«طرف خيط»: عودة امرأة إلى ذاتها عبر مسرح الحياة

أسيل عياش تُحاكي تناقضات الأمومة وأسئلتها المسكوت عنها

المرأة راوية ومُتسائلة تبحث عن ذاتها في زحمة الأدوار (أسيل عياش)
المرأة راوية ومُتسائلة تبحث عن ذاتها في زحمة الأدوار (أسيل عياش)
TT

«طرف خيط»: عودة امرأة إلى ذاتها عبر مسرح الحياة

المرأة راوية ومُتسائلة تبحث عن ذاتها في زحمة الأدوار (أسيل عياش)
المرأة راوية ومُتسائلة تبحث عن ذاتها في زحمة الأدوار (أسيل عياش)

في مسرحيتها «طرف خيط»، تُطلّ الممثلة اللبنانية أسيل عياش على الخشبة كما لو أنها تعود إلى حبٍّ أول ظلَّ يتّقد رغم الغياب، ويُشعل فيها لهفة لا تخبو. سنواتٌ من الفرقة فصلتها عن المسرح، لكنها تعود إليه كأنها لم تغادره؛ إلى ذاك الحبّ الأوحد الذي لم ينافسه في قلبها عشقٌ آخر. تتجاوز عودتها كونها خطوة فنية، فتتراءى فعلاً غريزياً ينطوي على كل ما يمكن لمشاعر البشر أن تحتويه: الغضب والرفض، والشوق والحنين، ومراجعة الذات وأسئلة الآخرين، والعلاقة بالهوية والجسد، والحق في مساءلة ما يُفتَرض أن يكون بدهياً.

لا تُدين المسرحية أحداً ولا تقف في موقع القاضي (أسيل عياش)

المسرح هنا مساحة للبوح ونافذة على داخل امرأة تحمل على كتفيها أثقال التجربة. هو مساحة تنطق بلسانها، لكنها سرعان ما تتحوَّل ناطقةً بألسنة كثيرات. وإذا كانت الأمومة هي الثيمة المُعلَنة، فإنها ليست سوى مدخل إلى مُساءلات أعمق، تُعنَى بالعطاء والإلغاء، بالحضور والذوبان، بالهوية والدور الاجتماعي. لا تُدين المسرحية أحداً، ولا تقف في موقع القاضي، بل تُقصي الرجل من المعادلة لتُركّز على المرأة، فتُظهرها بما يتخطّى كونها مُشتكية أو ضحية، إلى الدور الذي تريده الفنانة: المرأة راوية ومُتسائلة، تبحث عن ذاتها في زحمة الأدوار.

لا محاكمات في «طرف خيط». ثمة استرداد للحق عبر الحكي، ومحاولة لفَهْم ما جرى من دون الحاجة إلى التبرير أو الاتهام. تبوح أسيل عياش لتُريح قلبها وتُثبت أنها موجودة خارج الصورة التي يُراد لها أن تبقى حبيستها. صورة الأم، والزوجة، والمرأة «المثالية» كما يرسمها المجتمع. ومع أنّ الأمومة لا تُقدَّم بوصفها قيداً أو عبئاً، فإنها لا تظهر أيضاً على شكل فعل حرّ خالص. تبقى عالقةً في تلك المنطقة الرمادية التي تختبرها كثيرات: الرغبة في الإنجاب، ثم التخبُّط في التبعات، ومحاولة التكيُّف مع جسد تغيَّر، وصورة تصدَّعت، ودور صار يتطلَّب منهنَّ كل شيء تقريباً.

المسرح نافذة على داخل امرأة تحمل أثقال التجربة (أسيل عياش)

الممثلة التي قرَّرت أن تُصبح أمّاً بكل إرادتها، لم تتردَّد في فتح الجراح. لم تُخبّئ خوفها من المسؤولية، ولا قلقها من تلك «التكلفة» العالية التي لم تكن في الحسبان. تستعرض بأسئلتها ما لا يُقال عادةً، وما يُخزَّن في زوايا النفس المُعتِمة. لا تدَّعي البطولة، ولا تهتمّ لأمرها. تُفضِّل أن تقف في منطقة هشّة وأن تواجه المألوف وتطلب حق التفسير.

تعود إلى المسرح كأنها لم تغادره (أسيل عياش)

الجسد في المسرحية ليس مجرَّد حامل للحكاية؛ هو بطل قائم بذاته. جسدٌ شهد على الهزائم والانتصارات، على الأذى والشفاء، تعيده أسيل عياش إلى الخشبة، وهو المكان الذي يعرفه ويحبّه، في محاولة لمَنْحه حياةً أخرى. ومع ذلك، لا تأتي العودة على شكل تعويض مطلق. فقد تحقَّق الحلم وبقيت الغصّة. تحقَّق الإنجاز وبقي الأسى. كأنّ المسرحية تُعلن أنّ الشفاء ليس غاية؛ فهو مسار مُتعِب يتطلّب تكرار المحاولة، والإنصات الدائم لذلك الصوت في الأعماق الذي لا يهدأ، والذي يُطالب دائماً باحتمالات مفتوحة.

ما تفعله المسرحية أنها لا تُجيب، بل تطرح الأسئلة وتتركها معلّقَة، تُغني مساحات التفكير، وتُربِك المتلقّي. وهنا تكمن قوتها. ففيها حيّز للتأويل الشخصي، ولكلّ مُشاهد أن يرى انعكاساً لذاته من دون أن يضطرَّ إلى تبنّي قراءة واحدة. وبينما يحدُث ذلك، تمرُّ لقطات من حياة هذه المرأة: الفنانة، الزوجة، الأم، الإنسانة... حياةٌ تعرَّضت للخسائر، ولكن أيضاً مليئة بالمكاسب التي لا تُقاس بالمقاييس التقليدية، وإنما بما تتيحه من فَهْم الذات واستعادة المعنى.

لا محاكمات في «طرف خيط» بل استرداد للحق عبر الحكي (أسيل عياش)

في النهاية، يبدو المسرح كأنه إنجاب آخر. فكما أنجبت أسيل عياش ولدَيْن واختبرت من خلالهما أمومتها، ها هي تُنجب شخصية على الخشبة، تعيش معها مخاضها، وتشعر بها تنمو أمام الجمهور. في تلك اللحظة، يصبح المسرح حياة، والحياة مسرحاً. تختفي الحدود بين العالمَيْن، ويذوب الفاصل بين الحقيقي والمُتخيَّل، حتى لا يعود هناك ما يُميّز بين العرض والواقع.

لا شيء في «طرف خيط» جاهز أو معلَّب. الطرح فيها قابلٌ لإعادة التفكير. هو عرض يُكرِّس السؤال بكونه حقاً إنسانياً ويُزيح عن المرأة عبء الإجابات الجاهزة. لا نسوية مُتشنّجة فيه، ولا خطاب يجلد الآخر. لا رسائل مباشرة للرجل، ولا انتصار للمرأة على حساب أحد. المسرحية تتوجَّه إلى الداخل؛ إلى الإنسان في هشاشته، لتُذكّره بأنّ التفكير فعل حياة، والبوح قد يكون الخطوة الأولى نحو التصالح.


مقالات ذات صلة

«الهاربات»... مسرحية تونسية تربط الحكي بفنون الفُرجة

يوميات الشرق اعتمد العرض على التعبير الحركي بشكل كبير (إدارة المهرجان)

«الهاربات»... مسرحية تونسية تربط الحكي بفنون الفُرجة

يقدم العرض المسرحي التونسي «الهاربات» حكاية 6 شخصيات داخل فضاء واحد مغلق، في يوم يبدو عادياً، لكنه يتحول تدريجياً لمساحة لكشف الأسرار والخوف، والرغبة في النجاة.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق العرض ينافس على جوائز مهرجان المسرح العربي (إدارة المهرجان)

«من زاوية أخرى»... جريمة تكشف هشاشة الروابط الإنسانية

شكل التحقيق في جريمة قتل غامضة نقطة انطلاق المسرحية الكويتية «من زاوية أخرى»، التي عُرضت مساء (الثلاثاء) على خشبة مسرح «السامر» بمهرجان «المسرح العربي».

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق يحيى جابر وماريا الدويهي في مغامرة «القرنة البيضا» (ماريا الدويهي)

مسرحية «القرنة البيضا» ليحيى جابر مغامرة تستحق المشاهدة

يحيى جابر ظاهرة مسرحية وحدها. رسم لنفسه أسلوباً وراح يطوره، وينحته، ويضيف إليه بذكاء وحنكة، وبتجاريب لا تخلو من جرأة وطرافة.

سوسن الأبطح (بيروت)
يوميات الشرق مهرجان المسرح العربي يشهد منافسة 14 عرضاً من عدة دول (وزارة الثقافة المصرية)

«المسرح العربي» يحتفي بـ«النجوم القدامى» ويركز على ورش التمثيل

شهد حفل افتتاح الدورة الـ16 من مهرجان «المسرح العربي»، التي تقام هذا العام في مصر، حضوراً مؤثراً لنخبة بارزة من نجوم «المسرح المصري».

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق إسماعيل عبد الله وخالد جلال تحدثا عن عروض المهرجان (وزارة الثقافة المصرية)

مهرجان المسرح العربي يغازل الجمهور بالأعمال الكلاسيكية والكوميدية

أعلنت «الهيئة العربية للمسرح» المنظمة لمهرجان «المسرح العربي» عن فعاليات الدورة الـ16 التي تقام في القاهرة من 10 وحتى 16 يناير (كانون الثاني) الحالي.

داليا ماهر (القاهرة )

عاصفة اتهامات تطال خوليو إغليسياس... والمغنّي ينفي

اختبار لا تُقاس نتائجه بعدد الأسطوانات المباعة (أ.ف.ب)
اختبار لا تُقاس نتائجه بعدد الأسطوانات المباعة (أ.ف.ب)
TT

عاصفة اتهامات تطال خوليو إغليسياس... والمغنّي ينفي

اختبار لا تُقاس نتائجه بعدد الأسطوانات المباعة (أ.ف.ب)
اختبار لا تُقاس نتائجه بعدد الأسطوانات المباعة (أ.ف.ب)

في سنّ الـ82، سيكون على المغنّي خوليو إغليسياس أن يواجه إحدى أصعب مراحل حياته، بعد اتهامات بالتحرّش الجنسي من عاملتَيْن كانتا تشتغلان في منزله في جزر الكاريبي. والجمعة، خرج المغنّي الإسباني عن صمته ونشر كلمة على حسابه في «إنستغرام»، نفى فيها تهمة «التحرّش أو الاستغلال أو التعامل بقلّة احترام مع أيّ امرأة». وأضاف أنّ الاتهامات الموجَّهة له من امرأتَيْن سبق لهما العمل في خدمته «كاذبة تماماً»، وقد سبَّبت له حزناً عميقاً.

وتعود القضية إلى عام 2021. ووفق معلومات نشرتها صحيفة «إل دياريو» الإسبانية وقناة «أونيفيزيون نوتيسياس»، فإنّ المدّعية الأولى كانت تبلغ 22 عاماً في وقت الحادثة، وزعمت أنها تعرّضت للعنف اللفظي والجسدي، وكانت مُجبرة على إقامة علاقة مع المغنّي الذي سحر ملايين النساء في أنحاء العالم في ثمانينات القرن الماضي بأغنيات الحبّ الرومانسي. وأضافت: «كنتُ أشعر بأنني عبدة له ومجرّد شيء يستخدمه كلّ ليلة تقريباً». أما المدّعية الثانية فكانت تعمل معالجة نفسية لدى المغنّي، وتزعم أنه «قبَّلها في فمها ولمس جسدها لمسات غير مقبولة، وعانت إهانات في جوّ من المراقبة والتحرُّش والرعب».

وفي منشوره، قال المغنّي المُعتزل إنه لا يزال يمتلك القوة ليكشف للناس عن الحقيقة ويدافع عن كرامته ضدّ هذا الهجوم الخطير. كما أشار إلى عدد الرسائل التي وصلته من أشخاص يعربون عن دعمهم له ويؤكّدون فيها ثقتهم به.

بعد خروج القضية إلى العلن، ظهر على السطح تسجيل مصوّر لخوليو إغليسياس يعود إلى عام 2004. ويبدو المغنّي في الشريط المتداول عبر مواقع التواصل الاجتماعي وهو يقبّل بالقوة مذيعة تلفزيونية في برنامج يُبثّ على الهواء. وتُشاهد المذيعة وهي تحاول صدّه وتذكيره بأنه متزوّج، لكن كلامها لم يؤثّر في المغنّي الذي باعت أسطواناته ملايين النسخ. ووفق صحيفة «الصن» البريطانية، فإنّ القضاء الإسباني يُحقّق في الشكويين المقدّمتين من المدّعيتين إلى محكمة في مدريد.

يُذكر أنّ المغنّي كان قد وقَّع عقداً مع منصّة «نيتفليكس» لإنتاج فيلم عن حياته، على أنه أول فنان غير إنجليزي يدخل الأسواق الأميركية والآسيوية، وليُصبح واحداً من أفضل 5 بائعي التسجيلات في التاريخ. فخلال أكثر من 55 عاماً من مسيرته الفنّية، أدّى خوليو إغليسياس أغنيات بـ12 لغة، محقّقاً شهرة لم يبلغها فنان من مواطنيه.


موجة حنين تجتاح منصات التواصل… لماذا يعود المستخدمون فجأة إلى عام 2016؟

أشخاص يستخدمون هواتفهم أمام شعار منصة «إنستغرام» (رويترز)
أشخاص يستخدمون هواتفهم أمام شعار منصة «إنستغرام» (رويترز)
TT

موجة حنين تجتاح منصات التواصل… لماذا يعود المستخدمون فجأة إلى عام 2016؟

أشخاص يستخدمون هواتفهم أمام شعار منصة «إنستغرام» (رويترز)
أشخاص يستخدمون هواتفهم أمام شعار منصة «إنستغرام» (رويترز)

شهدت الأسابيع الأولى من عام 2026 موجةً واسعة من الحنين إلى الماضي على الإنترنت، حيث اتجه مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي إلى استعادة ذكريات سابقة من خلال نشر صور قديمة مُعدّلة بفلاتر بسيطة، مرفقة بتعليق شائع يقول: «2026 هي 2016 الجديدة».

وخلال الأسابيع القليلة الماضية، لاحظ مستخدمو منصات التواصل الاجتماعي، أثناء تصفحهم «إنستغرام» أو «تيك توك»، منشورات تُظهر حواجب مرسومة بعناية مع فلتر «سناب شات» على شكل جرو، أو صوراً رديئة الجودة التُقطت بهواتف «آيفون» لأشخاص يلعبون لعبة «بوكيمون غو»، في مشاهد تعبّر عن رثاء للعقد الماضي، وفقاً لصحيفة «إندبندنت».

ومنذ بداية العام الجديد، امتلأت صفحات التواصل الاجتماعي بصورٍ تُظهر أشخاصاً ينبشون أرشيفاتهم الرقمية التي تعود إلى ما قبل عشر سنوات، ويشاركون صوراً مُجمّعة ومقاطع فيديو منخفضة الجودة توثّق تلك المرحلة الزمنية.

وأفادت منصة «تيك توك» بأن عمليات البحث عن مصطلح «2016» ارتفعت بنسبة 452 في المائة خلال الأسبوع الأول من العام، كما تم إنشاء أكثر من 56 مليون مقطع فيديو باستخدام فلتر ضبابي مستوحى من أجواء ذلك العام.

وانضم المشاهير والمؤثرون إلى هذه الموجة أيضاً؛ إذ نشرت النجمة سيلينا غوميز صوراً قديمة لها من جولتها الغنائية في تلك الفترة، بينما نشر تشارلي بوث مقطع فيديو له وهو يغني أغنيته الشهيرة من عام 2016 «We Don't Talk Anymore».

إذاً.. لماذا عام 2016؟

إلى جانب كونه الذكرى السنوية العاشرة، كان عام 2016 حافلاً بظواهر ثقافة البوب؛ فقد أصدرت بيونسيه ألبوم «Lemonade»، وظهرت تايلور سويفت بشعرها الأشقر في مهرجان كوتشيلا. كما هيمنت أغاني ذا تشينسموكرز ودريك على الإذاعات، وظلت منصة الفيديوهات القصيرة «فاين» تحظى بشعبية جارفة قبل إغلاقها في يناير (كانون الثاني) عام 2017.

لكنّ الأمر لا يقتصر فقط على جماليات المبالغة والرموز الثقافية التي تقف خلف عبارة «2026 هو 2016 الجديد». إذ يبدو أن مستخدمي الإنترنت يستغلون هذه اللحظة لاستعادة ذكريات عالم كان أبسط وأقل تعقيداً من عالمنا الحالي.

ففي عام 2016، كانت جائحة «كورونا» لا تزال بعيدة الاحتمال. ولم تكن ولايتا دونالد ترمب الرئاسيتان قد بدأتا بعد، كما لم تكن المعلومات المضللة التي يولدها الذكاء الاصطناعي قد غزت منصات التواصل الاجتماعي.

وكتب أحد مستخدمي تطبيق «إكس» تعليقاً على هذه الظاهرة: «أتمنى لو أعود إلى عام 2016.. يا له من زمن رائع كنا نعيشه!».

لكن في المقابل، وبينما قد تُصوّر هذه الظاهرة المتفائلة عام 2016 على أنه الهدوء الذي سبق العاصفة، جادلت الكاتبة كاتي روسينسكي من صحيفة «إندبندنت» بأن المشاركين في هذه الموجة يتغاضون عن حقيقة أن ذلك العام شهد صعوبات مثل غيره من الأعوام، من بينها وفاة رموز ثقافية بارزة مثل برينس، وديفيد باوي، وكاري فيشر.

وتابعت روسينسكي: «إن إعادة ابتكار عام 2016 بوصفه ذروة مبهجة، تُثبت قدرتنا المستمرة على الحنين إلى الماضي، وقدرتنا على تحويل حتى الأوقات الصعبة إلى لحظات جديرة بالذكرى بعد مرور بضع سنوات فقط».


لكم ساعة يمكنك ممارسة ألعاب الفيديو «دون آثار سلبية خطيرة»؟

شخص يجلس أمام شاشة خلال المشاركة في لعبة إلكترونية (رويترز)
شخص يجلس أمام شاشة خلال المشاركة في لعبة إلكترونية (رويترز)
TT

لكم ساعة يمكنك ممارسة ألعاب الفيديو «دون آثار سلبية خطيرة»؟

شخص يجلس أمام شاشة خلال المشاركة في لعبة إلكترونية (رويترز)
شخص يجلس أمام شاشة خلال المشاركة في لعبة إلكترونية (رويترز)

كشفت دراسة حديثة أن قضاء أكثر من عشر ساعات أسبوعياً في ممارسة ألعاب الفيديو قد يكون له تأثير ملحوظ على النظام الغذائي، وجودة النوم، ووزن الجسم لدى فئة الشباب.

وتوضح الدراسة أن اللعب بشكل متقطع أو معتدل لا يبدو ضاراً إلى حد كبير، غير أن التأثيرات الصحية السلبية تبدأ في الظهور بشكل واضح فور تجاوز مدة اللعب حداً معيناً، بحسب ما نقلته مجلة «نيوزويك».

وأجرى الدراسة باحثون من جامعة كورتين في مدينة بيرث الأسترالية، حيث شملت دراسة استقصائية 317 طالباً من خمس جامعات أسترالية، بمتوسط أعمار بلغ 20 عاماً.

وقسّم الباحثون المشاركين إلى ثلاث فئات، اعتماداً على عدد الساعات التي أفادوا بقضائها أسبوعياً في ممارسة ألعاب الفيديو. وضمت الفئة الأولى «لاعبين قليلين» ممن يقضون من صفر إلى خمس ساعات أسبوعياً، بينما شملت الفئة الثانية «لاعبين متوسطين» يقضون ما بين خمس وعشر ساعات، أما الفئة الثالثة فكانت «لاعبين كثيرين» ممن يمارسون الألعاب لأكثر من عشر ساعات أسبوعياً.

ولم يرصد فريق البحث فروقاً تُذكر بين اللاعبين القليلين ومتوسطي الوقت فيما يتعلق بجودة النظام الغذائي أو النوم أو وزن الجسم. إلا أن النتائج اختلفت بشكل واضح لدى الطلاب الذين يقضون أكثر من عشر ساعات أسبوعياً في اللعب، إذ أظهرت هذه الفئة مؤشرات صحية أسوأ بصورة ملحوظة.

وقال البروفسور ماريو سيرفو، الباحث في مجال صحة السكان والمؤلف الرئيسي للورقة البحثية، في بيان: «ما لفت انتباهنا هو أن الطلاب الذين يمارسون ألعاب الفيديو لمدة تصل إلى عشر ساعات أسبوعياً بدوا متشابهين للغاية من حيث النظام الغذائي والنوم ووزن الجسم».

وأضاف: «لكن الاختلافات الحقيقية ظهرت لدى أولئك الذين تجاوزوا عشر ساعات أسبوعياً، حيث برز تباين واضح بينهم وبين بقية العينة».

وأشارت النتائج إلى تراجع كبير في جودة النظام الغذائي لدى اللاعبين الذين يقضون الكثير من الوقت على الألعاب الإلكترونية، كما كانوا أكثر عرضة للتصنيف ضمن فئة السمنة.

ووفقاً للباحثين، ارتبطت كل ساعة إضافية يقضيها المشاركون في ممارسة ألعاب الفيديو أسبوعياً بانخفاض ملحوظ في جودة النظام الغذائي، حتى بعد أخذ عوامل أخرى في الاعتبار، مثل مستويات التوتر، والنشاط البدني، وأنماط الحياة المختلفة.

أما جودة النوم، فكانت ضعيفة نسبياً لدى جميع المشاركين، إلا أن اللاعبين الذين يقضون ساعات متوسطة أو مرتفعة في اللعب أبلغوا عن نوم أسوأ مقارنةً بأولئك الذين يقضون وقتاً أقل. كما أظهر التحليل وجود علاقة وثيقة بين فترات اللعب الطويلة واضطرابات النوم، خصوصاً عندما يمتد اللعب إلى ساعات متأخرة من الليل.

ورغم أن الدراسة لم تثبت وجود علاقة سببية مباشرة، فإن الباحثين وصفوا هذه النتائج بأنها مثيرة للقلق.

وأوضح المؤلفون أيضاً أن ألعاب الفيديو في حد ذاتها ليست ضارة بالضرورة، بل يمكن أن تقدم فوائد اجتماعية أو معرفية. غير أن الخطر الحقيقي يكمن في الإفراط في ممارستها، إذ يؤدي ذلك إلى إهمال عادات صحية أساسية، مثل ممارسة النشاط البدني بانتظام، وتناول وجبات متوازنة، والحصول على قدر كافٍ من النوم.