هل طفح الكيل الأوروبي من نتنياهو؟

لندن تعلق مفاوضات التجارة الحرة مع تل أبيب... وباريس تدعم مراجعة الشراكة الأوروبية - الإسرائيلية

صورة لنتنياهو وماكرون خلال اجتماعهما الأخير في القدس (أ.ف.ب)
صورة لنتنياهو وماكرون خلال اجتماعهما الأخير في القدس (أ.ف.ب)
TT

هل طفح الكيل الأوروبي من نتنياهو؟

صورة لنتنياهو وماكرون خلال اجتماعهما الأخير في القدس (أ.ف.ب)
صورة لنتنياهو وماكرون خلال اجتماعهما الأخير في القدس (أ.ف.ب)

طيلة سنوات كانت آيرلندا وحدها هي الطائر الذي يغرّد خارج السرب الأوروبي في الانتقاد المباشر والصريح لإسرائيل والتنديد بسياساتها الاستيطانية وتهويد الأراضي الفلسطينية. ثم انضمت إليها بعض الدول الاسكندنافية مثل: النرويج والسويد اللتين اعترفتا بالدول الفلسطينية وتجاهلتا التحذيرات، وأحياناً التهديدات الإسرائيلية، فيما بقيت الدول الوازنة داخل الاتحاد الأوروبي على مواقفها المتساهلة مع تل أبيب، أو المؤيدة لتجاوزاتها، مثل ألمانيا وهولندا.

لكن بعد أسابيع قليلة من هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وما أعقبه من رد إسرائيلي على قطاع غزة، بدأت تتبدّى علامات تغيير في الموقف الأوروبي من تل أبيب، ساعدت على ظهورها التصريحات التي كانت تصدر عن الإدارة الأميركية السابقة، داعية إلى احترام أحكام القانون الإنساني الدولي وقانون الحرب، والمواقف المنددة للأمم المتحدة وبعض وكالاتها المتخصصة والعديد من المنظمات الحقوقية والإنسانية الدولية.

تصاعد الدخان شمالاً بينما كان الفلسطينيون يتنقلون مع متعلقاتهم الشخصية عبر جباليا فراراً من شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

فاتحة المواقف الأوروبية الجديدة كانت الزيارة التي قام بها رئيس الوزراء الإسباني ونظيره البلجيكي إلى تل أبيب وغزة بعد شهر تقريباً على انطلاق الأعمال العسكرية الإسرائيلية في القطاع. آنذاك صدر عنهما تصريحات تتهم الجيش الإسرائيلي بعدم احترام أحكام القانون الدولي، واستهدافه المدنيين والبنى التحتية بشكل متعمد.

رسالة ثلاثية وتعليق مفاوضات

أما أحدث المواقف فمثلته بداية الرسالة التي وجهتها حكومات إسبانيا وبلجيكا وآيرلندا وسلوفينيا إلى رئيسة المفوضية الأوروبية تطلب منها إعادة النظر في اتفاقية الشراكة التجارية بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، والتي بقيت طي التجاهل والنسيان بسبب من الضغوط التي كانت تمارسها العواصم الكبرى، خاصة باريس وبرلين، وأيضاً واشنطن.

ولقد عبّرت فرنسا، الثلاثاء، على لسان وزير الخارجية جان نويل بارو، عن أنها «تدعم مراجعة اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل لمعرفة ما إذا كانت إسرائيل تحترم التزاماتها تجاه حقوق الإنسان» أم لا.

ومن خارج منظومة الاتحاد الأوروبي، وإن من داخل القارة، جاء القرار البريطاني، الثلاثاء، بتعليق مفاوضات التجارة الحرة مع إسرائيل، وفرض عقوبات جديدة على مستوطنين في الضفة الغربية احتجاجاً على ممارساتها في قطاع غزة. كذلك، أعلن وزير الخارجية ديفيد لامي أن وزارته استدعت السفيرة الإسرائيلية تسيبي هاتوفيلي رداً على «تكثيف إسرائيل غاراتها وتوسيع عملياتها العسكرية» في القطاع الفلسطيني المحاصر.

وقللت الحكومة الإسرائيلية من أهمية الإعلان البريطاني، قائلة إن الحكومة البريطانية الحالية لم تحرز أي تقدم على الإطلاق في المفاوضات.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان: «هذه الاتفاقية كانت ستخدم مصلحة البلدين على حد سواء. وإذا كانت الحكومة البريطانية... على استعداد لإلحاق الضرر بالاقتصاد البريطاني، فهذا قرارها وحدها».

إشارات لم تقرأها إسرائيل

بوادر التغيير العام في الموقف الأوروبي بدأت بإشارات ظهرت مطلع العام الحالي بعد التصريحات الإسرائيلية والأميركية حول تفريغ غزة من سكانها، وتهجيرهم أو نقلهم إلى البلدان المجاورة، أو أبعد منها، والمضي في سياسة قضم المزيد من أراضي الضفة الغربية.

في موازاة ذلك كانت «المحكمة الجنائية الدولية» قد أصدرت مذكرة توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت، في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، الأمر الذي أثار حرجاً كبيراً في العواصم الأوروبية، رغم أن بعضها مثل بودابست، قرر تحدي القرار، أو باريس ولندن اللتين أظهرتا مواقف مرتبكة ومراوغة أحياناً بشأن إمكانية اعتقال نتنياهو إذا قرر زيارة فرنسا أو بريطانيا.

مسيرة مؤيدة للفلسطينيين تسير من بنك إنجلترا إلى ساحة البرلمان للدعوة إلى وقف دائم لإطلاق النار وإنهاء حصار غزة خلال حدث «المسيرة الوطنية من أجل فلسطين» في لندن أول من أمس (إ.ب.أ)

غير أن هذه المواقف والتطورات لم تغيّر شيئاً في القراءة الإسرائيلية لسياسة الاتحاد الأوروبي، خاصة أن الإدارة الأميركية الجديدة كانت أعطتها الضوء الأخضر لمواصلة عملياتها في الأراضي الفلسطينية، لا بل إلى تصعيدها.

تغيير واضح بعد «عربات جدعون»

لكن في الأسابيع الأخيرة المنصرمة، وبعد إعلان حكومة نتنياهو عن إطلاق عملية «عربات جدعون»، وإعلان نيتها السيطرة على كامل قطاع غزة وتماديها في منع دخول المساعدات الغذائية والإنسانية إلى القطاع، بدأت تظهر علامات تغيير واضحة على مشهد العلاقات الإسرائيلية - الأوروبية، فيما كان فتور غير مسبوق ينسدل على العلاقات بين واشنطن وتل أبيب.

وفي حين كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يخصّ السعودية وقطر والإمارات بزيارته الأولى إلى الخارج، ويوقع شراكات استراتيجية معها، ويسقط إسرائيل من جولته الإقليمية، كانت العواصم الأوروبية ترفع الصوت مُنددة بسياسة حكومة نتنياهو، وتطلق تحذيرات غير معهودة باتجاه الدولة العبرية.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدى وصوله إلى العاصمة السعودية (أ.ب)

رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز طالب، الاثنين، بمنع إسرائيل من المشاركة في مهرجان الأغنية الأوروبية «يوروفيجن» على غرار ما حصل عندما طردت منه روسيا منذ ثلاث سنوات بعد غزو أوكرانيا.

كما أعلن من بغداد خلال مشاركته في القمة العربية أن إسبانيا ستطرح مشروع قرار في الجمعية العامة للأمم المتحدة يطلب تكليف محكمة العدل الدولية إصدار قرار بشأن رفض إسرائيل دخول المساعدات الإنسانية إلى غزة، وأضاف أن حزبه سيدعم مشروع قانون في البرلمان لحظر بيع الأسلحة إلى إسرائيل.

وكان سانشيز أعلن منذ أيام، بعد إلغاء صفقة لشراء ذخائر من إسرائيل، أن بلاده «لا تتاجر مع دولة تمارس الإبادة الجماعية».

في موازاة ذلك، كانت الحكومة الإيطالية، التي ترأسها اليمينية المتطرفة جورجيا ميلوني، تتعرّض لضغوط متزايدة من المعارضة والكنيسة الكاثوليكية وحتى من حزب «فورزا إيطاليا» المشارك في الائتلاف الحكومي، إلى أن صدرت تصريحات بلسان وزير الخارجية أنطونيو تاجاني يدعو فيها إسرائيل إلى التراجع عن حملتها العسكرية الأخيرة والسماح بدخول المساعدات إلى القطاع.

تطور أعمق وأبعد تأثيراً

لكن التطور الأعمق والأبعد تأثيراً في الموقف الأوروبي جاء صباح الاثنين عندما صدر بيان مشترك عن حكومات فرنسا وبريطانيا وكندا، يطلب من إسرائيل أن «تضع حداً للعمليات الفاضحة في غزة»، ويهدد باتخاذ تدابير ملموسة في حال استمرار الهجوم على القطاع ومنع دخول المساعدات الإنسانية والغذائية.

وجاء في البيان المشترك: «تعرّضت إسرائيل لهجوم مروّع في السابع من أكتوبر، وقد دعمنا دائماً حقها في الرد والدفاع عن مواطنيها ضد الإرهاب، لكن هذا التصعيد الأخير مبالغ فيه كلياً».

وتوعدت الحكومات الثلاث (الفرنسية والبريطانية والكندية) بأنها «لن تقف مكتوفة الأيدي في حال واصلت الحكومة الإسرائيلية عملياتها».

كما ندد البيان بالتصريحات «البغيضة» التي صدرت عن بعض أعضاء الحكومة الإسرائيلية، مؤكداً أن البلدان الثلاثة ستعمل مع السلطة الوطنية الفلسطينية في مؤتمر نيويورك، منتصف الشهر المقبل، للتوصل إلى توافق دولي بشأن حل الدولتين ومستقبل قطاع غزة استناداً إلى الخطة التي أقرتها القمة العربية.

كما جاء في البيان: «نحن عازمون على الاعتراف بالدولة الفلسطينية كمساهمة في التوصل إلى تحقيق حل الدولتين، وندعم جهود الوساطة التي تقوم بها الولايات المتحدة وقطر ومصر للتوصل إلى وقف إطلاق النار في القطاع، وتحرير جميع الرهائن، وإنهاء سيطرة (حماس) على غزة».

وجاءت ردة الفعل الإسرائيلية حتى الآن على هذه التطورات في الموقف الأوروبي مقتصرة التنديد واتهام الدول المعنية بأنها «تقدّم خدمة لـ(حماس)».

حسابات خاطئة

في الظاهر يبدو أن تل أبيب لم تتأثر كثيراً بالتحذيرات الأوروبية، التي انضمت إليها كندا للمرة الأولى، وبالمواقف المنددة، خاصة أنها ما زالت تحظى بدعم غير مشروط من بلدان مثل ألمانيا وإيطاليا والمجر، في الوقت الذي يواصل اليميني الأوروبي المتطرف صعوده في المشهد السياسي والاجتماعي.

لكن مسؤولاً أوروبياً رفيع المستوى يحذر من مغبّة الحسابات الإسرائيلية الخاطئة، لا سيما أن الجولة الخليجية التي قام بها الرئيس الأميركي مؤخراً تنذر بتغييرات جيوسياسية لن تكون في مصلحة الدول العبرية.

ماذا نعرف عن اتفاقية الشراكة الأوروبية - الإسرائيلية؟

بعد أربع سنوات من المفاوضات التي بدأت عام 1996، وقّع الاتحاد الأوروبي مع إسرائيل اتفاقية شراكة دخلت حيّز التنفيذ عام 2000، وتتضمن مجموعة من المواثيق السياسية والتجارية، من شروطها الأساسية احترام حقوق الإنسان والمبادئ الديمقراطية، وذلك على غرار الاتفاقيات الموقعة بين الاتحاد والبلدان المتوسطية الأخرى.

لكن بعد التطورات الأخيرة في قطاع غزة، لم تعد إسبانيا وآيرلندا وحدهما اللتين تعتبران أن حكومة نتنياهو لا تحترم شروط هذه الاتفاقية، بل انضمت إليهما هولندا وفرنسا والسويد والبرتغال وسلوفينيا وفنلندا وبلجيكا ولوكسمبورغ.

فلسطينيون قرب جثامين أقارب لهم قُتلوا في غارات إسرائيلية بدير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

الأغلبية السياسية المطلوبة لتعليق الاتفاقية وفقاً لقواعد الاتحاد ما زالت بعيدة المنال، لكن التغيير الذي طرأ مؤخراً على المشهد الأوروبي يفرض على الحكومة الإسرائيلية التأمل كحد أدنى.

ويبدو أن الدول المؤيدة لإعادة النظر في الاتفاقية، أو تعليقها، باتت قاب قوسين من 14 دولة، وهي الأكثرية اللازمة لإجبار المفوضية على التحرك لتقول إذا كانت ستعيد النظر في الاتفاقية، أو لماذا لن تعيد النظر. وفي ذلك رسالة سياسية قوية إلى إسرائيل، مفادها أن الأمور لا يمكن أن تستمر على ما كانت عليه، خاصة أن 22 من وزراء خارجية الاتحاد وقعوا، الأحد، بياناً مشتركاً صدر عن مسؤولة السياسة الخارجية وعدد من المفوضين، يطالب إسرائيل باستئناف المساعدات الإنسانية فوراً ومن غير شروط إلى غزة .

والاتحاد الأوروبي هو الشريك التجاري الأول لإسرائيل التي تشكّل صادراتها إلى بلدان الاتحاد 28 في المائة من مجموع صادراتها، فيما تستورد إسرائيل من الاتحاد 32 في المائة من احتياجاتها، وقد بلغت قيمة المبادلات التجارية بين الطرفين 42.6 مليار يورو، العام الماضي.


مقالات ذات صلة

«حماس» ترجئ انتخاب رئيس مكتبها السياسي حتى إشعار آخر

خاص (من اليسار) نزار عوض الله وخليل الحية ومحمد إسماعيل درويش خلال لقاء مع المرشد الإيراني علي خامنئي فبراير الماضي (موقع خامنئي - أ.ف.ب) play-circle

«حماس» ترجئ انتخاب رئيس مكتبها السياسي حتى إشعار آخر

كشفت مصادر قيادية في حركة «حماس» أن الحركة قررت إرجاء انتخاب رئيس مكتبها السياسي العام الذي كان من المقرر إجراؤه خلال الأيام العشرة الأولى من الشهر الحالي.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي امرأة فلسطينية تبكي مع وصول عائلات لاستلام جثامين ذويها في اليوم التالي للقصف الإسرائيلي الذي أسفر عن مقتل أكثر من 12 شخصاً بينهم أطفال في مستشفى ناصر بخان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

وزير خارجية إسرائيل: نزع سلاح «حماس» شرط أساسي للمضي قدماً في «خطة غزة»

قال وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، إن نزع سلاح حركة «حماس» وتجريد قطاع غزة من السلاح شرطان أساسيان للمضي قدماً في تنفيذ خطة الرئيس ترمب.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي فلسطينيون يحملون قريباً لهم لأحد مستشفيات قطاع غزة (أ.ف.ب)

غزيون بمستشفى ناصر يخشون حرمانهم من رعاية «أطباء بلا حدود»

تكتظ أقسام مستشفى ناصر في غزة بالمرضى، الذين يخشون حرمانهم من الرعاية الصحية بعد اليوم، في حال أُجبرت منظمة «أطباء بلا حدود» على الخروج من القطاع المدمر.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون يُصلُّون على جثامين ذويهم ضحايا الغارات الإسرائيلية على خان يونس بجنوب قطاع غزة (إ.ب.أ) play-circle

قتلى في قصف إسرائيلي استهدف شرق مدينة غزة

قُتل عدد من الفلسطينيين، اليوم (الأحد)، في قصف إسرائيلي استهدف حي الزيتون بشرق مدينة غزة، كما قُتل فلسطيني متأثراً بإصابته برصاص إسرائيلي في جنوب الضفة الغربية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون يمشون بين المباني المدمرة بفعل الغارات الإسرائيلية في مدينة غزة نوفمبر الماضي (رويترز)

بنغلاديش تسعى للانضمام إلى «قوة الاستقرار» في غزة

قالت بنغلاديش، أمس (السبت)، إنها أبلغت الولايات المتحدة برغبتها في الانضمام إلى قوة تحقيق الاستقرار الدولية المقرر نشرها في قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (دكا)

«حماس» ترجئ انتخاب رئيس مكتبها السياسي حتى إشعار آخر

(من اليسار) نزار عوض الله وخليل الحية ومحمد إسماعيل درويش خلال لقاء مع المرشد الإيراني علي خامنئي فبراير الماضي (موقع خامنئي - أ.ف.ب)
(من اليسار) نزار عوض الله وخليل الحية ومحمد إسماعيل درويش خلال لقاء مع المرشد الإيراني علي خامنئي فبراير الماضي (موقع خامنئي - أ.ف.ب)
TT

«حماس» ترجئ انتخاب رئيس مكتبها السياسي حتى إشعار آخر

(من اليسار) نزار عوض الله وخليل الحية ومحمد إسماعيل درويش خلال لقاء مع المرشد الإيراني علي خامنئي فبراير الماضي (موقع خامنئي - أ.ف.ب)
(من اليسار) نزار عوض الله وخليل الحية ومحمد إسماعيل درويش خلال لقاء مع المرشد الإيراني علي خامنئي فبراير الماضي (موقع خامنئي - أ.ف.ب)

كشفت مصادر قيادية في حركة «حماس» أن الحركة قررت إرجاء انتخاب رئيس مكتبها السياسي العام الذي كان من المقرر إجراؤه خلال الأيام العشرة الأولى من شهر يناير (كانون الثاني) الحالي.

وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن إرجاء هذه الخطوة تم حتى إشعار آخر، موضحةً أنه «لم يتم تحديد موعد جديد، لكن قد تُجرى الانتخابات في أي لحظة».

وأرجع أحد المصادر عملية التأجيل إلى «الظروف الأمنية والسياسية وانشغال الحركة حالياً بمفاوضات الانتقال للمرحلة الثانية من وقف إطلاق النار، مع تسارع الحراك القائم بشأنها حالياً من قبل الوسطاء والولايات المتحدة».

لكن مصادر أخرى أوضحت أن «هناك أسباباً إضافية، منها الخلاف على ما يجري من ترتيبات داخل الحركة في إقليم قطاع غزة التي ازدادت في الأيام الماضية، والتي يجري محاولة العمل على حلها».

فلسطينيون يشقون طريقهم وسط المباني المتضررة جرّاء الحرب في جباليا بشمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

وتواجه «حماس» أزمة هي الأعنف منذ تأسيسها عام 1987؛ إذ طالت الاستهدافات الإسرائيلية التي بدأت بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 مختلف أجنحتها ومستوياتها، ما تسبب في أزمات تنظيمية ومالية عدة.

اهتمام بالمرحلة الثانية

وتوضح المصادر أن تسارع الحراك بشأن إمكانية الانتقال للمرحلة الثانية يطغى بشكل كبير على اهتمام قيادة الحركة في الوقت الحالي، مبينةً أن عملية انتخاب رئيس جديد للمكتب السياسي ستكون خطوة مهمة في إطار إعادة ترتيب الأوضاع الداخلية للحركة، لكن هذه العملية قد تستغرق وقتاً أطول مما كان متوقعاً.

وكانت مصادر قد تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، منذ أيام عن أن الانتخابات كانت ستجري في غضون أول 10 أيام من العام الجديد، موضحة أن الهدف من هذه الانتخابات تحقيق مزيد من الاستقرار والطمأنينة داخل الحركة، ولنقل رسالة واضحة للعالم الخارجي بأنها ما زالت متماسكة.

عناصر من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» في رفح جنوب غزة (أرشيفية - رويترز)

وذكرت المصادر حينها أن انتخاب رئيس للمكتب السياسي لن ينهي دور المجلس القيادي الحالي الذي تم تشكيله لقيادة الحركة بعد الاغتيالات التي طالت هنية والسنوار، مشيرة إلى أنه سيتم اعتباره مجلساً استشارياً يتابع كل قضايا «حماس» داخلياً وخارجياً، ويتم التشاور فيما بينه بشأن مصير تلك القضايا.

مشعل أم الحية... أم شخصية ثالثة؟

وردّاً على سؤال حول ما إذا كانت هناك خلافات داخلية على شخصية الرئيس الذي سينتخب لقيادة «حماس»، اكتفى أحد المصادر بالقول إن «عملية الانتخابات تجري وفق القوانين واللوائح المعمول بها، ولا توجد خلافات بشأن الشخصية التي ستقود الحركة».

وتُشير التقديرات إلى أن خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي بالخارج، وخليل الحية رئيس المكتب السياسي بغزة، هما الشخصيتان الأكثر حضوراً لإمكانية تولي رئاسة المكتب السياسي.

وتقول بعض المصادر إن هناك تأييداً كبيراً داخل قيادة الحركة في الخارج والضفة الغربية لأن يكون مشعل رئيساً للحركة، في حين أنه في قطاع غزة الأغلبية تفضل أن يتولى الحية المسؤولية عن قيادة الحركة.

قياديون في «حماس من اليمين: روحي مشتهى وصالح العاروري وإسماعيل هنية (اغتيلوا جميعاً) وخالد مشعل وخليل الحية (أرشيفية - إعلام تابع لـ«حماس»)

ومع ذلك لم تستبعد المصادر أن «تخرج لشخصية ثالثة غير محددة»، وقال أحد المصادر: «لا يمكن التنبؤ بأي شيء في الوقت الحالي، ولا يمكن اعتبار ما يجري بمثابة تنافس بسبب خلافات على مَن سيكون رئيس الحركة، ولكن يمكن وصفها بأنها (عملية تنافسية حميدة)».

خلافات حول تغييرات العامودي

وبشأن الخلافات حول ما يجري في غزة، أوضحت المصادر أن هناك محاولات لحلها، مشيرةً إلى أن «هناك حالة اعتراض كبيرة من غالبية المستويات القيادية من هيئات إدارية وغيرها، على ما جرى من ترتيبات داخلية مؤخراً».

وكانت مصادر من «حماس» قد قالت لـ«الشرق الأوسط»، منذ أيام، «إن هناك سلسلة من التغييرات القيادية حصلت في قطاع غزة، بعد الاغتيالات التي طالت قياداتها خلال الحرب الإسرائيلية التي استمرت عامين، ما أفرز حضوراً أكبر لمقربين من قائد الحركة السابق يحيى السنوار الذي قُتل بشكل مفاجئ في اشتباكات مع قوة إسرائيلية برفح في أكتوبر 2024».

ووفق تلك المصادر، فإن الأسير المحرر علي العامودي، وهو عضو مكتب سياسي، وكان مسؤولاً عن الدائرة الإعلامية للحركة قبل الحرب، أصبح مسيراً لأعمال مكتبها السياسي في قطاع غزة، بعدما جرى تكليفه والعديد من المقربين من السنوار، لإدارة الحركة في القطاع، وغالبيتهم ممن يقطنون في خان يونس جنوب القطاع.


الجيش السوري يستنفر بعد رصد حشود عسكرية لـ«قسد» شرق حلب

قوات الشرطة العسكرية السورية تنتشر في حي الشيخ مقصود بمدينة حلب (د.ب.أ)
قوات الشرطة العسكرية السورية تنتشر في حي الشيخ مقصود بمدينة حلب (د.ب.أ)
TT

الجيش السوري يستنفر بعد رصد حشود عسكرية لـ«قسد» شرق حلب

قوات الشرطة العسكرية السورية تنتشر في حي الشيخ مقصود بمدينة حلب (د.ب.أ)
قوات الشرطة العسكرية السورية تنتشر في حي الشيخ مقصود بمدينة حلب (د.ب.أ)

أعلن الجيش السوري، اليوم (الأحد)، حالة الاستنفار بين قواته بعد رصد حشود عسكرية لـ«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) في شرق حلب.

وقالت هيئة العمليات في الجيش لوكالة الأنباء السورية (سانا): «رصدت طائراتنا استقدام تنظيم (قسد) مجاميع مسلحة وعتاداً متوسطاً وثقيلاً إلى جبهة دير حافر شرق حلب».

وأضافت: «لم نعرف بعد طبيعة هذه الحشود والتعزيزات التي استقدمها تنظيم قسد لشرق حلب»، متابعة: «استنفرنا قواتنا وقمنا بتعزيز خط الانتشار شرق حلب، ومستعدون لكل السيناريوهات».

كانت مديرية الصحة بحلب أعلنت تسجيل 24 حالة وفاة و105 إصابات خلال الاشتباكات بين القوات الحكومية ومسلحي «قسد» في حلب، منذ يوم (الثلاثاء) الماضي وحتى أمس (السبت)، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

ويتهم الجيش السوري قوات «قسد» بتحويل حيي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب منطلقاً لهجماتها المتكررة على مواقع الجيش وقوى الأمن الداخلي، إضافة إلى استهداف المدنيين في الأحياء المجاورة.

كانت هيئة العمليات في الجيش السوري أعلنت، أمس (السبت)، عن وقف جميع العمليات العسكرية داخل حيي الشيخ مقصود والأشرفية، وتأمين «عودة آمنة للأهالي»، سبقها تمشيط حي الشيخ مقصود بالكامل من الألغام والمتفجرات.

كما جرى ترحيل مسلحي «قسد» باتجاه مدينة الطبقة، مع سحب أسلحتهم.


اعتقال مادورو يفتح ملفات «حزب الله» المالية في فنزويلا

مناصرون يحملون أعلام «حزب الله» اللبناني في بيروت (رويترز)
مناصرون يحملون أعلام «حزب الله» اللبناني في بيروت (رويترز)
TT

اعتقال مادورو يفتح ملفات «حزب الله» المالية في فنزويلا

مناصرون يحملون أعلام «حزب الله» اللبناني في بيروت (رويترز)
مناصرون يحملون أعلام «حزب الله» اللبناني في بيروت (رويترز)

يطرح ما شهدته فنزويلا أخيراً، من تطورات سياسية وأمنية، أسئلة مباشرة بشأن انعكاساته المحتملة على «حزب الله» في لبنان، لا سيما في ظل ما يُتداول عن ارتباطات مالية وتنظيمية لـ«الحزب» في أميركا اللاتينية، وبالتالي مما قد ينعكس عليه، في ظل الضغوط الإقليمية والدولية التي يتعرض لها التنظيم في هذه المرحلة.

وجاء أحدث التقديرات في تقرير نشرته صحيفة «فاينانشال تايمز»، واستعادت فيه علاقة الرئيس الفنزويلي، نيكولاس مادورو، بـ«الحزب»، التي بدأت في عام 2007، حين كان وزيراً للخارجية، خلال لقاء سري جمعه بمسؤول في العمليات الخارجية في «الحزب» بدمشق، في أثناء زيارة رسمية من مادورو إلى العاصمة السورية.

ونقلت الصحيفة عن مسؤول استخباراتي وشخص آخر مطّلع على الملف، قولهما إن «حزب الله» طوّر علاقات بمسؤولين حكوميين في كاراكاس خلال عهد الرئيس الفنزويلي الراحل هوغو شافيز، وتعززت هذه العلاقات أعمق في عهد مادورو.

وقال أحد المطلعين: «فجأة بدأت أنشطة (حزب الله) تتوسع: تهريب مخدرات، وتبييض أموال، ومخططات للحصول على جوازات سفر، وأسلحة، واستخبارات... كل ذلك يجري بغطاء دبلوماسي». وأشار إلى أن «حزب الله» والسلطات الفنزويلية نفيا تلك الاتهامات.

ضربة لمسار تمويل

في هذا الإطار، يقول مدير «معهد العلوم السياسية» في «جامعة القديس يوسف»، الدكتور سامي نادر، إنّ «التطورات المرتبطة بملف فنزويلا تحمل دلالات مباشرة على وضع (حزب الله ولبنان)؛ إذ تشكّل عملياً ضربة أساسية لأحد أهم مسارات التمويل غير المباشر الذي اعتمد عليه (الحزب) خلال السنوات الماضية، في مرحلة تزامنت مع تضييق غير مسبوق على قنواته المالية داخل لبنان وخارجه».

وأوضح نادر لـ«الشرق الأوسط» أنّ «الحزب» وجد نفسه، خلال العقد الأخير، «أمام بيئة مالية خانقة؛ وعقوبات أميركية ودولية، عبر تشديد رقابي على القطاع المصرفي اللبناني، والتضييق على الجمعيات والمؤسسات الداعمة، وتراجع قدرة إيران على توفير الدعم بالوتيرة السابقة». ورأى أن أميركا اللاتينية، لا سيما فنزويلا، «تحولت إلى مساحة بديلة لتأمين التمويل، بعيداً عن أعين الرقابة التقليدية».

جنازة رئيس أركان «حزب الله» هيثم الطبطبائي وآخرين قتلوا معه بضربة إسرائيلية في ضاحية بيروت الجنوبية (أرشيفية - أ.ف.ب)

وعدّ أنّ أهمية الضربة الحالية لا تكمن فقط في بعدها المالي، بل في توقيتها السياسي؛ «إذ تأتي فيما يعيش (الحزب) ضغوطاً مركّبة: أزمة اقتصادية عميقة في لبنان، وتراجع في هامش الحركة الإقليمية لإيران، وتحوّل في المزاج الدولي حيال شبكات التمويل غير النظامية». وبرأيه، فإنّ «إقفال المساحة اللاتينية يعني عملياً ضرب صمام أمان مالي كان يُعوَّل عليه لتعويض الخسائر المتراكمة».

«مشروع كاساندرا»

ويعود معظم الأدلة على الصلات بين «حزب الله» وفنزويلا إلى مشروع «كاساندرا»، الذي يُعدّ أحد أوسع التحقيقات الجنائية شمولاً بشأن العلاقات الدولية لـ«الحزب». ورغم أن هذا التحقيق انتهى عام 2016، فإن «فاينانشال تايمز» ذكرت أن علاقات «الحزب» بفنزويلا استمرت بعد ذلك. وذكّر نادر بما عُرف بـ«مشروع كاساندرا»، وهو تحقيق أطلقته إدارة مكافحة المخدرات الأميركية للكشف عن شبكات عابرة للحدود لتهريب المخدرات وتبييض الأموال، أظهر أنّ جزءاً منها استُخدم لتمويل أنشطة «حزب الله» عبر أميركا اللاتينية. وأوضح أنّ «هذه الشبكات لم تكن هامشية، بل شكّلت بنية مالية موازية، جرى تفعيلها كلما ضاقت قنوات التمويل التقليدية في لبنان والمنطقة».

وفي هذا الإطار، كان قد حذر وكيل وزارة الخزانة الأميركية السابق لشؤون مكافحة تمويل الإرهاب، مارشال بيلينغسلي، بأن «حزب الله» وسع نفوذه وحصل على الدعم من نظام مادورو.

وخلال جلسة استماع في مجلس الشيوخ الأميركي بشأن مكافحة المخدرات الدولية في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، قدّم بيلينغسلي وثائق تُظهر كيف منح النظام الفنزويلي، منذ عام 2001، عقوداً لـ«شركات واجهة» مرتبطة بـ«الحزب»، مشيراً إلى أنه بعد تولي مادورو السلطة «اتسع نطاق وعمق وجود (حزب الله) في فنزويلا بشكل كبير».

رسائل سياسية

وعدّ نادر أنّ «ما يجري اليوم لا يقتصر على محاصرة موارد (الحزب)، بل يحمل رسالة سياسية غير مباشرة إلى الداخل اللبناني؛ مفادها بأنّ مرحلة إدارة الوقت والمراهنة على تبدّل الإدارات الأميركية قد انتهت، وبأنّ أي رهان على إعادة فتح قنوات تمويل خارجية سيُواجَه بإجراءات أشد صرامة».

ورأى نادر أنّ «الرسائل الأميركية الأخيرة لا تقتصر على فنزويلا، بل تمتد إلى كل ساحات نفوذ المحور، بما فيها لبنان»، مشدداً على أنّ الإدارة الأميركية الحالية «تبعث بإشارة واضحة مفادها بأنّ قواعد اللعبة تغيّرت، وبأنّ المواجهة باتت تُدار بأدوات جِدّ مباشرَة؛ مالياً وسياسياً».

منظومة مترابطة

في المقابل، يقول الكاتب السياسي علي الأمين، لـ«الشرق الأوسط»: «لا يمكن إنكار وجود ترابط ضمني بين فنزويلا وإيران و(حزب الله)، في إطار منظومة سياسية ترى نفسها في موقع المواجهة مع الولايات المتحدة؛ مما يفتح الباب أمام شبكات مصالح متبادلة، بعضها سياسي وبعضها مالي أو غير رسمي، خصوصاً في ظلّ صراعات مفتوحة تُستخدم فيها أدوات متعددة تحت عناوين الضرورات أو (تبرير الاستثناءات)».

وكانت وزارة الخزانة الأميركية أدرجت في وقت سابق أسماء (بينهم دبلوماسيون فنزويليون) على قائمة الإرهاب بتهمة تقديم دعم لوجيستي وتمويل لـ«حزب الله».

أثر معنوي

ورأى الأمين أنّ الأثر الأهم لما جرى في فنزويلا سياسي ومعنوي أكثر منه مالياً، عادّاً أنّ «الفكرة التي تمثّلها إيران و(حزب الله)؛ أي خطاب المواجهة المفتوحة مع الولايات المتحدة والتحرّر من القيود الدولية، باتت تفقد قدرتها على الاستمرار والاستقطاب». وأضاف أنّ «غياب أي ردود فعل شعبية واسعة على ما حدث يُظهر تراجع جاذبية هذا الخطاب وانكفاءه التدريجي».

وتابع الأمين أنّ «المشهد الذي رافق توقيف الرئيس الفنزويلي السابق، بما حمله من طابع استعراضي، عكس فراغاً في الشعارات؛ مما سينعكس سلباً، ولو بشكل غير مباشر، على (حزب الله) وإيران على المستويين المعنوي والسياسي».

أنصار «حزب الله» يلوحون بعلم «الحزب» خلال استقبال البابا ليو الشهر الماضي في بيروت (د.ب.أ)

فنزويلا قاعدةً متقدمةً للمحور

من جهته، قال النائب اللبناني السابق، العميد المتقاعد، وهبة قاطيشا، إنّ فنزويلا شكّلت خلال السنوات الماضية «قاعدة محمية ومتقدمة لإيران و(حزب الله) خارج الشرق الأوسط»، لافتاً إلى أنّ «دورها تجاوز الدعم السياسي ليشمل التدريب العسكري، وتصنيع المسيّرات، وشبكات تهريب الأموال والمخدرات على نطاق عابر للقارات». وأوضح قاطيشا لـ«الشرق الأوسط»: «هذه الأنشطة كانت محمية من الدولة الفنزويلية نفسها؛ مما وفّر بيئة آمنة لتدفقات مالية كبيرة».

وأشار إلى أنّ أي «ضربة تطول نظام الرئيس نيكولاس مادورو ستنعكس مباشرة وبقوة على (حزب الله) وإيران؛ إذ تعني إقفال مصدر مالي أساسي، وخسارة مركز تدريب وتصنيع بعيد المدى، خصوصاً بعد تراجع الدور السوري؛ مما جعل أميركا اللاتينية الساحة الأوسع والأخطر لهذه الشبكات».