«جثث منسية واختباء وهروب»... تحقيق جديد عن أداء الجيش الإسرائيلي في «7 أكتوبر»

TT

«جثث منسية واختباء وهروب»... تحقيق جديد عن أداء الجيش الإسرائيلي في «7 أكتوبر»

جندي إسرائيلي أمام مركز للشرطة تعرض لأضرار خلال معارك لطرد مقاتلي «حماس» الذين كانوا متمركزين داخله في أكتوبر 2023 (أ.ف.ب)
جندي إسرائيلي أمام مركز للشرطة تعرض لأضرار خلال معارك لطرد مقاتلي «حماس» الذين كانوا متمركزين داخله في أكتوبر 2023 (أ.ف.ب)

خلص تحقيق جديد أجراه الجيش الإسرائيلي ونشره، الأحد، بشأن المعركة التي دارت على شاطئ وكيبوتس زيكيم قرب غزة، بين عناصره ومقاتلين تابعين لحركة «حماس» خلال هجوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، إلى أن أداء جنوده «كان ضعيفاً بشكل مريع»، إلى درجة أنهم «هربوا من وجه المهاجمين»، وأن أحد المكلفين بمهمة حيوية كان مختبئاً، بينما نسي آخرون 7 جثث لزملائهم لمدة أسبوع كامل بعد مقتلهم.

ووصف التحقيق أداء الجيش الإسرائيلي بأنه «فشل أخلاقي ومهني هائل»، منبهاً إلى أن المعركة التي دارت في زيكيم تمت السيطرة عليها فقط عندما قررت فرقة من الأسطول البحري الإسرائيلي خرق التعليمات المعطاة لها، وحضرت إلى المكان واشتبكت مع مقاتلي «حماس» لتنقذ المكان وسكانه.

فلسطينيون يحتفلون فوق دبابة إسرائيلية مدمرة يوم 7 أكتوبر 2023 (رويترز)

ويأتي التحقيق بشأن المعارك في منطقة زيكيم، ليضاف إلى سلسلة تحقيقات يجريها الجيش وبقية الأجهزة الأمنية لأغراض داخلية لتعلم الدروس من الأخطاء عن مواقع طالها هجوم 7 أكتوبر، أو ما عُرف بـ«طوفان الأقصى»، بينما لا تزال الحكومة الإسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو ترفض إجراء تحقيق شامل وموسع.

تستر وإطراء

وبينما يتحفظ كثير من الإسرائيليين وخبراء وصحافيون على التحقيقات، ويتهمون الجيش بالتستر على كثير من الإخفاقات وعدم معاقبة المخفقين؛ إلا أنهم في الوقت نفسه يشيدون بقادة الأجهزة الأمنية على مجرد القيام بالتحقيق.

والسبب في هذا الإطراء أن القيادة العسكرية تتحمل المسؤولية عن أخطائها وتحاسب نفسها، على عكس القيادة السياسية التي تتهرب من المسؤولية وترفض إقامة لجنة تحقيق رسمية.

والحكومة، التي ستجري هذا الأسبوع مداولات حول إقامة لجنة تحقيق رسمية، تفعل ذلك بأمر من المحكمة العليا، بينما تسعى لمداولات لتتهرب من إقامة لجنة تحقيق.

وخلال هجوم «حماس» في 7 أكتوبر، تمكن مقاتلو الحركة من احتلال 11 موقعاً عسكرياً و22 بلدة، وقتلوا نحو 1200 إسرائيلي وخطفوا 251 آخرين.

وبين المناطق التي هاجمتها عناصر «حماس» بلدة زيكيم، التي دخلوها عبر البحر بواسطة قوارب صغيرة ودراجات بحرية.

مواجهات متكافئة... وقيادة ضعيفة

وبحسب تحقيق الجيش، فقد ظهر «تباين مقلق في تناول الأحداث بين مستوطنة (نتيف هعسرة)، القريبة من شاطئ زيكيم، وما جرى على الشاطئ وفي كيبوتس زيكيم». وأشار التحقيق إلى أنه «في كلتا الحادثتين، لم يكن هناك تفوق عددي ملحوظ؛ بل كانت المواجهات متكافئة من حيث العدد بين الجنود الإسرائيليين ومقاتلي وحدة النخبة في (حماس)». ومع ذلك «كانت القوات الإسرائيلية محدودة العدد، وتحت قيادة ميدانية ضعيفة، حيث تولى زمام الأمور قائد فرقة تواصل مع جنوده عبر جهاز لاسلكي، واتخذ قرارات عملياتية خاطئة على الأرض».

واتهم التحقيق القيادة الميدانية العسكرية للمنطقة بأنها «اتسمت بالتراجع وعدم المبادرة إلى الاشتباك المباشر مع المقاتلين الفلسطينيين، ما تسبب في أداء عسكري ضعيف لم يرتقِ إلى مستوى التحدي، سواء في (نتيف هعسرة) أو على شاطئ زيكيم».

وفي الحالتين، كشفت التحقيقات عن «إخفاقات مبكرة صادمة، لم تكن ناتجة عن أداء الجنود في الميدان، بل تعود إلى الضباط المسؤولين عن القطاع، خصوصاً أولئك التابعين للواء الشمالي في فرقة غزة. ورغم حجم الفشل، لم تتم محاسبة أي من القادة، ولم يُتخذ بحقهم أي إجراء تأديبي أو إداري».

مسؤول الاتصالات مختبئ

ومن بين ما تم الكشف عنه في تحقيق معركة شاطئ زيكيم، أن التعليمات التي صدرت لقائد السرية المسؤولة عن القطاع كانت مثيرة للدهشة، إذ طُلب منه، في حال حدوث إنذار، أن يغادر مقر السرية ويتجه مباشرة إلى الملجأ، ما يعكس مستوى الارتباك وضعف الجاهزية في صفوف القيادة.

وقال التحقيق: «طوال 9 دقائق حاسمة أعقبت بدء الهجوم المفاجئ في الساعة 6:29 صباحاً من يوم 7 أكتوبر، وهي فترة قصيرة زمنياً لكنها حاسمة ميدانياً، غاب الجندي المسؤول عن تلقي الاتصالات اللاسلكية ونقل المعلومات الحيوية».

ونبه التحقيق إلى أنه «كان من المفترض بالجندي تلقي البلاغات حول ما يجري في الميدان، والإبلاغ عن عمليات التسلل، وتنسيق التواصل بين الكتيبة والوحدات المختلفة، لكنه لم يكن في موقعه داخل مقر السرية... بل كان مختبئاً داخله، عاجزاً عن أداء دوره في لحظة فارقة».

نسيان جثث

وأظهرت تحقيقات الجيش الإسرائيلي أن السرية نفسها التابعة للواء غولاني، كانت متورطة في الحادثتين، حيث تعمل تحت قيادة الكتيبة المدرعة 77.

وقد شابت هذه القضايا إخفاقات واضحة منذ بداياتها، وفي أثناء المعارك التي خاضها اللواء الشمالي ضمن فرقة غزة، ارتكبت أخطاء إضافية، كان من أبرزها حادثة تمثلت في نسيان جثث 7 جنود إسرائيليين داخل ملجأ على الشاطئ لمدة أسبوع كامل، وذلك بعد أن قُتلوا نتيجة استهدافهم بقاذفة قنابل وإطلاق نار كثيف.

مسلحون فلسطينيون يحملون تابوتاً لجثة رهينة إسرائيلي قبل تسليمه للصليب الأحمر في خان يونس (أرشيفية - أ.ف.ب)

ورغم هذه الإخفاقات، لم يتخذ الجيش الإسرائيلي أي إجراءات عقابية ضد الضباط المسؤولين، وذلك بقرار مدروس ووفقاً للنهج الذي تبناه رئيس الأركان السابق، هرتسي هاليفي.

هروب من المواجهة

ومن بين أكثر اللحظات التي سلط عليها التحقيق الضوء في حادثة شاطئ زيكيم، برز مشهد مروّع بشكل خاص، حين أقدم 6 مقاتلين من لواء غولاني على مغادرة موقعهم في موقف سيارات قرب الشاطئ، قبل أن يتراجعوا ويهربوا فعلياً بعد أن رصدوا نحو 10 مقاتلين من حركة «حماس» على مقربة منهم، لا تفصل بينهم سوى عشرات الأمتار.

وأوضح التحقيق أن جنود لواء غولاني كان يفترض أن يشكلوا حاجزاً يفصل بين مقاتلي «حماس» والمدنيين الذين احتموا في المراحيض والملاجئ على الشاطئ؛ إلا أن انسحاب الجنود من موقعهم سمح لمقاتلي وحدة النخبة التابعة لـ«حماس» بتنفيذ هجوم دموي، أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 14 إسرائيلياً من أصل 17 كانوا في المنطقة.

وأشار الجيش إلى أن الجنود «لم يبدوا الشراسة المتوقعة منهم في مثل هذه الظروف»، وعدّ ذلك إخفاقاً كبيراً، إذ «يُفترض بالجنود في مواقف كهذه أن يواجهوا العدو ويتقدموا في القتال، حتى إن كان الثمن حياتهم».

تدخل أنقذ الموقف

وأشار الجيش الإسرائيلي إلى أن «مقاتلي (حماس) استغلوا انسحاب عناصر وحدة غولاني للاستيلاء على مركبة تركوها خلفهم، ثم استخدموها للتوجه إلى كيبوتس زيكيم. لكنّ مراقباً من البحرية رصد الحادثة بسرعة، واتخذ إجراءات فورية، حيث استدعى قائد كيبوتس زيكيم الذي تفاعل فوراً مع الوضع، مجهزاً أعضاء فريقه المجهزين والمسلحين بشكل جيد في مواقع قتالية حول الكيبوتس».

جنود إسرائيليون داخل إحدى المستوطنات التي هاجمها مقاتلو «حماس» في 7 أكتوبر 2023 (أ.ف.ب)

في المقابل، قال التحقيق إن «فرقة الحراسة في الكيبوتس تميزت بسرعة الرد وحسن التنسيق، مما حال دون وقوع خسائر داخل المستوطنة، إذ لم يتمكن أي من المقاتلين الفلسطينيين من اختراق الكيبوتس، أو تنفيذ أي عملية اختطاف داخله»، بحسب التحقيق.

وكشف أن قائد القطاع البحري «تجنب كارثة أكبر عندما قرر التحرك بقواته خلافاً للتعليمات، رغم التخلي عن قيادة العمليات في اللحظات الحرجة». كما لعب المراقب وفريق التنبيه المدني دوراً حاسماً في منع غزو للكيبوتس، حيث «تصدوا للمهاجمين في الوقت المناسب».


مقالات ذات صلة

«محادثات القاهرة»... «حماس» تبحث عن «ضمانات» لسد فجوات «أزمة السلاح»

تحليل إخباري فلسطينيون يتفقدون مركبة استهدفتها غارة إسرائيلية في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

«محادثات القاهرة»... «حماس» تبحث عن «ضمانات» لسد فجوات «أزمة السلاح»

تشهد مصر جولة محادثات جديدة بين «حماس» التي وصلت إلى القاهرة، السبت، والممثل الأعلى لقطاع غزة في «مجلس السلام» والوسطاء.

محمد محمود (القاهرة )
خاص فلسطينيان متأثران خلال تشييع قتلى سقطوا بغارة إسرائيلية في دير البلح وسط قطاع غزة السبت (د.ب.أ)

خاص الاستهدافات الإسرائيلية تركز على «القوة المشتركة» في غزة

قتلت «مسيّرة» إسرائيلية، بعد منتصف ليل الجمعة - السبت، 6 من نشطاء «كتائب القسام» الجناح العسكري لحركة «حماس»، خلال انتشارهم في مخيم البريج شرق وسط قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
الولايات المتحدة​ أرشيفية للرئيس الأميركي دونالد ترمب يحمل ميثاق  إنشاء مجلس السلام  (ا.ب)

«مجلس السلام» برئاسة ترمب: التمويل لا يواجه أي عراقيل

أعلن مجلس السلام ​الذي يرأسه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أنه لا يواجه ‌أي ‌عراقيل بشأن ​التمويل، ‌وأن ⁠جميع ​الطلبات تمت ⁠تلبيتها «على الفور وبشكل كامل».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي مخيم للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ب) p-circle

مصادر: مجلس السلام برئاسة ترمب يواجه أزمة مالية تعطل خطة غزة

أفادت مصادر بأن مجلس السلام لم يتلق سوى جزء ضئيل من 17 مليار دولار سبق التعهد بها لغزة، مما يحول دون المضي قدماً في خطة دونالد ترمب لمستقبل القطاع المدمر.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص فلسطينيات خارج مستشفى ناصر في خان يونس الجمعة خلال تشييع قتيل سقط بضربة إسرائيلية (أ.ف.ب)

خاص ضغوط متزايدة على «حماس» بانتظار ردها على «نزع السلاح»

أكد مصدر من «حماس» أن الحركة ستتعامل بمرونة مع الوسطاء وجميع الأطراف للتوصل إلى حلول لا تسمح باستئناف الحرب في قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)

نتنياهو: الحرب على إيران سحقت برنامجيها النووي والصاروخي

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال كلمة مسجلة (لقطة من فيديو)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال كلمة مسجلة (لقطة من فيديو)
TT

نتنياهو: الحرب على إيران سحقت برنامجيها النووي والصاروخي

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال كلمة مسجلة (لقطة من فيديو)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال كلمة مسجلة (لقطة من فيديو)

أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، اليوم السبت، أن الحرب على إيران منعتها من امتلاك قنبلة نووية.

وقال نتنياهو، خلال كلمة بالفيديو، إنه «إذا لم نشن عمليتي (الأسد الصاعد) و(زئير الأسد) لكانت إيران تمتلك الآن قنبلة نووية».

وتابع: «الحرب على إيران سحقت برنامجيها النووي والصاروخي. وأصبحت مع حلفائها (يقاتلون من أجل البقاء)».

وذكر رئيس الوزراء الإسرائيلي أنه يريد «اتفاق سلام حقيقياً» مع لبنان.

وأكد رئيس الوزراء الإسرائيلي: «لقد أرادوا خنقنا، والآن نحن من نخنقهم. لقد هددوا بسحقنا، والآن يقاتلون من أجل بقائهم»، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

ورأى نتنياهو أن إسرائيل حققت «إنجازات تاريخية» في حملتها ضد إيران، مؤكداً أنه أزال ما وصفه بـ«التهديد الوجودي المباشر».

وأوضح: «الحملة لم تنته بعد، لكن يمكننا القول بوضوح: لقد حققنا إنجازات تاريخية»، وفقاً لموقع «واي نت» الإسرائيلي.

وأكد نتنياهو أن إسرائيل تحركت بعد تلقي ما وصفه بمعلومات استخباراتية دقيقة تشير إلى أن إيران تتقدم نحو امتلاك قدرات أسلحة نووية. وقال: «بصفتي رئيس الوزراء الدولة اليهودية الوحيدة، لم أستطع قبول ذلك».

ولفت النظر إلى أن الضربات الإسرائيلية والأميركية استهدفت المنشآت النووية ومخازن الصواريخ ومنصات الإطلاق، وأدت إلى مقتل كبار العلماء النوويين المشاركين في جهود تطوير الأسلحة. وتابع: «كنا أول من كسر حاجز الخوف للتحرك داخل إيران نفسها».

وشدد: «لقد وصلنا إلى مرحلة لم يعد فيها لإيران أي منشأة تخصيب عاملة»، وأضاف أن إيران لا تزال تمتلك صواريخ، لكن مخزونها «يتناقص تدريجياً».

18 ألف قنبلة

وألقى الجيش الإسرائيلي نحو 18 ألف قنبلة على إيران خلال أكثر من خمسة أسابيع من الحرب، وفقاً لأرقام نشرتها وسائل إعلام إسرائيلية وأكدها متحدث عسكري، اليوم السبت.

وتظهر البيانات، التي نشرتها لأول مرة صحيفة «تايمز أوف إسرائيل»، ووسائل إعلام أخرى، أن إسرائيل نفذت أكثر من ألف موجة من الغارات الجوية. ولم تتوفر على الفور تفاصيل إضافية بشأن أنواع وأوزان تلك الذخائر.

وفي المقابل، ذكرت التقارير أن إيران أطلقت نحو 650 صاروخاً باليستياً باتجاه إسرائيل، مضيفة أن أكثر من نصفها كان مزوداً برؤوس حربية ذات ذخائر انشطارية مصممة لنشر متفجرات أصغر حجماً على مساحات واسعة، وفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

ووفقاً للأرقام الإسرائيلية، قتل 20 مدنياً في إسرائيل من جراء هذه الهجمات، بالإضافة إلى أربعة فلسطينيين في الضفة الغربية. وقالت وزارة الصحة الإسرائيلية إن أكثر من 7 آلاف شخص أصيبوا بجروح.


ترمب يعلن تطهير «هرمز»... وطهران تتمسك بالسيطرة

مدمرتان تابعتان للبحرية الأميركية مزودتان بصواريخ موجهة تجريان عمليات في مضيق هرمز السبت (سنتكوم)
مدمرتان تابعتان للبحرية الأميركية مزودتان بصواريخ موجهة تجريان عمليات في مضيق هرمز السبت (سنتكوم)
TT

ترمب يعلن تطهير «هرمز»... وطهران تتمسك بالسيطرة

مدمرتان تابعتان للبحرية الأميركية مزودتان بصواريخ موجهة تجريان عمليات في مضيق هرمز السبت (سنتكوم)
مدمرتان تابعتان للبحرية الأميركية مزودتان بصواريخ موجهة تجريان عمليات في مضيق هرمز السبت (سنتكوم)

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن الجيش الأميركي بدأ «تطهير» مضيق هرمز، وأنه سيُفتح «قريباً»، في حين تمسكت طهران، عبر وسائل إعلام ومسؤولين مقربين من «الحرس الثوري»، بأن الممر المائي لا يزال تحت سيطرتها، وأن أي عبور لن يتم إلا بإذنها.

ويأتي ذلك بينما يتصدر مضيق هرمز واجهة المواجهة السياسية والعسكرية بين واشنطن وطهران، بعدما تحول من ورقة ضغط بحرية إلى محور تفاوضي مباشر في محادثات إسلام آباد، وسط تحركات بحرية أميركية وتشدد إيراني وتحذيرات متبادلة بشأن الألغام والملاحة.

وقال ترمب، السبت، إن الولايات المتحدة بدأت «عملية فتح مضيق هرمز» و«تطهيره»، مضيفاً في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي: «نبدأ الآن عملية تطهير مضيق هرمز». وتابع أن جميع زوارق زرع الألغام الإيرانية البالغ عددها 28 «ترقد في قاع البحر».

وفي منشور آخر، قال إن وسائل إعلام «تنشر أخباراً كاذبة» تصور الولايات المتحدة على أنها تخسر، رغم أن واشنطن، بحسب تعبيره، «دمرت بالكامل الجيش الإيراني، بما في ذلك البحرية وسلاح الجو وكل شيء آخر»، مضيفاً أن «قيادة إيران قُتلت»، وأن مضيق هرمز «سيفتح قريباً»، فيما «تتجه السفن الفارغة بسرعة إلى الولايات المتحدة لتحميل النفط».

كما قال أيضاً إن أعداداً كبيرة من ناقلات النفط الفارغة «تتجه الآن إلى الولايات المتحدة لتحميل المزيد من أفضل وأحلى نفط وغاز في العالم»، مضيفاً أن لدى الولايات المتحدة من النفط ما يفوق ما لدى «أكبر اقتصادين نفطيين في العالم» وبجودة أعلى. وجاء ذلك فيما كانت طهران تكرر أن فرض رسوم على السفن والتحكم بحركة العبور جزء من شروطها في أي تسوية.

وكان ترمب قد قال، الجمعة، إن المضيق سيفتح «معهم أو دونهم»، مضيفاً: «سوف نفتح الخليج معهم أو دونهم... أو المضيق كما يسمونه. أعتقد أن الأمر سيتم بسرعة كبيرة، وإذا لم يحدث ذلك، فسنكون قادرين على إنهاء الأمر»، مشدداً على أن أولوية أي اتفاق جيد تبقى «ألا تمتلك إيران سلاحاً نووياً»، قائلاً إن هذا يشكل «99 في المائة من الاتفاق».

على حافة الماء

تزامنت تصريحات ترمب مع معلومات أميركية عن تحركات بحرية داخل المضيق. فقد أفاد موقع «أكسيوس»، نقلاً عن مسؤول أميركي بأن عدة سفن تابعة للبحرية الأميركية عبرت مضيق هرمز، السبت، في أول عبور لسفن حربية أميركية للمضيق منذ اندلاع الحرب. وقال المسؤول إن هذا التحرك لم يجرِ تنسيقه مع إيران، وإن الهدف منه كان تعزيز ثقة السفن التجارية في العبور، مضيفاً: «كانت هذه عملية ركزت على حرية الملاحة عبر المياه الدولية». وأوضح أن السفن عبرت من الشرق إلى الغرب باتجاه الخليج، ثم عادت مجدداً عبر المضيق نحو بحر العرب.

وذكر الموقع أن وسائل إعلام رسمية إيرانية اعتبرت هذا العبور انتهاكاً لوقف إطلاق النار وهددت بمهاجمة السفن، فيما قال مسؤول أميركي إن واشنطن لم تتلق أي تحذير من هذا النوع. وأضاف «أكسيوس» أن إعادة فتح المضيق كانت أحد البنود الرئيسية في اتفاق وقف إطلاق النار، وأن مرور السفن ظل محدوداً جداً خلال الأيام التي أعقبت إعلان الهدنة، مع ظهور مؤشرات أولية فقط على استئناف الحركة.

ونقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن ثلاثة مسؤولين أميركيين أن مدمرتين مزودتين بصواريخ موجهة عبرتا مضيق هرمز، السبت، من دون تسجيل أي حوادث، في أول مرور من هذا النوع منذ بداية الحرب قبل ستة أسابيع. وقالت الصحيفة إن المهمة وُصفت بأنها عملية لضمان حرية الملاحة، وإن السفينتين لم تكونا ترافقان سفناً تجارية.

وقال الجيش الأميركي إن مدمرتين تابعتين للبحرية الأميركية عبرتا مضيق هرمز، السبت، في إطار مهمة تهدف إلى تطهير الممر المائي من الألغام التي زرعتها إيران. وأضافت القيادة المركزية الأميركية أن السفينتين «يو إس إس فرانك إي بيترسون» و«يو إس إس مايكل مورفي» عبرتا المضيق وعملتا داخل الخليج خلال العملية.

وقال الأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأميركية: «بدأنا اليوم عملية إنشاء ممر جديد، وسنشارك هذا المسار الآمن مع قطاع الملاحة قريباً لتشجيع التدفق الحر للتجارة». وأضافت القيادة المركزية أن «قوات أميركية إضافية، بما في ذلك مسيّرات تحت الماء، ستنضم إلى جهود إزالة الألغام خلال الأيام المقبلة».

في المقابل، قالت وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري» إن مضيق هرمز لا يزال مغلقاً، وإن المفاوضات التي جرت بين إيران والولايات المتحدة في باكستان انعقدت بينما تتمسك طهران بأحد شروطها العشرة، وهو إبقاء السيطرة على حركة الملاحة في المضيق بيدها ومنع أي سفينة من العبور من دون إذنها. وأضافت أنه لا تجري حالياً أي حركة عبور، وأنه لم يُسمح لمدمرة أميركية كانت تعتزم عبور المضيق بالمرور. ونقلت عن مسؤول عسكري قوله إن إيران لا تزال متمسكة بعدم السماح لأي سفينة بالعبور من دون تصريح، مضيفاً أن أي حركة محتملة ستتم حصراً بإذن من طهران.

وفي السياق نفسه، نقلت «تسنيم» عن مصدر أمني إيراني رفيع نفيه عبور قطعة بحرية أميركية المضيق، قائلاً إنها واجهت تحذيراً من القوات المسلحة الإيرانية واضطرت إلى تغيير مسارها والعودة، معتبراً أن الرواية الأميركية تندرج في إطار «صناعة إنجاز إعلامي» بعد «إخفاق ميداني» ومحاولة التأثير في أسواق الطاقة.

ظل الألغام

بقي ملف الألغام البحرية من أكثر القضايا حساسية في خلفية الصراع على المضيق. ووفق تقرير لصحيفة «نيويورك تايمز»، فإن مسؤولين أميركيين يقولون إن إيران لم تتمكن من فتح المضيق أمام مزيد من الملاحة؛ لأنها لا تستطيع تحديد مواقع جميع الألغام التي زرعتها، وتفتقر كذلك إلى القدرة السريعة على إزالتها. وبحسب هؤلاء، زرعت إيران الألغام باستخدام قوارب صغيرة الشهر الماضي بعد وقت قصير من بدء الحرب، ما أدى، إلى جانب تهديدات الطائرات المسيّرة والصواريخ، إلى تباطؤ شديد في حركة الناقلات وارتفاع أسعار الطاقة.

وقال المسؤولون إن إيران أبقت ممراً مفتوحاً يسمح بمرور السفن التي تدفع رسوماً، لكنها أصدرت في الوقت نفسه تحذيرات من احتمال اصطدام السفن بالألغام، فيما نشرت وكالات شبه رسمية خرائط للمسارات الآمنة. وأضافوا أن هذه المسارات ظلت محدودة؛ لأن الألغام زُرعت بشكل غير منظم، وليس واضحاً ما إذا كانت طهران سجلت مواقع كل لغم، كما أن بعضها زُرع بما يسمح له بالانجراف أو التحرك.

وأشار التقرير إلى أن إزالة الألغام البحرية أصعب كثيراً من زرعها، وأن الجيش الأميركي نفسه لا يملك قدرة قوية ومباشرة على إزالتها سريعاً، بينما لا تملك إيران أيضاً القدرة على رفعها بسرعة، حتى تلك التي زرعتها بنفسها. واعتبر مسؤولون أميركيون أن حديث وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي عن فتح المضيق «مع مراعاة القيود الفنية» كان إشارة إلى هذه المشكلة تحديداً.

وفي هذا السياق، قال ترمب إن الشيء الوحيد الذي استخدمته إيران لتخويف السفن من العبور هو احتمال اصطدامها بألغام بحرية. كما قالت وسائل إعلام إيرانية إن «الحرس الثوري» حدد مساراً خاصاً للسفن، وحذر من الإبحار عبر بعض المياه القريبة من جزيرة لارك لتجنب خطر الألغام في الممرات المعتادة.

خيط التهدئة

دخل مضيق هرمز أيضاً في الاتصالات السياسية الموازية للمفاوضات. فقد قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، السبت، إنه تحدث إلى الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، وشدد له على أهمية تهدئة الوضع خلال محادثات وقف إطلاق النار في باكستان. وكتب على منصة «إكس» أنه أكد «ضرورة أن تعيد إيران حرية الملاحة والأمن في مضيق هرمز بأسرع وقت ممكن»، مضيفاً أن فرنسا «مستعدة للمساهمة في ذلك»، كما شدد على أهمية «الالتزام الكامل بوقف إطلاق النار بما في ذلك في لبنان».

كما أفادت صحيفة «فايننشال تايمز» بوجود «حالة جمود» في المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران في باكستان بشأن السيطرة على مضيق هرمز. ونقلت الصحيفة عن شخصين مطلعين على سير المفاوضات أن مسألة إعادة فتح المضيق لا تزال نقطة خلاف رئيسية تعرقل التقدم.

وقال أحد المصدرين إن إيران تصر على احتفاظها بالسيطرة على الممر المائي وحقها في فرض رسوم عبور على السفن، مشيراً إلى أن المفاوضين الإيرانيين يرفضون مقترحات تتعلق بـ«إدارة مشتركة»، رغم عقد لقاء رفيع المستوى بين نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف.

وأضاف أن المفاوضين عقدوا «عشاء عمل»، على أن تتبعه مناقشات فنية لاحقاً، مساء السبت.

ويعكس هذا الاتصال، إلى جانب ما نقلته الصحيفة البريطانية، اتساع دائرة الضغط الدولي على طهران في ملف الملاحة، في وقت تمضي فيه واشنطن في إظهار أن إعادة فتح المضيق بند لا ينفصل عن أي تفاهم أوسع مع إيران. لكن الرسائل الإيرانية بقيت متشددة؛ إذ واصلت وسائل إعلام ومسؤولون إيرانيون ربط أي تخفيف للقيود في المضيق بتطورات أوسع تشمل لبنان والعقوبات والأصول المجمدة وآلية المرور تحت الرقابة الإيرانية.


بابا الفاتيكان: «كفى عرضاً للقوة... كفى حرباً»

بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر (رويترز)
بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر (رويترز)
TT

بابا الفاتيكان: «كفى عرضاً للقوة... كفى حرباً»

بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر (رويترز)
بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر (رويترز)

انتقد البابا ليو الرابع عشر بشدة دعاة الحرب و«عرض القوة» خلال صلاة من أجل السلام، السبت تناول فيها النزاعات التي تشعل العالم.

وقال البابا في كاتدرائية القديس بطرس: «كفى عبادة للذات والمال، كفى عرضاً للقوة، كفى حرباً، القوة الحقيقية تظهر في خدمة الحياة».

بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر يتحدث للصحافيين (رويترز)

وفي خطاب ألقاه في يناير (كانون الثاني)، ندد كذلك بما سمَّاه «الدبلوماسية القائمة على القوة»، وفي خطاب بمناسبة عيد الفصح، حثَّ «أولئك الذين يملكون القدرة على إشعال الحروب» على «اختيار السلام».