الحوثيون... أكثر حليف يخشى هزيمة النظام الإيراني

الجماعة تغلغلت في أحزاب اليسار اليمني منذ عقود

زعيم الحوثيين يدعو للتظاهر أسبوعياً في صنعاء وبقية المناطق الخاضعة لجماعته في سياق استعراض التأييد (أ.ب)
زعيم الحوثيين يدعو للتظاهر أسبوعياً في صنعاء وبقية المناطق الخاضعة لجماعته في سياق استعراض التأييد (أ.ب)
TT

الحوثيون... أكثر حليف يخشى هزيمة النظام الإيراني

زعيم الحوثيين يدعو للتظاهر أسبوعياً في صنعاء وبقية المناطق الخاضعة لجماعته في سياق استعراض التأييد (أ.ب)
زعيم الحوثيين يدعو للتظاهر أسبوعياً في صنعاء وبقية المناطق الخاضعة لجماعته في سياق استعراض التأييد (أ.ب)

قبل أن تدخل إيران و«حزب الله» اللبناني على خط الدعم السياسي والعسكري للحوثيين في مواجهة الحكومة اليمنية قبل عام 2004 وبعده، لم تكن الجماعة تُشكّل رقماً في المعادلة السياسية في البلاد، وكانت كل محاولة منها للعودة إلى واجهة الحكم تفشل عقب الإطاحة بأسلافها الإماميين في عام 1962.

ووفق مصادر سياسية واستخبارية يمنية تحدثت إليها «الشرق الأوسط»، فإن الجماعة ترى في بقاء نظام المرشد الإيراني علي خامنئي مسألة وجودية لها؛ لأنها ومن دونه لن تستطيع البقاء، إذ باتت تخشى ردة فعل انتقامية من قطاع عريض من الشعب اليمني والقوى السياسية التي استقوت عليهم بالدعم والأسلحة الإيرانية.

ومع تسبب الجماعة في تشريد 4.5 مليون يمني، واعتقال الآلاف من المدنيين، ترى المصادر أن الخشية لدى الحوثيين من تغيير النظام الحاكم في طهران أو هزيمته تتجاوز مخاوف بقية حلفاء إيران في المنطقة؛ لأنهم، وبعد الضربات التي وُجّهت لـ«حزب الله» اللبناني، باتوا يدركون أنهم قاعدة الارتكاز الأساسية لذلك النظام في المنطقة العربية، وأن انهياره يعني نهاية مأساوية لهم.

وعلى الرغم من أن قياديين سابقين في الجماعة يجزمون بأن التدخل الإيراني المباشر في دعم الحوثيين تم في الجولة السادسة من المواجهة مع القوات الحكومية في محافظة صعدة، فإن مصادر مخابراتية أكدت أن الجماعة بدأت اتصالاتها مع طهران منذ منتصف الثمانينات، حيث زارها بدر الدين الحوثي والد مؤسس الجماعة.

الحوثيون انخرطوا فيما يسمى «محور المقاومة» بقيادة إيران (إ.ب.أ)

وكان مؤسس الجماعة حسين بدر الدين الحوثي، قُتل في المواجهة مع القوات الحكومية، قبل أن يخلفه أخوه عبد الملك بدر الدين الحوثي، الذي يقود الجماعة حالياً.

وذكرت المصادر أنه طوال الفترة التي أعقبت عام 1998، عندما فضّ حزب «المؤتمر الشعبي» برئاسة الرئيس الراحل علي عبد الله صالح التحالف مع حزب «التجمع اليمني للإصلاح» ذي التوجه السني، عاد التيار الحوثي للعمل والتخطيط لاستعادة حكم الأئمة.

بداية التغلغل

وفق المصادر السياسية والأمنية اليمنية، فإنه منذ تعيين أحمد الشامي رئيس حزب «الحق» (الشيعي) وزيراً للأوقاف في الحكومة اليمنية استأنف هذا التيار، الذي كان ينضوي في إطار حزب «الحق» تحديداً ويتوزع في بقية المنظومة السياسية، نشاطه.

وفي حين اتخذ التيار- بحسب المصادر- من شعار إحياء المذهب الزيدي غطاءً لتحركاته، تدفق خلال هذه الفترة وما بعدها، العشرات من عناصره على العاصمة السورية دمشق، التي كانت تشكّل محطة انتقال رئيسة إلى لبنان للتدريب لدى «حزب الله»، أو الذهاب مباشرة إلى إيران.

الحكومة اليمنية تتهم إيران بتسليح الحوثيين بالصواريخ والمسيرات ودعمهم بالخبراء (إ.ب.أ)

وطبقاً لما ذكرته لـ«الشرق الأوسط» المصادر المخابراتية اليمنية التي كانت تعمل إبان حكم الرئيس صالح، فإن تغلغل التيار السلالي للحوثيين في مفاصل الدولة ومواقع القرار، كان كفيلاً بالتشكيك في كثير من التقارير الأمنية عن أداء ما عُرف باسم «تنظيم الشباب المؤمن»، الذي استقطب الآلاف من مراهقي ذات السلالة إلى محافظة صعدة تحت شعار المخيمات الصيفية.

وأكد أحد المصادر أن حجم الاختراق امتد إلى المكتب الرئاسي، وأن التقارير التي كانت تُرفع عن رحلات أفراد من التيار إلى سوريا ولبنان وطهران، كانت تُحجب عن الرئيس صالح أو تُقدَّم له بصيغة تبريرية تقلل من أهمية هذا النشاط.

المواجهة الأولى

في حين كانت الساحة اليمنية تشهد جموداً غير عادي بعد الفوز الأخير الذي حققه الرئيس الراحل علي عبد الله صالح في انتخابات 2001 وفي المجالس المحلية، وتراجع دور وتأثير المعارضة السياسية، أفاق اليمنيون في منتصف يونيو (حزيران) على نبأ تسيير حملة عسكرية للقبض على حسين الحوثي مؤسس الجماعة.

وكان الحوثي الذي أطل من خلال مؤسسي منتدى «الشباب المؤمن» بدأ العمل على تأسيس تنظيم مسلح يقترب في رؤيته مع التوجه الإيراني، خلافاً لما كان عليه المذهب الزيدي، الذي تأسس المنتدى بحجة إعادة إحيائه.

الحوثيون استغلوا صراع القوى والأحزاب اليمنية للانقلاب على التوافق الوطني في 2014 (إ.ب.أ)

ويؤكد مسؤولون يمنيون سابقون أنه، وإلى ما قبل تعيين اللواء يحيى العمري محافظاً لمحافظة صعدة، كان أغلب المسؤولين يغضّون الطرف عن النشاط المتزايد لحسين الحوثي وأتباعه.

وقد أكد على ذلك الرئيس صالح بنفسه، والذي أمر بإطلاق حملة عسكرية للقبض على حسين الحوثي وإحضاره إلى صنعاء، لكنه رفض وأعلن المقاومة المسلحة حتى لقي مصرعه قبل نهاية العام ذاته، وهو ما يوضح- بحسب المصادر- حجم النفوذ والاختراق الذي كان هذا التيار قد وصل إليه في مختلف مفاصل الدولة اليمنية.

اختراق الأحزاب

بينما استفادت السلالة التي ينتمي إليها الحوثيون من الكراهية التي تكونت ضد جماعة «الإخوان المسلمين»، التي كان حزب «الإصلاح» آنذاك واجهتها في اليمن، تمكن المنتمون لها من التوزع في إطار المكونات السياسية الأخرى القومية واليسارية وحزب «المؤتمر الشعبي»، الذي أسسه وتزعمه الرئيس صالح.

وهذا الأمر، وفق سياسيين يمنيين، سهّل لهذا التيار التحكم في معظم التوجهات السياسية، ومكّنه من العمل، بل وتقديم المنتمين له بصفتهم البديل (الديني) الموضوعي المعتدل والمنفتح لفكر «الإخوان».

زعيم الحوثيين اكتفى في أحدث خطبه بالدفاع عن سلامة نوايا إيران والحديث عن قوتها (إ.ب.أ)

واستدلت المصادر بمواقف تكتل أحزاب «اللقاء المشترك»، الذي كان يضم حزب «الإصلاح» والتيارين القومي واليساري، من الحملة العسكرية ضد الحوثيين في بداية التمرد، حيث رفض التكتل إدانة رفع السلاح في وجه الدولة، بل وأدان العملية العسكرية من خلال وصفها بالحروب الداخلية.

ورأت المصادر، أن ذلك وفّر الغطاء السياسي للتمرد الحوثي، الذي تُوِّج في عام 2011 عبر ما عُرف باسم «الربيع العربي»، حين تم إدخالهم إلى ساحة الاعتصامات في جامعة صنعاء، ومن ثم تبنّي الحكومة التي ترأسها «المشترك» بقيادة حزب «الإصلاح»، إدانة الحرب على التمرد الحوثي، وإصدار رئيسها محمد باسندوة اعتذاراً رسمياً عنها.

مساندة باهتة

خلافاً لمواقف زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي وخطاباته تجاه الأحداث في المنطقة، تجنب في خطبته الأخيرة (الخميس) إعلان موقف واضح داعم للنظام الإيراني في المواجهة مع تل أبيب، أو الكشف عن خطوات يمكن أن تُتخذ لدعمه، بخاصة وأن سلطان السامعي، عضو المجلس الانقلابي الذي يحكم مناطق سيطرة الجماعة، كان قد استبقه وهدد بإغلاق مضيق باب المندب دعماً لطهران في هذه المواجهة.

ورأى المراقبون في خطبة الحوثي اعتدالاً غير متوقع من الحوثي، حيث كرّس خطابه فقط للدفاع عن سلامة النوايا الإيرانية بخصوص برنامجها النووي، مع محاولة طمأنة أتباعه بقوتها وعدم استسلامها؛ وهو ما يعكس حجم مخاوفه من تطور المواجهة بين تل أبيب وطهران.

وعلى الرغم من اشتداد المواجهة بين إيران وإسرائيل، فإن المشاركة الحوثية فيها بقيت محدودة حتى الآن، على عكس ما أظهرته الجماعة في السابق في إطار ما قالت إنه إسناد للفلسطينيين في قطاع غزة.

صواريخ إيرانية أُطلقت باتجاه إسرائيل رداً على ضربات الأخيرة (إ.ب.أ)

ولم يسُجّل سوى إطلاق عدد محدود من الصواريخ نحو إسرائيل، في خطوة لا تعكس مستوى العلاقة التي تربط الحوثيين بالقيادة الإيرانية، ولا الدعم العسكري الذي حصلت عليه ومكّنها من الصمود في مواجهة القوات الحكومية حتى الآن.

ويقول الباحث اليمني محمد حسين القاضي إن الدور الإيراني في اليمن أثار الجدل حول طبيعته وحجمه وأهدافه، فعلى مدى سنوات طويلة قبل عام 2011، كان هناك كثير من المؤشرات على أن إيران تتدخل في الشأن اليمني الداخلي، سواء عبر دعم الحوثيين في صراعهم مع الحكومة المركزية في صنعاء، أو عبر دعم بعض الأجنحة السياسية.

وفي حين كان من غير الممكن إنكار الدعم السياسي والإعلامي الإيراني للحوثيين أو لبعض الأطراف السياسية، فإن الدعم العسكري والمالي الإيراني لهم كان موضع تشكيك من قِبل البعض، ولم يكن سهل الإثبات دائماً. وفق ما يقوله الباحث اليمني.

لكن هذا الوضع– بحسب القاضي- شهد تغيراً واضحاً منذ عام 2011؛ إذ بدأ هذا الدعم يتخذ طابعاً سافراً مع تزايد التدخلات الإيرانية في اليمن، في ظل الأوضاع الفوضوية التي رافقت أو أعقبت أحداث الإطاحة بنظام الرئيس صالح.

وشكلت هذه الأوضاع- وفق قوله- مشهداً سياسياً معقّداً ومضطرباً، أتاح لإيران مجالاً رحباً لتعزيز دورها، وتوسيع نفوذها على الساحة اليمنية (...) وإمداد حلفائها -وخصوصاً الحوثيين المتقاربين معها مذهبياً وآيديولوجياً- بمختلف أشكال الدعم.


مقالات ذات صلة

حراك يمني لتعزيز الشراكة الدولية والقدرات العسكرية والإدارية

العالم العربي العليمي استقبل وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط (سبأ)

حراك يمني لتعزيز الشراكة الدولية والقدرات العسكرية والإدارية

القيادة اليمنية تكثف تحركاتها الدولية، مؤكدة تعافي الدولة، وتوحيد القرار الأمني، وجاهزية القوات، مع دعم أميركي وبريطاني وفرنسي لتعزيز الاستقرار والسلام

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي العليمي يرأس أول اجتماع لحكومة شائع الزنداني (سبأ)

العليمي يرسم خريطة عمل حكومة الزنداني ويحذر من الفشل

حدد رئيس مجلس القيادة اليمني خريطة طريق صارمة لحكومة الزنداني، واضعاً الاقتصادَ والأمن والخدمات معياراً للأداء، وصناعةَ النموذج مدخلاً لاستعادة الثقة والدولة.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

أدت حكومة شائع الزنداني اليمين الدستورية بالرياض وسط ترحيب أممي ودولي بتنوعها وتمثيل النساء، فيما تواجه تحديات اقتصادية وخدمية وأمنية مع مطالب بالعمل من الداخل.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

يستقبل ملايين اليمنيين بمناطق الحوثيين رمضان المبارك دون رواتب وبلا مساعدات، وسط فقر مدقع وغياب للأمن الغذائي، بعد توقف الدعم الإنساني وتدهور الأوضاع المعيشية.

محمد ناصر (عدن)
خاص وصف المنسق الأممي التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن بأنه كان قوياً وسريعاً (الأمم المتحدة)

خاص الأمم المتحدة: التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن قوي وسريع

أكد المنسق المقيم للأمم المتحدة في اليمن أن التدخلات التنموية السعودية لا تقل أهمية عن تدخلاتها الإنسانية، وذلك من خلال البرنامج السعودي لتنمية إعمار اليمن.

عبد الهادي حبتور (الرياض)

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.