آلاء النجار... ما قصة الطبيبة الفلسطينية التي فقدت 9 من أطفالها في غزة؟

الطبيبة آلاء النجار أمام سرير ابنها آدم ذي الـ11 عاماً (متداولة)
الطبيبة آلاء النجار أمام سرير ابنها آدم ذي الـ11 عاماً (متداولة)
TT

آلاء النجار... ما قصة الطبيبة الفلسطينية التي فقدت 9 من أطفالها في غزة؟

الطبيبة آلاء النجار أمام سرير ابنها آدم ذي الـ11 عاماً (متداولة)
الطبيبة آلاء النجار أمام سرير ابنها آدم ذي الـ11 عاماً (متداولة)

بينما كانت آلاء النجار تستعد للذهاب إلى عملها في صباح الجمعة 23 مايو (أيار) 2025 بمستشفى «التحرير» في «مجمع ناصر الطبي»، الواقع في خان يونس جنوب قطاع غزة، لم تكن تعرف أن هذه هي آخر مرة ترى فيها 9 من أصل 10 من أطفالها.

الطبيبة التي تعمل في مداواة الأطفال منذ نشوب الحرب في غزة على مدار أكثر من 18 شهراً، نالت تعاطفاً واسعاً من المتابعين عبر مواقع التواصل الاجتماعي في الساعات الأخيرة، بعد انتشار قصتها، وصور لأطفالها التسعة الذين قُتلوا في غارة إسرائيلية.

نجاة ابن واحد والأب مع جروح بالغة

كان الدفاع المدني في غزة أعلن، السبت، مقتل 9 أبناء للنجار ولزوجها الطبيب، حمدي النجار، بعد غارة جوية إسرائيلية على مدينة خان يونس بجنوب القطاع المحاصر والمدمر. وقال المتحدث باسم الدفاع المدني في غزة، محمود بصل، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «نقلت طواقمنا جثامين 9 شهداء أطفال، بعضهم جثث متفحمة، من منزل الدكتور حمدي النجار وزوجته الدكتورة آلاء النجار، وجميعهم أطفالهما». وأضاف المتحدث باسم الدفاع المدني أن «الاحتلال الإسرائيلي استهدف المنزل» ظهر الجمعة.

وفي حين تواجه النجار فجيعة فقْدِ أبنائها، فإن ابنها آدم (10 سنوات) وزوجها؛ الوحيدين الناجيين من القصف، قد أصيبا بجروح بالغة في الغارة، وفقاً لما ورد عن مصدر طبي بمستشفى «ناصر» في خان يونس.

الطبيب الجريح حمدي النجار الذي فقد وزوجته الطبيبة آلاء النجار 9 من أصل 10 من أطفالهما بقصف إسرائيلي على منزله (رويترز)

وأولاد الطبيبة النجار الضحايا هم: يحيى، ركان، رسلان، جبران، إيف، ريفان، سيدين، بينما بقي الطفلان لقمان وسيدرا تحت الأنقاض. وأكبرهم عمره 12 عاماً وأصغرهم 6 أشهر، وفق ما نقلت وسائل إعلام محلية.

صورة لأطفال آلاء النجار (في الأعلى) وجثامينهم (متداولة)

«أحياء عند ربهم يرزقون»

بدورها، ذكرت شقيقة النجار؛ سحر النجار، وهي تعمل صيدلانية في قطاع غزة، أن شقيقتها «تلقت نبأ مقتل أطفالها التسعة وهي تحاول إنقاذ حياة أطفال آخرين في (مجمع ناصر الطبي) حيث تعمل طبيبة أطفال، وظلت تركض في الشارع باتجاه المنزل كي تتمكن من إلقاء نظرة وداع عليهم، لكننا لم نستطع تمييز الجثث. كلهم أشلاء... كلهم متفحمون».

وروت سحر لـ«بودكاست» تابع لـ«هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)» اللحظات الأولى التي مرت على الأم بعد الحادث: «قلت لها من هول الصدمة: (الأولاد راحوا يا آلاء)، فأجابتني بإيمان وتسليم: (هم أحياء عند ربهم يرزقون)».

صورة لأطفال الطبيبة آلاء النجار ووالدهم حمدي النجار (إكس)

شهود عيان: النجار ليست استثناء

«وقفتْ ورايا (ورائي) تتحامي فيّ لما طَلّعوا (أخرجوا) ابنتها ريفان، تطلب من الدفاع المدني أن (يُروها) إياها على أساس أنها حية»... بتلك الشهادة تحدث شقيق زوج الطبيبة آلاء النجار، الذي يعمل في مستشفى «ناصر»، عن فاجعة الأم، وتابع لوسائل إعلام فلسطينية: «هي في الأصل طبيبة أطفال... إحنا كنا مطلّعين أطفال متفحمين، هي شافت 4 متفحمين أمامها. زوجها وشقيقي وصّلها في الصباح ثم عاد للأطفال، وكان يوصّلها وياخدها من المستشفى لمكان النزوح». وتابع: «لقيت شقيقي مصاباً وابنه... ولم أجد باقي الأولاد، ثم وصلوا متفحمين».

وتابع الشقيق يوسف النجار: «مش عارف أخويا ليش انقصف واندبح ولاده بالطريقة هذه؟... إلى الآن لا أعرف كيف تحملت الصدمة. العَشرة أكبر واحد فيهم لم يبلغ السن... كانوا محروقين ومشوهين. لا يوجد وجه ولا يد».

وفي سياق متصل، روت تيزيانا روجيو، الطبيبة الإيطالية المتطوعة بمستشفى «ناصر» الطبي بقطاع غزة، أن حالة الدكتورة آلاء «ليست الأولى التي يُكسر فيها قلب أحد العاملين بالمجال الطبي بمقتل أو جرح أحد الأقارب... الدكتورة آلاء كانت تعمل حين وصل أطفالها قتلى للمستشفى. هذا شيء لم نكن نتمنى أن يحدث».

وصرح غرايم غروم، الجراح البريطاني الذي يعمل في المستشفى، لـ«بي بي سي»، بأنه أجرى عملية جراحية لابنها الناجي البالغ من العمر 11 عاماً. وأضاف غروم أنه أُبلغ بأن الأب، وهو طبيب أيضاً، «ليست له أي ارتباطات سياسية أو عسكرية، ولا يبدو أنه بارز على مواقع التواصل الاجتماعي».

وقال غروم لصحيفة «الغارديان»: «كان آخر مريض في قائمتي اليوم (الجمعة) صبياً يبلغ من العمر 11 عاماً. بدا أصغر سناً بكثير عندما حملناه إلى طاولة العمليات».

وقال محمد صقر، رئيس قسم التمريض بمستشفى «ناصر» في خان يونس، لصحيفة «الغارديان»: «شاهدتِ الدكتورةُ آلاء النجار بأمّ عينيها جثث أطفالها السبعة المتفحمة تُنتشل من تحت الأنقاض - بينما لا يزال اثنان في عداد المفقودين - كل ذلك خلال قيامها بمناوبتها في (مجمع ناصر الطبي)». وتابع: «التفاصيل المروعة التي روتْها عليّ النجار تُجسّد واحدة من أشد المآسي التي حلّت بطبيبة أطفال كرّست حياتها لإنقاذ الأطفال، لتُسلب أمومتها في لحظة صمتٍ مُطبقٍ ونارٍ عارمة».

فلسطينية تعرض على هاتفها الجوال صورة لطفلين من عائلة النجار الذين قُتلوا بغارة جوية إسرائيلية في خان يونس جنوب قطاع غزة (رويترز)

وفي سياق متصل، أكد الدكتور منير البُرش، المدير العام لوزارة الصحة في قطاع غزة، عبر حسابه على منصة «إكس» أن القصف وقع بعيد توصيل حمدي النجار زوجته إلى العمل. وقال البرش: «بعد دقائق فقط من عودته، سقط صاروخ على منزلهم»، مضيفاً أن الأب «يرقد الآن في العناية المركزة».

وأضاف البرش في تغريدته: «كانت لدى الدكتور حمدي النجار فرصة للسفر وترك غزة... لكنه فضل البقاء»

نعي رسمي

كما نعت وزارة الصحة الفلسطينية أبناءَ الطبيبةِ آلاء النجار وزوجِها الطبيبِ حمدي النجار، وقالت في منشور بالصفحة الرسمية للوزارة على «فيسبوك»: «بقلوب يعتصرها الألم، وبمشاعر إنسانية موجوعة، تتقدم وزارة الصحة الفلسطينية، وأسرة القطاع الصحي، والكوادر الطبية في كافة محافظات الوطن الشمالية والجنوبية، بأحرّ كلمات التعزية والمواساة للطبيبة البطلة آلاء النجار، أخصائية طب الأطفال في (مجمع ناصر الطبي)، التي فقدت 9 من أبنائها في واحدة من أبشع الجرائم التي يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي بحق أبناء شعبنا في قطاع غزة».

وعدت الوزارة أن «هذه الجريمة البشعة ليست استثناء، بل جزء من استهداف ممنهج للطواقم الطبية و(مؤسساتها)؛ يهدف إلى كسر إرادة الصامدين في غزة».

ونعت «النقابة العامة لأطباء مصر» أبناء النجار، ووصفتها بـ«أُمّ الشهداء». وجاء في البيان: «في غزة، تُسلب الحياة من بين أذرع الأمهات، وتُكتب المآسي على جدران البيوت قبل أن تُكتب في دفاتر التاريخ»، وتابع: «اسم آلاء النجار أصبح عنواناً للفجيعة، وشاهداً حياً على أن ما يجري هناك ليست حرباً يشنها احتلال إسرائيلي متوحش فقط، بل محاولة لكسر الروح».

واستنكر عدد من المتابعين مقتل أطفال الطبيبة آلاء النجار، أبرزهم الطبيب النرويجي، مادس غيلبرت، أستاذ طب الطوارئ و«الاستشاري الأول» في عيادة طب الطوارئ بمستشفى جامعة شمال النرويج، الذي قضى وقتاً في غزة خلال الحرب، ونشر مقطع فيديو عبر حسابه على موقع «إكس» قال فيه: «استُهدف منزل الدكتورة آلاء وزوجها، وقتل أطفالها التسعة بوحشية... استقبلت الدكتورة أطفالها القتلى خلال عملها. وما زالت تواصل عملها». وتابع: «يستهدف جيش الاحتلال الإسرائيلي العائلات والمستشفيات والعاملين في مجال الرعاية الصحية بهذه الإبادة الجماعية».

وكتب المراسل الفلسطيني في غزة سابقاً وائل الدحدوح: «أي قوة تلك التي تحتمل كل هذا الوجع... الطبيبة آلاء النجار تُفجع باستشهاد 9 من أطفالها».

رد الجيش الإسرائيلي

في المقابل، قال الجيش الإسرائيلي إنه لا يستطيع التعليق على ضربات معينة من دون «إحداثياتها الجغرافية الدقيقة».

وتابع الجيش الإسرائيلي أنه «قصف عدداً من المشتبه فيهم الذين تم رصدهم وهم ينشطون من مبنى» بالقرب من قواته. وأضاف أن «منطقة خان يونس منطقة حرب خطرة»، وتابع أن «الادعاءَ المتعلق بالضرر الذي لحق بمدنيين غير متورطين قيد المراجعة».

وأضاف الجيش في بيان أن سلاح الجوّ قصف خلال اليوم الماضي أكثر من 100 هدف في أنحاء القطاع، شملت أعضاء «منظمات إرهابية في قطاع غزة، ومنشآت عسكرية، وأنفاقاً، وبنى تحتية إرهابية إضافية».

ومنذ بدء الحرب، بلغ عدد القتلى الفلسطينيين في غزة 53 ألفاً و901 ضحية، غالبيتهم مدنيون من النساء والأطفال؛ بينهم 3747 قتيلاً على الأقل منذ استئناف إسرائيل ضرباتها وعملياتها العسكرية في 18 مارس (آذار) 2025 بعد هدنة هشة استمرت شهرين فقط، وفقاً لأحدث حصيلة أوردتها، السبت، وزارة الصحة في غزة.


مقالات ذات صلة

قتلى وجرحى غزّيون بنيران إسرائيلية

المشرق العربي فلسطينيون يشيعون قتيلاً سقط بهجوم إسرائيلي في منطقة المواصي بخان يونس يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)

قتلى وجرحى غزّيون بنيران إسرائيلية

تواصل قوات الجيش الإسرائيلي خرق اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، عبر قصف مدفعي واستهدافات برية وغارات جوية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شمال افريقيا مدرب منتخب مصر خلال مؤتمر صحافي قبل مبارة الأرجنتين (رويترز)

رسائل حسام حسن المستمرة لدعم فلسطين... تثير الغضب في إسرائيل

رسالة جديدة من مدرب المنتخب المصري، حسام حسن، أثارت ضجة واسعة من التفاعل عبر منصات التواصل الاجتماعي، عقب دعم جديد لـ«غزة»

محمد محمود (القاهرة )
شؤون إقليمية فتاة فلسطينية تملأ أوعيةً بالماء المستخرج من بقايا أنابيب تحت الأرض بمخيم للنازحين جراء الحرب في حي الشيخ رضوان بمدينة غزة (أ.ف.ب)

ثُلث البالغين الأميركيين يعتقدون أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية في غزة

هل تراجع الدعم الأميركي لإسرائيل بعد حربها في غزة؟... استطلاع رأي جديد يكشف.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي طفلة مصابة تنقل عبر معبر رفح (أرشيفية - الهلال الأحمر المصري)

«المزاجية» الأمنية الإسرائيلية تقتل مرضى غزة

بحسب وزارة الصحة بغزة، فإن السبب الرئيسي لتأخر سفر المرضى وعدم تمكنهم من الوصول إلى العلاج هو محدودية الأعداد المسموح لها بالسفر من قبل إسرائيل.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية أحد الاجتماعات في «الكنيست» الإسرائيلي (موقع الكنيست)

البرلمان الإسرائيلي يوافق على إنشاء لجنة تحقيق في «هجوم 7 أكتوبر»

وافق البرلمان الإسرائيلي، الاثنين، في قراءة أولى على مشروع قانون لإنشاء لجنة تحقيق في الإخفاقات الأمنية التي أدت إلى هجوم حركة حماس.

«الشرق الأوسط»

الشرع وماكرون يطلقان شراكة تدعم الاستثمار والإعمار

الرئيسان السوري والفرنسي في الجامع الأموي بدمشق أمس (أ.ف.ب)
الرئيسان السوري والفرنسي في الجامع الأموي بدمشق أمس (أ.ف.ب)
TT

الشرع وماكرون يطلقان شراكة تدعم الاستثمار والإعمار

الرئيسان السوري والفرنسي في الجامع الأموي بدمشق أمس (أ.ف.ب)
الرئيسان السوري والفرنسي في الجامع الأموي بدمشق أمس (أ.ف.ب)

أطلق الرئيس السوري أحمد الشرع ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي اختتم زياره رسمية إلى سوريا، أمس، شراكة جديدة بين البلدين تدعم الاستثمار وإعادة الإعمار. كما أشرفا على تشكيل لجان مشتركة وتوقيع مذكرات تفاهم واتفاقيات للاستثمار في مجالات حيوية عدة.

وأعلن الشرع خلال مؤتمر صحافي مشترك مع ماكرون عن اتفاق البلدين على «بدء مسار تبادل السفراء المقيمين بين دمشق وباريس في أقرب وقت ممكن، إيذاناً بعودة العلاقات الدبلوماسية إلى طبيعتها الكاملة».

وكان الرئيس السوري قد استقبل نظيره الفرنسي في قصر الشعب الرئاسي، عقب سماع انفجارين قرب فندق «الفورسيزونز» حيث أمضى ماكرون ليلته.

وأكّدت الرئاسة الفرنسية أن ماكرون «بخير ويواصل زيارته إلى سوريا».

أما وزارة الداخلية السورية فأوضحت أن الانفجارين نجما عن عبوتين ناسفتين، مشيرة إلى أنها باشرت تحليل تسجيلات الكاميرات لكشف ملابسات التفجيرين.

وتحدث وزير الداخلية أنس خطاب عن إغلاق بعض الطرق ريثما تنتهي أعمال التأمين في محيط موقع الانفجارين.


من المستفيد من تفجيرات «دمشق» في مكان حساس وتوقيت حرج؟

فرق الطوارئ تعمل فيما يتصاعد الدخان والنيران في موقع انفجار عبوات ناسفة في دمشق (رويترز)
فرق الطوارئ تعمل فيما يتصاعد الدخان والنيران في موقع انفجار عبوات ناسفة في دمشق (رويترز)
TT

من المستفيد من تفجيرات «دمشق» في مكان حساس وتوقيت حرج؟

فرق الطوارئ تعمل فيما يتصاعد الدخان والنيران في موقع انفجار عبوات ناسفة في دمشق (رويترز)
فرق الطوارئ تعمل فيما يتصاعد الدخان والنيران في موقع انفجار عبوات ناسفة في دمشق (رويترز)

في مكان وزمان بالغ الحساسية والحرج للسلطات السورية، وقع انفجاران متتاليان على بعد نحو 10 كيلومترات من مقر إقامة الرئيس الفرنسي خلال زيارته إلى سوريا.

وقالت مصادر مقربة من الحكومة لـ«الشرق الأوسط» إن هناك أطرافاً كثيرة قد تكون مستفيدة من هذه العملية، وفي مقدمتها «الفلول» والمتضررون من التقارب الفرنسي ـ السوري. إلا أن مصادر أخرى متابعة رجّحت مسؤولية تنظيم «داعش» عن التفجير كون التنظيم ما زال التحدي الأمني الأبرز في سوريا.

وأصيب 18 شخصاً على الأقل، بينهم معاون وزير السياحة و4 من عناصر الشرطة، في انفجارين متتاليين قرب وزارة السياحة، في محيط فندق «الفورسيزونز» مقر إقامة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وجاء ذلك بعد أقل من أسبوع على انفجار وقع في مقهى للمحامين في محيط القصر العدلي، راح ضحيته 10 مدنيين، وأصيب نحو 20 آخرين.

وبحسب الخبير الأمني عبد الله النجار، تحمل هذه التفجيرات بصمات «فلول» النظام السابق، بهدف «إجهاض عملية العدالة الانتقالية، التي سوف تطولهم بالتأكيد، ولإظهار أن سوريا غير آمنة».

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «العبوات بدائية الصنع، ولا تستثني أحداً، سواء مدنيون أم عسكريون» وهي ترمي إلى إظهار غياب سيطرة أمنية جيدة، مع الأخذ بعين الاعتبار أن «المعيار الأمني» في هذه التفجيرات «لا يشير إلى هشاشة أمنية»، ذلك لأنه يمكن لأي مجرم وضع عبوة ناسفة بدائية في حاوية قمامة، وأخرى في مركبة مركونة على جانب الطريق، كما حصل في تفجير الثلاثاء.

أفراد الأمن السوريون يتفقدون سيارة محترقة بالقرب من فندق فورسيزونز بينما كان الرئيس السوري أحمد الشرع يلتقي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في القصر الرئاسي بدمشق الثلاثاء (أ.ب)

من جهته، قال المحلل السياسي والدبلوماسي السابق بسام بربندي، لـ«الشرق الأوسط»، إنه كلما ظهرت «إشارات جدية» على التعافي في سوريا، تظهر ردّات فعل من الأطراف المتضررة من تحسن الوضع في البلاد، وفي هذا تتلاقى مصالح الفلول وتنظيم «داعش» و«حزب الله» اللبناني وإيران وإسرائيل.

مع الأخذ بعين الاعتبار أن أعداداً كبيرة من العناصر الذين كانوا جزءاً من نظام القمع السابق ما زالوا يعيشون «بيننا وضمن طبقات عدة»، فإن الأمر الذي لا يمكن إغفاله، بحسب بربندي، أن مؤسسات الدولة ما تزال في طور التكوين، وعناصر الأجهزة الأمنية جدد، لم يكتسبوا بعد الخبرات والقدرة الكاملة على ضبط الأمن.

ولفت المحلل السياسي إلى أن حجم التفجيرات يشير إلى أمرين، إما أن المنفذ أفراد أو مجموعات متضررة، أو أنها «جهة قادرة على القيام بعمليات كبيرة، لكن هدفها ليس التدمير في بلد هو أساساً مدمر، وإنما إشاعة عدم استقرار في كل مكان في سوريا».

بربندي شدّد على وجود رغبة دولية في توطيد الاستقرار في سوريا، وعلى الأرجح سيزداد الدعم لبناء المؤسسات الأمنية، وعلى الصعيد الاقتصادي والاستثمارات الكبيرة، غالباً لن تتأثر كونها تستند إلى حسابات سياسية، في حين ستتأثر الاقتصادات المحلية والمشاريع الصغيرة.

أشخاص يلوحون بالعلم الفرنسي أمام الفندق الذي يقيم فيه الرئيس إيمانويل ماكرون خلال زيارته إلى دمشق (أ.ف.ب)

مصادر مقربة من الحكومة قالت لـ«الشرق الأوسط» إن هذا النوع من العبوات البدائية غالباً لا تلاحظها عمليات مسح المتفجرات، واستخدامها سياسياً أكثر منه أمنياً، لافتة إلى أن المعطيات الأولية تشير الى «الفلول» أكثر من تنظيم «داعش»، الذي يستهدف بالدرجة الأولى عناصر الأمن والعسكريين في الدولة، ومن يعتبرهم «مرتدين». كما أن ضربات التنظيم «لئيمة» جداً من حيث حجم الأضرار التي تحدثها، «إلا إذا غيّر التنظيم نهجه في العمليات بين ليلة وضحاها».

من جانبه، اعتبر الخبير الأمني ضياء قدور تلك الآراء تكهنات بسبب الأطراف المستفيدة من التفجيرات في هذا التوقيت الحساس والمحرج لسوريا إلى أبعد الحدود، إلا أنه «لا يمكن تغطية الشمس بغربال» من حيث إن تنظيم «داعش» ما زال هو «التحدي الأمني الأكبر والأبرز في سوريا».

وزير الداخلية السوري أنس خطاب يتفقد منطقة بالقرب من فندق فورسيزونز بعد انفجارين في دمشق بالقرب من فندق كان يقيم فيه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن التفجير المركب الذي حصل الثلاثاء يشبه الانفجار الذي وقع في منطقة باب شرقي بدمشق في مايو (أيار) الماضي، قرب أحد المباني التابعة لوزارة الدفاع، وأسفر عن مقتل عسكري وإصابة عدد من المدنيين، وقد تبناه تنظيم «داعش».

ورأى قدور أن الخطورة «لا تكمن بوجود خلية نشطة لتنظيم (داعش) متمرسة تعمل في قلب العاصمة وفي أكثر المناطق حساسية، وإنما أيضاً في أن هذه الخلية تعمل في الوقت الذي تريده وتستطيع أن تضرب وقتما تشاء»، رغم الجهود الكبيرة التي تبذلها وزارة الداخلية لمكافحة التنظيمات الإرهابية، ولا سيما (داعش) الذي ينفذ عمليات نوعية، وأحياناً استباقية».

تصاعد العمليات مؤخراً أعطى صورة سلبية عن الاستقرار النسبي الذي عاشته سوريا خلال الفترة الماضية، وهذا ما يريده من يقف خلف هذه التفجيرات، بحسب قدور الذي دعا وزارة الداخلية والاستخبارات إلى «القيام بمراجعات مؤلمة وقاسية في أسلوب التعاطي مع التهديدات الأمنية، ووضع استراتيجية شاملة للقضاء على هذه التهديدات والحدّ منها».

وأعلنت وزارة الداخلية السورية أن «انفجارين وقعا قرب وزارة السياحة بدمشق، الأمر الذي أسفر عن إصابة 18 شخصاً، من بينهم 4 من عناصر الشرطة». وقالت الوزارة إن موقع الانفجار كان خارج النطاق الأمني لمقرّ إقامة الرئيس الفرنسي.

وشهدت شوارع العاصمة السورية إجراءات أمنية مشددة، شملت العديد من الأحياء، وتم إغلاق كثير من الطرق، بالتزامن مع زيارة الرئيس الفرنسي إلى دمشق.


برلين: على لبنان التصدي لـ«حزب الله» وضمان الأمن لإسرائيل

مؤتمر صحافي لوزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول ونظيره الإسرائيلي جدعون ساعر (أ.ب)
مؤتمر صحافي لوزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول ونظيره الإسرائيلي جدعون ساعر (أ.ب)
TT

برلين: على لبنان التصدي لـ«حزب الله» وضمان الأمن لإسرائيل

مؤتمر صحافي لوزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول ونظيره الإسرائيلي جدعون ساعر (أ.ب)
مؤتمر صحافي لوزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول ونظيره الإسرائيلي جدعون ساعر (أ.ب)

حضّ وزير الخارجية الألماني، الثلاثاء، السلطات في لبنان على التصدي لـ«حزب الله» وإعادة بسط سيطرة الدولة على جنوب البلاد، حيث يخوض الحزب مواجهات مع القوات الإسرائيلية.

وخلال زيارة إلى القدس، أشاد يوهان فاديفول الذي سبق أن أبدى هذا العام تأييده للغزو الإسرائيلي لجنوب لبنان، بالاتفاق الإطاري الذي تم التوصّل إليه بوساطة أميركية بين إسرائيل ولبنان، وأكّد دعم ألمانيا للخطوة التي وصفها بأنها مبادرة «تاريخية».

وشدّد فاديفول في مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره الإسرائيلي جدعون ساعر على وجوب «تحلي لبنان بالعزم لبسط سلطته، وضمان عدم وجود أي سيطرة لـ(حزب الله) في جنوب لبنان».

ولفت إلى أنه يتعيّن على لبنان أن «يضمن خصوصاً ألا تتعرض إسرائيل لأي مخاطر انطلاقاً من الأراضي اللبنانية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ودخل لبنان الحرب في الثاني من مارس (آذار)، بعدما أطلق الحزب صواريخ على إسرائيل، قال إنها رداً على مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي في أولى الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط).

وردّت إسرائيل بحملة واسعة من الغارات الجوية واجتياح بري وأصدرت إنذارات إخلاء متكررة على مدى أكثر من ثلاثة أشهر من القتال، ما أسفر عن مقتل نحو 4300 شخص ونزوح أكثر من مليون شخص، خصوصاً من جنوب لبنان وضاحية بيروت الجنوبية، وفق السلطات.

وقُتل في الجانب الإسرائيلي 38 جندياً ومتعاقد مدني.

ترحيب وتعهّد

ورحّب فاديفول بالمحادثات الجارية بوساطة أميركية بين إسرائيل ولبنان، والمقرّر أن تُستأنف في روما الأسبوع المقبل، وتعهّد توفير الدعم الأوروبي والألماني لهذا الحوار.

وقال: «إن الاتفاق الذي توصّلت إليه إسرائيل ولبنان يشكّل بارقة أمل للسكان على جانبي الحدود، الذين يعانون معاً من إرهاب (حزب الله)».

واعتبر أن المفاوضات التي يجريها لبنان وإسرائيل حالياً «خطوة تاريخية جرى التقليل من شأنها».

وتابع: «أعتقد أنه إذا أمكن دعم هذا المسار من جانب الأوروبيين، فإن إسرائيل ولبنان يمكنهما أن يعوّلا على الدعم الألماني في أي وقت».

وتطرّق فاديفول أيضاً إلى الوضع في الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل. وقال: «في الضفة الغربية، يحتاج الفلسطينيون إلى أفق لمستقبل سياسي واقتصادي».

وحضّ وزير الخارجية الألماني إسرائيل على تحويل عائدات الضرائب والجمارك التي تحجبها عن السلطة الفلسطينية في رام الله، للحؤول دون انهيارها.

وقال: «إن السلطة الفلسطينية ليست مثالية، وهي بحاجة ماسة إلى الإصلاح. لكن إضعاف السلطة الفلسطينية لا يخدم أمن إسرائيل، بل يمكن أن يخلق فراغاً قد تملؤه قوى أخرى أكثر تطرفاً».

وحذّر فاديفول من أن استمرار التوسع الاستيطاني الإسرائيلي يقوّض آفاق السلام. وقال: «لهذا السبب ننظر بقلق كبير إلى مواصلة بناء المستوطنات». وأضاف: «لا يمكن القبول دولياً بضم فعلي لأجزاء من الضفة الغربية، ولا ترى ألمانيا كيف يمكن أن يكون ذلك قانونياً».