التوازن فيه»، أو أن «تعيد النظر في المشروع من منظور محدد، عن طريق إحالة بعض أحكامه إلى اللوائح التنفيذية التي سوف تصدر فيما بعد، بما يعني احترام حكم المحكمة الدستورية وإقرار مبدأ عدم تثبيت الأجرة».

مبنى مجلس النواب المصري (مجلس النواب)

ووسط جدل مجتمعي واسع، وتحذيرات من مخاطر اجتماعية، طالب عضو مجلس النواب المصري، الإعلامي مصطفى بكري، الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، بالتدخل في أزمة قانون «الإيجار القديم». وكتب بكري عبر صفحته على «فيسبوك»، مخاطباً السيسي: «أنت مرجعيتنا والحكم بين السلطات، نلجأ إليك لتطفئ النيران التي أشعلتها الحكومة في بيوت المصريين بـ(قانون الإيجار) الجائر»، مضيفاً: «هناك أكثر من 15 مليوناً على الأقل سيجبرون على ترك بيوتهم التي تعاقدوا عليها مع المالك دون إكراه، ودفعوا في إصلاحها (دم قلوبهم) ثم نأتي الآن لنشردهم في الشوارع».

وانتقد بكري تصريحات رئيس الوزراء، قائلاً إن «رئيس الوزراء قال إن مشروع القانون يتضمن فترة انتقالية لتنظيم العلاقة التعاقدية بين الطرفين، لكنه لا يعني بأي حال إنهاء عقود الإيجار وإخراج المستأجرين من الوحدات... كيف لا يعني إنهاء العقود الإيجارية؟ وقانون الحكومة المقدم حدد 7 سنوات لإنهاء العلاقة، والمادة السابعة من القانون تعطي المالك حق اللجوء إلى قاضي الأمور الوقتية لطرد الساكن على الفور». وتساءل بكري: «ألا تعرف الحكومة أن هذا القانون سيؤدي إلى صدام مجتمعي بين الملاك والمستأجرين؟».

ولم تتوقف التخوفات من مشروع قانون «الإيجار القديم» على المستأجرين لغرض السكن، بل تمتد إلى الوحدات المؤجرة لأغراض أخرى، ومنها عيادات الأطباء، ما دفع نقيب أطباء مصر، أسامة عبد الحي، إلى إرسال خطاب، الأربعاء، إلى رئيس مجلس النواب المصري، حنفي جبالي، أعرب فيه عن تحفظه الكامل على مشروع قانون «الإيجار القديم» المقدم من الحكومة، خاصة فيما يتعلق بالأماكن المؤجرة للأشخاص الطبيعيين لغير غرض السكن مثل العيادات الطبية والصيدليات.

وأكد عبد الحي «اعتراض النقابة على المادة الثانية من مشروع القانون الذي ينص على إنهاء عقود الإيجار بعد مرور 5 سنوات من تاريخ العمل بالقانون الجديد». وقال إن «هذا الأمر مرفوض تماماً لما يمثله من خطر وتهديد للقطاع الصحي، خاصة في المناطق التي يقطنها المواطن البسيط»، محذراً من أن تطبيق زيادة سنوية سيؤدي إلى «إغلاق العيادات والصيدليات، لا سيما في القرى والمناطق الشعبية، أو اضطرار الطبيب لرفع قيمة الكشف، مما يحمل المريض أعباء إضافية».


مقالات ذات صلة

كيف تستفيد مصر من تزايد الاهتمام الأوروبي بالغاز القبرصي؟

العالم العربي مذكرات تعاون في مجال الطاقة بين مصر وقبرص (الرئاسة المصرية)

كيف تستفيد مصر من تزايد الاهتمام الأوروبي بالغاز القبرصي؟

تزامناً مع تزايد الاهتمام الأوروبي بالغاز القبرصي تعول الحكومة المصرية على مزيد من التعاون بين القاهرة ونيقوسيا في مجال الطاقة للنفاذ إلى الأسواق الأوروبية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
العالم العربي سوريون في مصر ينتظرون نتائج التنسيق الدبلوماسي بين البلدين (مفوضية اللاجئين)

سوريون في مصر ينتظرون نتائج التنسيق الدبلوماسي بين البلدين

ينتظر سوريون يقيمون في مصر نتائج التنسيق المتزايد بين البلدين، وما قد يترتب عليه من انعكاسات على أوضاعهم، في ظل شكاوى من صعوبات في تجديد الإقامات.

عصام فضل (القاهرة)
شمال افريقيا محادثات الرئيس المصري ونظيره الصيني في بكين مايو 2024 (الرئاسة المصرية)

مصر والصين تعززان تعاونهما العسكري بمناورات جوية جديدة

القوات الجوية الصينية والمصرية ستجري تدريبات مشتركة بعنوان (نسور الحضارة 2026) في مصر، خلال الفترة من منتصف أغسطس (آب) الحالي إلى أوائل سبتمبر (أيلول) المقبل.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا من جلسة سابقة لمجلس الوزراء المصري (المجلس)

مخاوف بمصر بشأن تداعيات ارتفاع الدين العام وسط تصاعد التوترات الإقليمية

على عكس خطط الحكومة المصرية التي تستهدف خفض الدين العام إلى 78 في المائة من الناتج الإجمالي، توقَّع"«صندوق النقد» بلوغ هذه النسبة 82.2 في المائة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الخليج الأمير فيصل بن فرحان والدكتور بدر عبد العاطي وهاكان فيدان خلال اللقاء الأخوي في مدينة العلمين (متحدث الخارجية المصرية)

لقاء سعودي - مصري - تركي يناقش تطورات المنطقة

بحث الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي، مع نظيريه المصري الدكتور بدر عبد العاطي، والتركي هاكان فيدان، المستجدات والتطورات الراهنة في المنطقة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

السلطات المغربية توقف عشرات المهاجرين قرب سبتة

أمهات وآباء ينتظرون على الحدود عودة أبنائهم بعد تمكنهم من التسلل إلى سبتة (أ.ف.ب)
أمهات وآباء ينتظرون على الحدود عودة أبنائهم بعد تمكنهم من التسلل إلى سبتة (أ.ف.ب)
TT

السلطات المغربية توقف عشرات المهاجرين قرب سبتة

أمهات وآباء ينتظرون على الحدود عودة أبنائهم بعد تمكنهم من التسلل إلى سبتة (أ.ف.ب)
أمهات وآباء ينتظرون على الحدود عودة أبنائهم بعد تمكنهم من التسلل إلى سبتة (أ.ف.ب)

أوقفت السلطات المغربية السبت عشرات المهاجرين غير النظاميين معظمهم من أفريقيا جنوب الصحراء، في غابة قريبة من المعبر الحدودي مع جيب سبتة المحتلة من قبل إسبانيا والواقعة شمال المغرب، وسط طوق أمني في المنطقة.

وتجمع هؤلاء المهاجرون، وغالبيتهم رجال وشباب من بلدان من أفريقيا جنوب الصحراء وبينهم أيضاً بعض المغاربة، في منطقة مطلة على مدينة الفنيدق الحدودية، على بعد بضعة كيلومترات من الطريق المؤدي للمعبر الحدودي، قبل أن تعترضهم قوات الأمن.

وأوقفت مجموعة منهم فيما لاذ آخرون بالفرار.

إسبانيا عززت وجود الشرطة والجيش في ‌جيب سبتة تحسباً لمحاولة اختراق جماعي آخر للحدود (إ.ب.أ)

وبحسب وسائل إعلام محلية، أسفرت هذه العملية عن «توقيف 294 مرشحاً للهجرة غير النظامية».

وقال مصدر رسمي إن العملية «روتينية تهدف للتصدي لمحاولات الهجرة غير النظامية في اتجاه سبتة».

لكن منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي روّجت خلال الأيام الماضية إشاعة أن الحدود ستكون مفتوحة السبت، باعتباره «يوم عطلة في إسبانيا».

والأربعاء أعلنت وزارة الداخلية المغربية أنها اتخذت جميع التدابير الضرورية للتصدي لمحاولات عبور جديدة تبعاً لتلك المنشورات، وتوقيف مشتبه بهم.

السبت أفادت وسائل إعلام مغربية، بينها موقعا «لو360» و«هسبريس»، بأن السلطات «أوقفت 61 شخصاً يشتبه في تورطهم في التحريض والترويج لدعوات للهجرة غير النظامية عبر مواقع التواصل الاجتماعي».

يأتي ذلك أسبوعين بعد تدفق كثيف لمهاجرين من عدة مدن مغربية إلى جيب سبتة، نجح نحو 72 ألفاً منهم في دخول المدينة، قبل أن يعود معظمهم أدراجه، وفق السلطات الإسبانية. وساهم في ذاك التدفق الكبير للمهاجرين يومها أيضاً إشاعات على مواقع التواصل.

ولم تحل السلطات المغربية حينها دون وصول هؤلاء المهاجرين إلى المنطقة الحدودية، ثم أرسلت تعزيزات إلى هناك مساء الخميس 30 يوليو (تموز)، وفق تقارير منظمات حقوقية.

وخلفت هذه الأزمة، الأخطر من نوعها، مقتل 80 شخصاً على الأقل وفق الجانب الإسباني، و11 وفق السلطات المغربية، فيما قدّرت منظمات حقوقية مغربية الجمعة أن عدد الضحايا لا يقل عن 141.


الجيش السوداني يعلن إسقاط مسيَّرة في كردفان

مسيّرة من طراز "FH – 95" صينية الصنع، اسقطها الجيش في شمال كردفان (متداولة)
مسيّرة من طراز "FH – 95" صينية الصنع، اسقطها الجيش في شمال كردفان (متداولة)
TT

الجيش السوداني يعلن إسقاط مسيَّرة في كردفان

مسيّرة من طراز "FH – 95" صينية الصنع، اسقطها الجيش في شمال كردفان (متداولة)
مسيّرة من طراز "FH – 95" صينية الصنع، اسقطها الجيش في شمال كردفان (متداولة)

أعلن الجيش السوداني، السبت، إسقاط طائرة مسيّرة معادية من طراز «FH – 95» صينية الصنع، في مدينة جبرة الشيخ بولاية شمال كردفان، التي تشهد تصاعداً في وتيرة الهجمات التي تشنها «قوات الدعم السريع».

وقال مكتب الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة، في بيان صحافي، على موقع «فيسبوك»، إن الدفاعات الجوية تمكنت من إسقاط طائرة مسيّرة استراتيجية معادية من طراز «FH-95» في سماء مدينة جبرة الشيخ. ونشر جنود من الجيش مقطع فيديو يُظهر حطام طائرة مُسيَّرة، بينما لم يصدر بعد تعليق رسمي من «الدعم السريع» على إعلان الجيش.

وصد الجيش السوداني، الخميس الماضي، هجوماً برياً لــ«الدعم السريع» بأكثر من 250 عربة قتالية على مدينة جبرة الشيخ، التي استعادها خلال المعارك الأخيرة. وكانت «قوات الدعم السريع» قد أعلنت في بيان، أمس الجمعة، على قناة «تلغرام»، السيطرة الكاملة على بلدة «أم عرد»، الواقعة شمال مدينة الأُبيّض عاصمة ولاية شمال كردفان، لكن منصات إعلامية موالية للجيش، نقلت عن مصادر عسكرية بأن المنطقة لاتزال تحت السيطرة.

وفقاً لمفوضية العون الإنساني بشمال كردفان، قُتل وجرح العشرات من المدنيين في البلدة جراء الهجوم الأخير، وسط موجة نزوح واسعة نحو المناطق الآمنة.

وشهدت خريطة السيطرة في الميدان تبدلاً كبيراً، بعدما أحرزت «قوات الدعم السريع» تقدماً لافتاً نهاية الأسبوع الماضي، بعدما سيطرة على مدينتي الكرمك وقيسان، في إقليم النيل الأزرق جنوب شرقي البلاد، على الحدود مع أثيوبيا. وفي بيان ثانٍ، قالت «الدعم السريع»، «إن قواتها نفذت اليوم السبت، عملية عسكرية دقيقة، تمكنت من خلالها السيطرة على منطقة (أغرو) بالنيل الأزرق»، وتواصل التقدم نحو العاصمة الدمازين.

ومنذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل (نيسان) 2023، اتسع نطاق استخدام الطائرات المسيّرة من قبل طرفَي النزاع، لتطول مدناً بعيدة عن خطوط القتال، الأمر الذي أدى إلى زيادة الخسائر في صفوف المدنيين، وتفاقم الأوضاع الإنسانية في المناطق المستهدفة.


الهجرة إلى سبتة... هل تعكس تراجعاً للثقة بالمستقبل أم انتصاراً لصورة جذابة عن أوروبا؟

مهاجرون مغاربة خلال رحلة عودتهم إلى المغرب بعد أن تمكنوا من التسلل إلى سبتة (أ.ف.ب)
مهاجرون مغاربة خلال رحلة عودتهم إلى المغرب بعد أن تمكنوا من التسلل إلى سبتة (أ.ف.ب)
TT

الهجرة إلى سبتة... هل تعكس تراجعاً للثقة بالمستقبل أم انتصاراً لصورة جذابة عن أوروبا؟

مهاجرون مغاربة خلال رحلة عودتهم إلى المغرب بعد أن تمكنوا من التسلل إلى سبتة (أ.ف.ب)
مهاجرون مغاربة خلال رحلة عودتهم إلى المغرب بعد أن تمكنوا من التسلل إلى سبتة (أ.ف.ب)

يرى باحثون أن موجة الهجرة إلى جيب سبتة، الذي تحتله إسبانيا شمال المغرب، قبل نحو أسبوعين، لا تنبع فقط من عوز وبطالة كدافعين تقليديين لدى الطبقات الأكثر فقراً، ولا سيما في ظل التنمية الاقتصادية في المغرب، بل تنطلق من تراجع للثقة بالمستقبل لدى طبقات أخرى، في ظل صورة جذابة عن أوروبا تلازم الأذهان.

وخلال يومين من أواخر يوليو (تموز) الماضي، توافد عشرات الآلاف من المغاربة، بينهم الكثير من القاصرين، بعد شائعات عن فتح الحدود مع جيب سبتة، ونجح نحو 72 ألفاً منهم في الدخول قبل أن يعود معظمهم أدراجه، وأودى ذلك بحياة العشرات وفق السلطات ومنظمات. لكن هذه الموجة من الهجرة جاءت فيما سجّل المغرب نمواً اقتصادياً لافتاً، بلغ 5 في المائة عام 2025، وسط تفاؤل باستمرار النمو ارتباطاً على الخصوص بإطلاق عدة استثمارات في البنى التحتية وقطاع الخدمات، في أفق التحضير للتنظيم المشترك لكأس العالم 2030 مع إسبانيا والبرتغال.

أمهات وآباء ينتظرون على الحدود عودة أبنائهم بعد تمكنهم من التسلل إلى سبتة (أ.ف.ب)

وإذا كانت البطالة دافعاً تقليدياً للهجرة فإن الفئات، التي شاركت في هذه الموجة الأخيرة «تبدو أكثر تنوعاً وبينها أشخاص يُفترض (...) أنهم في أوضاع اجتماعية واقتصادية مقبولة نسبياً»، وفق رئيس مرصد الشمال لحقوق الإنسان محمد بنعيسى، وهو إحدى الجمعيات التي تابعت الأحداث.

رحلة لآفاق أرحب

في مشهد غير معتاد مقارنة مع حوادث هجرة غير نظامية سابقة، جاء سعيد طريبق (38 عاماً) إلى المعبر الحدودي في سيارته برفقة طفليه، بعدما سمع أن الحدود ستكون مفتوحة. سعيد يعمل حرفياً في طنجة، ثاني قطب اقتصادي بالمغرب، في وضع «لا بأس به» كما يصفه. وقال لوكالة الصحافة الفرنسية لدى عودته من سبتة: «ظننت أنني سأربح أكثر إن بذلت هناك الجهد نفسه الذي أبذله هنا... وفكرت أيضاً في أن العمل في إسبانيا سيؤمن مستقبلاً أفضل لأطفالي».

وحسب شهادات عدّة جمعها مراسلو وكالة الصحافة الفرنسية، فقد ترك كثيرون، مثل سعيد، وظائفهم لركوب المغامرة المحفوفة بالمخاطر، على أمل تحسين أوضاعهم في أوروبا. ومن بين هؤلاء المهاجرين العائدين قاصرون على غرار أيوب الأبيض (16 عاماً)، الذي شعر بأن مستقبله كان سيكون أفضل في أوروبا، كما قال لوكالة الصحافة الفرنسية بعد عودته من سبتة. وأضاف: «أدرس في الثانية ثانوي ونتائجي جيدة، لكنني لست واثقاً بالحصول على عمل في مستوى طموحي».

محاولة العبور إلى سبتة سباحة تسببت في وفاة العشرات من المهاجرين (أ.ف.ب)

ويعتقد بنعيسى أن ما حصل «مؤشر أعمق يرتبط بأزمة الثقة بالمستقبل، وبقدرة المؤسسات على توفير الأمان الاجتماعي وتكافؤ الفرص والشعور بالاستقرار».

تأثير مواقع التواصل الاجتماعي

تنبه الباحثة في علم الاجتماع، سمية نعمان جسوس، إلى أن صورة «الفردوس الأوروبي لا تزال قوية جداً»؛ إذ «ترتبط أوروبا في أذهان الشباب بالنجاح والترقي الاجتماعي والحياة الأفضل». مشيرة أيضاً إلى دور وسائل التواصل الاجتماعي «في تضخيم هذه الظاهرة».

في المقابل، تعتقد جسوس أن الشعور بعدم القدرة على التعبير «يمكن أن يكون طريقاً مهماً» لفهم هذه الظاهرة. وتوضح أنه عندما لا يجد شاب «فضاءات للتعبير عن تذمره، والدفاع عن حقوقه، والمشاركة في القرارات (...) يمكن أن يشعر بأنه غير فاعل في المجتمع، بل مجرد متفرج في بلد يبنى دونه».

شبان مغاربة يلتقطون صورة جماعية بعد تمكنهم من دخول سبتة (أ.ف.ب)

منذ نحو عقد أصبحت الحركات الاجتماعية في المغرب عفوية، بينما تعجز الأحزاب السياسية والنقابات عن تعبئة الشارع. وبالموازاة مع ذلك، يتزايد تأثير مواقع التواصل الاجتماعي، ومنها خرجت آخر حركة اجتماعية واسعة في خريف العام الماضي، تحت اسم «جيل زد 212»، التي عبرت عن مطالب متظاهرين شباب بتحسين مستوى الصحة والتعليم، وتخللتها أعمال عنف في بعض المدن.

ويشير بنعيسى إلى أن دراسة ميدانية لمرصد الشمال لحقوق الإنسان، شملت 500 شاب وشابة في مدن قريبة من سبتة، أظهرت أن «74.2 في المائة يتابعون صفحات ومحتويات مرتبطة بالتخطيط للهجرة»، وأن «81 في المائة يرون أن هذه المحتويات تجعلهم يعتقدون أن الهجرة حل».

بعد الأزمة، ألقت السلطات باللوم على «الاستغلال المغرض للفضاء الرقمي، وترويج معلومات مضللة، ودور عصابات الاتجار بالبشر». لكن منظمات حقوقية وسياسيين ومعلقين تساءلوا عن سبب عدم منع المهاجرين من الوصول إلى مدينة الفنيدق المجاورة لسبتة، وطالبوا بالتحقيق في الموضوع.

والأربعاء، أعلنت وزارة الداخلية اتخاذ جميع التدابير الأمنية، بعد صدور دعوات جديدة للعبور إلى سبتة، السبت الفائت، وتوقيف مشتبه بهم.