هل تلجأ «حماس» إلى خيار «القيادة الجماعية»؟

بعد إطلالة مشعل والحية في ذكرى «الطوفان» وعدم ظهور رسالة من السنوار

صورة تعود لعام 2012 تجمع بين قياديَّي «حماس» إسماعيل هنية وخالد مشعل في غزة (غيتي)
صورة تعود لعام 2012 تجمع بين قياديَّي «حماس» إسماعيل هنية وخالد مشعل في غزة (غيتي)
TT

هل تلجأ «حماس» إلى خيار «القيادة الجماعية»؟

صورة تعود لعام 2012 تجمع بين قياديَّي «حماس» إسماعيل هنية وخالد مشعل في غزة (غيتي)
صورة تعود لعام 2012 تجمع بين قياديَّي «حماس» إسماعيل هنية وخالد مشعل في غزة (غيتي)

دفع اغتيال إسرائيل الأمين العام لـ«حزب الله» اللبناني حسن نصر الله، الحزب إلى خيار «القيادة الجماعية» بهدف تلافي مخاطر عمليات ومحاولات الاغتيال الإسرائيلية، وصعوبة إجراء اجتماعات أو انتخابات تحت تهديد القصف... فهل هذا السيناريو وراد لدى حركة «حماس» خصوصاً أن الحرب المستمرة على مدار عام في «غزة» وخارجها طالت الكثير من قياداتها المؤثرة؟

أحد أبرز المعطيات التي تعزز فرضية «القيادة الجماعية» لدى «حماس» أن قائدها يحيى السنوار، لم يظهر منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول)، أي قبل عام، واختفت أخباره في الأسابيع القليلة الماضية، باستثناء مقطع فيديو نشره الجيش الإسرائيلي وظهر فيه داخل أحد الأنفاق، وقيل إن تاريخه كان بعد يوم من هجوم السابع من أكتوبر، ولم يُسمع صوته.

غير أن ثمة تباينات بين «حزب الله» و«حماس»: الأول أن فكرة «القيادة الجماعية» معمول بها فعلياً لدى «حماس» إلى حد كبير، إذ يُتخذ معظم القرارات بالتشاور في المكتب السياسي للحركة، بغض النظر عن النفوذ الأكيد لبعض الأشخاص.

أما نقطة التباين الثانية فهي أن نصر الله، وإن كان رمزاً لـ(حزب الله) فإن صورتيهما ترافقت على مدار 32 عاماً على رأس الحزب، فيما لم يُسمح لأي مسؤول في (حماس) بالبقاء أكثر من دورتين انتخابيتين، حسب النظام الداخلي للحركة، أي 8 سنوات فقط.

ثالثاً، أن السنوار الذي كان رئيس المكتب السياسي لـ«حماس» في قطاع غزة، وأصبح رئيس الحركة بعد اغتيال إسماعيل هنية في طهران، كان يحظى منذ فترة طويلة بالأضواء ويملك كاريزما لا يملكها آخرون في الحركة، وحتى الآن، لا يزال كأنه على قيد الحياة.

يرى خبراء عسكريون أن بقاء السنوار حياً يحرم إسرائيل من «صورة المنتصر» (أ.ف.ب)

نقطة رابعة، في إطار التباينات، وهي أن «حماس»، مع الحرب الطويلة، وضعت نظاماً مرناً يسمح بتجاوز غياب أي مسؤول، بما في ذلك، تعذر التواصل معه لأسباب أمنية. وأخيراً من بين أشياء أخرى كثيرة، لم تنجح إسرائيل في اختراق «حماس» مثلما حدث مع «حزب الله» في لبنان، وعلى الرغم من أنها قتلت قيادات في الحركة، ما زال الكثيرون على قيد الحياة، يمارسون دورهم ويقودون المكتب السياسي وعلى رأسهم السنوار نفسه، المطلوب قتله منذ السابع من أكتوبر الماضي.

أين السنوار؟

لكن هل نقاط التباين السابقة، تعني أن الأمور تسير بسلاسة داخل «حماس» بخلاف «حزب الله»؟ لا يبدو ذلك واقعياً بالتأكيد.

تقول مصادر من «حماس» في غزة لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا أحد في (حماس) يعرف مكان السنوار تحديداً لا في الداخل ولا الخارج؛ لكنَّ أفراداً موثوقين لديهم المعلومة، ويشكّلون حلقة وصل مع باقي قيادات الحركة عند الضرورة».

وهذه الدائرة الصغيرة، وفق المصادر، «تعمل على تأمين احتياجاته، وتؤمّن تواصله مع قيادات الحركة بالداخل والخارج، بطرق معقدة وبدائية».

ويُعتقد أن محمد السنوار (شقيق يحيى)، وهو قائد كبير في «كتائب القسام»، (الجناح العسكري لحماس)، يُرجح أنه أبرز مرشح لقيادة الكتائب إذا ما كان قائدها الحالي محمد الضيف اغتيل فعلاً، هو الذي أشرف ويُشرف على مخبأ وتحركات السنوار التي اختفت تماماً في الأسابيع القليلة الماضية بشكل دفع إسرائيل إلى البحث عن مصيره وتقصي حقيقة موته.

كان السنوار بعد تعيينه رئيساً لـ«حماس»، قد حرص على إرسال رسائل باسمه، تعكس دوره الجديد، وكانت أولاها إلى الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، والثانية إلى حسن نصر الله، والثالثة لزعيم جماعة «أنصار الله» اليمنية عبد الملك الحوثي؛ لكن رسائله انقطعت بعد ذلك بما في ذلك في الذكرى الأولى للسابع من أكتوبر.

واضطر نائب السنوار، خليل الحية، إلى الخروج برسالة الحركة في ذكرى السابع من أكتوبر، كما خرج رئيس الحركة في الخارج خالد مشعل في مقطع مصور ثانٍ، دون أن يتحدث السنوار نفسه.

وقالت مصادر من «حماس» إن «السنوار قطع اتصالاته لأسباب أمنية وجعلها على أضيق نطاق، فهو يعرف إسرائيل جيداً (بسبب تجربة الاعتقال) وبناءً عليها يتصرف، فإذا كانوا يتوقعون ظهوره فلن يظهر، والعكس بالعكس».

قادة «حماس» الذين جرت تصفيتهم وفق الجيش الإسرائيلي

وحسب المصادر التي تحدثت إلى «الشرق الأوسط» فإن «غياب السنوار الآن لا يضع أي عقبات أمام اتخاذ القرارات داخل (حماس)، وذلك بسبب الإجراءات المتبعة». موضحةً أن «أي قرار يُتخَذ الآن داخل الحركة يأتي ضمن إجراءات خاصة متَّبَعة منذ بداية الحرب».

وشرحت المصادر أن «هناك مكلفين باتخاذ أي قرار في حال غياب الاتصال مع أي قيادي مهما كان موقعه، أو هويته».

وتعكس معلومات المصادر، على ما يبدو، أن «حماس» تلجأ فعلياً إلى نظام القيادة الجماعية في حالات محددة، لكنه ليس النظام المعمول به رسمياً.

ماذا لو غاب رمز «حماس» الحالي؟

في حال تمكُّن إسرائيل من اغتيال السنوار، فليس معروفاً على وجه الدقة مَن ستختار «حماس»، لكنها ستكون قد فقدت أحد أهم قادتها في العقود الأخيرة وأكثرهم تأثيراً داخل الحركة.

ومنذ خروجه من السجن عام 2011 في صفقة تبادل، فرض السنوار حضوره داخل «حماس»، بحكم علاقته القوية بقائد كتائب «القسام» محمد الضيف.

والسنوار معروف أنه أحد أبرز صقور الحركة، وأكثرها تشدداً، وتقول إسرائيل إنه «دموي»، بخلاف هنية الذي سبقه أو خليل الحية نائبه أو أي ممن تولوا زعامة «حماس».

ومنذ تأسيس «حماس» عام 1987 تولى 4 أشخاص رئاسة المكتب السياسي هم: موسى أبو مرزوق الذي كان أول رئيس للمكتب السياسي من 1992 إلى 1996، ثم لحقه خالد مشعل من 1996 إلى 2017، وإسماعيل هنية خلفاً لمشعل منذ عام 2017 حتى اغتياله في يوليو (تموز) الماضي، ثم يحيى السنوار الذي اختير خلفاً لهنية قبل نحو شهرين.

كانت «الشرق الأوسط» قد أكدت أن اختيار السنوار جاء لأسباب من بينها «رغبته الشخصية» في ذلك، واعتذار رئيس المكتب السابق خالد مشغل عن عدم تولي المنصب، إضافةً إلى حسابات لها علاقة بإسرائيل والإقليم وطبيعة المرحلة.

واختارت «حماس» السنوار في اجتماع حاسم حضرته غالبية قيادات «حماس» في الخارج بما في ذلك قيادات قطاع غزة والضفة الغربية، وهم من أعضاء المكتب السياسي ومجلس الشورى ولجنته التنفيذية التي توجد في لبنان وتركيا قطر ومناطق أخرى.

وقال أحد المصادر لـ«الشرق الأوسط» آنذاك إنه (أي السنوار) «لولا الحرب كان ينوي الترشح أصلاً لرئاسة المكتب السياسي في دورته الجديدة».

واختيار السنوار يعكس تحكم قيادة قطاع غزة في كل المفاصل المهمة داخل «حماس» للدورة الثانية على التوالي، وهي القيادة التي خرج منها هنية ثم السنوار، وعملت بشكل حثيث على دفع تقارب «حماس» مع المحور الذي تقوده إيران.

وأغلب الظن أنه إذا نجا السنوار من هذه الحرب، فسيكون على رأس الحركة في الانتخابات المقبلة.

وتُجري «حماس» انتخابات في 4 أقاليم وتختار مكتباً سياسياً عاماً كل 4 سنوات لكن وفق دورة طويلة ومعقدة بعض الشيء.

وقال مصدر في الحركة لـ«الشرق الأوسط»: إن «غياب أي قائد لن يؤثر في مسيرتها»، مُذكِّراً باغتيال «مؤسس الحركة أحمد ياسين، وقادتها على مستويات مختلفة مثل: عبد العزيز الرنتيسي، وإسماعيل هنية، وصالح العاروري، ولم تتوقف مسيرتها بل ازدهرت». واستدرك: «كذلك الحال بالنسبة لقيادة (كتائب القسام) فبعد اغتيال صلاح شحادة، جاءهم محمد الضيف بـ7 أكتوبر... فسياسة الاغتيالات فاشلة».


مقالات ذات صلة

نتنياهو أنكر مطلقاً لقاء عباس كامل... فكذَّبته الصحف بصورة رسمية

شؤون إقليمية بنيامين نتنياهو يستقبل عباس كامل بالقدس في مايو عام 2021 (الحكومة الإسرائيلية) p-circle

نتنياهو أنكر مطلقاً لقاء عباس كامل... فكذَّبته الصحف بصورة رسمية

تضج الصحافة الإسرائيلية بحملة تكذيب لتصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، التي نفى فيها مطلقاً أنه التقى رئيس المخابرات المصرية السابق عباس كامل.

نظير مجلي (تل أبيب)
خاص عنصران من «الباسيج» خارج مصلّى طهران الكبير خلال مراسم وداع المرشد الإيراني علي خامنئي 3 يوليو 2026 (رويترز)

خاص مرشد إيران الأخير... عندما تصبح الجمهورية تنظيماً شبكياً

«لا تحتاج إيران اليوم إلى مرشد، بل إلى قادة علميات يتصرفون كمسؤولي خلايا سرية، مهمتهم الوحيدة هي البقاء».

علي السراي (الرياض)
بروفايل رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» خليل الحية (أرشيفية - أ.ب) p-circle

بروفايل خليل الحية... قيادة مفاجئة لـ«حماس» في مرحلة تحولية

قبل السابع من أكتوبر (تشرين الأول) كان خليل الحية اسماً مهماً في «حماس»، لكنه لم يكن مرشحاً بارزاً لقيادتها... فكيف ولماذا وصل إلى رئاسة مكتبها السياسي؟

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص الرئيس الفلسطيني محمود عباس يلوح بيده خلال مراسم إحياء الذكرى الخامسة والخمسين لتأسيس حركة فتح في رام الله بالضفة الغربية عام 2019 (رويترز) p-circle

خاص كيف دفع 7 أكتوبر عباس إلى تغيير وجه السلطة الفلسطينية؟

لأول مرة منذ 18 عاماً يجد محمود عباس نفسه بعد 7 أكتوبر أمام مطالبات بالإصلاح من نوع آخر، نوع ثقيل وصعب. مفاده البقاء مقابل الإصلاح.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي أطفال فلسطينيون يقفون أعلى سطح في مخيم جباليا شمال قطاع غزة أمس (أ.ف.ب) p-circle

بعد عام على خطة ترمب لغزة... ما الذي تحقق منها وماذا بقي بعيداً؟

بعد عام من إطلاق خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإنهاء حرب غزة، ما زالت الخطة تراوح مكانها إذ تواصل ‌إسرائيل شن هجمات مستمرة ويواجه الفلسطينيون أوضاعاً مأساوية

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

«نفق» يثير مخاوف الأهالي في جبل لبنان

الحفرة التي كشف عليها الجيش في منطقة الفنار (الجيش اللبناني)
الحفرة التي كشف عليها الجيش في منطقة الفنار (الجيش اللبناني)
TT

«نفق» يثير مخاوف الأهالي في جبل لبنان

الحفرة التي كشف عليها الجيش في منطقة الفنار (الجيش اللبناني)
الحفرة التي كشف عليها الجيش في منطقة الفنار (الجيش اللبناني)

أثارت حفرة عُثر عليها داخل حرش صنوبر بين منطقتَي الفنار والزعترية ذات الغالبية الشيعية في جبل لبنان، مخاوف الأهالي، واستدعت تحرّك القوى الأمنية للكشف على الموقع وتحديد طبيعة الحفرة، قبل أن يتبيّن، وفق ما أبلغت به استخبارات الجيش رئيس بلدية الفنار، أنها ليست لأغراض أمنية.

وفي التفاصيل، اكتشف عناصر من شرطة بلدية الفنار حفرة داخل الحرش، فتم إبلاغ الجيش اللبناني الذي أوفد عناصر من المخابرات وفوج الهندسة للكشف على الموقع وتحديد طبيعة الحفرة، فيما أشار بعض المعلومات إلى أن شخصاً مجهول الهوية فرّ من الموقع فور وصول القوى الأمنية.

وبعدما كان رئيس بلدية الفنار ميشال سلامة، قد أعلن، صباحاً، أن المعلومات الأولية تشير إلى أن ما عُثر عليه هو بداية نفق يجري حفره في المنطقة، عاد وأكد أن استخبارات الجيش أبلغته بأن الحفرة لا تُستخدم لأغراض أمنية؛ بل حُفرت بهدف البحث عن الذهب، مشيراً إلى أن البلدية ستعمل على إقفالها.

وفي وقت لاحق، أعلنت قيادة الجيش في بيان لها، أن وحدات مختصّة من الجيش أجرت كشفاً على النفق الذي عُثر عليه في منطقة الفنار - المتن الشمالي، وتَبيّن أنّ طوله الإجمالي يبلغ نحو 13 متراً (5 أمتار عموديّاً و8 أمتار أفقيّاً)، وأنّه لا يحتوي على أي أسلحة أو عتاد عسكري.

وقد ضُبطت داخل النفق عدة حفر فردية، كما أوقِف أحد المشتبه فيهم بالمشاركة في حَفره، مشيرة إلى أنه تجري متابعة التحقيق لتحديد وجهة استعماله.

تفاعل شعبي وسياسي

أثارت الحادثة تفاعلاً شعبيا وسياسياً، لا سيما في ظل وجود أنفاق تابعة لـ«حزب الله» في بعض المناطق، وخوف من أن يكون النفق المكتشف جزءاً من هذه الشبكة.

وعند إعلان رئيس بلدية الفنار عن «الحفرة»، طالب رئيس حزب «الكتائب» النائب سامي الجميل، بإجراء مسح أمني شامل لمنطقة الرويسات الجديدة ومحيطها، معلناً أنه تواصل صباحاً مع وزير الدفاع لهذه الغاية، وأن الأخير أبدى تجاوباً مع الطلب.

وكتب الجميل عبر منصة «إكس»، أن اكتشاف النفق في المتن، إلى جانب شحنة المتفجرات في ضهر البيدر والمواجهات مع قوى الأمن في الضاحية، يشكّل، مؤشرات خطيرة تستدعي وضع حد نهائي لازدواجية السلاح والتنظيم العسكري لـ«حزب الله» على كامل الأراضي اللبنانية.

وختم معتبراً أن استمرار السلاح غير الشرعي والتنظيم العسكري والأمني للحزب يشكّل خطراً داهماً على لبنان، داعياً الدولة إلى الحسم حفاظاً على البلاد.


خبراء الأمم المتحدة يطالبون إسرائيل بحماية المزارعين الفلسطينيين في الضفة

رجل فلسطيني يتحدث مع القوات الإسرائيلية بينما تقوم هذه القوات باحتجاز فلسطيني آخر وذلك خلال موسم قطف الزيتون في بساتين زيتون يملكها فلسطينيون في دير أبو مشعل بالقرب من رام الله في الضفة الغربية (رويترز)
رجل فلسطيني يتحدث مع القوات الإسرائيلية بينما تقوم هذه القوات باحتجاز فلسطيني آخر وذلك خلال موسم قطف الزيتون في بساتين زيتون يملكها فلسطينيون في دير أبو مشعل بالقرب من رام الله في الضفة الغربية (رويترز)
TT

خبراء الأمم المتحدة يطالبون إسرائيل بحماية المزارعين الفلسطينيين في الضفة

رجل فلسطيني يتحدث مع القوات الإسرائيلية بينما تقوم هذه القوات باحتجاز فلسطيني آخر وذلك خلال موسم قطف الزيتون في بساتين زيتون يملكها فلسطينيون في دير أبو مشعل بالقرب من رام الله في الضفة الغربية (رويترز)
رجل فلسطيني يتحدث مع القوات الإسرائيلية بينما تقوم هذه القوات باحتجاز فلسطيني آخر وذلك خلال موسم قطف الزيتون في بساتين زيتون يملكها فلسطينيون في دير أبو مشعل بالقرب من رام الله في الضفة الغربية (رويترز)

حضّ خبراء في الأمم المتحدة، الاثنين، إسرائيل على ضمان حماية المزارعين الفلسطينيين في الضفة الغربية، في ظل تزايُد هجمات المستوطنين عليهم مع بداية موسم قطاف الزيتون.

وإذ شدد سبعة خبراء من بينهم المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة فرانشيسكا ألبانيزي والمقررة الخاصة المعنية بالحق في الغذاء صوفيا مونسالفي سواريز، على أن «المزارعين الفلسطينيين يجب أن يحظوا بالحماية وأن يتمكنوا من الوصول إلى أراضيهم بأمان»، لاحظوا أن «وتيرة العنف والتدمير والقيود تتصاعد عاماً بعد عام».

جنود إسرائيليون يتجمعون على طريق بالقرب من بستان زيتون وذلك في أعقاب هجوم بحسب تقارير شنه مستوطنون إسرائيليون على منزل فلسطيني في قرية ترمسعيا بالضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)

وتصاعدت بشكل كبير في الأشهر الأخيرة أعمال العنف التي يرتكبها مستوطنون إسرائيليون ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية، وتجددت بمناسبة موسم قطف الزيتون، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وحذّر الخبراء المكلّفون من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، لكنهم لا يتحدثون باسم المنظمة، من أن قطاف الزيتون «ينبغي ألا يتحوّل مجدداً إلى موسم خوف وخسائر وعنف وتدمير».

جنود إسرائيليون يراقبون مزارعين فلسطينيين أثناء قطفهم ثمار الزيتون في قرية دير أبو مشعل بالضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)

وأفادت الأمم المتحدة بتوثيق 178 اعتداءً نفّذها مستوطنون في مختلف أنحاء الضفة الغربية خلال موسم قطاف الزيتون عام 2025، طالت 88 مدينة وقرية فلسطينية. وأشارت إلى «تخريب» أكثر من ستة آلاف شجرة وشتلة، وهو الرقم الأعلى منذ ستة أعوام في هذا المجال.

وأعرب الخبراء أيضاً عن «قلقهم البالغ» من أوامر قالوا إن السلطات العسكرية الإسرائيلية أصدرتها في سبتمبر (أيلول) بإزالة الغطاء النباتي على مساحة نحو 339 ألف متر مربع من الأراضي الزراعية الفلسطينية في شمال الضفة الغربية المحتلة ووسطها، خصوصاً في مناطق مزروعة بأشجار الزيتون في جنين وقباطية وبيت ريما قرب رام الله.

رجل فلسطيني اعتقلته القوات الإسرائيلية يجلس على الأرض بجوار مركبة عسكرية وذلك خلال موسم قطف الزيتون في بساتين زيتون يملكها فلسطينيون في دير أبو مشعل بالقرب من رام الله (رويترز)

وذكّروا بأن «موسم قطاف الزيتون يشكل مصدراً أساسياً للغذاء والدخل وسبل العيش لآلاف العائلات الفلسطينية»، منبّهين إلى أن إتلاف الأشجار «لا يحرم هذه العائلات محاصيلها فحسب، بل يضر بأنظمة الغذاء المحلية والعادات الثقافية وأنماط الحياة، وكذلك بالحق في الغذاء والسيادة الغذائية للمناطق الفلسطينية».

مستوطنون إسرائيليون يتجمعون حول مركبة عسكرية بعد أن احتجزت القوات الإسرائيلية رجلاً فلسطينياً خلال موسم قطف الزيتون في بساتين زيتون يملكها فلسطينيون في دير أبو مشعل بالقرب من رام الله (رويترز)

وطالب الخبراء إسرائيل بـ«ضمان حماية قواتها المزارعين الفلسطينيين من اعتداءات المستوطنين والالتزام بواجباتها بموجب القانون الدولي».

كذلك دعوا المجتمع الدولي إلى «ممارسة أقصى قدر من الضغط من أجل حماية المدنيين الفلسطينيين، ووقف وعكس سياسات وممارسات الضمّ التي تتوسع بسرعة، وضمان محاسبة المسؤولين عن عقود من انتهاكات حقوق الفلسطينيين، بموجب القانون الدولي».


برنامج الأغذية العالمي يوقف المساعدات لنصف مليون شخص في غزة

فلسطينيون ينتظرون الطعام من أحد المطاعم الخيرية في دير البلح وسط قطاع غزة أمس (رويترز)
فلسطينيون ينتظرون الطعام من أحد المطاعم الخيرية في دير البلح وسط قطاع غزة أمس (رويترز)
TT

برنامج الأغذية العالمي يوقف المساعدات لنصف مليون شخص في غزة

فلسطينيون ينتظرون الطعام من أحد المطاعم الخيرية في دير البلح وسط قطاع غزة أمس (رويترز)
فلسطينيون ينتظرون الطعام من أحد المطاعم الخيرية في دير البلح وسط قطاع غزة أمس (رويترز)

أعلن برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، اليوم (الاثنين)، أنه سيوقف تقديم المساعدات الشهرية لنحو 500 ألف شخص في قطاع غزة بسبب نقص التمويل، محذراً في الوقت ذاته من أن الاحتياجات لا تزال ملحة للغاية.

وصرح شون هيوز، مدير برنامج الأغذية العالمي في فلسطين، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «بدءاً من هذا الشهر، سنستبعد نصف مليون شخص من قائمة المستفيدين من مساعداتنا».

وبهذا الخفض، يصل عدد الفلسطينيين الذين يتلقون مساعدات من البرنامج -سواء كانت في صورة أغذية أو مبالغ نقدية- إلى 1.1 مليون شخص، وهو ما يمثل تقريباً نصف سكان قطاع غزة الذي أنهكته الحرب.

وجبة كل يومين

وتأتي هذه التخفيضات مع اقتراب فصل الشتاء، وفي وقت لا تزال فيه العديد من العائلات في غزة تعاني لتوفير الغذاء لنفسها. ومن بين التداعيات، سيتم خفض عدد الوجبات الساخنة التي توفرها المطابخ المجتمعية حالياً من 250 ألف وجبة إلى 150 ألف وجبة يومياً.

ثلثا سكان قطاع غزة يعتمدون على المساعدات الغذائية من أجل البقاء على قيد الحياة (رويترز)

أما العائلات التي تقيم في مناطق يصعب الوصول إليها -على سبيل المثال بالقرب مما يُعرف بـ«الخط الأصفر» الذي يحدد نطاق السيطرة العسكرية الإسرائيلية- فستحصل على وجبة واحدة كل يومين بدلاً من وجبة يومية.

يُذكر أن جميع سكان قطاع غزة تقريباً، والبالغ عددهم 2.1 مليون نسمة، يعيشون حالة من النزوح، ويعتمد ثلثاهم على المساعدات الغذائية من أجل البقاء، حسب تقرير لهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي».

القليل سيصبح أقل

وتقول ميرفت السطري، وهي أم فلسطينية نازحة لخمسة أطفال في مخيم بمنطقة المواصي في خان يونس لهيئة الإذاعة البريطانية تعليقاً على قرار برنامج الأغذية العالمي: «إنها كارثة! ماذا سنفعل بهذه الحصص الغذائية المُقلَّصة؟ وكيف سنُؤمّن احتياجات الصغار؟»؛ وأضافت: «أحياناً ننتظر هذه الوجبات لنتمكن من الأكل».

وفي السياق ذاته، تقول سوسن بهلول، وهي أم لثلاثة أطفال ومن سكان منطقة المواصي أيضاً: «سيؤثر هذا علينا كثيراً. كانت المساعدات اليومية تفي بالحد الأدنى من الاحتياجات نوعاً ما، لكنها ستصبح الآن كل يومين». وتضيف أن الحصص التي يوفرها المطبخ المجتمعي -والتي تتكون عادةً من المعكرونة أو العدس، مع إضافة البطاطس والباذنجان أحياناً- كانت في الأصل غير كافية لإطعام عائلتها.

اشتكت عائلات تتلقى حالياً مساعدات غذائية من برنامج الأغذية العالمي (WFP) لهيئة الإذاعة البريطانية من أن هذه المساعدات غير كافية أصلاً، ولا توفر تنوعاً يُذكر في نظامهم الغذائي.

أطفال في دير البلح بقطاع غزة ينتظرون وجبات مقدمة من برنامج الأغذية العالمي أمس (رويترز)

وتقول دلال الدحدوح، التي تعيش مع أفراد عائلتها الثمانية وسط أنقاض منزلها في مدينة غزة: «كمية الدقيق لا تكفي، وكذلك صناديق المواد الغذائية». وتخشى دلال أن تؤدي التخفيضات الجديدة إلى «تداعيات جسيمة».

وتقارن الأم بين الوضع المأساوي الراهن وحياتهم قبل الحرب، قائلة: «في الماضي، والحمد لله، كان لدينا منزلنا وحياة رائعة؛ توفرت لدينا الخضراوات الطازجة، ومرافق صحية ملائمة، وأرض نملكها. أما اليوم، فنحن نعتمد كلياً على المساعدات، بما في ذلك القسائم الغذائية التي يقدمها برنامج الأغذية العالمي».

من جانبه، يوضح شون هيوز أن هذه التخفيضات تأتي لأسباب مالية، «وليس لأن الاحتياجات قد انخفضت، أو لأننا نواجه عائقاً في الوصول إلى المحتاجين؛ فنحن قادرون على الوصول إليهم».

تقليص التحويلات النقدية

منذ شهر يوليو (تموز)، جرى بالفعل تقليص التحويلات النقدية المقدمة لنحو نصف مليون شخص، مما يعني أنهم باتوا يملكون أموالاً أقل لشراء الغذاء من الأسواق المحلية. كما سينخفض ​​عدد سكان غزة الذين يتلقون أكياس الدقيق وطرود الحصص الغذائية من برنامج الأغذية العالمي من 1.1 مليون إلى 600 ألف شخص شهرياً.

وقد تلقى برنامج الأغذية العالمي تمويلاً لعملياته في الأراضي الفلسطينية لعام 2026 يقل عن نصف ما كان يحصل عليه في السنوات السابقة. وتؤكد الوكالة العالمية أنها بحاجة ماسة إلى 450 مليون دولار لاستمرار عملياتها «الحيوية» على مدى الأشهر الستة المقبلة.

ظروف إنسانية بالغة السوء

ورغم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين حركة «حماس» وإسرائيل قبل عام، لا تزال الظروف الإنسانية في قطاع غزة بالغة السوء. فلم تشهد المنطقة أي عمليات إعادة إعمار، وكان التعافي محدوداً للغاية، في ظل فرض إسرائيل رقابة صارمة على دخول البضائع عبر المعابر، وفق «بي بي سي»، ورغم أن أسواق الغذاء باتت اليوم زاخرة بالسلع، فإن قلة قليلة فقط من السكان قادرون على الشراء منها؛ إذ يعاني أكثر من 80 في المائة من سكان غزة من البطالة، مما يجعل معظمهم يعتمدون على المساعدات.

كارل ساكو المدير التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي خلال زيارة لمطعم يموله البرنامج في دير البلح بوسط قطاع غزة أمس (رويترز)

ولا يتوفر غاز الطهي في قطاع غزة؛ إذ تصنفه الحكومة الإسرائيلية ضمن المواد «مزدوجة الاستخدام»، بدعوى إمكانية استغلاله من قبل حركة «حماس» لأغراض عسكرية. ونظراً لارتفاع أسعار الحطب، تضطر عائلات كثيرة إلى إرسال أطفالها للبحث في الشوارع عن البلاستيك والكرتون لاستخدامها كوقود، سواء لخبز العجين أو تسخين الطعام.

وقال هيوز، المسؤول في برنامج الأغذية العالمي: «لا يزال الوضع الإنساني مثيراً للقلق البالغ؛ فالناس يعيشون في ظروف قاسية، ومعظمهم يفتقرون إلى مأوى ملائم، حيث يقيمون في خيام، مع صعوبة بالغة في الوصول إلى المياه والمرافق الصحية والرعاية الطبية». وأضاف: «إن تقليص المساعدات الغذائية سيزيد من حدة المعاناة التي تواجهها هذه العائلات منذ ثلاث سنوات».

ثلثا السكان يواجهون أزمة غذائية

وفي شهر يوليو، أفاد «التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي» (IPC) - الذي يضم نخبة من أبرز خبراء الأمن الغذائي في العالم - بأن ثلثي السكان، أي 1.4 مليون نسمة، «من المتوقع أن يواجهوا مستويات من انعدام الأمن الغذائي الحاد تصل إلى مرحلة الأزمة أو ما هو أسوأ، وذلك خلال الفترة الممتدة من يوليو إلى ديسمبر (كانون الأول) 2026».

وفي الوقت الحالي، يقول برنامج الأغذية العالمي إنه يستطيع الاستمرار في دعم المخابز التي توفر ثلث احتياجات غزة من الخبز وتوفر المساعدة الغذائية لنحو 300 ألف امرأة وطفل. كما أنه يقدم وجبات غذائية خفيفة لنحو مائتي ألف طفل.

وفي الضفة الغربية المحتلة، يواصل برنامج الأغذية العالمي تقديم المساعدات لنحو 200 ألف فلسطيني، بعد أن خفض عدد المستفيدين إلى النصف في سبتمبر (أيلول). وتقول الوكالة إن انعدام الأمن الغذائي آخذ في الارتفاع في القطاع، ويرجع ذلك في الغالب إلى تزايد عنف المستوطنين الإسرائيليين وتهجير الفلسطينيين.