مَن تبقى من رموز «7 أكتوبر»؟

مصادرلـ«الشرق الأوسط»: المستوى السياسي في «حماس» لم يكن مطلعاً على كل تفاصيل الهجوم أو توقيته

فلسطينيون يحتفلون على ظهر دبابة إسرائيلية على الجدار العازل قرب خان يونس يوم 7 أكتوبر 2023 (أ.ب)
فلسطينيون يحتفلون على ظهر دبابة إسرائيلية على الجدار العازل قرب خان يونس يوم 7 أكتوبر 2023 (أ.ب)
TT

مَن تبقى من رموز «7 أكتوبر»؟

فلسطينيون يحتفلون على ظهر دبابة إسرائيلية على الجدار العازل قرب خان يونس يوم 7 أكتوبر 2023 (أ.ب)
فلسطينيون يحتفلون على ظهر دبابة إسرائيلية على الجدار العازل قرب خان يونس يوم 7 أكتوبر 2023 (أ.ب)

في يوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، نشرت حسابات تابعة لحركة «حماس» مقطع فيديو لقيادات بارزة فيها وكانوا في خارج قطاع غزة، وهم يؤدون «سجدة شكر»، خلال متابعتهم عبر التلفزيون مشاهد العملية التي أطلقت عليها الحركة اسم «طوفان الأقصى».

للوهلة الأولى، كان الكثيرون يعتقدون أن قيادة «حماس» اجتمعت حينها في ذلك المكتب الكبير نسبياً، لمتابعة الحدث، ولمعرفتها المسبقة بحدوثه. أثار المشهد الكثير من التساؤلات حينها، حول «التنسيق المسبق» بشأن الهجوم، خصوصاً أن أسماء كبيرة في «حماس» كانت تتقدم المشهد، مثل: إسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي للحركة آنذاك، ونائبه حينها صالح العاروري، فضلاً عن القياديين البارزين، خالد مشعل، وخليل الحية، وغيرهم.

لكنّ مصادر قيادية من «حماس» كشفت لـ«الشرق الأوسط»، عن أن أولئك الذين ظهروا في الفيديو وآخرين من قيادات الحركة لم يكونوا على اطلاع كامل على الهجوم ولم تكن لديهم معلومات عن توقيته.

وتشير المصادر إلى أن قيادات الحركة كانوا على علم بأن «كتائب القسام» ستنفذ قريباً هجوماً استباقياً منعاً لحرب إسرائيلية كان يتم التجهيز لها، وفق ما ظهر في معلومات استخباراتية حصلت عليها «القسام» من تسجيلات كانت بحوزة قوة إسرائيلية خاصة تركتها في غزة بعد كشف شبكة متخابرين مع إسرائيل ضمن تحضيرات لما عرفت حينها بـ«حملة عسكرية قصيرة».

محاولات انفتاح سياسي

المصادر تكشف أيضاً عن أن الفيديو التُقط في مكتب حركة «حماس» بتركيا، موضحةً أن «حضور كل هذه القيادات لم يكن لمتابعة الهجوم أو لمعرفتهم به، بل كان مرتبطاً بتجهزهم للسفر إلى العراق، في أول زيارة كان سيقوم بها وفد رفيع من الحركة إلى بغداد، بعد زيارة كانت قد جرت إلى لبنان، وكانت ستتبعها زيارة لعدد من الدول منها: إيران، والكويت، وسلطنة عمان، في إطار محاولات الحركة الانفتاح السياسي أكثر تجاه الدول العربية والإسلامية».

ويبدو أن مخططات قيادة حركة «حماس» في خارج قطاع غزة، كانت تقوم على توسيع العلاقات، وسط محاولات وُصفت حينها من السلطة الفلسطينية بأنها تهدف إلى وضع الحركة جسماً بديلاً للسلطة ومنظمة التحرير، وهو الأمر الذي كانت تنفيه «حماس».

لكن قيادة الحركة في غزة يبدو أنه كان لديها مخططات أخرى، لم تُفصح عنها بشكل واضح وكبير، وأبقت الأمر سراً، وهو ما قد يكون أسهم في تحقيق الهجوم هدفه آنذاك.

ماذا يحدث؟ ومَن كان يعرف؟

تكشف المصادر عن أنه في اللحظات الأولى بعد إعلان الهجوم، أجرت قيادات من «حماس» في خارج القطاع اتصالات مع مسؤولين بداخله، للسؤال عما يحدث.

وتشير المصادر إلى أن بعض مَن تلقوا السؤال حتى بين القيادات داخل غزة، ردوا: «لا نعرف» أو «لا نفهم». لكنَّ عدداً محدوداً من قيادات الداخل اضطر إلى الاختفاء بشكل مباشر، وصدرت لآخرين تعليمات قبل الهجوم بالخروج من منازلهم، والتوجه إلى مناطق آمنة محددة من الجهاز الأمني للحركة.

إسرائيليون يتفقدون بيتاً محروقاً في مستوطنة «نير عوز» التي هاجمتها «حماس» يوم 7 أكتوبر 2023 (إ.ب.أ)

وبعد نحو 20 شهراً من الحرب الإسرائيلية على القطاع، تطرح عمليات الاغتيال المتواصلة لقيادات «حماس» جنباً إلى جنب مع مشهد «السابع من أكتوبر 2023» سؤالاً حول من تبقى من رموزه، وما حدود اطّلاع كل منهم على القرار الذي غيّر ولا يزال الواقع السياسي والأمني في المنطقة.

أولاً: المستوى السياسي

بشكل عام، تقدر المصادر أن غالبية القيادة السياسية في «حماس» كانت غائبة عن تفاصيل «7 أكتوبر»، ومع ذلك فإن قيادات رفيعة في المستوى السياسي منها خالد مشعل، وموسى أبو مرزوق، ومحمود الزهار، دعمت في أحد الاجتماعات السرية أي هجوم استباقي لإحباط جولة قتال خططت إسرائيل فيها لعمليات اغتيال كانت ستنفذ ضد قيادات من «القسام»، والمستوى السياسي، وفق معلومات «حماس» حينها.

يحيى السنوار

لم يرتبط هجوم «السابع من أكتوبر» باسم شخص مثلما ارتبط بيحيى السنوار. كان الرجل على رأس الحركة في غزة حينما انطلق مقاتلو «القسام»؛ فهو مهندسه الأكبر، وإن لم يكن، وفق المعلومات، صاحب الفكرة.

كان السنوار بالتأكيد يعلم ويدير كل التفاصيل، كما حدد الدائرة المصغرة التي اطلعت على كل التفاصيل، وصدَّقت عليها.

وبسبب منحه الشرعية والاحتضان والموارد والزخم، كان يحيى السنوار المتهم الأول بالنسبة إلى إسرائيل في «7 أكتوبر».

لاحقاً، وبعد اغتيال رئيس المكتب السياسي العام إسماعيل هنية، في طهران في يوليو (تموز) 2024، خلفه السنوار في المنصب، في رسالة تحدٍّ لإسرائيل لا يمكن تجاهلها.

اللافت أن السنوار قتلته إسرائيل في أكتوبر (تشرين الأول) 2024، مصادفةً وبشكل مفاجئ خلال اشتباكات كان يُعتقد حينها أنها تجري مع مسلحين عاديين من «حماس»، ليتبين لاحقاً أن الرجل كان برفقة عناصره على جبهة قتال في حي تل السلطان غربي رفح.

إسماعيل هنية

كان رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» أحد أولئك القادة الذين خططوا لتوسيع قاعدة الحركة سياسياً من خلال الانفتاح على الدول العربية، ولكن لم يتم إطلاعه على تفاصيل الهجوم الذي تم إبلاغه من دون تفاصيل عن موعده وتوقيته وكيفيته وحجمه، وكان يعتقد ككثيرين أنه سيكون محدوداً.

إسماعيل هنية ويحيى السنوار خلال اجتماع لقادة فصائل فلسطينية في غزة عام 2017 (أ.ف.ب)

تؤكد المصادر من «حماس» أن هنية كان من الشخصيات التي تواصلت مع قيادات في غزة في أول لحظات الهجوم لمعرفة ما يجري.

اغتالت إسرائيل هنية، في طهران في يوليو 2024.

خليل الحية

كان الحية نائباً ليحيى السنوار، لكنه كالكثيرين من أعضاء المكتب السياسي بغزة، طلب منهم السنوار الخروج من غزة لمتابعة ملفات معينة، لكن لم يكن أحد يعرف حقيقة ما يخطط له، خصوصا أن من طلب منهم المغادرة ترتبط أدوراهم في الحركة بالعمل الخارجي.

خليل الحية وإسماعيل هنية ويحيى السنوار من حركة «حماس» خلال زيارة لمعبر رفح في 19 سبتمبر 2017 (رويترز)

يقول بعض المصادر إن الحية كان أكثر اطلاعاً من كثير من أعضاء المكتب السياسي على بعض التفاصيل، لكنه ليست بدقة كما كان يعلمها السنوار أو قادة الجناح العسكري، وحتى روحي مشتهى الذي كان يعد مقرباً جداً من السنوار.

ويقود الحية، حالياً المكتب السياسي لحركة «حماس»، كما أنه يقود ملف المفاوضات.

روحي مشتهى

كان أحد القلائل غير العسكريين ممن اطلعوا على تفاصيل الهجوم، لكنه لم يشارك بالتخطيط، وبلع نطاق معلومات الرجل إلى معرفة توقيته ومكانه واتساعه، وكان أيضاً أحد من نُقلوا إلى مكان آمن ليلة الهجوم.

اغتالته إسرائيل في يوليو 2024، وأُعلن لأول مرة عن ذلك من مصادر في «حماس» تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، عن مقتله في أغسطس (آب) من ذلك العام، وقُتل برفقته عضو المكتب السياسي للحركة، سامح السراج، وقيادات عسكرية أخرى.

صالح العاروري

لم يكن صالح العاروري نائب رئيس المكتب السياسي لـ«حماس»، من الشخصيات التي كانت تعرف بتفاصيل «7 أكتوبر»، وكان اطلاعه عاماً مثل هنية.

اغتالته إسرائيل في شهر يناير (كانون الثاني) 2024، بغارة استهدفته في لبنان.

نزار عوض الله

يعد نزار عوض الله، أمين سر حركة «حماس»، رجل الظل الخفي، والذي غادر قطاع غزة قبل فترة بسيطة من يوم الهجوم، لكن مصادر تؤكد أنه كان على اطلاع أوسع من غيره في المستوى السياسي على بعض التفاصيل عن الهجوم.

يقود عوض الله حالياً المفاوضات بشكل غير معلن، ويعد الرجل المفاوض العنيد كما يوصف داخل «حماس»، وكثيراً ما يضع ملاحظاته على كثير من التفاصيل التي يؤخذ بها داخل الحركة.

ثانياً: المستوى العسكري

محمد الضيف

بسبب موقعه على رأس «كتائب عز الدين القسام» الذراع العسكرية لـ«حماس» كان طبيعياً أن يكون محمد الضيف من عدة أشخاص يقفون على تفاصيل هجوم «7 أكتوبر»، لكنه مع ذلك لم يكن صاحب الفكرة.

اغتالت إسرائيل الضيف في الثالث عشر من يوليو 2024، بعد ملاحقات امتدت لعقود، تعرَّض فيها لعدة محاولات اغتيال، وأُصيب في بعضها.

كان كثيرون، ومنهم المخابرات الإسرائيلية، يعتقدون أنه تعرض لشلل نصفي جراء إحدى محاولات استهدافه، لكن تبين أن كل ذلك لم يكن صحيحاً، رغم تعرضه لإصابات خطيرة في بعض الأحيان.

محمد السنوار

يعد محمد السنوار، وهو الشقيق الأصغر ليحيى السنوار، هو المهندس الأول وصاحب فكرة «7 أكتوبر»، وأخذ تطوير الخطة على عاتقه، وعاتق شخصيات عسكرية أخرى، وبمشاورة شقيقه يحيى.

كان السنوار يمارس دور القائد التنفيذي الفعلي لـ«كتائب القسام» منذ سنوات، رغم أن مروان عيسى كان هو الرجل الثاني في الكتائب، لكنَّ محمد السنوار كان الشخصية الأكثر حضوراً وفاعلية، بالإضافة على حساسيته الأمنية الكبيرة، مما عقَّد اغتياله لعقود.

اغتيل محمد السنوار في هجوم استهدف نفقاً في منطقة الأوروبي، شرق خان يونس، قبل عدة أسابيع، ونجحت إسرائيل في الوصول إلى جثته لتحتفظ بجثمانه مع شقيقه يحيى.

مروان عيسى

كان مروان عيسى أحد أبرز مهندسي الهجوم. ظل وضعه التنظيمي في موقع الرجل الثاني في «كتائب القسام»، لكن مرض السرطان كان يهدد حياته، وكان قريباً من الموت أكثر من مرة، مما أبعده لفترات عن العمل القيادي، رغم أنه انتُخب عضواً للمكتب السياسي في آخر انتخابات داخلية جرت عام 2021.

اغتيل مروان عيسى في قصف جوي استهدف نفقاً كان بداخله أسفل الأرض بمخيم النصيرات وسط قطاع غزة في مارس (آذار) 2024.

ثالثاً: قادة الألوية

كان قادة ألوية «كتائب القسام»: أحمد الغندور قائد الشمال، وعز الدين الحداد قائد لواء غزة، وأيمن نوفل قائد لواء الوسطى، ورافع سلامة قائد لواء خان يونس، ومحمد شبانة قائد لواء رفح، ممن اطلعوا على مخطط الهجوم، وكانوا يدفعون باتجاهه، ويشرفون على تدريبات تجري في بعض الأحيان بمشاركة فصائل فلسطينية مسلحة أخرى، مثل «الجهاد الإسلامي» وغيرهم، كما أشرفوا على زيادة عمليات تصنيع القذائف المضادة للدروع والصواريخ وغيرها.

دمار بموقع استهدفته إسرائيل بالمواصي قرب خان يونس 13 يوليو الماضي في إطار عملية اغتيال قائدي «القسّام» محمد الضيف ورافع سلامة (أ.ف.ب)

فعلياً قتلت إسرائيل الغندور، ونوفل، وسلامة، في عمليات اغتيال منفصلة، فيما بقي مصير شبانة مجهولاً، ولم يؤكد بشكل حاسم ما إذا كان قد قُتل بجانب محمد السنوار في العملية الأخيرة التي طالتهم بنفق في خان يونس.

ويعد الشخص الوحيد من بين هؤلاء، الذي لا يزال تبحث عنه إسرائيل بشكل كبير، هو عز الدين الحداد، قائد لواء غزة.

يوصف الحداد في «القسام» بأنه «ثعلب»، لمكره العسكري وقدرته على التخفي جيداً، ورغم أن إسرائيل بحثت كثيراً عنه وقصفت أماكن عدة في مدينة غزة وشمالها، لكنها لم تستطع الوصول إليه.

كان الحداد في أماكن مثل أنفاق وغيرها كانت تعمل القوات الإسرائيلية فوقها أو قربها ولم تستطع الوصول إليه، كما تكشف مصادر لـ«الشرق الأوسط».

وتؤكد المصادر أن الحداد كان رغم كل الملاحقة يتواصل مع قيادات «القسام»، ويجتمع معهم من فترةً إلى أخرى، ويتجول باستمرار لمتابعة الأوضاع الميدانية، وقد قتلت إسرائيل اثنين من أبنائه، ولم يودعهما أو يشارك في جنازتهما.

وتكشف المصادر عن أنه كان يشرف بشكل مباشر على عملية صناعة قذائف «الياسين 105»، وزيادة إنتاجها قبل هجوم «السابع من أكتوبر»، والتي استخدمتها «حماس» بكثرة، في الهجوم، وكذلك خلال الحرب.

اطلاع محدود

وتوضح المصادر أن بعض القادة العسكريين ممن تم اغتيالهم، مثل قائد وحدة المدفعية أيمن صيام الذي قُتل برفقة الغندور، وبعض القيادات الأخرى من وحدات مختلفة، وبعض أعضاء المجلس العسكري من التخصصات (بعضهم قُتل، وأُسر واحد على الأقل منهم)، وبعض قادة الكتائب الذين أيضاً قُتلوا عدا اثنين منهم كانوا على اطلاع محدود على مهام معينة، ولم يكن لديهم علم بكامل التفاصيل عن الهجوم.

وتؤكد المصادر أن بعض العناصر العسكرية في «القسام» لم يعرف التوقيت إلا في ليلة الهجوم عندما تم استدعاؤهم للمهمة، وسُحبت منهم هواتفهم ونُقلوا إلى أماكن آمنة للاطلاع على التفاصيل الأخيرة وبدء التنفيذ.


مقالات ذات صلة

نتنياهو للمحكمة العليا: لن نحقق حالياً في 7 أكتوبر

شؤون إقليمية إسرائيليون يتفقدون في مارس 2023 بيتاً في مستوطنة نير عوز التي هاجمتها «حماس» في 7 أكتوبر 2023 (إ.ب.أ) p-circle 03:28

نتنياهو للمحكمة العليا: لن نحقق حالياً في 7 أكتوبر

رغم الطلبات الرسمية والشعبية، رفضت الحكومة الإسرائيلية في اجتماعها الأسبوعي تشكيل لجنة تحقيق رسمية في إخفاقات 7 أكتوبر 2023.

نظير مجلي (تل أبيب)
شؤون إقليمية جندي إسرائيلي أمام مركز للشرطة تعرض لأضرار خلال معارك لطرد مقاتلي «حماس» الذين كانوا متمركزين داخله في أكتوبر 2023 (أ.ف.ب) p-circle 02:14

«جثث منسية واختباء وهروب»... تحقيق جديد عن أداء الجيش الإسرائيلي في «7 أكتوبر»

كشف تحقيق جديد أجراه الجيش الإسرائيلي ونشره، اليوم الأحد، حول المعركة التي دارت على شاطئ وكيبوتس زيكيم قرب غزة، مع مجموعة من جنود البحرية التابعين لحركة «حماس»

نظير مجلي (تل أبيب)
شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي حينها يوآف غالانت في قاعدة عسكرية بالقرب من متسبيه رامون بإسرائيل 31 أكتوبر 2024 (رويترز) p-circle 33:25

نتنياهو يتلافى تحقيقاً عن تسبب سياساته في «7 أكتوبر»

يسعى بنيامين نتنياهو للتهرب من التحقيق بشأن المسؤولية السياسية عن إخفاقات 7 أكتوبر (تشرين الأول)؛ لذا فتح جبهة حرب جديدة ضد رئيس جهاز «الشاباك»، رونين بار

نظير مجلي (تل أبيب)
خاص صورة تعود لعام 2012 تجمع بين قياديَّي «حماس» إسماعيل هنية وخالد مشعل في غزة (غيتي)

خاص هل تلجأ «حماس» إلى خيار «القيادة الجماعية»؟

دفع اغتيال إسرائيل الأمين العام لـ«حزب الله» اللبناني حسن نصر الله، الحزب إلى خيار «القيادة الجماعية» لتلافي الاغتيالات الإسرائيلية؛ فهل هذا وراد لدى «حماس»؟

كفاح زبون (رام الله)
خاص مخيم نازحين في دير البلح عند شاطئ غزة (أرشيفية - أ.ب) p-circle 03:28

خاص غزة... تاريخ من المواجهات والحروب قبل السابع من أكتوبر

ليس «طوفان الأقصى» الحرب الأولى التي يشهدها قطاع غزة الذي يعيش حروباً شبه متواصلة منذ نحو 4 عقود

كفاح زبون (رام الله)

غياب فعاليات «يوم القدس» في غزة

أطفال فلسطينيون يشاركون في صلاة الجمعة فوق أنقاض مسجد الطالباني الذي دمره القصف الإسرائيلي خلال الحرب في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
أطفال فلسطينيون يشاركون في صلاة الجمعة فوق أنقاض مسجد الطالباني الذي دمره القصف الإسرائيلي خلال الحرب في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

غياب فعاليات «يوم القدس» في غزة

أطفال فلسطينيون يشاركون في صلاة الجمعة فوق أنقاض مسجد الطالباني الذي دمره القصف الإسرائيلي خلال الحرب في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
أطفال فلسطينيون يشاركون في صلاة الجمعة فوق أنقاض مسجد الطالباني الذي دمره القصف الإسرائيلي خلال الحرب في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

لُوحظ للعام الثالث على التوالي، ولأول مرة منذ توقف الحرب في قطاع غزة، غياب فعاليات «يوم القدس العالمي» التي اعتادت حركتا «حماس» و«الجهاد الإسلامي» بشكل خاص الدعوة إليها في أنحاء القطاع، وحتى في بعض دول الخارج، في آخر جمعة من شهر رمضان، تلبيةً لدعوة كان قد خصّصها المرشد الإيراني الأسبق «روح الله الخميني» بهذا الشأن عام 1979.

واعتادت «حماس» و«الجهاد الإسلامي» بمشاركة فصائل فلسطينية صغيرة ممولة من إيران، تنظيم مسيرات، وفي بعض الأحيان مهرجانات في مثل هذا اليوم، تتضمّن إفطاراً جماعياً لقيادات من تلك الفصائل، بحضور نشطاء منها، وكذلك عوائل قتلى وجرحى وأسرى فلسطينيين.

فلسطينيون يؤدون صلاة الجمعة في باحة مدرسة صباح الدين التي تحولت إلى ملجأ للنازحين في مدينة غزة (د.ب.أ)

ولُوحظ غياب تام لهذه المشاهد داخل قطاع غزة. كما لُوحظ أن فعاليات أخرى غابت عن المشهد تكون في العادة بسيطة وصغيرة تشرف على تنظيمها مؤسسات ممولة من إيران، إلا أن هذا العام ورغم توقف الحرب غابت، مع أن ترجيحات أشارت إلى إمكان حصول نشاطات في هذه المناسبة.

وحسبما رصدت «الشرق الأوسط»، فإن هناك تراجعاً بشكل كبير أيضاً في عملية نشر «البوسترات» المطبوعة في الشوارع بمناسبة «يوم القدس العالمي». كما اعتادت هيئات وجهات مختلفة منها «حماس» و«الجهاد الإسلامي» ومؤسسات ممولة إيرانياً، طباعتها ووضعها في مفترقات رئيسية بالقطاع، في حين رُصد بعض الصور بشكل محدود في بعض المناطق.

ولجأ بعض المحسوبين على نشاط مؤسسات مدعومة من إيران إلى نشر «هاشتاغات» عبر شبكات التواصل الاجتماعي، ودعوات داخل مجموعات خاصة، تدعو إلى إحياء هذا اليوم عبر تلك الشبكات، من خلال فواصل إعلامية وبوسترات و«ستوريهات» تم تصميمها لهذا الشأن، تحت عنوان «توحيد الهوية البصرية» في كل الميادين الرقمية، كما وصفتها.

فلسطينيون يؤدون صلاة الجمعة وسط أنقاض مسجد أحمد ياسين الذي دمره القصف الإسرائيلي خلال الحرب في مخيم النصيرات للاجئين في وسط غزة (د.ب.أ)

وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر فصائلية مختلفة، أن الوضعين الأمني والسياسي الحاليين منعا تنظيم أي مظاهرات في قطاع غزة، وتخصيص أي أموال يمكن أن تُصرف على مثل هذه المسيرات أو أي مهرجانات وفعاليات أخرى لدعم السكان في القطاع، خصوصاً أن الأوضاع الإنسانية ما زالت تتفاقم.

ووفقاً لتلك المصادر، فإن هناك خشية من أن تستخدم إسرائيل تلك المسيرات لرصد بعض النشطاء الذين قد يشاركون فيها ثم تغتالهم، وهذا أمر وارد في ظل استمرار الملاحقة الإسرائيلية لهم، مشيرةً إلى أن هذا الاعتبار حاضر باستمرار لدى قيادات الفصائل.

ولا تخفي مصادر أخرى أن الأزمات المالية التي تعاني منها الفصائل، خصوصاً الممولة من إيران مثل «الجهاد الإسلامي»، وفصائل أصغر منها، أثرت لديها على تنظيم احتفالات أو إفطارات جماعية، وهو الحال نفسه الذي طال المؤسسات والجهات الخيرية وغيرها التي تدعمها إيران وتعاني أزمات مالية كبيرة، أثرت حتى على توزيعها للمساعدات في القطاع.

وتؤكد مصادر متطابقة، أن الموازنات المالية المتوفرة لدى المؤسسات واللجان الخيرية الممولة من إيران لم تعد تخدم أي مشروعات من هذا القبيل، وبالكاد تكفي لبعض الاحتياجات لتقديم مساعدات إنسانية محدودة.

واكتفت الفصائل الفلسطينية بإصدار بيانات بمناسبة «يوم القدس العالمي»، مؤكدةً فيها أهمية دعم مدينة القدس والتصدي للمخططات الإسرائيلية بالمنطقة أكملها، داعيةً الأمة العربية والإسلامية إلى مزيد من التماسك.

Your Premium trial has ended


إسرائيل تسجل سابقة باغتيال أستاذين داخل حرم الجامعة اللبنانية

الدخان يتصاعد جراء استهداف حرم الجامعة اللبنانية في منطقة الحدت على أطراف الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء استهداف حرم الجامعة اللبنانية في منطقة الحدت على أطراف الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تسجل سابقة باغتيال أستاذين داخل حرم الجامعة اللبنانية

الدخان يتصاعد جراء استهداف حرم الجامعة اللبنانية في منطقة الحدت على أطراف الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء استهداف حرم الجامعة اللبنانية في منطقة الحدت على أطراف الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)

أثار استهداف مسيّرة إسرائيلية لحرم الجامعة اللبنانية في منطقة الحدت قرب بيروت، ومقتل أستاذين، صدمة واسعة في الأوساط الأكاديمية والسياسية في لبنان، وفتح نقاشاً حول طبيعة الضربة وما إذا كانت استهدافاً مباشراً للحرم الجامعي أم عملية موجّهة ضد شخص محدد، فيما اتهمت تل أبيب أحدهما بأنه «دكتور أكاديمي في الصباح وإرهابي في (حزب الله) في المساء».

ووقعت الغارة بعد ظهر الخميس داخل مجمّع رفيق الحريري الجامعي في الحدت، وهو أكبر مجمّعات الجامعة اللبنانية، ما أدى إلى مقتل مدير كلية العلوم-الفرع الأول الدكتور حسين بزي والدكتور مرتضى سرور. وتشير المعطيات الأولية إلى أن الضربة استهدفتهما أثناء وجودهما في باحة المبنى، ما أدى إلى مقتلهما على الفور.

دمار واسع ناتج عن غارات إسرائيلية استهدفت منطقة المريجة بالضاحية الجنوبية لبيروت وتبدو صورة القيادي السابق في «حزب الله» فؤاد شكر (أ.ف.ب)

ويعد هذا الحادث من أبرز الوقائع التي طالت مؤسسة تعليمية رسمية في لبنان منذ اندلاع المواجهات الحالية، الأمر الذي أثار تساؤلات حول توسع نطاق الضربات لتشمل مرافق مدنية وأكاديمية.

الرواية الإسرائيلية

في المقابل، قال المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي إن الضربة استهدفت مرتضى حسين سرور، الذي وصفه بأنه عنصر في «الوحدة الجوية التابعة لحزب الله (الوحدة 127)». واعتبر أن سرور كان «شخصية بارزة ومركز معرفة في مجال تصنيع الوسائل القتالية». وأشار في تغريدة على حسابه على منصة «إكس» إلى أن سرور «شقيق محمد حسين سرور، قائد الوحدة الجوية في (حزب الله) الذي قُتل في عملية سابقة»، مضيفاً أن الأخير كان يعمل أيضاً «محاضراً في مجال الكيمياء في الجامعة اللبنانية في بيروت».

وأضاف أدرعي أنه إلى «جانب نشاطه في (حزب الله) كان المدعو مرتضى حسين سرور يعمل محاضراً في مجال الكيمياء في الجامعة اللبنانية في بيروت. مثله هناك العديد من العناصر الآخرين الذين إلى جانب نشاطهم في (حزب الله) كمراكز معرفة في مجالات الإنتاج يعملون أيضاً كمحاضرين في جامعات لبنانية مختلفة». وقال: «تعمل جهات تصنيع الوسائل القتالية التابعة لـ(حزب الله) في مواقع مختلفة داخل لبنان بهدف زيادة استقلالية (حزب الله) في تزويد نفسه بوسائل القتال».

دلالات خطيرة

وفي قراءة أولية للحادثة، قال العميد المتقاعد خليل الحلو في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إن المعلومات المتداولة تفيد بأن «العميد حسين بزي كان برفقة مساعده داخل مكتبه بعد انتهاء الدوام وعند خروجهما من المبنى وتوجّههما إلى السيارة في باحة الكلية، استهدفتهما مسيّرة، ما أدى إلى إصابتهما مباشرة».

ورأى الحلو أن طبيعة الضربة توحي بأن الهدف كان شخصاً، قائلاً: «المؤشرات تدل على أن الاستهداف كان موجهاً لشخص محدد، وليس للجامعة أو للمبنى، إذ لم تسجل أضرار كبيرة في الحرم. لو كان الهدف تدمير المنشأة لكانت الضربة مختلفة تماماً».

آثار الدمار الناتج عن قصف إسرائيلي استهدف منطقة زقاق البلاط في بيروت (رويترز)

وأشار إلى أن مثل هذا النوع من العمليات يعتمد عادة على معلومات استخبارية دقيقة، مضيفاً: «عندما يجري استهداف شخص بهذه الطريقة، فهذا يعني أن لدى الجهة المنفذة معلومات مسبقة عنه وعن تحركاته».

واعتبر الحلو أن المسألة تحمل دلالات خطيرة إذا ثبت أن الاستهداف كان شخصياً، قائلاً: «إذا كان الأمر كذلك، فهذا يوجّه رسالة بأن أي شخصية في الدولة اللبنانية، مدنية كانت أم عسكرية، يمكن أن تصبح هدفاً، معتبراً أنّ ما جرى «لا ينبغي الاستهانة به»، مضيفاً أن «الاستهدافات من هذا النوع تعكس سقفاً مرتفعاً في قواعد الاشتباك، حيث يمكن ضرب الهدف أينما وجد إذا اعتُبر ذا أهمية».

إدانات رسمية

وأثارت الضربة ردود فعل رسمية واسعة في لبنان. فقد دان الرئيس اللبناني جوزيف عون الاعتداء الذي طال الجامعة اللبنانية، معتبراً أنه «جريمة مدانة بكل المقاييس وانتهاك صارخ للقوانين والأعراف الدولية».

وأجرى عون اتصالاً برئيس الجامعة اللبنانية بسام بدران مقدماً التعازي، ومؤكداً أن استهداف كلية العلوم يمس «هذا الصرح التربوي الوطني الذي يجمع شباب لبنان من مختلف انتماءاتهم». بدوره، اتصل رئيس الحكومة نواف سلام برئيس الجامعة معزياً، ومستنكراً الاستهداف الذي اعتبره «انتهاكاً صارخاً للقوانين والأعراف الدولية التي تحظر استهداف المؤسسات التعليمية والمدنيين».

موقف الجامعة ووزارة التربية

من جهتهما، نعت وزارة التربية والتعليم العالي والجامعة اللبنانية الأستاذين بزي وسرور، معتبرة أن استهداف مجمّع رفيق الحريري الجامعي أثناء قيامهما بواجبهما الأكاديمي هو «اعتداء صارخ على رسالة العلم وعلى العقل والذاكرة الجماعية للأمم».

ورأت الوزارة والجامعة، في بيان مشترك، أن هذا الاعتداء «يشكّل جريمة حرب مكتملة الأركان»، مشيرتين إلى أن القانون الدولي الإنساني ينص بوضوح على حماية المؤسسات التعليمية والثقافية ويجرّم الاعتداء عليها تحت أي ظرف. ودعا البيان الهيئات الدولية والأممية إلى التحرك لحماية المؤسسات التعليمية وصون حرمة الحرم الجامعي.

وفي خضم تداول معلومات وصور على وسائل الإعلام ومنصات التواصل، أوضحت رئاسة الجامعة اللبنانية «أن صورة جرى تداولها للدكتور حسين بزي إلى جانب أحد مسؤولي (حزب الله) منقولة عن موقع إسرائيلي وهي غير دقيقة»، مؤكدة أن الادعاء بأن الشخص الظاهر في الصورة هو بزي غير صحيح.


«القرض الحسن» في مرمى الاستهداف الإسرائيلي

حاكم مصرف لبنان كريم سعيد مجتمعاً مع رئيس الحكومة نواف سلام للبحث في الآثار الاقتصادية العامة للحرب الدائرة في لبنان وتداعياتها على الأوضاع المالية والنقدية في البلاد (رئاسة الحكومة)
حاكم مصرف لبنان كريم سعيد مجتمعاً مع رئيس الحكومة نواف سلام للبحث في الآثار الاقتصادية العامة للحرب الدائرة في لبنان وتداعياتها على الأوضاع المالية والنقدية في البلاد (رئاسة الحكومة)
TT

«القرض الحسن» في مرمى الاستهداف الإسرائيلي

حاكم مصرف لبنان كريم سعيد مجتمعاً مع رئيس الحكومة نواف سلام للبحث في الآثار الاقتصادية العامة للحرب الدائرة في لبنان وتداعياتها على الأوضاع المالية والنقدية في البلاد (رئاسة الحكومة)
حاكم مصرف لبنان كريم سعيد مجتمعاً مع رئيس الحكومة نواف سلام للبحث في الآثار الاقتصادية العامة للحرب الدائرة في لبنان وتداعياتها على الأوضاع المالية والنقدية في البلاد (رئاسة الحكومة)

تتعرَّض مؤسسة «القرض الحسن» المرتبطة بـ«حزب الله» لحملة عسكرية ممنهجة في إطار استراتيجية إسرائيلية، قديمة جديدة، تهدف إلى تقويض البنية الاقتصادية للحزب وتجفيف مصادر تمويله. فبعد أن كانت المؤسسة هدفاً للضربات خلال حرب 2024 بين إسرائيل و«حزب الله»، عادت لتتصدر قائمة الأهداف في الحرب الحالية، فيما تبدو محاولةً لإنهاء دورها بشكل كامل بعد أن نجحت في استئناف عملها عقب الحرب السابقة.

حملة مستمرة

إضافة إلى الضغوط السياسية والعقوبات طوال السنوات الماضية، كان قد عمد الجيش الإسرائيلي خلال حرب 2024 إلى استهداف فروع المؤسسة في بيروت والبقاع وجنوب لبنان، بحيث بات استهدافها جزءاً من مواجهة متعددة المستويات، تشمل الضربات العسكرية، والعقوبات المالية، والضغوط السياسية.

وخلال حرب الـ66 يوماً، تعرَّضت غالبية فروع المؤسسة لغارات إسرائيلية، ورغم ذلك فإن المؤسسة تمكَّنت من استئناف نشاطها بعد وقف إطلاق النار، واستمرَّت في تقديم خدماتها المالية، بل استخدمها الحزب أيضاً في توزيع مساعدات وتعويضات على المتضررين من الحرب عبر شيكات باسمه. كما حاول أيضاً الالتفاف على العقوبات عبر ما اسماها «مؤسسة جود»؛ لاستخدامها للأهداف المالية نفسها، لكن في شهر فبراير (شباط) الماضي عادت وفرضت الولايات المتحدة عقوبات عليها قائلة إنها تُستخدَم لضمان تدفق الأموال لـ«حزب الله» من إيران.

محاولة للقضاء الكامل عليها

وفي الحرب الحالية، كثَّفت إسرائيل هجماتها على المؤسسة بشكل ممنهج، وأعلن الجيش الإسرائيلي بشكل واضح أن كل فروع «القرض الحسن» ستكون هدفاً بالنسبة إليه، وهو ما نفَّذه في الضربات التي استهدفت معظم المباني التي توجد فيها «القرض الحسن». وهذا الأمر بات يشكِّل هاجساً بالنسبة إلى السكان، لا سيما أن مكاتبها تتوزَّع في مبانٍ يقطنها مدنيون، وهو ما دفع الأهالي إلى إزالة الاسم عن أحد المباني في صيدا؛ خوفاً من الاستهداف.

ومن الواضح أن الجيش الإسرائيلي لم يعد فقط يلاحق «القرض الحسن»، إنما مراكز تخزين الأموال، بحسب ما أعلن المتحدث باسمه أفيخاي أدرعي، يوم الخميس، عند استهداف مبنى في منطقة الباشورة القريبة من وسط بيروت. وقال: «إن حزب الله أخفى تحت المبنى المدني ملايين الدولارات لتمويل أنشطته الإرهابية»، مشيراً إلى أنه «كان يحرسه مسلحون، وكان الوصول إلى هذا المستودع يتم عبر موقف السيارات».

وبينما لم تنجح الضربات الإسرائيلية في عام 2024 في تدمير «مصرف حزب الله المركزي»، يبدو من الواضح أن إسرائيل التي تعدّ أن الجمعية «تُشكِّل عنصراً مركزياً في تمويل نشاط حزب الله، وتضر بالاقتصاد اللبناني؛ خدمةً لمصالح إيرانية»، تسعى هذه المرة إلى إضعافها بشكل جذري، في محاولة لحرمان الحزب من أحد أهم مصادر قوته الاقتصادية والاجتماعية في لبنان، بحيث تعمد إلى تدميرها بشكل كامل.

تجفيف الموارد عملية طويلة ومعقدة

لكن، ورغم ذلك، فإن الكاتب والباحث في الشؤون الماليَّة والاقتصاديَّة البروفسور مارون خاطر يستبعد إمكانية القضاء على «القرض الحسن» بشكل كامل. ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «تؤكد التجارِب أن مثل هذه الشبكات قادرة في كثير من الأحيان على إعادة التكيُّف والبحث عن قنوات بديلة، ما يجعل مسار تجفيف الموارد عمليةً طويلةً ومعقّدةً. لذلك، يَصعب الجزم بأن الضربات التي تلقاها (القَرض الحَسَن) أدت إلى انهيار كامِل لمنظومة الحِزب الماليَّة؛ وذلك لأسباب تتعلَّق بهذه الجمعية نفسها وبتنوع مصادر التمويل التي تشير التَّقارير الدَّولية إلى استعمالها من قِبَل الحِزب».

المبنى الذي تعرَّض للقصف الإسرائيلي في منطقة الباشورة القريبة من وسط بيروت يوم الخميس وقال الجيش الإسرائيلي إن «حزب الله» يخزِّن تحته الأموال (الشرق الأوسط)

ويوضح خاطر: «القَرض الحسن، رغم الضغوط، يستند إلى شبكة اجتماعية واسعة من المودعين والمُقترضين الذين يَستخدمون خدماته بديلاً عن النظام المصرفي التقليدي حَتَّى قبل انهياِره عملياً منذ عام 2019. منحته هذه القاعدة الاجتماعية، بالإضافة إلى الغطاء السياسي والأمني، قدرة معينة على الصمود، ولو ضمن نطاق محدود، كما مَنَحَته حتَّى الآن هامشاً لإعادة تنظيم نشاطه كلما تعرَّض لضربة».

مصير الأموال مجهول

ويؤكد خاطر: «من السذاجة بمَكان اعتبار القرض الحسن المصدر الوحيد لتمويل الحزب»، مضيفاً «التقديرات المتداولة لدى مراكز الأبحاث والمؤسسات الدوَليَة تشير إلى أنَّ تَمويل الحزب يَقوم على مَزيج من المَصادِر: دَعم خارجي، شَبكات اقتصاديَّة محلية، تبرعات، إضافة إلى أنشطة مالية وتجارية مختلفة. كما يُعتقد أن بعض الموارد تمر عبر أفراد أو مؤسسات خاصة قد لا تزال خارج نطاق الرقابة الكاملة، سواء داخل لبنان أو خارجه. ولهذا السبب، يبقى من الصعب تحديد الحجم الحقيقي للثروة التي راكَمَها الحِزب خِلال العُقود الماضِية، أو معرفة ما آل إليه جزء من هذه الأموال أو من احتياطاته من الذهب أو الأصول الأخرى».

نظام مصرفي موازٍ... وتضييق داخلي وخارجي

وكانت قد تأسَّست مؤسسة «القرض الحسن» عام 1983، وتملك أكثر من 30 فرعاً في لبنان، موزعة على بيروت والجنوب والبقاع؛ حيث تعتمد شريحة واسعة من الجمهور عليها للحصول على قروض صغيرة، أو سيولة مالية مقابل رهن الذهب أو الممتلكات.

جانب من المبنى الذي تعرَّض لقصف إسرائيلي في منطقة الباشورة وقال الجيش الإسرائيلي إن «حزب الله» يخزِّن تحته الأموال (الشرق الأوسط)

ومع تفاقم الأزمة المالية اللبنانية منذ عام 2019، توسَّع دور المؤسسة الذي يشبه «النظام المصرفي الموازي» للحزب، وبينما علّقت المصارف منح القروض كانت «القرض الحسن» تتباهى بمنح 212 ألف قرض بقيمة إجمالية بلغت 553 مليون دولار في عاميَ 2020 و2021. وفي عام 2007 جمَّدت الخزانة الأميركية أصول «القرض الحسن»، وفرضت في عام 2021 عقوبات جديدة على عدد من الشخصيات المرتبطة بها، واتهمت الجمعية «بتجميع» العملات الأجنبية لـ«تمكين حزب الله من بناء قاعدة داعمة له». وتضيف الخزانة أن الجمعية «وفي حين أنها تدعي خدمة الشعب اللبناني، فإنها في الواقع تقوم بتحويل الأموال بشكل غير قانوني عبر حسابات وهمية ووسطاء، ما يعرِّض المؤسسات المالية اللبنانية لعقوبات محتملة».

كما أصدرت السلطات اللبنانية بدورها إجراءات تضييق إضافية، إذ طلب مصرف لبنان عام 2025 من المصارف والمؤسسات المالية عدم التعامل مع جهات غير مرخصة وخاضعة للعقوبات، ومن بينها «القرض الحسن».