أول كمبيوتر بيولوجي في العالم يطرح في السوق

بخلايا دماغ بشرية على شريحة من الرقائق الإلكترونية

الكمبيوتر البيولوجي CL1
الكمبيوتر البيولوجي CL1
TT

أول كمبيوتر بيولوجي في العالم يطرح في السوق

الكمبيوتر البيولوجي CL1
الكمبيوتر البيولوجي CL1

أطلقت شركة «كورتيكال لابز» الأسترالية أخيراً أول كمبيوتر بيولوجي في العالم، بسعر 35000 دولار أميركي للوحدة.

«أول حاسوب بيولوجي»

وفي تطورٍ مستوحى من الخيال العلمي، أطلقت الشركة الناشئة ما أسمته «أول حاسوب بيولوجي بالرموز الكمبيوترية قابل للاستخدام في العالم» code-deployable biological computer، أو باختصار CL1، الذي طُرح لأول مرة في مارس (آذار) الماضي. ويدمج الجهاز خلايا الدماغ البشرية على شريحة سيليكون لمعالجة المعلومات عبر حلقات تغذية راجعة كهربائية خلال زمن لا يتجاوز الألف من الثانية.

دراسة تفاعل خلايا الدماغ مع المحفزات

صُمم جهاز CL1 باعتباره أداة موجهة لأبحاث علم الأعصاب والتكنولوجيا الحيوية، وهو يوفر طريقة جديدة لدراسة كيفية معالجة خلايا الدماغ للمحفزات، والمنبهات، وتفاعلها معها.

وبخلاف الأنظمة التقليدية القائمة على السيليكون، تستخدم هذه المنصة الهجينة خلايا عصبية بشرية حية قادرة على التكيف، والتعلم، والاستجابة للمدخلات الخارجية في الزمن الحقيقي.

رقائق إلكترونية تحمل خلايا دماغ بشرية

دماغ اصطناعية صغيرة

ونقل موقع مجلة «المهندسين الكهربائيين الأميركيين» الإلكتروني عن عالم الأعصاب النظري كارل فريستون من جامعة كلية لندن: «من وجهة نظري، يُمكن اعتبار CL أول حاسوب مُحاكٍ بيولوجي مُتاح تجارياً، وهو الأفضل في مجال الحوسبة العصبية الشكلية التي تستخدم الخلايا العصبية الحقيقية... ومع ذلك، فإن الهدية الحقيقية لهذه التقنية ليست لعلوم الكمبيوتر، بل لكونها تقنية تُمكّن العلماء من إجراء تجارب على دماغ اصطناعية صغيرة».

التسويق يبدأ هذا الصيف

سيبدأ شحن أول 115 وحدة هذا الصيف بسعر 35000 دولار أميركي للوحدة، أو 20000 دولار أميركي عند شرائها في رفوف خوادم تحتوي على 30 وحدة. كما تُقدم مختبرات «كورتيكال لابز» خدمة «البرمجيات الرطبة» بوصفها خدمة سحابية بسعر 300 دولار أميركي أسبوعياً للوحدة، ما يُتيح الوصول عن بُعد إلى مزارع الخلايا الداخلية.

800 ألف خلية مزروعة

يحتوي كل كمبيوتر بيولوجي CL1 على 800000 خلية عصبية بشرية مزروعة في المختبر، ومُعاد برمجتها من الجلد، أو عينات دم متبرعين بالغين حقيقيين. تبقى الخلايا قابلة للحياة لمدة تصل إلى ستة أشهر، تغذيها منظومة دعم الحياة التي تُوفر العناصر الغذائية، وتتحكم في درجة الحرارة، وتُرشّح الفضلات، وتحافظ على توازن السوائل. في هذه الأثناء، تُطلق الخلايا العصبية الإشارات، وتُفسّرها، مُتكيّفةً مع كل تفاعل.

بفضل طاقة CL1 المدمجة، وحجمها الكبير، يُمكن أن تُصبح جاذبةً للتجارب المُوسّعة. يستهلك رفّ من وحدات CL1 الكمبيوتر الجديد بين 850 و1000 واط، أي أقلّ بكثير من عشرات الكيلوواط التي يتطلبها مركز بيانات يُشغّل أحمال عمل الذكاء الاصطناعي.

دراسة استجابات الدماغ

يقول بريت كاغان، الرئيس العلمي لشركة «كورتيكال لابز»: «تُولّد خلايا الدماغ نبضات كهربائية صغيرة للتواصل مع شبكة أوسع... يمكننا القيام بشيء مُشابه عن طريق إدخال نبضات كهربائية صغيرة تُمثّل أجزاءً من المعلومات، ثم قراءة استجاباتها. يقوم CL1 بذلك آنياً باستخدام شيفرة بسيطة مُجرّدة من خلال طبقات مُتفاعلة مُتعددة من البرامج الثابتة والأجهزة. وتقرأ خلال زمن لا يتجاوز الألف من الثانية المعلومات، وتتفاعل معها، وتكتب معلومات جديدة في مزرعة الخلايا».

دماغ على شريحة لتطوير الأدوية

يقول كاغان إن مختبرات «كورتيكال لابز» شهدت اهتماماً كبيراً من الجامعات والشركات الناشئة والهيئات الحكومية التي تستكشف تطبيقات في اكتشاف الأدوية، والحوسبة العصبية، وتسريع الذكاء الاصطناعي، وتعدين البيتكوين. كما تواصلت شركات عديدة واعدة من قطاعي الموسيقى والترفيه، وتستكشف الشركة فرص تعاون تدمج الحوسبة البيولوجية مع الفن التجريبي، مثل مشروع حديث درس في البداية استخدام CL-1 للتواصل مع خلايا دماغ ملحن متوفى، لكنه اختار في النهاية نظاماً مختلفاً.

تعتبر مختبرات «كورتيكال لابز» الكمبيوتر بمثابة «تكنولوجيا منصة» أساسية لاكتشاف الأدوية، ونمذجة الأمراض التي تستهدف حالات مثل الصرع، ومرض ألزهايمر. ويقول كاغان: «بما أننا نستخدم خلايا الدماغ البشرية باعتبار أنها جهاز لمعالجة المعلومات، يمكننا استخدام متبرعين أو سلالات خلوية مختلفة للعثور على روابط جينية قد تمثل مرضاً، أو مجرد اختلافات فردية».

يشير كاغان إلى أن الأدوية النفسية العصبية تُسجّل بعضاً من أعلى معدلات الفشل في التجارب السريرية، ويعود ذلك جزئياً إلى فشل النماذج ما قبل السريرية الحالية في رصد وظيفة خلايا الدماغ الفعلية، أي كيفية معالجة الخلايا للمعلومات في الوقت الفعلي.

نموذج مطور

يعتمد نظام CL1 على النموذج الأولي الأصلي لـنظام «دش برين» DishBrain من نفس الشركة، والذي درّب مزارع الخلايا على لعب لعبة الأركيد الكلاسيكية «بونغ» في بيئة محاكاة. وتعلمت هذه المزارع تتبع الكرة، والتحكم في المضرب، ما أظهر سلوكاً موجهاً نحو الهدف في المختبر.

أفادت ورقة بحثية نُشرت في مجلة «Neuron» عام 2022 بتعلم الخلايا في غضون دقائق من اللعب، حيث تنظم الخلايا العصبية نفسها، وتتكيف مع التغذية الراجعة الحسية. وفي تجارب أخرى، وجدت الشركة أن هذه الشبكات البيولوجية غالباً ما تتفوق على خوارزميات التعلم المعزز العميق في كفاءة العينات، وتحسين التعلم.

طبقت تجربة «دش برين» التجريبية مبدأ الطاقة الحرة لكارل فريستون لاختبار إمكانية ظهور الاستدلال النشط -آلية الدماغ لتقليل المفاجأة من خلال التغذية الراجعة- في الأنظمة العصبية البيولوجية. ويصف فريستون، الذي طور هذا الإطار في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، تقنية CL1 بأنها «إنجاز رائع»، و«خاتمة سنوات من الابتكار النظري والفيزيائي الحيوي».

ويُضيف فريستون: «يُتيح هذا النظام دراسة آثار التحفيز والأدوية والإصابات الاصطناعية على كيفية تعلم الدوائر العصبية، واستجابتها في بيئة مغلقة عندما تكون الشبكة العصبية في حالة تبادل مع عالم من المُحاكاة». «باختصار، أصبح لدى التجريبيين الآن (دماغ في وعاء) صغير، وهو أمرٌ طالما حلم به الفلاسفة لعقود».

الحوسبة البيولوجية... توسع مذهل

يُمثل CL1 توسعاً كبيراً عن سلفه «دش برين»، إذ يُضيف نظام دعم الحياة على متنه، ويزيد من مُدخلاته من 8 إلى 59، ويُقلل زمن الوصول من 5مللي ثانية إلى مستويات أقل من مللي ثانية.

وتخطط مختبرات «كورتيكال لابز» لتحسين أداء الكمبيوتر البيولوجي بشكل مُطرد مع مرور الوقت، مُستعينةً بقابلية التوسع الطبيعية في علم الأحياء. يقول كاغان: «في حين أن إنتاج 100000 خلية عصبية يكلفنا مبلغاً كبيراً، فإن إنتاج مليون خلية يكلفنا جزءاً ضئيلاً فقط، ولا يزيد كثيراً عن إنتاج 100 مليون خلية، لأن علم الأحياء ينمو بشكل كبير». ويضيف: «لن تواجه صعوبة في توسيع نطاق زراعة الخلايا إلى مستوى مليار أو تريليون خلية، كما هو الحال في اللحوم المزروعة في المختبر، حينها ستضطر إلى استخدام تقنية مختلفة. لكن إنتاج مئات الملايين أمر سهل للغاية».

مهارات وأخلاقيات المستخدمين

في حين أن مختبرات «كورتيكال لابز» لا تسعى إلى السيطرة على تطبيقات CL1، فإنها تشترط على العملاء الحصول على موافقة أخلاقية لإنتاج سلالات خلوية. يجب على مشتري الوحدات المادية أيضاً أن يكون لديهم مختبر زراعة خلايا مناسب. يقول كاغان: «لا نريد شخصاً يفتقر إلى المهارات، أو القدرة، أو السلامة. إنه ليس شيئاً يجب القيام به في مرأبك».

يتمثل هدف الشركة على المدى الطويل في إطلاق العنان لذكاء بشري باستخدام خلايا الدماغ. يُصوّر كاغان «الذكاء المُهندَس بيولوجياً» بأنه خطوة تتجاوز نماذج الدماغ في طبق، بهدف تصميم مزارع الخلايا العصبية لأداء وظائف قد تتجاوز في النهاية القدرات البشرية التقليدية.


مقالات ذات صلة

«كلود كوورك»... أداة جديدة تعتمد الذكاء الاصطناعي لتنفيذ المهام المكتبية

تكنولوجيا يسهم في تسريع إنجاز المهام اليومية وتقليل الأعمال الروتينية وتعزيز كفاءة الإنتاجية داخل بيئات العمل «كلود»

«كلود كوورك»... أداة جديدة تعتمد الذكاء الاصطناعي لتنفيذ المهام المكتبية

تقوم الأداة بتحليل المحتوى والتخطيط للتنفيذ ثم إتمام المهمة ورفع المخرجات في نفس المكان دون الحاجة لسلسلة من التعليمات التفصيلية.

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
تكنولوجيا تُظهر بيانات عام 2025 أن الغالبية العظمى من هجمات التصيد الاحتيالي تستهدف سرقة بيانات تسجيل الدخول للحسابات الإلكترونية (شاترستوك)

47 مليون رابط تصيد احتيالي استهدف مستخدمي الشرق الأوسط خلال عام

تكشف «كاسبرسكي» تصاعد التصيد الاحتيالي في الشرق الأوسط حيث تُسرق بيانات الدخول ويُعاد بيعها، ما يحول الهجمات الفردية إلى مخاطر سيبرانية طويلة الأمد.

نسيم رمضان (لندن)
خاص خبراء: سيادة الذكاء الاصطناعي باتت محوراً استراتيجياً يُعاد عبرها تعريفه بوصفه بنية تحتية وطنية وصناعية لا أدوات تقنية منفصلة (شاترستوك)

خاص من التجارب إلى المصانع... كيف يتحول الذكاء الاصطناعي بنيةً تحتية وطنية؟

ينتقل الذكاء الاصطناعي في الخليج من مرحلة التجارب إلى أنظمة تشغيلية سيادية، تُبنى بوصفها بنيةً تحتية صناعية وطنية قادرة على التوسع والحوكمة وتحقيق قيمة اقتصادية

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا جهاز «بوكس نوت إير5 سي» بمواصفاته المتقدمة وشاشته الملونة

أحدث أجهزة الحبر الإلكتروني الملون... للقراءة وتعزيز الإنتاجية

تصاميم بدعم متقدم للتعرف على خط اليد باللغة العربية وعمر ممتد للبطارية

خلدون غسان سعيد (جدة)
يوميات الشرق الفريق البحثي طور عملية تصنيع مبتكرة لبطاريات الحالة الصلبة (معهد بول شيرر السويسري)

تقنية جديدة لمكافحة اشتعال البطاريات الكهربائية ورفع كفاءتها

كشف باحثون في معهد «بول شيرر» السويسري عن تقنية جديدة تمثل اختراقاً مهماً يقرب بطاريات الليثيوم المعدنية ذات الحالة الصلبة من التطبيق العملي

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي توقّع مسار المرض قبل حدوثه

حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
TT

حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي توقّع مسار المرض قبل حدوثه

حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية

لم يعد السؤال في الطب الحديث: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي تشخيص المرض، بل أصبح السؤال الأعمق والأخطر: هل يمكنه توقّع مسار المرض قبل أن يُظهر الجسد أولى علامات التمرّد، ففي الطب ليست المشكلة دائماً في نقص المعرفة، بل في ضيق الزمن.

إشارات الأمراض المتسللة داخل الجسد

إن كثيراً من الأمراض لا تبدأ صاخبة، بل تتسلّل همساً داخل الجسد، وتترك إشارات دقيقة لا يلتقطها الفحص التقليدي، ولا ينتبه إليها الطبيب إلا حين تتحوّل إلى أعراض واضحة، وأحياناً متأخرة. وهنا تحديداً، لا يَعِد الذكاء الاصطناعي بإجابات أسرع فحسب، بل برؤية مختلفة: أن يقرأ الإشارات الصامتة قبل أن تتحوّل إلى شكوى، وأن يفهم المرض كمسارٍ زمني لا كلحظة تشخيص، وكأن الطب ينتقل من التقاط «صورة» للجسد إلى قراءة «قصته». وهذا التحوّل لا يمثّل مجرد تطوّر تقني، بل يمثل تغييراً في فلسفة الطب نفسها: من علاج ما حدث إلى محاولة فهم ما هو في طريقه إلى الحدوث.

الانتقال من «لقطة» الحالة إلى «قصة» المرض

على مدى السنوات الماضية، عمل الذكاء الاصطناعي في الطب بوصفه أداة مساعدة فورية؛ يحلّل صورة أشعة، ويقرأ نتيجة تحليل مِخبري، أو يقترح تشخيصاً في لحظة زمنية محددة. وكان أداؤه، في جوهره، أشبه بالتقاط «صورة ثابتة» للحالة الصحية، ثم التوقّف عندها. غير أنّ الطب، بطبيعته، لا يعيش في الصور، بل في الزمن. اليوم، تتقدّم نماذج ذكاء اصطناعي جديدة لا تنظر إلى المرض على أنه حدث معزول، بل كسردٍ زمني متصل، نماذج لا تكتفي بسؤال: ما الذي يعانيه المريض الآن، بل تحاول الإجابة عن أسئلة أعمق وأكثر جرأة: كيف بدأت القصة الصحية، وكيف تطوّرت خطوةً خطوة، وإلى أي اتجاه يسير هذا المسار إن تُرك دون تدخّل، وماذا يتغيّر في المستقبل لو اتُّخذ قرار علاجي مختلف اليوم. وبهذا التحوّل، لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد «عدسة تشخيص» تلتقط اللحظة، بل يتحوّل إلى نظام توقّع وتخطيط يحاكي الجسد عبر الزمن، ويختبر الاحتمالات قبل أن يختبرها المريض في واقعه.

حين تُساند الخوارزميات القرار الطبي

محاكاة المستقبل الصحي... السيناريوهات الافتراضية

تعتمد هذه النماذج الذكية على قراءة سلاسل زمنية طويلة من بيانات المريض، تشمل صوراً طبية متعاقبة، ونتائج مخبرية عبر الزمن، وسِجلات الأدوية، واستجابات العلاج، وفترات التحسّن والتدهور. ومن خلال هذا التراكم، لا يكتفي النموذج بالتحليل، بل يبني تمثيلاً داخلياً يحاكي السلوك البيولوجي للجسد، كما لو كان نظاماً حياً يتعلّم من تاريخه. وبهذا التمثيل، يصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على محاكاة تطوّرات مستقبلية محتملة، لا على توقّع مسار واحد فقط، بل على استكشاف عدة مسارات متوازية.

وهنا تبرز إحدى أقوى قدرات هذه النماذج: القدرة على طرح أسئلة «ماذا لو؟»، قبل أن يطرحها المرض على جسد المريض؛ ماذا لو بدأ التدخّل العلاجي قبل ظهور الأعراض السريرية، وماذا لو اختير دواء أقل شدّة لكن في توقيت أدق، وماذا لو تأخّر القرار العلاجي أسبوعين فقط.

وما كان يعتمد سابقاً على الخبرة السريرية والحدس الطبي يمكن، اليوم، محاكاته رقمياً، اعتماداً على أنماط مستخلَصة من ملايين الحالات البشرية، ليقدّم للطبيب خريطة احتمالات بدل إجابة واحدة جامدة، ويعيد القرار الطبي إلى موقعه الطبيعي: قرار إنساني... مدعوم برؤية زمنية أوسع.

حين يقرأ الذكاء الاصطناعي صحتك من نومك

في مطلع عام 2026، ظهر مثال لافت يوضّح كيف يمكن لبيانات تبدو «غير طبية» في ظاهرها أن تتحوّل إلى نافذة مبكرة على المرض. ففي يناير (كانون الثاني) الحالي، أعلن فريق بحثي من معهد ستانفورد للطب «Stanford Medicine»، تطوير نموذج ذكاء اصطناعي جديد يحمل اسم «SleepFM»، بقيادة الدكتور إيمانويل مينيو، وبمشاركة الأستاذ جيمس زو. ونُشرت نتائج هذا العمل في مجلة «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine)، مطلع العام نفسه.

وتكمن الفكرة، على بساطتها، في تحليل بيانات ليلة نوم واحدة فقط، مثل أنماط التنفّس، ونبض القلب، وإشارات الدماغ، وحركة الجسد، لا لفهم جودة النوم فحسب، بل للتنبؤ بمخاطر صحية مستقبلية قد تمتد لسنوات. ووفق ما أظهرته الدراسة، استطاع النموذج توقّع مخاطر أكثر من 130 حالة صحية مختلفة؛ من بينها أمراض القلب والكلى وبعض الاضطرابات العصبية، بدقة تفوقت على نماذج تقليدية تعتمد على فحوصات طبية متفرقة أو بيانات لحظية.

هنا يتغيّر معنى النوم نفسه، فلم يعد مجرد «استراحة للجسد»، بل تحوّل إلى لغة بيولوجية صامتة، لغة يقرأها الذكاء الاصطناعي بدقة؛ لأن كثيراً من الأمراض لا تبدأ بالألم، بل بتغيّرات فيسيولوجية دقيقة تسبق إحساس المريض بمرضه بوقتٍ طويل.

أين تتألّق هذه النماذج؟

تتجلّى القيمة الحقيقية للنماذج الزمنية للذكاء الاصطناعي في مواجهة الأمراض التي لا تُعلن عن نفسها مبكراً، بل تتقدّم ببطءٍ وصمت، وتراهن على عامل واحد: الزمن.

- السرطان إذ قد يحدّد توقيت التدخّل الفرق بين فرصة النجاة وتراجعها.

- أمراض القلب التي تتقدّم في الخفاء، قبل أن تظهر على هيئة نوبة مفاجئة.

- السكري حيث لا يكون الخطر في لحظة واحدة، بل في تراكم أضرار صغيرة على مدى سنوات.

- الأمراض العصبية التدريجية حيث لا يصبح المرض وحده التحدّي، بل يصبح الزمن نفسه العدوّ الأول.

في مثل هذه الحالات، لا يكفي أن نعرف أين يقف المريض اليوم. فالطب الحديث يحتاج إلى أدوات قادرة على رؤية المسار كاملاً: من أين بدأ الخلل، وكيف يتقدّم، وأين يمكن إيقافه، قبل أن يفرض نفسه أمراً واقعاً.

عودة إلى جذور الطب... مع قوة البيانات

المفارقة أن هذا التقدم التقني لا يبتعد بالطب عن جوهره، بل يعيده، بطريقة غير مباشرة، إلى أصوله الفلسفية الأولى. ففي الطب الكلاسيكي، لم يكن المرض حدثاً طارئاً يظهر فجأة، بل هو مسار متصل، ولم يكن العلاج وصفة ثابتة، بل هو قرار حيّ يتغيّر مع تغيّر حال المريض وزمنه.

والذكاء الاصطناعي، في صورته الناضجة، لا يناقض هذا الفهم الإنساني، بل يعيد ترجمته إلى لغة البيانات والمحاكاة الدقيقة؛ فهو لا يكتفي بالتقاط «لقطة» للجسد في لحظة واحدة، بل يسعى إلى فهم «قصة الجسد» عبر الزمن، ويضع أمام الطبيب سيناريوهات مختلفة بشأن كيف يمكن أن تتغيّر النهاية... قبل أن تُكتب. وبهذا المعنى، لا يستبدل الذكاء الاصطناعي الطبيب، بل يعيد إليه ما سلبه ضغط الزمن: الرؤية الأوسع، والمسافة التأملية، وحرية القرار.

التحدّي الفلسفي والأخلاقي: من يقرّر؟

مع هذا التطوّر المتسارع، يبرز سؤال جوهري لا يمكن تجاهله: إذا أصبحت الخوارزميات قادرة على توقّع المسار الصحي قبل أن يتكشّف، فأين يبقى موقع حرية القرار الإنساني. يحذّر الباحثون بوضوحٍ من الانزلاق إلى وهم الحتمية الرقمية، فهذه النماذج، مهما بلغت دقّتها، يجب ألا تعمل منفردة. التنبؤ ليس قدراً محتوماً، والبيانات، مهما اتّسعت، لا تستطيع اختزال تعقيد الإنسان في معادلة، فالقرار الطبي الحقيقي لا يُبنى على الأرقام وحدها، بل يتشكّل عند تقاطع العلم مع السياق النفسي والاجتماعي والإنساني للمريض، حيث تلعب القيم والظروف والاختيارات الشخصية دوراً لا يمكن تفويضه لخوارزمية. وبهذا المعنى، يظل الذكاء الاصطناعي أداة للرؤية لا للحُكم، يساعد الطبيب على توسيع أفق القرار، لكنه لا يملك، وينبغي ألا يُمنح، حق الاختيار.

خاتمة: بوصلة أم قائد بلا ضمير؟

نقف، اليوم، أمام لحظة فاصلة في تاريخ الطب، فإمّا أن يصبح الذكاء الاصطناعي بوصلة تنير الطريق أمام الطبيب، تساعده على رؤية الصورة الكاملة قبل فوات الأوان، وإمّا في حال غياب الوعي والإشراف، أن يتحوّل إلى قائد بلا ضمير يختزل الإنسان في أرقام. فالطب، في جوهره، ليس مجرد البحث عن الإجابة الصحيحة، بل اتخاذ القرار الحكيم في اللحظة المناسبة. وحين تُستخدم هذه التقنيات بمسؤولية، قد تصبح أعظم أداة أعادت للطبيب ما كاد يفقده تحت ضغط السرعة والبيانات: القدرة على استشراف المستقبل الصحي قبل أن يتحوّل إلى ماضٍ لا يمكن تغييره.


رحلات الفضاء تغيّر شكل الدماغ ومكانه داخل الجمجمة

أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
TT

رحلات الفضاء تغيّر شكل الدماغ ومكانه داخل الجمجمة

أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)

أظهرت دراسة جديدة حول الآثار الصحية لرحلات الفضاء أن أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية.

وبحسب شبكة «سكاي نيوز» البريطانية، فقد فحص الباحثون صور الرنين المغناطيسي لـ26 رائد فضاء قبل وبعد رحلتهم الفضائية.

ووجدت الدراسة أن الدماغ يتحرك «إلى الأعلى والخلف داخل الجمجمة» بعد رحلة الفضاء، مع تسجيل أكبر قدر من هذا التحرك في المناطق الحسية والحركية.

وأفادت الدراسة بوجود «تشوهات معقدة وغير متساوية في شكل بعض مناطق الدماغ، تختلف بين الأجزاء العلوية والسفلية».

وقارن الباحثون أيضاً النتائج بصور الرنين المغناطيسي لـ24 مشاركاً مدنياً على الأرض، خضعوا لتجربة تحاكي انعدام الجاذبية عبر الاستلقاء لفترات طويلة مع إمالة الرأس إلى الأسفل.

ووجد العلماء تغيرات مماثلة في شكل وموضع أدمغة المشاركين المدنيين، لكن التغيرات كانت أكثر وضوحاً لدى رواد الفضاء، خاصة لدى من قضوا فترات أطول في الفضاء.

وأكد فريق الدراسة أن «آثار تشوهات الدماغ المرتبطة برحلات الفضاء على الصحة والأداء البشري تتطلب مزيداً من البحث لتمهيد الطريق لاستكشاف الفضاء بشكل أكثر أماناً»، مضيفاً أنه «على الرغم من أن معظم تشوهات الدماغ تعافت خلال ستة أشهر بعد الرحلة، لكن بعضها استمر».

وصرحت راشيل سيدلر، الأستاذة في قسم علم وظائف الأعضاء التطبيقي وعلم الحركة بجامعة فلوريدا والمشاركة في إعداد الدراسة: «نحن بحاجة إلى فهم هذه التغيرات وآثارها للحفاظ على سلامة رواد الفضاء وصحتهم وضمان طول أعمارهم».

وفي حديثها عن تأثير مدة الإقامة في الفضاء على الدماغ، قالت سيدلر: «أظهر الأشخاص الذين قضوا عاماً كاملاً في الفضاء أكبر قدر من التغيرات. مع ذلك، لوحظت بعض التغيرات لدى الأشخاص الذين قضوا أسبوعين فقط».

وسبق أن ذكرت دراسة أجريت عام 2023 أن الرحلات الفضائية التي تستمر 6 أشهر أو أكثر تؤثر سلباً على أدمغة رواد الفضاء، مشيرة إلى أن أفراد الطاقم قد يحتاجون إلى الانتظار لمدة 3 سنوات على الأقل قبل العودة إلى الفضاء مرة أخرى.

وكشفت الدراسة التي قامت بمسح أدمغة 30 رائد فضاء عن أن بطينات المخ، أو التجاويف داخل الدماغ المليئة بالسائل النخاعي، توسعت بشكل كبير داخل أدمغة رواد الفضاء الذين ذهبوا إلى محطة الفضاء الدولية في مهمات استمرت 6 أشهر على الأقل.


كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟
TT

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

في سعينا لتحديد شخصية المصاب بالاعتلال النفسي أو «السايكوباث» (Psychopath)، يمكننا ملاحظة بعض السلوكيات مبكراً، غالباً خلال الدقائق الأولى من اللقاء، كما كتب جيف هادن(*).

ميول متميزة

ووفقاً لما يطرحه العلم، فإن هؤلاء الأشخاص يميلون إلى إظهار ميول معينة تُميزهم عن غيرهم. ومع أن تشخيص الاعتلال النفسي بشكل قاطع يتطلب تقييماً دقيقاً، فإن هناك عدة علامات قد تُشير إلى أن شخصاً ما قد يكون مريضاً نفسياً، بناءً على أنماط سلوكية.

1. الهوس بالمتعة والمال والسلطة: تُشير الأبحاث إلى أن المختلين عقلياً أكثر ميلاً للحديث عن موضوعات تتعلق بالطعام والجنس والمال، وهي موضوعات تركز على المتعة الجسدية أو الثروة المادية. وهم غالباً ما يتجنبون النقاشات حول الأسرة أو الدين أو القضايا الروحانية، أي تلك المجالات التي ينخرط في الحديث عنها عادةً الأشخاص المتعاطفون. إذا كان شخص ما مهووساً بشكل مفرط بهذه الموضوعات، فقد يكون ذلك مؤشراً تحذيرياً.

النرجسية وغياب التعاطف

2. النرجسية المفرطة: غالباً ما يُظهر المختلون عقلياً شعوراً مبالغاً فيه بقيمتهم الذاتية، فقد يتباهون بأهدافهم الطموحة، لكنهم يعجزون عن تقديم خطط عملية لتحقيقها. وفي حين يركز الأشخاص الناجحون على العمليات الرئيسية للوصول إلى أهدافهم، يميل المرضى النفسيون في المقابل إلى التصرف كأنهم قد حققوا أهدافهم بالفعل، دون أدنى اعتبار للجهد المطلوب لبلوغها.

3. غياب التعاطف غير اللفظي: يُظهر التعاطف عادةً من خلال الإشارات غير اللفظية، مثل تقليد تعبيرات وجه الآخرين أو إيماءاتهم. إلا أن المرضى النفسيين يعجزون عن ذلك. على سبيل المثال، قد لا يُقلدون ابتسامتك عندما تكون سعيداً، أو لا يتجهمون عندما تروي قصة حزينة.

الركض وراء المكافآت

4. التركيز المفرط على المكافأة: يميل دماغ الشخص المريض نفسياً إلى السعي وراء المكافآت بأي ثمن تقريباً، إذ ترتفع لديه استجابة الدوبامين عند المكافآت، ما يدفعه إلى تحقيق أهدافه دون التفكير ملياً في العواقب. وفي حين يسعى الجميع إلى المكافآت، غالباً ما يتجاهل المرضى النفسيون المخاطر والأخطار المصاحبة لسعيهم وراءها. وقد يطغى هوسهم بالمكافأة على إحساسهم بالمسؤولية الأخلاقية، ما يجعلهم متهورين في تصرفاتهم.

5. الازدهار في ظل قيادة سيئة: غالباً ما يزدهر المرضى النفسيون في بيئات سامة وعالية التوتر، كما ويزدهرون تحت قيادة رؤساء صعاب المراس، ومتغطرسين، وذوي مطالب كثيرة، أو يفتقرون إلى النزاهة.

ويتميز المرضى النفسيون بهدوئهم، وشجاعتهم، وقدرتهم على التعامل مع هذه البيئات دون حصول اضطراب عاطفي، مثل الذي يصيب الآخرين. غالباً ما تدفعهم هذه القدرة إلى الأمام في حياتهم المهنية، إذ يبقون بمنأى عن التحديات التي تثبط عزيمة معظم الموظفين.

التعامل بوعي

إذا وجدت نفسك تعمل مع شخص يُشتبه في كونه مختلاً عقلياً فمن المهم التعامل مع الموقف بوعي، إذ يُجيد المرضى النفسيون التلاعب؛ لذا من الضروري التركيز على الأفعال لا الأقوال. ابحث عن سُبل لخلق مواقف مُربحة للطرفين، إذ غالباً ما يكون هؤلاء المرضى أكثر استعداداً للتعاون إذا رأوا مكاسب شخصية.

وبفهم هذه المؤشرات المبكرة والحفاظ على الذكاء العاطفي، يُمكنك التعامل مع المرضى النفسيين بفاعلية أكبر.

* «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».