ثريا العيون الزرقاء في متحف «ليتون هاوس» بلندن: تعويذة ضد العنف والمحو

«أطلس النظرة المتشابكة» للفنان اللبناني رمزي ملاط ضمن برنامج المتحف للاحتفال بمئويته

رمزي ملاط أثناء تركيب عمله في قاعة العرب بمتحف «ليتون هاوس» بلندن (الفنان)
رمزي ملاط أثناء تركيب عمله في قاعة العرب بمتحف «ليتون هاوس» بلندن (الفنان)
TT

ثريا العيون الزرقاء في متحف «ليتون هاوس» بلندن: تعويذة ضد العنف والمحو

رمزي ملاط أثناء تركيب عمله في قاعة العرب بمتحف «ليتون هاوس» بلندن (الفنان)
رمزي ملاط أثناء تركيب عمله في قاعة العرب بمتحف «ليتون هاوس» بلندن (الفنان)

يحتفل متحف «ليتون هاوس» في لندن بالذكرى المئوية لإنشائه، وهو المنزل الذي بناه اللورد فريدريك ليتون (1830 - 1896) في القرن الماضي، وبث فيه حبه للأسفار في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وصمم فيه «قاعة العرب» شرقية الروح والملامح والتفاصيل.

تظل القاعة مصدر جذب للزوار للتأمل في جمالياتها العالية وتفاصيلها الشرقية التي تنقلنا من مدينة لندن لقاعات عربية وشرقية مكتملة بالجدران المتدثرة بقطع السيراميك الأزرق والزخارف والكتابات العربية وتحتضن في وسطها نافورة تحول الغرفة إلى قاعة شرقية مهاجرة.

قاعة العرب بمتحف «ليتون هاوس»... درة شرقية (تصوير سيوبان دوران)

العيون الزرقاء في قاعة العرب

في هذه القاعة تحديداً، التي جلب لها اللورد ليتون السيراميك واللوحات من أنحاء المشرق، يطل علينا عمل معاصر للفنان اللبناني رمزي ملاط، لا يبدو دخيلاً على الجو العام للقاعة بل يمتزج معها إلى درجة كبيرة، فهنا تتدلى أمامنا من الثريا المعدنية سلاسل من حبات الخرز الأزرق، نقترب منها وتأخذنا بشكلها الأسطواني وتكوينها الذي يشبه المشربيات الشرقية. تتدلى خيوطها وحبات الخرز فيها لتتفاعل مع الجدران الزرقاء حولها وتعكس ظلالها على بركة الماء أسفلها.

الفنان مع عمله في متحف «ليتون هاوس» بلندن (تصوير: جارون جيمس)

«أطلس النظرة المتشابكة»

بالاقتراب من العمل نتبين تفاصيل الخرزات الزرقاء وتناغمها، هي مثل تلك التي تستخدم لدرء النظرة الحاسدة في الثقافات العربية، ربما هذا ما يعكسه عنوان العمل وهو «أطلس النظرة المتشابكة». النظرة هنا أساسية لفهم العمل، فالخرز الأزرق كان يستخدم للحماية من الحسد ومن النظرة الشريرة، ولكن العمل يوظف ذلك العنصر للحديث عن مواضيع أعمق تنبع من خلال تلك المظلة المؤلفة من آلاف «العيون» الخزفية الزرقاء، حيث نسج الفنان عملاً يستمد من الفلكلور الشامي وتقاليد الحرف الإسلامية واللغة المعمارية والرمزية للمكان، ليقدم تأملاً معاصراً في الإدراك والحماية والتراث الثقافي.

أمام الثريا الزرقاء أقف مع رمزي ملاط للحديث عن العمل ومعانيه. يقول إن الأمر الأهم بالنسبة له كان أن يعكس العناصر المختلفة في ليتون هاوس وهي كثير، فالخرزات الزرقاء المعلقة، وعددها 7500، تتشابه في ألوانها وتفاصيلها مع ثيمات أخرى موجودة في غرف المتحف مثل أطباق خزفية معلقة على الجدار ورسمات على وسائد موضوعة على أريكة: «عند زيارتي للمتحف لاحظت ذلك النمط المتكرر، وشعرت وكأن فريدريك ليتون استلهم نفس الفكرة لحماية منزله من خلال عناصر مختلفة وضعها في غرف متفرقة، أو ربما كان ذلك مجرد خيار أسلوبي، لكنني أميل إلى الاعتقاد بوجود دافع أعمق، نظراً لكثرة أسفاره في الشرق الأوسط. لفتت هذه العناصر انتباهه، وصمم منزله بأسلوب يعكس أسفاره وشغفه».

النظرة بين الشرق والغرب

صمم ملاط عمله مستخدماً نمط الخرزات الزرقاء وتصميماتها بشكل بدا وكأنه يتجاوب مع غرف المتحف غير أنه يقول إن هناك مرجعيات أخرى لاحظها في الغرف الأرضية للمتحف، يشير إلى «قاعة نرجس» وهي قاعة ملبسة بالسيراميك الأزرق بحيث يشعر الزائر بأنه في خضم موجات كثيفة من اللون وكأنه يغوص في أعماق لجة من الماء، ولا يبدو ذلك غريباً فالقاعة تستلهم من الأسطورة اليونانية عن شخص شديد الجمال وقع في غرام انعكاس صورته على ماء بركة حتى وقع وغرق في مياهها.

نسج ملاط مع حبات الخرز الزرقاء مظلة تستوحي من الشرق والغرب (الفنان)

من أسطورة نرجس أو نارسيس، يرى ملاط عنصر النظرة التي تغوي، هي النظرة التي تستخدم الخرزات الزرقاء للحماية من شرها، النظرة هنا تكتسب أبعاداً مختلفة يحدثنا عنها ملاط: «عندما أردت إنتاج هذه القطعة، فكرت في الحسد، وفكرت أيضاً في النافورة التي عطلناها لنحولها إلى بركة ماء. بدأت أتساءل: لماذا يوجد هذا التقارب بين نرجس والقاعة العربية؟ ربما من وجهة نظري، أسطورة نرجس يمكن أن تكون تفسيراً لمعتقد الحسد، ولكن بشكل أكبر للجمهور الغربي، لأنها لا تزال تتحدث عن قوة النظرة وحقدها، فهي قد تجلب سوء الحظ أيضاً، ويعتبرها آخرون غروراً. أحب أن أنظر إليها كحوار مفتوح بين التقاليد الغربية والشرقية، ولهذا السبب أردت إبراز ذلك، وأردت تعليق هذا العمل من حوض النافورة لمواصلة اللعب بهذه المراجع المختلفة أيضاً. حقيقة أن لونها أزرق وأن الماء راكد الآن، تجعل الناس ينظرون إلى انعكاسها، وينظرون أيضاً إلى القطعة نفسها في الماء، لذا أعتقد أن هناك تبادلاً يحدث عبر الماء أيضاً».

الحماية والعنف

مفهوم الحماية، سواء من العين الحاسدة الذي تجسده الخرزات الزقاء، يتسع ويكتسب أبعاداً جديدة في عمل ملاط، فالثريا الزرقاء تشبه في شكلها خوذات المحاربين في العصور الوسطى المغطاة بحلقات معدنية كانت تهدف لحماية الوجه أثناء القتال: «عندما دخلت المكان لأول مرة، ذكّرتني الثريا الموجودة بخوذات المحاربين العثمانيين، وأردت إبراز هذا الجانب من خلال تصميم سلسلة من العيون المتأملة على طراز المشربية، وهي مترابطة بسلاسل لمحاكاة النمط نفسه الموجود في الدروع، لكنني أردت أيضاً أن تبدو كدرع يحمي المكان ويمنحه في الوقت نفسه إحساساً بالحركة، لأنني أرى ذلك في تجربة الناس وهم يدخلون المكان، فهم ينظرون إليه باستمرار».

يتداخل مفهوم الحماية لدى ملاط ليربط ما بينها وبين الشعور بالضعف وأيضاً العنف، يقول: «بمعنى ما الخوذة هي وسيلة حماية، لكنها لا تقتصر على الحماية فحسب، بل تشير أيضاً إلى العنف. أعتقد أن امتلاك المعدات اللازمة للحماية يعني أنك في حالة من الضعف الدائم. وهذا ما أردت التطرق إليه، حيث لا يقتصر الأمر على الحماية فحسب، بل يتعلق أيضاً بالضعف الكامل».

الخرزات الزرقاء في «أطلس النظرة المتشابكة» لرمزي ملاط (تصوير: جارون جيمس)

مخاوف معاصرة

يرى الفنان في رمزية العين الشريرة انعكاساً للمخاوف المعاصرة المتعلقة بالحماية والمحو والعنف الموجه نحو المنطقة العربية: «عندما أنتجتُ هذا العمل، كان لديّ دائماً هذا الفهم العميق بأننا نواجه باستمرار حالة من عدم اليقين في المنطقة، وعندما كنتُ أبحث في فهم سبب استمرار فكرة العين الزرقاء في مجتمعاتنا المعاصرة، توصلتُ إلى استنتاج مفاده أن الاعتقاد بالحماية من العين الشريرة إنما هو وسيلة للتكيف والتعامل مع الأوضاع. أعتقد أن التمسك بهذا الاعتقاد يفسر حقاً مصيبتك، ويسمح لك أيضاً بالحزن الشديد بسبب حقيقة أننا نواجه باستمرار المحو والتدمير، واستحالة هذا الوضع حيث تشعر بالعجز الشديد، ولكن في الوقت نفسه تريد أن تكون قادراً على فعل شيء ما بحياتك. وأعتقد أن هذا الأمر يُبرز أهمية التفاعل الحقيقي مع شيء غير مادي يربطنا جميعاً».

بشكل شخصي يرتبط الإحساس لدى الفنان بما يحدث في بلده: «أنا من لبنان، بلد صغير جداً، وكنت أعاني من هذا القلق في صغري بشأن نظرات الآخرين وتطور الإيمان بهذه التميمة ورمزيتها حتى أنني أنجزت سلسلة أكبر من الأعمال الفنية التي تحمل هذه العيون الشريرة. عندما اندلعت الحرب بين (حزب الله) وإسرائيل عام 2024، كانت المناوشات لا تزال مستمرة في الجنوب، وعندما ألقى الجيش الإسرائيلي قنابل الفوسفور، ورأيت هذا المحو الهائل والإبادة البيئية في الجنوب، شعرت بالعجز الشديد، فبدأت أرسم هذه المناظر الطبيعية، هذه الجبال الشاهقة التي منحتني الشعور بالحماية عندما كنتُ هناك، ثمّ نقشتُ عليها عيوناً حاسدة، وكأنّ عجزي يُترجم إلى ورق، أردت إبراز كلّ هذه المشاعر والإحباطات، وجعلها أيضاً رسالة حبّ للعالم العربي».

يعتبر ملاط العمل بمثابة بنية للذاكرة الجماعية، وتذكير بأن فعل النظر ليس محايداً أبداً. وبهذا المفهوم تصبح رؤية «أطلس النظرة المتشابكة» كغطاء واقٍ وشبكة من «العيون» اليقظة، تُثير التأمل في مفهومي الظهور والهشاشة: من يُراقَب، ومن يُحمى، وكيف تنتقل الرموز الثقافية وتتحول عبر القرون.

قاعة العرب وفي الخلف قاعة نارسيس بمتحف «ليتون هاوس» (تصوير: سيوبان دوران)

العمل يعد ​​أول تكليف للفنان من مؤسسة فنية بالمملكة المتحدة، ويقدم من خلال برنامج «قاعة العرب: الماضي والحاضر» في المتحف، حيث ستُقدّم ثلاثة أعمال تركيبية جديدة رؤى معاصرة حول قاعة العرب، تتناول كل منها هندستها المعمارية وموادها وتاريخها المتراكم.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

«بين التراث والحاضر»...إعادة اكتشاف المسيرة التشكيلية لعبد الوهاب مرسي

يوميات الشرق عمل تجريدي تتناثر داخله أشكال هندسية وخطوط لونية متقاطعة (الشرق الأوسط)

«بين التراث والحاضر»...إعادة اكتشاف المسيرة التشكيلية لعبد الوهاب مرسي

قد تبدو أعمال التشكيلي المصري الراحل عبد الوهاب مرسي في النظرة الأولى شديدة الانشغال بعالم قديم يعرفه المصريون عبر جدران المعابد والبرديات والزخارف الإسلامية.

نادية عبد الحليم (القاهرة )
يوميات الشرق مشهد من فيلم «ماري أنطوانيت» صور في «قصر فرساي» (imdb)

بعد مرور 20 عاماً: فيلم «ماري أنطوانيت» للمخرجة صوفيا كوبولا يعود إلى «قصر فرساي»

تعود كوبولا لاستكشاف فيلم «ماري أنطوانيت» سينمائياً مرة أخرى؛ فبينما كانت تعمل على الفيلم قبل 20 عاماً، كانت هناك عين تراقب من كثب: والدتها إليانور.

لورا كابيل (باريس)
يوميات الشرق جانب من أعمال الفنان (الشرق الأوسط)

«مراحل»... معرض قاهري يراهن على التجريب وطاقة الألوان

تتعدد رهانات الفنان التشكيلي المصري مجدي عثمان في معرضه الأحدث «مراحل».

محمد الكفراوي (القاهرة)
يوميات الشرق معرض «الأبد هو الآن» يقام في منطقة الأهرامات (بوستر الدورة السادسة)

مصر: «الأبد هو الآن» يراجع مواقف فنان فرنسي متهم بدعم إسرائيل

شهدت أزمة النسخة السادسة من معرض الفن التشكيلي «الأبد هو الآن»، المقرر إقامته في منطقة أهرامات الجيزة في المدة من 4 إلى 28 نوفمبر (تشرين الثاني) تطورات متلاحقة.

رشا أحمد (القاهرة)
يوميات الشرق من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)

محمد الفرج... يحمل الأحساء في حقيبة الذاكرة إلى لندن

يعزف محمد الفرج على النغمات الأثيرة لديه، وينجح في جذب الزوار لتلك الواحة الغنية التي توّجتها الطبيعة بأشجار النخيل الباسقة.

عبير مشخص (لندن)

المصور الصحافي الفلسطيني محمود أبو حامدة يفوز بجائزة «بايو» المرموقة

الصحافي الفلسطيني المستقل محمود أبو حامدة (أ.ف.ب)
الصحافي الفلسطيني المستقل محمود أبو حامدة (أ.ف.ب)
TT

المصور الصحافي الفلسطيني محمود أبو حامدة يفوز بجائزة «بايو» المرموقة

الصحافي الفلسطيني المستقل محمود أبو حامدة (أ.ف.ب)
الصحافي الفلسطيني المستقل محمود أبو حامدة (أ.ف.ب)

فاز الصحافي الفلسطيني المستقل محمود أبو حامدة السبت بفئة التصوير الفوتوغرافي في جائزة بايو المرموقة للمراسلين الحربيين عن أعماله من غزة.

وإلى جانب الجائزة الكبرى، فاز أبو حامدة المقيم في غزة بجائزة اختيار الجمهور عن تقريره المصوّر «ما تخلّفه الحرب».

ولم يحضر الصحافي المراسم في بايو بشمال غربي فرنسا، لكنه بعث رسالة مصورة إلى الاحتفال.

كما فازت كل من صحيفة «واشنطن بوست»، و«الإذاعة الوطنية العامة» الأميركية (إن بي آر)، وشبكة «سي إن إن» بالجوائز الكبرى في فئات الصحافة المكتوبة والإذاعة والتلفزيون، عن تقارير أعدتها من أوكرانيا وقطاع غزة والضفة الغربية المحتلة على التوالي.

وكُرّم فريق صحيفة «واشنطن بوست» لسرد قصة جندي أوكراني حوصر في منطقة قتال لمدة 177 يوماً.

وفاز الصحافي الفلسطيني أنس بابا، من شبكة الإذاعة الوطنية العامة (إن بي آر)، بالجائزة الإذاعية عن تقرير تناول انتشال جثامين الضحايا في غزة.

وفاز صحافيون من شبكة «سي إن إن» بجائزتي التلفزيون وجائزة صورة الفيديو لتقريرهم عن الجنود الإسرائيليين الذين يساعدون المستوطنين في الضفة الغربية.

وفاز مصور وكالة «أسوشييتد برس» جهاد الشرافي بجائزة «المراسل الشاب» للتصوير الفوتوغرافي عن سلسلته «حرب ودمار لا ينتهيان في غزة».

وأثارت إحدى صور الشرفي التي تُظهر لاعبي كرة قدم في ملعب تحيط به الأنقاض في غزة، جدلاً في فرنسا خلال أغسطس.

وأُزيلت الصورة من مهرجان للتصوير الرياضي في دوفيل بشمال فرنسا، قبل أن تأمر محكمة بإعادتها.

وترأست لجنة تحكيم جوائز بايو مراسلة «بي بي سي» المخضرمة لايز دوسيه.


رحيل الشاعرة والرسامة اللبنانية باسمة بطولي

الشاعرة والرسامة اللبنانية باسمة بطولي (إنستغرام)
الشاعرة والرسامة اللبنانية باسمة بطولي (إنستغرام)
TT

رحيل الشاعرة والرسامة اللبنانية باسمة بطولي

الشاعرة والرسامة اللبنانية باسمة بطولي (إنستغرام)
الشاعرة والرسامة اللبنانية باسمة بطولي (إنستغرام)

رحلت الشاعرة والرسامة اللبنانية باسمة بطولي، والدة المخرج المعروف باسم كريستو. وقد نعاها ابنها ووحيدها على صفحاته الخاصة على وسائل التواصل، ناشراً صورة له برفقتها.

وكتب باسم كريستو متوجهاً لوالدته بالقول إنه سيشتاقها كثيراً، وسيشتاق لانشغال بالها عليه حين يسافر، ولابتسامتها قبل رحيلها وحين تنظر إليه وتغالب مرضها ووجعها. تلك الابتسامة التي ستبقى محفورة في عينيه وقلبه مدى الحياة.

المخرج باسم كريستو نشر صورة على مواقع التواصل برفقة والدته (وسائل التواصل)

والشاعرة باسمة بطولي لها دواوين عدة، منها: «عربات الصدى» 2009، «مع الحب حتى الموت» 1978، «مكللة بالشوق» 1996، «حين ترتدي النار عريها» 2012، «أصداء بصرية» 2013، «سلالي ومياه الوقت» 2016، و«على مقام الصِّبا والصَّبا» 2017.

ولدت في مدينة بيروت، والدها الكاتب توفيق الباطولي ووالدتها الرسامة ليندا قازان الباطولي. حصلت باسمة بطولي على إجازة تعليمية في اللغة العربية وآدابها من جامعة ليون في فرنسا، ودبلوم في الصحافة من كلية الصحافة المصرية، وخريجة دار المعلمين والمعلمات في لبنان.

عملت موظفة إدارية في وزارة التربية الوطنية، وأعدت وقدمت برامج ثقافية في تلفزيون لبنان. نشطت في الأمسيات والمهرجانات الشعرية والمؤتمرات.

وكما كتبت الشعر العمودي والتفعيلة رسمت مئات اللوحات المائية والزيتية، وشاركت بأعمالها في معارض فنية فردية وجماعية.

نالت العديد من الجوائز والتكريمات أبرزها وسام الأرز الوطني من رتبة ضابط، منحها إياه عام 2022 رئيس الجمهورية اللبنانية آنذاك، العماد ميشال عون، تقديراً لمسيرتها الإبداعية في الشعر والرسم.


«جغرافيا الوصال» مهرجان للفن المعاصر نافذة لطرابلس

ساندي شمعون تغني للشيخ إمام (مواقع التواصل)
ساندي شمعون تغني للشيخ إمام (مواقع التواصل)
TT

«جغرافيا الوصال» مهرجان للفن المعاصر نافذة لطرابلس

ساندي شمعون تغني للشيخ إمام (مواقع التواصل)
ساندي شمعون تغني للشيخ إمام (مواقع التواصل)

عشرة أيام من الفن في طرابلس (شمال لبنان) تحت عنوان «جغرافيا الوصال». وهي الدورة الثانية من «أسبوع مرسح الفني» الذي تحول إلى موعد سنوي، أشبه بنافذة لأهالي المدينة حيث يجمع بين المسرح والموسيقى والرقص والفنون البصرية، والحوارات، والتجاريب الجريئة، من التاسع وحتى الثامن عشر من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي.

إذا كان العام الماضي قد استقبل بشكل خاص فنانين من المدينة، فهو هذه السنة ينفتح على المناطق والجنسيات. وتقول مديرة «مرسح» نادين علي ديب، وهي المنظمة للتظاهرة: «إن المناطق غالباً ما ألحقت بالمركز، أما مهرجاننا هذا فيرى طرابلس جديرة بأن تكون فضاء للإنتاج والإبداع، وتبلور الطاقات، وهذا ما نحاول أن نشجعه في مركزنا ومن خلال مهرجاننا السنوي».

الفن لمواجهة القسوة

يشارك هذه المرة فنانون لبنانيون ودوليون تتناول أعمالهم مسائل تتعلق بالأرض والخيال والانتماء. وتشرح نادين: «إن الأعمال تنتمي إلى الفن المعاصر، وهو حاجة للمدينة. فالفنانون يملكون القدرة على أن يقدموا شهادات محمولة بالأخيلة في محاولة للإجابة عن صعوبات الواقع القاسي الذي نواجهه».

أمام الجغرافيا الممزقة وسرديات الحرب، يأتي الخيال والذاكرة والهوية، كطوق نجاة. هذا نراه في المعرض التشكيلي حول «الحرب والجغرافيا» الذي استضافه «مرسح» يوم الافتتاح (الجمعة)، ويستمر حتى نهاية الشهر. تسعة أعمال بصرية، منها أربعة أعمال مختارة من معرض «إحكي لي يا جنوب» الذي استقبله مركز «بيت بيروت» سابقاً. أحد هذه الأعمال هو «منطقة عازلة» لفرح برو، حيث تقارب عودة إلى قرية الأجداد، أما رباب شمس الدين في «بس قرب موسم الرمان» فتتأمل استمرار الحياة وسط الاضطراب. ويحوّل أديب فرحات في «بعد العشاء» الروايات الشفهية لأربع نساء من الجنوب إلى أرشيف حيّ حول مائدة طعام، وتبحث سما بيضون في «ما تبقى» عن العلاقة الهشّة بين الذاكرة والمكان والصورة.

ويضم المعرض أيضاً «اجتياز» لفاطمة جمعة عن الجسد والشهادة والموت، و«أورفيو والوحوش» لكارولين حاتم الذي يعيد تخيّل رحلة أورفيوس إلى العالم السفلي باللهجة اللبنانية. وتقدّم منى أيوب، الفنانة المقيمة في استوديو «مرسح»، «بين الزقاقات»، وهو جدارية نسيجية محاكة بألوان طبيعية جُمعت من نباتات أحياء طرابلس القديمة.

معرض في حمام عز الدين الأثري

معرض تشكيلي ثانٍ يفتح أمام الجمهور في حمّام عز الدين الأثري الذي يقع في سوق طرابلس القديم، في الرابع عشر من أكتوبر الحالي. حيث تعاد الحياة إلى هذا المكان الجميل بعد هجرٍ وإغلاق من خلال ثلاثة أعمال لأحمد النابلسي وريبيكا طوق بعنوان «في البدء كان الماء»، مستوحاة من يوميات الحمام. أحد الأعمال وثائقي، وثان منفذ بتقنية الواقع الافتراضي، وثالث يعتمد الصوت. تتبع ربيكا طوق في عملها الوثائقي «نهر أبو علي» وهو ينحدر من أعلى وادي قاديشا وصولاً إلى مدينة طرابلس الساحلية، حاملاً طبقات من الذكريات. هذا النهر يوحي أيضاً لأحمد النابلسي أن يصور بتقنية الواقع الافتراضي رحلة متخيَّلة تصور ما جرى محوه من خلال «شخصية أبو علي». والعمل الثالث المعروض في الحمام، مستوحى من أصوات الماء والاستحمام والحركة ويحولها إلى شكل آخر من أشكال الذاكرة. ويستمر المعرض حتى الثامن عشر من الشهر.

طوفان نهر أبو علي يوم جرف المدينة في خمسينات القرن الماضي وسيكون محور عدد من الأعمال الفنية في المهرجان (مواقع التواصل)

بالتزامن مع إطلاق المهرجان في اليوم الأول، كان المعرض الفني في «مرسح» وكذلك قدمت مسرحية «أربعون حجراً من ركام الضاحية»، للممثل والمخرج هاشم هاشم وبترا سرحال. وفي اليوم الثاني أي العاشر من الشهر قدم «عايشين»، وهو رقص معاصر لفرقة «السراب»، تلاه حفل غنائي لسندي شمعون وفرقتها حيث غنت بصوتها المتمرس أغاني للمحبوب الشيخ إمام.

ويعقد لقاء وورشة عمل يوم الأحد حول الفن والواقع الممتد وطرق جديدة للإنتاج، مع الفنانة البريطانية لارا قبيسي حيث ستكون المشاركة بعد التسجيل المسبق إلزامية.

ويوم الخامس عشر سيكون منتدى بعنوان «العمل المشترك والأطراف: إعادة صياغة منظومتنا الثقافية»، حيث يدور نقاش عملي بين العاملين في الحقل الثقافي والفنانين لتطوير بنية أكثر ترابطاً وإنصافاً بين العاصمة والأطراف. ويقدم عرض لخيال الظل بعنوان «حية نهر أبو علي». وهو الأول للفنان راشد بشناتي المقيم في استوديو «مرسح».

«جوغينغ» أخيراً في طرابلس

ويوم الجمعة 16 من الشهر الحالي حفل موسيقي للعازف والمؤلف المصري حازم شاهين. يليه يوم السبت عرض مسرحي بعنوان «جوغينغ» لحنان الحاج علي، جاب مهرجانات ونال جوائز، ولا يزال يعرض منذ عدة سنوات. ويختتم المهرجان يوم الأحد، الثامن عشر من الشهر، بمجموعة من الأفلام القصيرة تحت عنوان «الأرض امرأة» بالتعاون مع مؤسسة ريف، ثم بعرض سمعي بصري وحوار مع فراس حلاق «جلسات القبة»، يتحدث خلالها عن تسجيل موسيقي فريد قام به تحت قبة مسرح معرض رشيد كرامي، تليه حفلة لمكرم أبو الحسن وغسان سحاب.

حنان الحاج علي في مسرحية جوكينج (مواقع التواصل)

و«مرسح» هو مركز فني مستقل ومنصة للفن متعدد التخصصات، مقرّه الميناء في طرابلس. تأسس عام 2023. وتقول نادين التي تدير «مرسح» وتنظم المهرجان السنوي: «إن المركز يراكم الممارسات النقدية والأعمال المعاصرة، من شتى المدارس الفنية، وينظم الإقامات لفنانين، ينتجون أعمالهم الخاصة، بعضها مشارك في المهرجان. وهذا الأخير فسحة لنعود ونتخيل جماعياً ونترك للفنانين فسحة أمل ليقولوا بلغتهم ما نحن بحاجة إلى الاستماع إليه.» لهذا يعمل «مرسح» مع فنانين محليين بشكل خاص، ويبقى من المساحات المفتوحة القليلة في مدينة طرابلس إن لم تكن الوحيدة المتاحة لأصحاب الإبداعات لا للتعبير فقط، بل لتطوير ملكاتهم ومثاقفتها مع تجارب جديدة أخرى.