الأتمتة الذكية في السعودية... كيف تُمكن المواهب وتُعيد تعريف الخدمات الحكومية؟

نحو تسريع التحول الرقمي دون استبعاد الإنسان

يؤكد باحثون أن الأتمتة الذكية في السعودية أصبحت أداة استراتيجية لتمكين الكفاءات الوطنية لا لإحلالها (غيتي)
يؤكد باحثون أن الأتمتة الذكية في السعودية أصبحت أداة استراتيجية لتمكين الكفاءات الوطنية لا لإحلالها (غيتي)
TT

الأتمتة الذكية في السعودية... كيف تُمكن المواهب وتُعيد تعريف الخدمات الحكومية؟

يؤكد باحثون أن الأتمتة الذكية في السعودية أصبحت أداة استراتيجية لتمكين الكفاءات الوطنية لا لإحلالها (غيتي)
يؤكد باحثون أن الأتمتة الذكية في السعودية أصبحت أداة استراتيجية لتمكين الكفاءات الوطنية لا لإحلالها (غيتي)

في الوقت الذي يستمر الخطاب العالمي حول الذكاء الاصطناعي والأتمتة في التركيز على المخاوف من الإحلال الوظيفي، تكتب المملكة العربية السعودية قصة مختلفة ترى في التقنية وسيلةً لتمكين الإنسان، لا استبعاده. فمن خلال مزيج فريد يجمع بين الرؤية الوطنية، والجاهزية المؤسسية، وتطوير رأس المال البشري، تستفيد المملكة من الأتمتة الذكية لتوليد وظائف ذات قيمة، وتحسين الخدمات العامة، وتسريع الابتكار على نطاق واسع.

في قلب هذا التحول، تتقاطع الأتمتة القائمة على «وكلاء الذكاء الاصطناعي»، (Agentic Automation)، وهي نموذج جديد تتعاون فيه وكلاء الذكاء الاصطناعي والروبوتات والبشر معاً، مع استراتيجية المملكة التي تهدف إلى توطين الأدوار الرقمية المتقدمة.

توضح سارة آل الشيخ، نائب الرئيس الإقليمي والمدير العام لشركة «UiPath» في السعودية والكويت والبحرين، خلال حديث خاص إلى «الشرق الأوسط» أن الأتمتة أصبحت مُمكّناً استراتيجياً، تُخفف من أعباء المهام المتكررة، وتفتح المجال أمام المهنيين لتولّي أدوار أكثر تأثيراً وقيمة.

سارة آل الشيخ نائب الرئيس الإقليمي والمدير العام لشركة «UiPath» في السعودية والكويت والبحرين

قوى عاملة متماشية مع «رؤية 2030»

لا تُعد «رؤية السعودية 2030» مجرد خطة لتنويع الاقتصاد؛ بل هي إعلان واضح لتبني الريادة الرقمية. في صميم هذه الرؤية تقف مهمة تحويل المؤسسات الحكومية إلى كيانات ذكية ومرنة ومتمحورة حول المواطن.

وترى آل الشيخ أن هذا التحول تجاوز بالفعل نطاق الأتمتة التقليدية للعمليات (RPA)، ليصل إلى نموذج أكثر تقدماً يسمى «الأتمتة القائمة على وكلاء الذكاء الاصطناعي». وتقول إن هذا النموذج يجمع بين قوة الأتمتة وسرعتها، وبين ذكاء ومرونة الذكاء الاصطناعي. كما يمكّن الأنظمة من العمل على مدار الساعة، والتنبؤ باحتياجات المواطنين، وتقديم الخدمات بشكل استباقي. وتضيف آل الشيخ: «هنا تصبح (رؤية 2030) ملموسة، المستقبل لا تكتفي فيه الأتمتة بدعم التحول، بل تُسرّعه بشكل مسؤول وعلى نطاق واسع». وما يميز ذلك الأسلوب من الأتمتة هو قدرتها على التكيّف مع البيئات الديناميكية والبيانات غير المنظمة، مما يسمح لها بالتعامل مع عمليات كانت تعد معقدة أو غير قابلة للأتمتة في الماضي.

نضج مؤسسي ووضوح استراتيجي

تُعد المؤسسات الحكومية السعودية من بين الأولى إقليمياً في تبني تقنيات الأتمتة. وقد تعاملت الجهات الرسمية مع الأتمتة على أنها استثمار استراتيجي وليس مجرد تحسين تقني.

تشير سارة آل الشيخ إلى أن نضج المؤسسات الحكومية في المملكة في تبني تقنيات الأتمتة لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة لتكامل ثلاثة عناصر أساسية. أول هذه العناصر هو إدراج الأتمتة المدعومة بالذكاء الاصطناعي ضمن جوهر خطط التحول الرقمي، بحيث لم تُعامل على أنها أداة مساندة بل على أنها مكوّن محوري في تحقيق الأهداف المؤسسية. أما العنصر الثاني، فهو تبني الأتمتة بوصفها أولوية واضحة على مستوى القيادات وصنّاع القرار، مما وفَّر لها الزخم والدعم اللازمين لتوسيع نطاقها وتنفيذها بفاعلية. ويكمل هذا التوجهَ عنصرٌ ثالث لا يقل أهمية، وهو التركيز المستمر على تدريب وتطوير مهارات موظفي القطاع الحكومي، لضمان أن تبقى الكفاءات الوطنية جزءاً فاعلاً في منظومة الابتكار والتحول، وقادرة على قيادة الأتمتة بدلاً من مجرد التكيّف معها.

يرى خبراء أن الأتمتة الذكية تُسهم في تقليل المهام الإدارية المتكررة وخلق فرص وظيفية ذات قيمة مضافة

التدريب وتطوير المهارات

تشير سارة آل الشيخ إلى ارتفاع درجة جاهزية المملكة للذكاء الاصطناعي من 60.35٪ في عام 2023 إلى 74.69٪ في عام 2025 نتيجة قدرات مؤسسية قوية. وقد ساهمت كيانات مثل «سدايا» في هذا التقدم، من خلال إطلاق أطر وطنية لتبني الذكاء الاصطناعي بشكل مسؤول وشامل. وفي هذا السياق، لعبت «هيئة الحكومة الرقمية» دوراً حاسماً من خلال إطلاق مؤشر التحول الرقمي لعام 2024، الذي يُقيّم أكثر من 230 جهة حكومية وفق 96 معياراً. هذه الخطوة ساهمت في تعزيز الشفافية والمساءلة وتسريع وتيرة التحول.

المرحلة التالية من التطور

تُقدم سارة آل الشيخ مفهوماً بدأ يكتسب زخماً في الدول الخليجية، وهو «حكومة الوكلاء»، (Agentic Government)، من حيث تنسيق عمل وكلاء الذكاء الاصطناعي والروبوتات والبشر في مهام ذكية تعمل دون توقف، تستشرف احتياجات المواطنين.

وتذكر آل الشيخ أن «حكومة الوكلاء» تُقدم خدمات استباقية وذكية ومتمركزة حول المواطن تتفوق على نماذج الحكومة الرقمية التقليدية.

تعتمد هذه الرؤية على أنظمة تتمتع بحوكمة مدمجة، وأمن سيبراني قوي، وأطر فعّالة لإدارة التغيير. يستطيع «وكلاء الذكاء الاصطناعي» التنبؤ باحتياجات المواطن، واتخاذ قرارات سياقية، وتنفيذ سير عمل متكامل كل ذلك بالتكامل مع العنصر البشري.

وتُضيف آل الشيخ: «نحن لا نتحدث هنا عن تطور تقني فقط، بل عن تحول مجتمعي في كيفية تقديم الخدمات وإدارة الأعمال وطبيعة العمل نفسها».

تسهم مدرسة «الأتمتة السعودية» في سد فجوة المهارات الرقمية عبر تدريب عملي يؤهل الشباب لأدوار إشرافية في أنظمة ذكية (شاترستوك)

الإنسان في المركز

القيمة الحقيقية للأتمتة لا تكمن فقط في الإنتاجية، بل في تمكين الإنسان. وتلعب الأتمتة دوراً مزدوجاً من حيث تقليل المهام المتكررة، وفي الوقت نفسه خلق طلب متزايد على الكفاءات الوطنية المؤهَّلة.

في هذا السياق، تعاونت شركة «UiPath» مع «الأكاديمية السعودية الرقمية» لإطلاق مدرسة «الأتمتة السعودية»، وهي أول مؤسسة من نوعها تهدف إلى سد فجوة المهارات الرقمية من خلال برامج تدريب عملية وموجهة. وتردف آل الشيخ خلال حديثها مع «الشرق الأوسط» بأن «المدرسة لا تقدم تدريباً نظرياً عاماً، بل تركز على حالات استخدام واقعية وتفكير شامل في تصميم سير العمل وفهم عميق للمنصات التقنية».

يتعلم الطلاب كيفية التعاون مع الروبوتات و«وكلاء الذكاء الاصطناعي» وفِرق العمل البشرية، مما يؤهلهم لتولّي أدوار إشرافية وليست تنفيذية فقط.

ومنذ انطلاقتها في أوائل عام 2024، سجّلت «مدرسة الأتمتة» إقبالاً لافتاً من الشباب السعودي. وتشير آل الشيخ إلى أن الكثير من الخريجين تم ترشيحهم لوظائف فعلية في القطاعين العام والخاص، سواء في مجال الإشراف على الأنظمة المؤتمتة أو تطويرها.

نماذج واقعية ناجحة

تُثبت بعض التجارب الحكومية في السعودية أن هذا التوجه ليس نظرياً، بل يُحقق نتائج ملموسة. من أبرز الأمثلة وزارة السياحة، التي واجهت تحدياً يتمثل في دعم هدف وطني بجذب 150 مليون سائح سنوياً بحلول عام 2030. وتوضح آل الشيخ أن «الوزارة لم تُضف الأتمتة بشكل سطحي، بل قامت بتنسيق الأنظمة لتحقيق نتائج قابلة للقياس». ومن خلال الأتمتة القائمة على «وكلاء الذكاء الاصطناعي»، تم تسريع عمليات إصدار التراخيص وتسجيل الشركاء وتقديم الخدمات للمواطنين بشكل أكثر مرونة.

كما تبنّت وزارة الثقافة حلول الأتمتة لتعزيز الكفاءة الإدارية والتشغيلية، مما أسهم في تحسين الأداء الداخلي وتوفير الموارد. هذه النماذج تُظهر أن النجاح لا يعتمد على التكنولوجيا فقط، بل على التنسيق بين القيادة المؤسسية، والموهبة المحلية والرؤية الوطنية.

فمع استمرار تقدم المملكة نحو تحقيق مستهدفات «رؤية 2030»، تُقدم نموذجاً فريداً يقول للعالم إن التقنية تنجح حين تُمكّن الإنسان. من الأطر الوطنية، إلى مؤشرات الأداء، إلى برامج التدريب الموجهة... تؤسس السعودية لمستقبل تُصبح فيه الأتمتة موثوقة ومحلية ومرتكزة أكثر على الإنسان.


مقالات ذات صلة

«سناب» تطلق اشتراكات صناع المحتوى لتعزيز الدخل المباشر

تكنولوجيا «سناب» تطلق اشتراكات مدفوعة لتمكين دخل مباشر للمبدعين (رويترز)

«سناب» تطلق اشتراكات صناع المحتوى لتعزيز الدخل المباشر

«سناب» تطلق اشتراكات مدفوعة للمبدعين لتنويع الإيرادات، وتقليل الاعتماد على الإعلانات، وتعزيز الدخل المتكرر واستقلالية صناع المحتوى.

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
الاقتصاد شعار شركة «هيوماين» السعودية (الشرق الأوسط)

«هيوماين» تستثمر 3 مليارات دولار في «إكس إيه آي» قبيل استحواذ «سبيس إكس» عليها

أعلنت شركة «هيوماين» السعودية عن استثمار استراتيجي بقيمة 3 مليارات دولار في شركة «إكس إيه آي» ضمن جولة تمويلية من الفئة «إي».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد العاصمة السعودية الرياض (واس)

كندا تبحث في الرياض تعزيز الشراكات الرقمية مع السعودية

أعلن وزير الذكاء الاصطناعي والابتكار الرقمي في كندا، إيفان سولومون، أنه التقى عدداً من الوزراء وقادة الأعمال في العاصمة السعودية، الرياض، بهدف تعميق الشراكات.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد زوار لجناح شركة «رسن» في أحد المعارض المقامة بالسعودية (الشركة)

تضاعف أرباح «رسن» السعودية لتقنية المعلومات 160 % في 2025

تضاعف صافي ربح شركة «رسن» لتقنية المعلومات السعودية خلال عام 2025 بنسبة 160.6 في المائة ليصل إلى 247 مليون ريال (65.8 مليون دولار).

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تكنولوجيا تطبيق "مسلم برو" المتكامل بمزاياه العديدة

تطبيقات رمضانية للشهر الفضيل

مع اقتراب شهر رمضان المبارك، يتحول الجوال الذكي من مجرد أداة للتواصل إلى رفيق ومنظم ذكي يعين المسلم على استثمار أوقات الشهر الفضيل.

خلدون غسان سعيد (جدة)

لماذا أثار تطبيق صيني للذكاء الاصطناعي ذعراً في هوليوود؟

شعار شركة «بايت دانس» المالكة لتطبيق «تيك توك» وأعلام الصين والولايات المتحدة (رويترز)
شعار شركة «بايت دانس» المالكة لتطبيق «تيك توك» وأعلام الصين والولايات المتحدة (رويترز)
TT

لماذا أثار تطبيق صيني للذكاء الاصطناعي ذعراً في هوليوود؟

شعار شركة «بايت دانس» المالكة لتطبيق «تيك توك» وأعلام الصين والولايات المتحدة (رويترز)
شعار شركة «بايت دانس» المالكة لتطبيق «تيك توك» وأعلام الصين والولايات المتحدة (رويترز)

أحدث نموذج جديد للذكاء الاصطناعي، طوّرته «بايت دانس» الشركة الصينية المطورة لتطبيق «تيك توك»، ضجةً في هوليوود هذا الأسبوع، ليس فقط بسبب قدراته، بل لما قد يُحدثه من تغيير في الصناعات الإبداعية.

ووفقاً لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، يستطيع تطبيق «سيدانس» إنتاج فيديوهات بجودة سينمائية، مع مؤثرات صوتية وحوارات، بمجرد إدخال بعض النصوص.

وكانت انتشرت على نطاق واسع مقاطع فيديو يُزعم أنها صُنعت باستخدام «سيدانس»، وتضم شخصيات شهيرة مثل «سبايدرمان» و«ديبول».

وسارعت استوديوهات كبرى مثل «ديزني» و«باراماونت» إلى اتهام «بايت دانس» بانتهاك حقوق الملكية الفكرية، لكن المخاوف بشأن هذه التقنية تتجاوز المسائل القانونية.

شعار شركة «بايت دانس» الصينية للتكنولوجيا (رويترز)

ما هو «سيدانس»؟ ولماذا كل هذه الضجة؟

أُطلق «سيدانس» في يونيو (حزيران) 2025 دون ضجة كبيرة، لكن النسخة الثانية التي صدرت بعد ثمانية أشهر هي التي أثارت ضجة كبيرة.

يقول يان ويليم بلوم، من استوديو «فيديو ستيت» الإبداعي: ​​«للمرة الأولى، لا أظن أن هذا يبدو جيداً للذكاء الاصطناعي، بل أظن أنه من عملية إنتاج حقيقية».

ويضيف أن نماذج الفيديو الغربية التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي قد أحرزت تقدماً في معالجة تعليمات المستخدم لإنتاج صور مذهلة، لكن يبدو أن «سيدانس» قد جمع كل شيء معاً.

ومثل أدوات الذكاء الاصطناعي الأخرى يستطيع «سيدانس» إنشاء مقاطع فيديو من نصوص قصيرة، وفي بعض الحالات يبدو أن مجرد إدخال نص واحد ينتج مقاطع فيديو عالية الجودة.

وتقول مارغريت ميتشل، الباحثة في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، إن الأمر مثير للإعجاب بشكل خاص؛ لأنه يجمع بين النص والصورة والصوت في نظام واحد.

ويُقاس تأثير «سيدانس» بمعيار غير متوقع: مدى جودة إنتاجه لمقطع فيديو لويل سميث وهو يأكل معكرونة، حيث لا يقتصر دور «سيدانس» على ابتكار نسخة واقعية بشكل مذهل للنجم وهو يتناول طبقاً من المعكرونة، بل أنتج أيضاً مقاطع فيديو انتشرت كالنار في الهشيم لسميث وهو يقاتل وحشاً من المعكرونة، ويبدو كل ذلك وكأنه فيلم ضخم الإنتاج.

ويعتقد العديد من خبراء الصناعة وصنّاع الأفلام أن «سيدانس» يمثل فصلاً جديداً في تطوير تقنية توليد الفيديو.

ويقول ديفيد كوك، مدير استوديو للرسوم المتحركة في سنغافورة، إن مشاهد الحركة المعقدة التي ينتجها تبدو أكثر واقعية من منافسيه، ويضيف: «يكاد المرء يشعر وكأنه يستعين بمدير تصوير أو مصور سينمائي متخصص في أفلام الحركة».

الوعد والتحدي

واجه «سيدانس» مشاكل تتعلق بحقوق النشر، وهو تحدٍّ متزايد في عصر الذكاء الاصطناعي، ويحذر الخبراء من أن شركات الذكاء الاصطناعي تُعطي الأولوية للتكنولوجيا على حساب البشر؛ إذ تُطوّر أدوات أكثر قوة وتستخدم البيانات دون مقابل.

واشتكت كبرى شركات هوليوود من استخدام شركة «سيدانس» شخصيات محمية بحقوق الطبع والنشر مثل «سبايدرمان» و«دارث فيدر».

وأصدرت «ديزني» و«باراماونت» خطابات إنذار تطالب «سيدانس» بالتوقف عن استخدام محتواهما، كما تُجري اليابان تحقيقاً مع «بايت دانس» بتهمة انتهاكات حقوق الطبع والنشر، بعد انتشار مقاطع فيديو بتقنية الذكاء الاصطناعي لشخصيات «أنمي» شهيرة.

وقالت «بايت دانس» إنها تتخذ خطوات لـ«تعزيز الضمانات الحالية».

ولفتت «بي بي سي» إلى أن هذا ليس حكراً على الشركة الصينية. ففي عام 2023، رفعت صحيفة «نيويورك تايمز» دعوى قضائية ضد شركتَي «أوبن إيه آي» و«مايكروسوفت»، مدعيةً أنهما استخدمتا مقالاتها دون إذن لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي الخاصة بهما. كما رفعت «ريديت» دعوى قضائية ضد شركة «بيربلكسيتي» العام الماضي، مدعيةً أن شركة الذكاء الاصطناعي قامت بجمع منشورات المستخدمين بشكل غير قانوني. وأثارت «ديزني» مخاوف مماثلة مع «غوغل».

وتقول ميتشل إنّ وضع علامات واضحة على المحتوى لمنع التضليل وبناء ثقة الجمهور في الذكاء الاصطناعي أهم بكثير من مقاطع الفيديو «الأكثر جاذبية».

وتضيف أنّه لهذا السبب يجب على المطورين بناء أنظمة لإدارة التراخيص والمدفوعات، وتوفير آليات واضحة للأفراد للاعتراض على إساءة الاستخدام. فعلى سبيل المثال، وقّعت «ديزني» صفقة بقيمة مليار دولار (730 مليون جنيه إسترليني) مع برنامج «سورا» من «أوبن إيه آي» ليتمكن من استخدام شخصيات من أفلامها.

ويقول شانان كوهني، الباحث في مجال الحوسبة بجامعة ملبورن، إنّ مطوري «سيدانس» كانوا على الأرجح على دراية بمشاكل حقوق النشر المحتملة المتعلقة باستخدام الملكية الفكرية الغربية، ومع ذلك خاطروا.

ويضيف: «هناك مجال واسع لتجاوز القواعد استراتيجياً، وتجاهلها لفترة من الوقت، واكتساب نفوذ تسويقي».

وفي الوقت نفسه، بالنسبة للشركات الصغيرة، يُعدّ «سيدانس» أداة بالغة الأهمية لا يمكن تجاهلها.

«بايت دانس»... الشركة الأم لـ«تيك توك» (أ.ف.ب)

ويقول كوك إن الذكاء الاصطناعي بهذه الجودة سيمكّن شركات مثل شركته من إنتاج أفلام كانت تكلفتها تفوق بكثير إمكاناتها الحالية.

وأعطى مثالاً بازدهار مقاطع الفيديو القصيرة والمسلسلات الدرامية القصيرة في آسيا، والتي تُنتج عادةً بميزانيات متواضعة - نحو 140 ألف دولار أميركي لما يصل إلى 80 حلقة، لا تتجاوز مدة كل منها دقيقتين.

وقد اقتصرت هذه الإنتاجات على الأعمال الرومانسية أو الدراما العائلية لخفض التكاليف؛ نظراً لقلة حاجتها إلى المؤثرات البصرية، لكن الذكاء الاصطناعي الآن قادر على «الارتقاء بالإنتاجات منخفضة الميزانية إلى أنواع أكثر طموحاً مثل الخيال العلمي، والدراما التاريخية، والآن الحركة».


البيت الأبيض: أميركا ترفض «بشكل قاطع» حوكمة الذكاء الاصطناعي

مدير مكتب سياسات العلوم والتكنولوجيا بالبيت الأبيض مايكل كراتسيوس يحضر جلسة خلال قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في نيودلهي يوم 20 فبراير 2026 (إ.ب.أ)
مدير مكتب سياسات العلوم والتكنولوجيا بالبيت الأبيض مايكل كراتسيوس يحضر جلسة خلال قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في نيودلهي يوم 20 فبراير 2026 (إ.ب.أ)
TT

البيت الأبيض: أميركا ترفض «بشكل قاطع» حوكمة الذكاء الاصطناعي

مدير مكتب سياسات العلوم والتكنولوجيا بالبيت الأبيض مايكل كراتسيوس يحضر جلسة خلال قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في نيودلهي يوم 20 فبراير 2026 (إ.ب.أ)
مدير مكتب سياسات العلوم والتكنولوجيا بالبيت الأبيض مايكل كراتسيوس يحضر جلسة خلال قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في نيودلهي يوم 20 فبراير 2026 (إ.ب.أ)

صرَّح مستشار البيت الأبيض لشؤون التكنولوجيا مايكل كراتسيوس، الجمعة، بأن الولايات المتحدة ترفض «رفضاً قاطعاً» الحوكمة العالمية للذكاء الاصطناعي.

وجاءت تصريحات كراتسيوس، رئيس وفد بلاده إلى «مؤتمر الذكاء الاصطناعي» في نيودلهي، قبل بيان مرتقب للقادة يحدِّد رؤيةً مشتركةً لكيفية التعامل مع هذه التقنية المثيرة للجدل.

وقال في القمة التي تختتم أعمالها الجمعة: «كما صرَّحت إدارة (الرئيس الأميركي دونالد) ترمب مراراً: نرفض رفضاً قاطعاً الحوكمة العالمية للذكاء الاصطناعي».

وأضاف: «لا يمكن لاعتماد الذكاء الاصطناعي أن يُفضي إلى مستقبل أفضل إذا كان خاضعاً للبيروقراطية والسيطرة المركزية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش قد صرَّح، صباح الجمعة، بأن لجنة خبراء جديدة شكَّلتها المنظمة الدولية تسعى إلى «جعل التحكم البشري واقعاً تقنياً».

وأعلن غوتيريش تشكيل المجموعة الاستشارية في أغسطس (آب)، والتي تسعى إلى أن تكون على غرار الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيّر المناخ في مجال الاحتباس الحراري، وقد تمّ تأكيد أعضائها الأربعين.

و«مؤتمر الذكاء الاصطناعي» رابع تجمع دولي سنوي يُركّز على المخاطر والفرص التي تُتيحها قوة الحوسبة المتقدمة.

سوندار بيتشاي الرئيس التنفيذي لشركة «غوغل» يتحدث خلال قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في نيودلهي يوم 20 فبراير 2026 (أ.ب)

وفي النسخة التي عُقدت العام الماضي في باريس، حذَّر نائب الرئيس الأميركي، جي دي فانس، من «الإفراط في التنظيم» الذي «قد يقضي على قطاع قادر على إحداث تحوّل».

وفي نيودلهي، قال كراتسيوس: «إن النقاش الدولي حول الذكاء الاصطناعي قد تطوّر، كما تؤكده هذه القمة نفسها»، مُشيراً إلى تغيير اسم الاجتماع من «أمان الذكاء الاصطناعي» (AI Safety) إلى «تأثير الذكاء الاصطناعي» (AI Impact).

وأضاف: «هذا تطور إيجابي دون شك... لكن كثيراً من المنتديات الدولية، مثل الحوار العالمي للأمم المتحدة حول حوكمة الذكاء الاصطناعي، لا تزال تتسم بأجواء من الخوف».

وأضاف كراتسيوس: «علينا أن نستبدل الأمل بهذا الخوف»، مؤكداً أن الذكاء الاصطناعي قادر على «الارتقاء بمستوى معيشة البشرية وتحقيق ازدهار غير مسبوق».

ورأى أن «الهوس الآيديولوجي وتركيز الاهتمام على المخاطر، مثل قضايا المناخ أو العدالة، يتحوَّل إلى مُبرِّر للبيروقراطية وزيادة المركزية».

وتابع: «باسم الأمن، تزيد هذه الهواجس من خطر استخدام هذه الأدوات لأغراض استبدادية».

وقال كراتسيوس: «إن تركيز سياسة الذكاء الاصطناعي على الأمن والمخاطر التخمينية... يُعيق بيئة تنافسية، ويُرسخ هيمنة الشركات القائمة، ويعزل الدول النامية عن المشارَكة الكاملة في اقتصاد الذكاء الاصطناعي».


غوتيريش: لجنة أممية تسعى لضمان «تحكم بشري» في الذكاء الاصطناعي

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش يلقي خطاباً خلال قمة تأثير الذكاء الاصطناعي في نيودلهي بالهند يوم 19 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش يلقي خطاباً خلال قمة تأثير الذكاء الاصطناعي في نيودلهي بالهند يوم 19 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

غوتيريش: لجنة أممية تسعى لضمان «تحكم بشري» في الذكاء الاصطناعي

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش يلقي خطاباً خلال قمة تأثير الذكاء الاصطناعي في نيودلهي بالهند يوم 19 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش يلقي خطاباً خلال قمة تأثير الذكاء الاصطناعي في نيودلهي بالهند يوم 19 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الجمعة، إلى «تقليل التهويل والخوف» بشأن الذكاء الاصطناعي، مشيراً إلى تشكيل لجنة خبراء دولية جديدة تسعى إلى «جعل التحكم البشري واقعاً تقنياً».

وأوضح غوتيريش أن الجمعية العامة للأمم المتحدة صادقت على تعيين 40 عضواً في هذه المجموعة، التي أُطلق عليها «الفريق العلمي الدولي المستقل المعني بالذكاء الاصطناعي».

وقال خلال القمة حول الذكاء الاصطناعي في نيودلهي إن «الحوكمة القائمة على العلم لا تُعوق التقدم»، بل يمكن أن تجعله «أكثر أماناً وعدلاً وانتشاراً».

وأضاف: «الرسالة واضحة: تقليل التهويل والخوف، وزيادة الحقائق والأدلة»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

أُنشئت هذه الهيئة الاستشارية في أغسطس (آب) الماضي، وهي تسعى لأن تكون مرجعاً في مجال الذكاء الاصطناعي، على غرار الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ في مجال الاحتباس الحراري.

ومن المتوقع أن تنشر تقريرها الأول بالتزامن مع انعقاد الحوار العالمي للأمم المتحدة حول حوكمة الذكاء الاصطناعي في يوليو (تموز).

وتهدف الهيئة إلى مساعدة الحكومات في وضع قواعد للذكاء الاصطناعي، في ظل ما تُثيره هذه التقنية السريعة التطور من مخاوف عالمية بشأن فقدان وظائف والمعلومات المضللة والإساءة عبر الإنترنت، وغيرها من المشكلات.

وقال غوتيريش إن «ابتكارات الذكاء الاصطناعي تتطور بسرعة فائقة، تتجاوز قدرتنا الجماعية على فهمها بشكل كامل، فضلاً عن إدارتها». وأضاف: «إننا نندفع نحو المجهول». وتابع: «عندما نفهم ما تستطيع الأنظمة فعله وما لا تستطيع، سنتمكن من الانتقال من التدابير التقريبية إلى ضوابط أكثر ذكاءً قائمة على تقييم المخاطر».

وقدّم غوتيريش هذا الشهر قائمة بأسماء خبراء اقترحهم للانضمام إلى لجنة الأمم المتحدة المعنية بالذكاء الاصطناعي، ومن بينهم الصحافية الحائزة جائزة «نوبل للسلام» ماريا ريسا من الفلبين، والرائد في مجال الذكاء الاصطناعي الكندي يوشوا بنغيو.

وقال: «هدفنا جعل التحكم البشري حقيقة تقنية، لا مجرد شعار». وأكد أن ذلك «يتطلب مساءلة واضحة، بحيث لا يُعهد بالمسؤولية أبداً إلى خوارزمية».

ومن المتوقع أن يُصدر العشرات من قادة العالم والوزراء في وقت لاحق الجمعة بياناً يحدد ملامح التعامل العالمي مع الذكاء الاصطناعي، وذلك في ختام قمة استمرت خمسة أيام، وتركزت أعمالها على هذه التكنولوجيا.