دوافع تاريخية وعقائدية... لماذا تدعم بلدان أوروبا الوسطى إسرائيل؟

في ظل تنامي الضغط الدولي على تل أبيب على خلفية تصعيدها المستمر بغزة

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يصافح نظيره المجري فيكتور أوربان (أرشيفية-رويترز)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يصافح نظيره المجري فيكتور أوربان (أرشيفية-رويترز)
TT

دوافع تاريخية وعقائدية... لماذا تدعم بلدان أوروبا الوسطى إسرائيل؟

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يصافح نظيره المجري فيكتور أوربان (أرشيفية-رويترز)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يصافح نظيره المجري فيكتور أوربان (أرشيفية-رويترز)

في ظل تنامي الضغط الدولي على إسرائيل، على خلفية تصعيدها المستمر في الحرب بقطاع غزة، يمكنها الاعتماد على الدعم المتواصل من أصدقائها المخلصين في أوروبا الوسطى، لأسباب تاريخية وعقائدية، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وفي إشارة واضحة إلى هذا التضامن، دافع كل من النمسا وألمانيا، الأربعاء، عن اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، في حين صوَّتت غالبية الدول الأعضاء بالاتحاد لصالح مراجعة هذا النص الذي دخل حيز التنفيذ منذ عام 2000.

وتدافع برلين وفيينا بشراسة عن حق إسرائيل في الوجود، لدرجة أنهما أدرجتا ذلك ضمن قضايا «مصلحة الدولة»، وتَعدّان أن «الدَّين» المترتب عليهما للدولة العبرية التي نشأت بعد المجازر التي ارتكبها النازيون بحق اليهود، خلال الحرب العالمية الثانية، يتطلب «دعماً كبيراً»، وفق الباحثة يوانا ديدوش.

وبالنسبة لهذه المسؤولة في معهد الشرق الأدنى والأوسط بجامعة ياجيلونيان في مدينة كراكوف البولندية، فإن الألمان والنمساويين ينضمون إلى موقف جيرانهم في الشرق الأوروبي الذين خرجوا من هيمنة موسكو قبل أكثر من ثلاثة عقود.

معاداة الليبرالية

من تشيكيا إلى بلغاريا، تتقاسم هذه الدول «الرؤية نفسها بشأن الحق في الأمن» لإسرائيل التي تواجه تهديدات وجودية، مع «مخاوف متطابقة من التخلي أو الخيانة».

ولكي تنضم هذه الديمقراطيات اليافعة إلى الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، ابتداء من عام 2004، كان عليها عموماً أن تنتقل من موقف مؤيد للعرب إلى حد ما، ومنسجم مع موقف الاتحاد السوفياتي، إلى رؤية مطابقة لمواقف واشنطن.

ووفق خبراء، بدت إعادة التموضع هذه طبيعية بفعل الشعور لدى هذه البلدان الأوروبية بالقرب الثقافي من أرضٍ استقر فيها كثير من اليهود الذين أسهموا في ثقافتهم، وغالباً ما يتشاركون معهم لغاتهم وجنسياتهم.

ورغم أن أهمية هذا العنصر قد تتلاشى مع مرور الوقت، فإنّ عنصراً آخر أسهم في ترسيخ العلاقات الثنائية بين إسرائيل وكثير من هذه البلدان: معاداة الليبرالية.

يتشارك المجريّ فيكتور أوربان، والنمساوي سيباستيان كورتس، والسلوفاكي روبرت فيكو، والتشيكي ميلوش زيمان، مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو التيار السياسي عينه الحاضر بقوة في هذا الجزء من أوروبا منذ نحو خمسة عشر عاماً.

ويقول أزريل بيرمانت، من معهد العلاقات الدولية في براغ، إن «بناء علاقات قوية» مع هذه الشخصيات يسمح لنتنياهو «باستغلال الانقسامات» داخل أوروبا.

وتبدو هذه الاستراتيجية مفيدة، بشكل خاص، في ظل القدرة لدى زعيم مثل فيكتور أوربان على عرقلة قرارات، رغم الاستياء الذي يثيره ذلك لدى المفوضية الأوروبية.

ومضت المجر إلى حد ضرب قرارات المحكمة الجنائية الدولية عرض الحائط، ودعوة رئيس الوزراء الإسرائيلي الذي صدرت بحقّه مذكرة اعتقال بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في قطاع غزة، إلى أراضيها.

الاستثناء البولندي

يشير الخبير إلى صراع مشترك آخر يساعد في التغلب على التوترات المحيطة بمعاداة السامية، وهو «الخطاب القائل إن إسرائيل تُشكل رأس حربة في الحرب ضد الإسلام».

ويقول إن «الأحزاب اليمينية المتطرفة يمكنها أن تستخدم هذه الرواية ودعمها لإسرائيل لتزيل عنها أي شبهات».

وتختلط المصالح التجارية بالعلاقات السياسية في هذا المجال، رغم أن التعاون الاستراتيجي لا يزال متواضعاً. ففي العام الماضي، اشترت سلوفاكيا نظام الدفاع الجوي الإسرائيلي «باراك إم إكس» مقابل 560 مليون يورو، في سابقةٍ من نوعها لبلدٍ في حلف شمال الأطلسي.

وقد أدى غزو روسيا لأوكرانيا إلى إحياء سباق التسلح، وفي عام 2023 أبرمت ألمانيا اتفاقية مع إسرائيل لشراء الدرع الصاروخية «حيتس 3» (Arrow-3) مقابل مبلغ يُقدر بنحو 3.5 مليار دولار.

لكن هناك استثناء يتمثل في بولندا التي أصبح صوتها مسموعاً بشكل متزايد داخل الاتحاد الأوروبي، إذ يعتمد هذا البلد سياسات خارجية أكثر انسجاماً مع النهج الأوروبي العام، وفق يوانا ديدوش.

وتوضح ديدوش أن «موقفها تغيّر، مقارنة بدول أخرى في وسط أوروبا وشرقها»، حتى بعد الهجوم غير المسبوق الذي شنته حركة «حماس» الفلسطينية على الأراضي الإسرائيلية، في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وأسفر عن مقتل 1218 شخصاً.

وتلفت الخبيرة إلى أن بولندا، حيث خرج القوميون من الحكم، «نأت بنفسها تدريجياً» من دعم الحرب التي تشنها إسرائيل في قطاع غزة، والتي خلفت ما لا يقل عن 53 ألفاً و655 قتيلاً، وفق بياناتٍ نشرتها وزارة الصحة، التابعة لـ«حماس»، وتَعدُّها الأمم المتحدة موثوقة.

وتختم ديدوش بأن «إحجام إسرائيل عن إدانة الكرملين» بشأن غزو أوكرانيا تحوَّل إلى «مأخذ بولنديّ ضدها»، و«أثّر بلا شك على تصور الجمهور للحرب في غزة».

وبعد أن كانت بولندا تميل نحو إسرائيل، دعّمت بشكلٍ لا لبس فيه قبول عضوية دولة فلسطين، عند التصويت، في الجمعية العامة للأمم المتحدة في مايو (أيار) 2024.

وجاء ذلك رغم تصويت المجر وتشيكيا ضد القرار، في حين امتنعت ألمانيا والنمسا وبلغاريا ورومانيا عن التصويت.


مقالات ذات صلة

«لجنة غزة» تتطلع للإعمار التام في 7 سنوات... وإسرائيل ترى المرحلة الثانية «رمزية»

المشرق العربي صورة التقطت يوم الخميس لخيام مؤقتة للنازحين مقامة وسط الدمار بمدينة غزة (أ.ب) play-circle

«لجنة غزة» تتطلع للإعمار التام في 7 سنوات... وإسرائيل ترى المرحلة الثانية «رمزية»

أظهر رئيس لجنة إدارة غزة علي شعث تفاؤلاً لافتاً بإتمام عملية إعمار القطاع الفلسطيني في غضون 7 سنوات، بينما سعت إسرائيل إلى التقليل من خطوة بدء المرحلة الثانية.

نظير مجلي (تل أبيب) «الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية عناصر من القوات الخاصة بالبحرية الإسرائيلية خلال تدريبات مشتركة مع قوات أميركية (الجيش الإسرائيلي) play-circle

الجيش الإسرائيلي يرفع جهوزيته استعداداً لـ«كل السيناريوهات»

الأجواء في تل أبيب متوترة وتخيم عليها الحيرة والإرباك والأجهزة الأمنية رفعت حالة التأهّب إلى المستوى الأقصى خلال الساعات الأخيرة

نظير مجلي (تل ابيب)
تحليل إخباري نتنياهو وبيني غانتس يحضران مؤتمراً صحافياً في قاعدة عسكرية في تل أبيب أكتوبر 2023 (أ.ب)

تحليل إخباري غانتس يفرط عقد المعارضة الإسرائيلية... ويمد يداً لنتنياهو

أطلق حزب «أزرق-أبيض»، بقيادة بيني غانتس، حملة دعائية جديدة ترمي إلى استقطاب جمهور ما يُسمى بـ«اليمين الليبرالي»، لإنقاذه من السقوط الذي كشفته استطلاعات الرأي.

نظير مجلي (تل أبيب)
شؤون إقليمية عناصر من وحدة الاحتياط الإسرائيلية الخاصة «جبال الألب» خلال تدريبات في جبل الشيخ بسوريا (الجيش الإسرائيلي)

إسرائيل تريد تثبيت الوضع القائم لاحتلالها الجديد في سوريا

كشف مسؤول إسرائيلي كبير عن أن الخلافات مع سوريا كبيرة جداً، أما عن الأجواء الإيجابية التي تتحدث عنها الولايات المتحدة حول المفاوضات فإن الحقيقة شيء آخر.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو متحدثاً من مطار بن غوريون الدولي في اللد بالقرب من تل أبيب (رويترز-أرشيفية)

طائرة نتنياهو تغادر المجال الجوي الإسرائيلي

غادرت طائرة «جناح صهيون» الخاصة برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المجال الجوي الإسرائيلي، لتحلّق فوق البحر المتوسط.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

نيوزيلندا تعلن إغلاق سفارتها في إيران وإجلاء دبلوماسييها

سيارات تعبر على طول أحد شوارع طهران 15 يناير الحالي (أ.ف.ب)
سيارات تعبر على طول أحد شوارع طهران 15 يناير الحالي (أ.ف.ب)
TT

نيوزيلندا تعلن إغلاق سفارتها في إيران وإجلاء دبلوماسييها

سيارات تعبر على طول أحد شوارع طهران 15 يناير الحالي (أ.ف.ب)
سيارات تعبر على طول أحد شوارع طهران 15 يناير الحالي (أ.ف.ب)

أعلنت نيوزيلندا يوم الجمعة إغلاق سفارتها في طهران مؤقتاً، وإجلاء دبلوماسييها بسبب تدهور الوضع الأمني ​​في إيران.

وصرَّح متحدث باسم وزارة الخارجية، بأن الطاقم الدبلوماسي غادر إيران بسلام على متن رحلات تجارية خلال الليل. ونُقلت عمليات سفارة طهران إلى أنقرة في تركيا نظراً لتدهور الوضع الأمني ​​في إيران، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأضاف المتحدث: «نواصل نصيحتنا بعدم السفر إلى إيران. على جميع النيوزيلنديين الموجودين حالياً في البلاد المغادرة فوراً».

وأوضحت وزارة الخارجية أن قدرتها على تقديم المساعدة القنصلية للنيوزيلنديين في إيران «محدودة للغاية».

وأشار المتحدث باسم الوزارة إلى أن صعوبات التواصل الشديدة تعيق تواصل النيوزيلنديين مع عائلاتهم وأصدقائهم في إيران، ناصحاً إياهم بالتواصل مع أقاربهم متى أمكنهم ذلك.


احتجاجات إيران تتراجع... وترمب يراقب

سيارات تسير في طهران تحت لافتة كتب عليها «هذا ليس احتجاجاً» الخميس (أ.ف.ب)
سيارات تسير في طهران تحت لافتة كتب عليها «هذا ليس احتجاجاً» الخميس (أ.ف.ب)
TT

احتجاجات إيران تتراجع... وترمب يراقب

سيارات تسير في طهران تحت لافتة كتب عليها «هذا ليس احتجاجاً» الخميس (أ.ف.ب)
سيارات تسير في طهران تحت لافتة كتب عليها «هذا ليس احتجاجاً» الخميس (أ.ف.ب)

تراجعت الاحتجاجات الشعبية في إيران، أمس، بينما تواصل الولايات المتحدة مراقبة التطورات من دون الإعلان عن خطوات حاسمة، بالتوازي مع تصاعد الضغوط السياسية، وفرض عقوبات جديدة.

وخفف الرئيس الأميركي دونالد ترمب من نبرته الحادة تجاه إيران، وعبّر عن أمله في استمرار امتناع طهران عن تنفيذ أحكام الإعدام بحق المحتجين، مشيراً إلى معلومات تفيد بتراجع حدة القتل. وقال ترمب إن إدارته تتابع الوضع «من كثب»، مع إبقاء جميع الخيارات مطروحة.

جاء ذلك، بعدما حاول وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي خفض حدة التوتر، ونفى في مقابلة مفاجئة مع قناة «فوكس نيوز» «أي خطة للإعدام شنقاً»، ودعا إلى تغليب الدبلوماسية.

وتراجعت وتيرة الاحتجاجات في طهران، ومدن أخرى. وأفاد أشخاص من داخل إيران بأن انقطاع الإنترنت، وتشديد الإجراءات الأمنية أسهما في خفض زخم التحركات، مقابل تصاعد الاعتقالات.

وأعلنت وزارة الخزانة الأميركية فرض عقوبات جديدة استهدفت أمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني، وقادة في «الحرس الثوري»، على خلفية اتهامهم بالضلوع في قمع الاحتجاجات.


سويسرا تعرض الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران

لاريجاني يلتقي مستشار الأمن القومي ونائب وزير الخارجية السويسري غابرييل لوشينغر بطهران في أغسطس الماضي (جماران)
لاريجاني يلتقي مستشار الأمن القومي ونائب وزير الخارجية السويسري غابرييل لوشينغر بطهران في أغسطس الماضي (جماران)
TT

سويسرا تعرض الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران

لاريجاني يلتقي مستشار الأمن القومي ونائب وزير الخارجية السويسري غابرييل لوشينغر بطهران في أغسطس الماضي (جماران)
لاريجاني يلتقي مستشار الأمن القومي ونائب وزير الخارجية السويسري غابرييل لوشينغر بطهران في أغسطس الماضي (جماران)

عرضت سويسرا القيام بدور وساطة دبلوماسية بين واشنطن وطهران، في وقت يتصاعد فيه التوتر على خلفية الاحتجاجات في إيران وتلويح أميركي بخيارات تصعيدية.

وأفادت وزارة الخارجية السويسرية، اليوم (الخميس)، بأن مدير إدارة الأمن الدولي ونائب وزير الخارجية، غابرييل لوشينغر، أجرى اتصالاً هاتفياً مع أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي لاريجاني.

وأوضحت الوزارة أن لوشينغر عرض، خلال المحادثة، أن تتولى سويسرا دور الوساطة للمساعدة في تهدئة الوضع الراهن.

ويأتي ذلك في ظل تصاعد التوتر منذ اندلاع الاحتجاجات الواسعة في إيران قبل أكثر من أسبوعين، إذ لوّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب مراراً بإمكانية التدخل عسكرياً.

وفي وقت سابق، قال مكتب لاريجاني، في بيان، إن الاتصال تناول العلاقات الثنائية وآخر التطورات الإقليمية، مشدداً على الدور البنّاء لسويسرا وسجلها الإيجابي في تسوية الأزمات بالطرق السلمية، لكنه قال إن بلاده «لن تكون غير فعّالة إزاء الخطاب التهديدي الأميركي».

وأضاف البيان الإيراني أن مستشار الأمن القومي السويسري أعلن استعداد بلاده الكامل للاضطلاع بدور بناء يسهم في خفض التوتر في الظروف الراهنة.

وتمثل سويسرا المصالح الأميركية في طهران، في ظل غياب تمثيل دبلوماسي مباشر لواشنطن هناك منذ عام 1980، عقب قطع العلاقات بين البلدين بعد أحداث عام 1979.