«أثر مكتشف»... منحوتات خشبية تُعبّر عن التراث ببساطة مفرطة

معرض مصري للفنان هاني مجلي يضم 35 عملاً

الفنان المصري هاني مجلي الفقي (الشرق الأوسط)
الفنان المصري هاني مجلي الفقي (الشرق الأوسط)
TT

«أثر مكتشف»... منحوتات خشبية تُعبّر عن التراث ببساطة مفرطة

الفنان المصري هاني مجلي الفقي (الشرق الأوسط)
الفنان المصري هاني مجلي الفقي (الشرق الأوسط)

النظر إلى إحدى القطع الفنية الخشبية، والتجول حولها، يعني رؤية الفن نفسه، والشعور به والتأثر به، من دون الحاجة إلى لمسه أو محاولة الوصول إلى الأفكار التي تقف وراءه.

وربما ما يُفسّر ذلك أن هذه القطع تعكس تجارب إبداعية تستند إلى خامة طبيعية، لها خصوصيتها التي تخاطب الأرواح قبل أن تجتذب الحواس البصرية.

وعلى الرغم من العنوان الذي يبدو طويلاً و«معقّداً» لمعرضه «أثر مكتشف متهالك شديد القِدم»، فإن التشكيلي المصري، المولع بالخشب، هاني مجلي الفقي قدّم أعمالاً تتمتع بالبساطة المفرطة، طارحاً قضايا فلسفية وتراثية وحضارية بلغة فنية تخلو من التعقيد.

وعن ذلك، يقول الفنان لـ«الشرق الأوسط»: «ترتبط عناوين معارضي بكونها قائمة فكرياً على التجريب، فهي تحمل تجربة حقيقية، وليست مجرد عنوان فلسفي أو تخيّلاً لشيء ما».

ويتابع: «هذا العنوان ناتج عن تجربة عملية، استغرقت سنوات قضيتها ما بين الخامات المستدامة والبيئية والتقليدية، ولحظات وثيقة الصلة بالفن والإنسان والأرض، وذلك ما أفعله دوماً في معارضي، وليس في هذا المعرض فقط».

ويضيف: «ومن هنا، تكون العناوين مستلهمة من مواقف وعناصر إنسانية تأثّرت بها، وذات علاقة قوية بفكرة السكن والصمود والدفء».

صاحب المعرض ينظر إلى الخشب ككائن حي يشبه الإنسان (الشرق الأوسط)

ويُعدّ الفنان معرضه المقام في متحف «أحمد شوقي» بالقاهرة حتى 21 يونيو (حزيران) الحالي ذا علاقة قوية بالحياة والإنسان، لأن محتوياته مصنوعة من الخشب.

يقول مجلي: «أنظر إلى الخشب ككائن حيّ، يشبه الإنسان؛ كلٌّ منهما يتقدّم في العمر، ويمرّ بمراحل حياتية مختلفة، كما أن كلاً منهما يتعرّض لأزمات وأحداث سعيدة ومؤلمة على السواء، بل إنهما يشتركان في كونهما يتعرّضان لمواقف خذلان واستغناء في بعض الحالات؛ ولذلك جمعت بين الخشب والبورتريه في معظم أعمالي».

يزيل الفوارق بين المسميات الفنية (الشرق الأوسط)

ويتابع: «قد تكون نظرتي إليه فلسفية، لكنها حقيقة. على سبيل المثال، على المستوى الشخصي، كنت عند النظر إلى كرسي اعتادت والدتي الجلوس عليه ألاحظ علامات يديها عليه، في حين أنه لو لم يكن من الخشب، ما كان ذلك ليحدث».

أيضاً استعان الفقي في خلفية إحدى لوحاته، وهي «على حافة النهر»، بأجزاء من مجموعة كراسي خشبية كانت واسعة الانتشار في البيوت المصرية في القرن الماضي، وتُعرف باسم «كرسي القهوة».

وكانت هذه الكراسي تزدان بطباعة أيقونات مصرية مثل الأهرامات، أو زهرة اللوتس، أو الملكة نفرتيتي على أجزاء منها، فاستعان بتلك الأجزاء ليطعّم بها لوحته؛ فجاءت محمّلة بأبعاد حضارية واجتماعية وثقافية.

أعمال الفقي تعكس حالة من التنقيب عن الأثر الإنساني (الشرق الأوسط)

يقول: «هذه الكراسي لها دلالات عميقة، وتعبّر عن الفكر التشاركي عند المصريين؛ فلم يخلُ منها منزل مصري في السابق، وكانت حاضرة في الأفراح والمآتم، ويتشاركها الجيران عند الحاجة».

ويواصل: «بعضها تعرَّض في هذا القرن للخذلان، حين استغنى الجيل الجديد من بعض الأسر عنها بدلاً من إصلاحها، وبعضها تمسّك بها أصحابها، تماماً مثل الإنسان الذي يتعرّض لمثل هذه المواقف!».

إذن، يستكشف الفنان، كما يشير عنوان معرضه، الأثر بشكل عام داخله وحوله: «تأخذ أعمالي الجمهور في رحلة من الاكتشاف، سواء لي أو لخاماتي أو التقنيات الجديدة التي استطعت الوصول إليها».

ويتابع: «لكن قبل ذلك، هي تمثّل حالة من التنقيب عن الأثر الإنساني في كل مكان أصل إليه؛ فأبحث عن أي أشياء من صنع الإنسان، ومن حياته، أو أشياء تغيّرت وتكوّنت عليها طبقات بفعل الزمن».

يحتفي الفنان هاني مجلي الفقي بالبورتريه (الشرق الأوسط)

«في هذا السياق، تستوقفك في أعماله أجزاء مأخوذة من أشياء قديمة مرّت عليها عشرات السنين، ومنها أبواب عتيقة شاهدة على ذكريات وأحداث ولحظات عاطفية احتضنتها البيوت، وكانت زاخرة بالحياة. يُعيد الفنان معالجتها وتصليحها وتوظيفها في لوحاته: «أقوم بما يُعرف بإعادة التدوير لأثر الإنسان، لكن ليس بوصفه عملية صناعية بحتة، إنما بمعنى منحها حياة أخرى؛ لتبقى سنوات كثيرة مقبلة، وتشهد ما تشهده من مواقف جديدة، فتصبح أثراً جديداً في الحياة».

أحد الأعمال بالمعرض (الشرق الأوسط)

من هنا، يُعِدُّ النحات المصري أي عمل يقدمه أنه «ماستر بيس» أو قطعة واحدة لا تقبل التكرار؛ يقول: «عندما تُنتج عملاً فنياً من الخشب، فإنه من المستحيل أن تستنسخه؛ لأنك لن تجد نفس القطعة بالآثار نفسها التي تحملها، سواء ما كان عليها تهشير أو تكسير أو تجازيع، أو آثار من الألوان، أو أحاسيس شعرت بها حين تحملها بين يديك».

ويتابع: «لذلك أشعر بأن (البالتة الخشبية) الخاصة بي واحدة ولن تتكرر مرة أخرى، وحين أنتهي من عمل ما أبحث عن أثر آخر حتى أشكّل به عملاً جديداً لا أعرف كيف سيكون حين أنتهي منه، وهذه هي متعة العملية الإبداعية باستخدام الخشب؛ فأنت لا تعرف أبداً إلى أين قد ينتهي بك الأمر».

أمام أعماله المتنوعة التي تبلغ 35 عملاً ما بين المسطحة والمركبة والمجسمة، الغائرة والبارزة، المطعمة بأخشاب وخامات أخرى، أو الخالية من أي عناصر إضافية، قد تُصيبك الحيرة في المسمى الفني الدقيق لها وله!

توثق لوحاته النحتية لحظات إنسانية مؤثرة (الشرق الأوسط)

فهل تُعدُّ لوحات نحتية أم قطعاً نحتية أم «بورتريهات» أم تماثيل في بعض الأحيان؟ وأيضاً، هل نحن أمام نحَّات أم مصوِّر؟ لكن حين تتحدث مع الفقي عن ذلك، تكتشف أنه لا تشغله هذه المسميات وغيرها من الأصل.

يقول: «ما يعنيني هو انتماء أعمالي لفنون الخشب، وأن أعمل على إزالة الفواصل بين المسميات؛ فالعمل يكتسب أهميته من قيمته الفنية لا اسمه»، مشيراً إلى أن «الاتجاهات المعاصرة وفنون ما بعد الحداثة تُعزز جمع الفنان بين فنون عدّة حتى في العمل الواحد».

في أعماله أجزاء خشبية عتيقة (الشرق الأوسط)

لا يتوقف جهد هاني مجلي الفقي، المدرس في كلية التربية النوعية جامعة سوهاج، بمجال الأخشاب على العمل الأكاديمي وتعليم تقنياته، كما لا يقتصر على تقديم أعمال فنية من هذه الخامة، إنما يُجري أبحاثاً علمية تُنشر في مجلات علمية محلية ودولية حولها.

يقول: «يدخل الخشب في مجالات تطبيقية كثيرة إلى جانب الفنون، وهو ما يقتضي عمل دراسات وأبحاث مستمرة لتطويره الاستدامة وتحقيقها، وهو ما أعكف عليه بجانب أعمالي الفنية».


مقالات ذات صلة

«لوميناريا» يشتبك مع أحلام وإحباطات المرأة

يوميات الشرق لكل إنسان إضاءاته لكن عليه أن يكتشفها (الشرق الأوسط)

«لوميناريا» يشتبك مع أحلام وإحباطات المرأة

للفن قدرة على استحضار المشاعر المختلفة، وخلال ذلك يكون للإضاءة تأثير طاغ عليها، من هنا يحتفي الفنانون بتجسيد الضوء في لوحاتهم؛ ويستخدمونه كرمز لأفكارهم.

نادية عبد الحليم (القاهرة)
يوميات الشرق في هذا المعرض أدَّت اللافتات دور التشويش بدل الإرشاد (الشرق الأوسط)

«Exit to Exist» في بيروت: تجهيز فنّي أربك المألوف وحرَّض على التفكير

لم يُجبر المعرض زائره على طَقْس محدّد، وفضَّل تَرْكه حراً أمام الاصطدام بالأعمال أو تجاهلها...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق مجموعة من الفنانين المشاركين في المعرض (غاليري آرت أون 56)

«مختارات منتقاة بعناية» تحتفي بحصاد عام من النجاحات

يستقي زائر المعرض من كلّ لوحة نفحة فنية تخاطب أفكاره وتطلّعاته، ويطّلع على أساليب وتقنيات متنوّعة في التعبير التشكيلي...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق غراهام هول أحد «الأبطال غير المقدَّرين» (مجلس الفنون في جزيرة مان)

بعد الستين تبدأ الحكاية... معرض لوجوه عاشت كثيراً

المعرض يحمل اسم «60 وجهاً لأشخاص تتجاوز أعمارهم الستين»، ويُقام في قرية لاكسي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق الأبواب الخشبية المنحوتة والمستلهمة من بيوت جدة التاريخية في معرض «ورث» (الشرق الأوسط)

معرض «وِرث»... أعمال الطلاب تُحيي الفنون التقليدية السعودية

احتضن معرض «وِرث» في حي جاكس بالرياض نافذة واسعة من الفنون التقليدية السعودية، بوصفها ممارسة حية قادرة على التجدد.

فاطمة القحطاني (الرياض)

خطة مصرية للمنافسة دولياً في «السياحة العلاجية»

الهيئة العامة للرعاية الصحية في مصر تطلق منصات للسياحة العلاجية (صفحة الهيئة على «فيسبوك»)
الهيئة العامة للرعاية الصحية في مصر تطلق منصات للسياحة العلاجية (صفحة الهيئة على «فيسبوك»)
TT

خطة مصرية للمنافسة دولياً في «السياحة العلاجية»

الهيئة العامة للرعاية الصحية في مصر تطلق منصات للسياحة العلاجية (صفحة الهيئة على «فيسبوك»)
الهيئة العامة للرعاية الصحية في مصر تطلق منصات للسياحة العلاجية (صفحة الهيئة على «فيسبوك»)

أعلنت الهيئة العامة للرعاية الصحية في مصر انطلاق منصات مشروع السياحة العلاجية، ضمن خطتها للمنافسة إقليمياً ودولياً في مجال السياحة العلاجية من خلال إبراز إمكانيات منظومة الرعاية الصحية في مصر.

وأطلقت الهيئة منصات مشروع للسياحة العلاجية تحت شعار «نرعاك في مصر - In Egypt We Care»، في خطوة استراتيجية تهدف إلى تعزيز مكانة مصر بوصفها وجهة رائدة للرعاية الصحية المتكاملة، وتقديم خدمات طبية متطورة بمعايير عالمية، وفق بيان للهيئة، الجمعة.

ويجسّد مشروع «In Egypt We Care» رؤية الدولة المصرية في تعظيم الاستفادة من الإمكانيات الصحية المتقدمة، وتعزيز ملف السياحة العلاجية بوصفه أحد المحاور الاستراتيجية للتنمية المستدامة، وفق تصريحات صحافية لرئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للرعاية الصحية، الدكتور أحمد السبكي الذي أكد أن «المشروع يستند إلى بنية تحتية طبية قوية، ومنشآت صحية حديثة، وكوادر بشرية مؤهلة، وفق أعلى المعايير الدولية».

وأوضح الدكتور السبكي أن إطلاق المنصات الرقمية للمشروع يمثّل نافذة تواصل مباشرة مع المرضى من داخل مصر وخارجها، للتعريف بالخدمات الطبية المتخصصة التي تقدمها منشآت الهيئة العامة للرعاية الصحية، بما يُسهم في تسهيل الوصول إلى الخدمة، وتعزيز ثقة المتعاملين بجودة الرعاية الصحية المقدمة.

وتستهدف منصات «In Egypt We Care» تقديم تجربة علاجية متكاملة تبدأ من التواصل المبدئي، مروراً بتقديم المعلومات الطبية والخدمات المتاحة، وصولاً إلى المتابعة والرعاية، بما يعكس احترافية منظومة الرعاية الصحية المصرية، ويعزز قدرتها على المنافسة إقليمياً ودولياً في مجال السياحة العلاجية، حسب السبكي الذي أكد أن المنصات الرقمية للمشروع ستُسهم في إبراز قصص النجاح، وعرض الإمكانيات الطبية المتقدمة، والترويج للسياحة العلاجية المصرية.

الهيئة تراهن على الخدمات والبنى الرقمية (صفحة الهيئة على «فيسبوك»)

ويمثّل إطلاق المنصات الرقمية «نرعاك في مصر - In Egypt We Care» التي تبرز الخدمات المتاحة في مجال السياحة العلاجية خطوة مدروسة تعكس فهماً عميقاً من الجهاز الإداري للدولة المصرية لمتطلبات المنافسة الدولية في هذا القطاع المتخصص، وفق تصريحات الخبير السياحي المصري، أيمن الطرانيسي، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «التوجه نحو الرقمنة لم يعد خياراً، بل أصبح أداة أساسية لجذب السائحين من المرضى الدوليين، وبناء الثقة لديهم، وتسهيل الوصول إلى الخدمات الطبية، وفق معايير واضحة وشفافة».

ويشير الطرانيسي إلى أن «هذه الخطة المصرية الطموحة تؤكد حرص الدولة على توحيد الجهود بين السياحة والصحة، وتعظيم الاستفادة من البنية التحتية الطبية المتطورة والكوادر المؤهلة، بما يعزز مكانة مصر بصفتها وجهة واعدة للسياحة العلاجية إقليمياً وعالمياً».

وتراهن مصر على التنوع في الأنماط السياحية، وسبق أن أطلقت وزارة السياحية والآثار المصرية حملة ترويجية تحت شعار «مصر... تنوع لا يُضاهى»، لإبراز منتجاتها السياحية المختلفة ومقاصدها المتنوعة ما بين السياحة الثقافية والشاطئية وسياحة المؤتمرات والسفاري والغوص والسياحة الرياضية والسياحة العلاجية وغيرها.

ويرى الخبير السياحي المصري، محمد كارم، أن «المنافسة في السياحة العلاجية أصبحت شرسة جداً، ومصر لديها كل المقومات للمنافسة ولكنها تحتاج إلى إطار منظم وواضح».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «إطلاق منصات متخصصة تنقل هذا الملف من مرحلة الإمكانيات إلى مرحلة الخدمة الجاهزة للبيع عالمياً يمكنها اختصار رحلة السياحة العلاجية بدءاً من البحث مروراً بالحجز والإقامة والنقل والمتابعة بعد العلاج».

ورأى كارم أن هذه المنصات يمكن أن تخدم قطاع السياحة المصري من جهات متنوعة، فهي «تزيد الثقة لدى السائح الأجنبي بالخدمة المقدمة، لأنه يتعامل مع جهة حكومية واضحة، وتفتح أسواقاً جديدة، وتُعطي ميزة تنافسية لمصر، بالإضافة إلى التجربة العلاجية المتكاملة والجودة الطبية بتكلفة أقل من دول أخرى»، على حد تعبيره.

ولفت إلى ضرورة ربط هذه المنصات بمستشفيات معتمدة دولياً، وكذلك ربطها بأماكن الاستشفاء السياحية مثل سيوة والأقصر وأسوان، بما يدعم قطاع السياحة خلال الفترة المقبلة.

وشهدت مصر طفرة في استقبال السائحين خلال السنوات الماضية، إذ وصلت إلى استقبال أكثر من 19 مليون سائح في عام 2025، وفق تصريحات لوزير السياحة والآثار. وتطمح الدولة المصرية إلى وصول عدد السائحين الوافدين إلى 30 مليون سائح بحلول عام 2031.


«أسافر وحدي ملكاً» يحيي الذكرى المئوية لولادة منصور الرحباني

تحدَّث أسامة الرحباني عن أهمية هذا الحفل بالنسبة إليه (الشرق الأوسط)
تحدَّث أسامة الرحباني عن أهمية هذا الحفل بالنسبة إليه (الشرق الأوسط)
TT

«أسافر وحدي ملكاً» يحيي الذكرى المئوية لولادة منصور الرحباني

تحدَّث أسامة الرحباني عن أهمية هذا الحفل بالنسبة إليه (الشرق الأوسط)
تحدَّث أسامة الرحباني عن أهمية هذا الحفل بالنسبة إليه (الشرق الأوسط)

أعلن الموسيقي أسامة الرحباني تفاصيل حفل «أسافر وحدي ملكاً»، الذي يُقام احتفاءً بالذكرى المئوية لولادة الراحل منصور الرحباني، وذلك خلال مؤتمر صحافي عُقد في المكتبة الوطنية في بيروت، بحضور وزير الثقافة غسان سلامة، ومؤسِّسة مجموعة أبوظبي للثقافة والفنون هدى إبراهيم الخميس.

ويُعدّ الحفل أوراتوريو سيمفونياً ملحمياً مستوحى من ديوان منصور الرحباني «أسافر وحدي ملكاً». وهو قصيدة واحدة مؤلّفة من 34 جزءاً. يُقدَّم العمل مجاناً في أمسيتين متتاليتين في 13 يناير (كانون الثاني) الحالي، وتحتضنه كنيسة القلب الأقدس العريقة في منطقة الجميزة. ويرتكز الأوراتوريو على النصوص الكاملة للديوان، الذي يُعدّ أحدث ما صدر لمنصور الرحباني في حياته عام 2007.

تحيي الحفل الفنانة هبة طوجي برفقة الأوركسترا الوطني السيمفوني الأوكراني، وبمشاركة جوقة جامعة سيدة اللويزة، في تعاون مشترك بين مهرجان أبوظبي والفنان أسامة الرحباني.

«أسافر وحدي ملكاً» تكريم للراحل منصور الرحباني (الشرق الأوسط)

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، وصف أسامة الرحباني هذا العمل بأنه «تحفة فنية أبحر في موسيقاها على مساحة واسعة»، مضيفاً: «ساعدني النصّ كثيراً على الإبداع موسيقياً. كنت أبحث عن نصّ بهذه الضخامة، مستشعراً غياب والدي الراحل، فوجدتُ هذا الكتاب إلى جانبي ليشكّل المادة التي أفتّش عنها».

وعما إذا كان يرى في هذا الديوان ما يختزل المسيرة الفنّية لمنصور الرحباني، أوضح: «المسألة لا تتعلّق بما يليق بمنصور الرحباني، بل بما هو أبعد من ذلك؛ إذ يعرّفنا إلى الحالة الإبداعية الحقيقية التي يمثّلها، كما يسمح للقارئ، كما للمشاهد، بأن يبحر في صور بلاغية ونصوص موسيقية تنسجها قصائد الكتاب برقيّ».

ورفض أسامة الرحباني فكرة تقديم هذا التكريم عبر مشاركة مجموعة من النجوم الذين عاصروا والده، بدل حصره بالفنانة هبة طوجي، موضحاً: «عندما نقرّر تقديم عمل فنّي متكامل، لا يمكن التفكير بهذه الطريقة، وإلا تحوَّل إلى حفل غنائي. نحن أمام أوراتوريو راقٍ يميل إلى الأعمال الملحمية الضخمة».

وزير الثقافة غسان سلامة خلال المؤتمر الصحافي لإطلاق «أسافر وحدي ملكاً» (الشرق الأوسط)

ويُجسّد ديوان «أسافر وحدي ملكاً» تجربة منصور الرحباني الوجودية، ومواجهته قدره بصلابة حول الرحيل والغياب، الوجود والغربة، فيعبق الكتاب بنَفَس فلسفي شمولي كوني وتأمّلي، تُغلّفه رمزية واضحة حيناً ومخفية أحياناً، تماماً كما تقضي البراعة الشعرية التي يشكّل منصور أحد أبرز أركانها في الشعر العربي الحديث.

ويختصر الديوان زمن الخوف والملاجئ أيام الحرب اللبنانية. ومما يقوله منصور: «في اليوم السابع جاز القصف، صعدنا في الشرفات، جلسنا، وتنبّأت على بيروت». ويضيف: «سأموت الليلة عن بيروت، سأُصلب في الحمراء. فيكون للبنان رجاء وحياة للشهداء». ويرى أسامة الرحباني في هذا العمل ترجمة صادقة لحبّ منصور لبيروت ولبنان، مشيراً إلى أنّ قارئ الكتاب لا بد أن يغوص في كلماته ومعانيه لما تحمله من دعوة إلى تفكيك النصوص والتأمُّل فيها، وهو ما ينعكس موسيقياً في هذا العمل. ويضيف: «تشمل الموسيقى كلّ هذه الصور في نغماتها، إلى جانب صوت هبة طوجي الذي يضفي على العمل بريقاً وتألقاً. لقد مثّلت هبة لبنان على أفضل وجه، وقدّمت نموذجاً عن المرأة العربية صاحبة الفن الأصيل، بحضورها وبصوتها. سعيد بتعاوني معها، فهي مرآة تعكس أفكاري».

وخلال المؤتمر، وصف وزير الثقافة غسان سلامة الراحل منصور الرحباني بأنه أحد أعظم فناني الرحابنة، مضيفاً: «لقد سافر وحده ملكاً، بعدما ترك لنا كنوز الدنيا في شِعره»، كما أعلن عن مشروعات عدة تسعى الوزارة إلى التعجيل في تنفيذها، من بينها إنجاز دار الأوبرا في منطقة ضبية، متمنّياً الانتهاء من عملية بنائها مع نهاية العام، بدعم من دولة الصين التي تتكفَّل بتكلفتها. كما أعلن عن رصد مبلغ 700 ألف دولار لترميم قصر «اليونيسكو» وتجديده.

هدى إبراهيم الخميس خلال المؤتمر (الشرق الأوسط)

من جهتها، أكدت هدى إبراهيم الخميس، ممثلة مهرجان أبوظبي الفني، في كلمة مقتضبة، أنّ إرث منصور الرحباني هو للعالم أجمع، ويجب ألا يُحفظ فقط، بل أن يُحيى ليبقى نابضاً بين محبيه.

وعن سبب اختيار كنيسة القلب الأقدس لاستضافة الحفل، قال أسامة الرحباني ردّاً على سؤال أحد الصحافيين: «عندما أنوي تقديم عمل فنّي، تبحث عيناي عن مكان مُشبَّع بالجمال. وجدتُ في هذه الكنيسة ما ينسجم مع رؤيتي، فهي تاريخية وعريقة، وجمالها يسكن قبابها وجدرانها وتفاصيلها كافة». وأضاف: «بحثت طويلاً عن مكان يحتضن هذا العمل الضخم ولم أوفّق. كنتُ أتمنى إقامته في كنيسة لا مادلين في فرنسا». لتردّ عليه هدى إبراهيم، الخميس، بعد دقائق معلنة استعدادها لتحقيق هذا الحلم، ونقل العمل يوماً ما إلى رحاب هذه الكنيسة.


«مهرجان الكُتّاب والقُرّاء 2026» ينطلق في الطائف بتجارب ثقافية وترفيهية

يحتفي المهرجان بالكُتّاب والقُرّاء بأسلوب معاصر يجمع بين عبق التاريخ وروح الثقافة الحديثة (واس)
يحتفي المهرجان بالكُتّاب والقُرّاء بأسلوب معاصر يجمع بين عبق التاريخ وروح الثقافة الحديثة (واس)
TT

«مهرجان الكُتّاب والقُرّاء 2026» ينطلق في الطائف بتجارب ثقافية وترفيهية

يحتفي المهرجان بالكُتّاب والقُرّاء بأسلوب معاصر يجمع بين عبق التاريخ وروح الثقافة الحديثة (واس)
يحتفي المهرجان بالكُتّاب والقُرّاء بأسلوب معاصر يجمع بين عبق التاريخ وروح الثقافة الحديثة (واس)

انطلقت، الجمعة، فعاليات «مهرجان الكُتّاب والقُرّاء» بنسخته الثالثة، وذلك في متنزّه الردف بمحافظة الطائف (غرب السعودية)، تحت شعار «حضورك مكسب»، ويستمر حتى 15 يناير (كانون الثاني) الحالي.

ويخوض الزوار تجربة ثقافية وترفيهية متكاملة، صُمّمت لتكون مساحة نابضة بالحياة، تحتفي بالكُتّاب والقُرّاء من مختلف الفئات العمرية، بأسلوب معاصر يجمع بين عبق التاريخ وروح الثقافة الحديثة.

وأكد الدكتور عبد اللطيف الواصل، الرئيس التنفيذي لهيئة الأدب والنشر والترجمة، أنهم يعملون على تعزيز جودة الحياة بوصفها إحدى المرتكزات الرئيسة لـ«رؤية السعودية 2030»، من خلال جعل الثقافة أسلوب حياة، وتوسيع آفاق المعرفة، وتمكين الإنسان من الإسهام في تنمية مجتمعه فكرياً وثقافياً.

وأوضح أن المهرجان في نسخته الثالثة يُجسّد هذا التوجُّه عبر تقديم تجربة ثقافية ترفيهية شاملة في الطائف، بما تحمله من مكانة ثقافية وإرث أدبي عريق، وبوصفها أول مدينة مصنّفة ضمن شبكة اليونيسكو للمدن المبدعة بمجال الأدب على مستوى السعودية.

وأشار الواصل إلى أن المهرجان يستهدف مختلف فئات المجتمع، عبر برنامج متنوع يوازن بين الفائدة المعرفية والتجربة الترفيهية، بما يتيح للزائر الخروج بحصيلة ثقافية مميزة، وقضاء أوقات ممتعة تناسب جميع الأعمار، ضمن سعي الهيئة لترسيخ حضور الثقافة في المشهد العام، وتعزيز مكانة الأدب في الحياة اليومية، وتهيئة بيئة تفاعلية محفزة تجمع الكُتّاب والقرّاء والمثقفين.

يُقدِّم المهرجان برنامجاً متنوعاً يوازن بين الفائدة المعرفية والتجربة الترفيهية (واس)

وأكد أن المهرجان يسعى للاحتفاء بالكُتّاب والقرّاء بوصفهما الركيزة الأساسية في منظومة الإنتاج الثقافي، وتوفير منصة تفاعلية، تتيح للمبدعين من داخل السعودية وخارجها التواصل الإبداعي الخلّاق، بما يسهم في إثراء الساحة الثقافية وتلبية تطلعات الجمهور للأدب والثقافة والفنون، في صورة تعكس حيوية المشهد الثقافي السعودي.

ويشتمل المهرجان على أربعة مواقع رئيسية هي: منطقة الدرب، والمطل، والفِناء، والصرح، حيث تُقام أكثر من 270 فعالية، تتضمن 176 تفعيلة ثقافية، و84 عرضاً مسرحياً، و7 أمسيات غنائية وشعرية، إضافةً إلى تجسيد 45 عملاً أدبياً وفنياً.

وخصصت الهيئة 20 منصة فنية تُمكّن الحرفيين من عرض منتجاتهم في بيئة احترافية، ومنصات تفاعلية تتيح للزائر الاستماع إلى قصائد مختارة، وعروض موسيقية، والتعرّف على سيَر وأعمال أدباء من التاريخ، والتنقل بين عوالم تعبيرية متنوعة تبدأ من الرواية التاريخية وتنتهي بعالم المانجا.

وهيأت الهيئة جناحاً تفاعلياً يعرّف الزوار بدورها في دعم قطاعات الأدب والنشر والترجمة، وأبرز مبادراتها ومشاريعها الثقافية، وخططها المستقبلية، وتصميم منطقة متكاملة للأطفال تضم 5 أركان رئيسية، تقدم أنشطة تطبيقية، وألعاباً تعليمية مبتكرة، تنمّي التفكير وتعزز القيم، كذلك مسرح الحكواتي الذي يقدم قصصاً هادفة، في بيئة ترفيهية تسعى لبناء جيل واعٍ ومثقف.