عمرو موسى: عاملني القذافي في البداية بوصفي جاسوساً أميركياً ثم تغيرت الأمور

قال لـ«الشرق الأوسط» إن صدام حسين «شخصية صعبة جداً وكانت له مهابة خاصة» (3 من 4)

TT

عمرو موسى: عاملني القذافي في البداية بوصفي جاسوساً أميركياً ثم تغيرت الأمور

جانب من الصورة التذكارية لآخر قمة جمعت عمرو موسى بمعمر القذافي في سرت الليبية عام 2010 (أ.ف.ب)
جانب من الصورة التذكارية لآخر قمة جمعت عمرو موسى بمعمر القذافي في سرت الليبية عام 2010 (أ.ف.ب)

يقول وزير الخارجية المصري الأسبق والأمين العام الأسبق لجامعة الدول العربية، عمرو موسى، في الحلقة الثالثة من مقابلته مع «الشرق الأوسط»، إن الرئيس الأسبق حسني مبارك «لم يكن دموياً ولم يكن فرعوناً ولم يحاول أن يكون». ويلفت إلى قول الرئيس أنور السادات: «أنا وجمال (عبد الناصر) آخر الفراعنة».

ويعترف بأن التعامل مع معمر القذافي لم يكن سهلاً، خصوصاً أن الزعيم الليبي استقبله في البداية بوصفه «جاسوساً أميركياً»، وراح يتحدث من دون أن ينظر مباشرة إليه. ويصف الرئيس صدام حسين بأنه «شخصية صعبة جداً وصاحب مهابة خاصة به». ويضيف أن صدام كان قلقاً من المفتشين الدوليين، ويعدّهم عملاء لوكالة المخابرات الأميركية، خصوصاً حين طرحوا على مواطنين عراقيين أسئلة عن مستوى معيشتهم وأحوالهم.

سألت عمرو موسى: إن كانت أغنية المغني الشعبي شعبان عبد الرحيم (شعبولا) التي تقول: «أنا بكره إسرائيل وبحب عمرو موسى» أثارت حساسية الرئيس حسني مبارك والمحيطين به؟ فقال: «الحقيقة، لا أعتقد أن حسني مبارك وحده شعر بالحساسية، فهو الرئيس، ومهما كان وزير الخارجية أو غير وزير الخارجية فليس هناك من ينافس الرئيس في شعبيته. لم يكن هذا هو المقصود، إنما بعض المحيطين، ليس المحيطين المباشرين، بعض المحيطين وأنا أعرفهم جيداً، ولم أرد أن أتدخل وعددت الأمر شيئاً من قبيل الدعابة، ونجلس ليلاً ونضحك، إنما بعض الجهات جعلت شعبان عبدالرحيم يقول: أنا بكره إسرائيل وبحب حسني مبارك. إنما كانت الأغنية الأولى هي التي اشتهرت وتبيع شرائط، وكانت موجودة فعلاً؛ إذ قال أحد أصحابي الدبلوماسيين من أميركا اللاتينية، أظن أنه كان أرجنتينياً، ما هي هذه الحكاية فنحن نرقص عليها هنا؟».

قلت له إن الروس يطلقون على رئيسهم لقب القيصر، فهل كان حسني مبارك أو أنور السادات قريباً من ملامح الفرعون؟ أجاب: «أنور السادات نعم، ولكن في مقابل لقب القيصر كان هناك لقب الزعيم، لكن هذا كان خاصاً بعبد الناصر. الزعيم، والرئيس. أما أنور السادات فاكتفى بلقب الرئيس، ولكنه هو الذي قال: أنا وجمال (عبد الناصر) آخر الفراعنة، ولن يكون هناك فرعون آخر. الفرعون ماذا يعني؟ أو من ضمن سلطات الفرعون، الحياة. يبقي حياتك أو ينهي حياتك.

هذا لم يكن في تكوين حسني مبارك. لم يكن عنيفاً ولا دموياً إنما كان يمكن أن يعاقب طبعاً بصفته رئيساً، معاقبة قاسية تقصر عن أن يسيح دماً. هل هناك حوادث معينة أو حالات معينة قبل فيها توصية بإنهاء حياة أحد، لا أظن، وإنما قد تكون. ولكن في عرفي وفي تحليلي للرئيس مبارك أنه لم يكن دموياً ولم يكن يريد أن يسمح بالدموية في تعامل السلطة. ربما حصلت استثناءات لهذا من كيفية إدارة السجون، الله أعلم، ولكن أنا أجزم أنه هو شخصياً لم يكن من ضمن تصرفاته وأخلاقه أن يكون دموياً».

العلاقة مع القذافي

كان لمصر جار متعب اسمه معمر القذافي، كيف تعامل الرؤساء معه وكيف تعامل عمرو موسى؟ يقول: «بالنسبة إلى الرؤساء العرب كانوا إما يسخرون منه أو يستصغرون شأنه. إنما كلهم حاولوا، باستثناء ملك السعودية، أن يهدئوه ولربما أن يستفيدوا منه أو يتقوا شره. هذه قصة وحدها، وتحتاج إلى موضوع حول معمر القذافي وعلاقاته بالرؤساء والشعوب والثورات. هذه تحتاج إلى بحث طويل عريض. من ضمن ما قاله لي شخصياً إنني صرفت مالاً كثيراً على أناس أيام الثورة الفلانية والثورة الفلانية؛ ولذلك أصبح بخيلاً في الثلث الأخير من حكمه ولم يعد يصرف مالاً بسهولة، ولا يهمه أن تكون هناك ثورة أو غير ثورة. تعلّم. قال لي هذا الكلام. ذكر ذلك لي هذا في معرض حديث في موضوع الثورات.

تمكن حسني مبارك من إدارة العلاقة الصعبة مع معمر القذافي (أ.ف.ب)

كان عندما تذهب إليه تجده جالساً في خيمة، وهذه الخيمة بجانبها سيارة كبيرة، مثل حافلة، وفيها الدوش والتكييف وكل شيء. إنما هو جالس في خيمة وهواؤها لطيف. على شماله كراسات منها النوتة الصفراء المشهورة في أميركا، وكتب وأقلام كثيرة، أزرق وأحمر وأخضر وأصفر وكل ما تريده. وهو جالس وطاقيته معوجة فتجلس معه ويكون بحسب رضاه عنك. إذا كان راضياً عنك يتحدث إليك، وإذا لم يكن راضياً فيتكلم ووجهه إلى ناحية ثانية ولا ينظر إليك، وأنتم أناس كذا وكذا. وأنا رأيته في الوضعين. أحياناً راضٍ فيكلمني مباشرة، وأحياناً غير راضٍ فيتكلم ووجهه لناحية ثانية وكأنني غير موجود. وأنا وجدت في هذا نوعاً من المرح وكنت أراهن مع نفسي يا ترى هذه المرة سيكلمني مباشرة أم يتكلم في ناحية ثانية؟

أول ما عُيّنت قيل له: هذا جاسوس أميركي وآتٍ من واشنطن. أنا طبعاً لم أكن في واشنطن، وكنت سفيراً في نيويورك. وتردد هذا الكلام أن هذا جاسوس آتٍ بخطة أميركية، ولما رأى الأداء غير ذلك بدأ يلين بعض الشيء، ثم بدأ يطلب، عندما يكون جالساً مع الرئيس مبارك، هل يمكن أن نأتي بعمرو موسى لنتحدث معه. وحصل مرة، وكنا في طبرق، على ما أظن، نتغدى وكانت هناك أكثر من مائدة. الرئيس مبارك والعقيد جالسان إلى مائدة معينة، ونحن إلى موائد كثيرة، وزراء ومسؤولون من الجانبين، فقال معمر القذافي للرئيس مبارك لنستدعِ عمرو موسى ونتحدث معه في موضوع، وانتهينا نحن الثلاثة إلى مائدة واحدة نتكلم والباقون إلى موائدهم، وكنت عارفاً أن الأمر سيؤدي إلى شيء من عدم الارتياح لدى آخرين. إنما هذا تكرر غير مرة.

عندما جاء مرة إلى القاهرة في زيارة رسمية وكنت وزيراً للخارجية، نصبت له خيمة في حدائق قصر القبة، القصر فيه كل شيء ولماذا تنام هنا؟ لم يكن ينام هناك إنما يستقبل في الخيمة. ذهبت، وكان وقتها يعتبرني جاسوساً أميركياً، فنظر إلى كل جوانب الخيمة إلا الجانب الذي أجلس فيه. طبعاً بالنسبة إلي الأمر مرح. نعم، كان أحياناً قاسياً، منها مرة، مثلاً، أنت لست فاهماً أن الرجعية العربية ستودي العرب في داهية؟ أنت لست فاهماً هذا الكلام؟ وأنت تقول لي - أنا لم أقل له - إنك من الناس المؤمنين بالوحدة العربية؟ هكذا بهذه القسوة.

أحكي لك موضوع الكتب؛ لأنه قارئ يترجمون له ويأتون له بكتب. كان يتكلم عن علاقة الدول العربية المتوسطية بالدول الأوروبية. فقلت له: أخيراً قرأت كتاباً يتحدث عن كذا وكذا، فقال لي: ما هو هذا الكتاب؟ لم يخبرني عنه أحد. فأعطيته عنوان الكتاب، فاستدعى سكرتيره وقال له اشترِ لي هذا الكتاب وترجمه لي. كان يريد أن يقرأ ويريد أن يعرف. هذه من طرائف العقيد، وأنا أرى أنه كان شخصية استثنائية في طرافته وفي ذكائه وتصرفه.

جانب من الصورة التذكارية لآخر قمة جمعت عمرو موسى بمعمر القذافي في سرت الليبية عام 2010 (أ.ف.ب)

لا جدال في أنه كان ذكياً. تصرفه، سواء كان صحيحاً أو غير صحيح، إنما كان شخصية خاصة. لم يكن يسدد المساهمات الخاصة بالجامعة العربية، فتراكمت عليه، وليبيا من أكبر المساهمين مثلها مثل مصر، والجزائر، والمغرب والسعودية. وجاء دور ليبيا لتترأس الجامعة العربية، إنها تستضيف القمة العربية، فأرسل لي مبعوثاً إلى القاهرة. جاءني في مكتبي، بصفتي أميناً عاماً، وقال لي: القائد بعث لك بهذه اللائحة، نحتاج كذا وكذا وكذا. قلت له: حاضر. قفلتها وقمت إلى المكتب ووضعتها في درج وقفلته وعدت. فقال لي: ماذا أقول له؟ قلت له ما حصل إنني أخذت الرسالة ولم أقرأها ووضعتها في درج ورجعت. فعل فاستدعاني، وأرسل لي طائرة لكي أذهب إليه. كان جالساً في خيمة في سرت. وبينما كنت جالساً وإذ بسكرتيره بشير صالح، وكان من جنوب ليبيا وأسمر، ماشياً يغني أراك عصي الدمع شيمتك الصبر. كان ماشياً ويغنيها، فقلت له: يا بشير، قل للقائد، أراك عصي الدفع، وليس عصي الدمع. فقال لي: والله سأقول له. ذهب إليه فضحك وكان عنده رئيس أفريقي وعندما خرج، دخل إليه بشير وأخبره بهذه الحكاية وقال لي تفضل فدخلت عليه ووجهه كالطماطم لأنه يكتم الضحك. فقال لي: أنا عصي الدفع؟ قلت له: طبعاً، 3 سنين لم تدفع.

دفع الأموال وكنت سعيداً جداً بذلك. عندما كنا في القمة، كان سعيداً بوجود هذه القمة عنده وأظهر أنه يتعامل بمسؤولية. أذكر أننا كنا نتكلم عن جيش عربي وكان اجتماع فيه الرئيس مبارك والرئيس علي عبد الله صالح، الله يرحمهم جميعاً، وأظن أن رؤساء آخرين شاركوا أيضاً. الرئيس مبارك قال: نبحث بعقلانية أولاً... علي عبد الله صالح: لا يمكن، الجيش العربي يقرر الآن. فقال له القذافي: بالراحة يا علي بالراحة. كلمة أن رئيس اليمن علي عبد الله صالح يتحدث عن فورية للجيش، ورد معمر القذافي بالراحة يا علي، يفتح لك آفاقاً للتحليل. بالراحة يا علي أو شيء من هذا القبيل لكي أكون دقيقاً، إنما كانت مسألة فارقة تماماً».

هل ترى نفسك محظوظاً لأن القدر لم يلزمك بالعمل مع رئيس مثل القذافي؟ قال: «نعم، بالتأكيد لأنني رأيت ماذا يحصل لعبد الرحمن شلقم وعلي التريكي. الاثنان وزيرا خارجية مشهود لهما. أناس أذكياء جداً، ولكن كان يمكن أن يقول له لخطأ ما، اجلس في البيت ولا تخرج حتى أقول لك. يجلس سنة، سنتين، إلى أن يتذكره. ولكن عبد الرحمن شلقم، وهو مفكر محترم جداً، وكذلك علي التريكي، قالا لي: مُرتبك يصلك إلى البيت وتظل محافظاً على مزاياك ولكن لا تتحرك إلا حين يقول لك. وهناك عقوبة إنزال الرتبة. علي التريكي كان وزير خارجية ثم أصبح وزيراً للشؤون الأفريقية والوزير كان شلقم. والمبعوث الذي أرسله إليّ كان وزير خارجية وأصبح وكيلاً للخارجية. عقوبات معينة على رجاله».

أنور السادات ومعمر القذافي وبينهما الملك حسين عام 1970 (غيتي)

أحد الذين عملوا مع القذافي قال لي إنه تحدث مرة عن السادات ومبارك، وقال: كانا يقفان في الصف عندما أذهب لزيارة معلمهما ويقصد عبد الناصر، هل كانت لديه عقدة عبد الناصر؟ أجاب: «لا، كان لديه كره للسادات. يكره السادات. ذهبنا إليه مرة، مجموعة من وزراء الخارجية العرب والدكتور عصمت عبد المجيد، أمين عام الجامعة العربية، ذهبنا في أحد الرمضانات لنتحدث في مسائل عربية، فوجدناه معتكفاً في أحد المساجد. ولا يلتقي أحداً. قالوا له جاء 10 أشخاص، وزراء خارجية بطائرة خاصة، فقال لهم بعد تأخير، وكان معنا عبد السلام جلود الذي كان يعطينا محاضرات فيها كثير من الطرافة، فليأت أمين عام الجامعة ولا لزوم لوزراء الخارجية، فذهب أمين عام الجامعة. وربما أدركوا أن ذلك لا يصح، فقال: تفضلوا. وصلنا بعد دقيقتين أو ثلاث من (وصول عصمت عبد المجيد).

كان القذافي جالساً وفي يده سبحة رخيصة، وراح يتكلم عن السادات (ويشد السبحة بيده) فرطت منه السبحة، ونحن جالسون متربعين في الخيمة. فقلت له: نحن عندنا، المصريين، تقدير كبير له لأنه حرر الأرض، والأمور الثانية يمكن أن نناقش فيها أي شخص إلا دوره في تحرير الأرض ووطنيته. فغيَّر كلامه، وقال لي: أنا فاهم هذا الكلام، متفهم لهذا الكلام. وفاتت».

لقاء مع صدام حسين قبل الغزو

طلبت من موسى أن يتحدث عن شخصية صعبة أخرى تعامل معها، فقال: «صدام حسين، شخصية صعبة جداً. عندما انتُخبت أميناً عاماً للجامعة العربية، لا أقول عُينت انتُخبت؛ لأنه كان اقتراحاً مصرياً عُرض على الرؤساء في قمة عمان سنة 2001. قلت أمين عام جديد، وزير سابق للخارجية في مصر الجامعة، يفترض أن ألتقي الزعماء العرب كلهم، وفعلاً أعددت جدولاً ووضعت صدام حسين آخر واحد؛ لأنني أعرف التعقيدات والحساسيات، وبدأت من موريتانيا، والمغرب، والجزائر والسودان، وكلهم بالدور ولم يبق إلا صدام حسين. هذا سنة 2002، أي السنة التالية لتسلمي منصبي. في 19 يناير (كانون الثاني) 2002.

عمرو موسى وكوفي أنان (أ.ف.ب)

قبل ذلك كنت في الأمم المتحدة وقلت لكوفي أنان، ونحن صديقان منذ الشباب الباكر، أنا الآن أمين عام الجامعة العربية وذاهب لزيارة صدام وهناك مشكلة بين الأمم المتحدة وبينه، ولا بد من أن أذهب برسالة منك، فقال لي: أي رسالة؟ قلت له: خاصة بالمفتشين، خاصة بمسألة تطمئنه. فقال لي: قل له نحن على استعداد لاستئناف التفاوض وإن كانت لديه شكاوى ننظر فيها. قلت له: عظيم، متشكر جداً.

ذهبت وقلت ذلك، وكان غرضي أن يشعر بأن الزيارة ليست فقط زيارة تحيات وتمنيات من أمين عام الجامعة، بل إنني آتٍ إليه بعمل معين. استقبلني في قصر من قصوره، صغير، وجاءني مساعده عبد حمود، وهو رجل ممشوق وشواربه كثة جداً، وفي الصباح قال: تفضل، سيارة وموكب. قبل أن يأتي، انتقلت من الاستراحة التي كنت فيها بموكب سيارات، إلى مكان ما، قاعدة عسكرية أو شيء مشابه، ومن هناك قابلني الفريق عبد حمود، وركبت معه في سيارة «تويوتا» بيج، هو يقودها وأنا بجانبه، ولم يكن أحد أمامنا ولا وراءنا. وذهبنا إلى قصر. مرافقي أخذوهم بطريق أخرى. دخلت، بيت صغير وقربه بحيرة فيها بجع. نزلت درجتين إلى قاعة ممتدة وصدام مشى إلى منتصفها وأنا مشيت إلى منتصفها وسلمنا بعضنا على بعض، سلام رجل لرجل، لا قبلات ولا أحضان. هو كان معه الفريق عبد حمود ووزير الخارجية ناجي صبري الحديثي، رجل جيد جداً، وأنا معي أحمد بن حلي، نائب الأمين العام وحسين حسون، السفير وكان رئيس البعثة في واشنطن.

صدام حسين مستقبلاً عمرو موسى في يناير 2002 (أ.ف.ب)

بدأت بالحديث عن خطورة الموقف، وأنه لا بد من تليين الموقف العراقي وفي أوقات كثيرة، حتى في القمة العربية، هناك صمت في حين الأمور تحتاج إلى مرونة وإلخ. وجرى الحديث بهذا الشكل. ثم انتقلت إلى الحديث عن رسالة كوفي أنان، وقلت له: يا سيادة الرئيس، أنا أحمل رسالة من أمين عام الأمم المتحدة خاصة بالمفتشين، وبإمكانية أن نحرك الأمور من أجل أن نقلل من الاضطراب والتوتر الذي يمكن أن ينفجر.

وقلت له: تحدي الولايات المتحدة ليس فيه حكمة وفي لحظة ما لن يقف معك أحد. هذا موجود في المحضر الذي كتبه بن حلي، رحمه الله. طلبت أن نمشّي الأمور بالراحة. نعم، هناك مواقف خطيرة جداً للولايات المتحدة في قضايا معينة، إنما الأمور تقتضي أن نكون حذرين في مثل هذا الأمر، وبالمناسبة الأمين العام ليس لديه مانع من استئناف المفاوضات. يا سيادة الرئيس، هل أنت لديك مفاعلات نووية أو أسلحة نووية؟ فقال لي: لا. قلت له: هل تسمح لي أن أسأل مرة ثانية هذا السؤال؟ هل لديك أسلحة نووية؟ فقال لي: لا. في هذه اللحظة، نظرت إلى بن حلي بطرف عيني.

وجدت بن حلي يكاد يضطرب لأنني سألت صدام حسين السؤال نفسه مرتين؟ ربما توقع أننا لن نخرج من هنا. عندما رأيت بن حلي زاد الموقف لدي طرافة، فقلت له: يا سيادة الرئيس، ما هي شكواك من المفتشين إذا لم يكن لديك شيء؟ فقال لي: لا، هؤلاء ليسوا مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، هؤلاء يأتون ويذهبون إلى المقاهي وفي الشوارع يسألون (الناس) أنتم ماذا تأكلون؟ وهل هناك طعام كافٍ؟ وما هو رأيك في الحكومة؟ ما هي علاقتهم بهذه الأمور؟ قلت له: المسألة بسيطة، أنا أبلغ الأمين العام بهذا الكلام، حتى عندما تتفاوضون ويتم اختيار المفتشين بعد ذلك يكون فيه عناية. فقال لي: نعم، أنا أفوّضك بأن تقول ذلك. وفعلاً قلت لأنان وبدأت مفاوضات عراقية مع الأمم المتحدة في هذا الشأن، وهذه قصة أخرى، وانتهت إلى الغزو.

في هذا الوقت، أقدر أقول إن صدام كان متقبلاً ولكن من أناس هو متأكد أنهم غير مدسوسين عليه، أي لست أقول له ذلك من أجل أن آخذ منه شيئاً أنقله لكي يحسب عليه. ولذلك؛ في رأيي، كان مرتاحاً للحديث معي».

وعن هيبة صدام حسين، قال: «نعم، ليس هناك كلام. ليس هناك كلام. لديه هيبة خاصة به. يخشونه، يخشونه جداً. ولكن في ذلك الوقت لا أظنه أنه كان مستعداً لاستخدام هذه الهيبة... كان هناك وضع جديد وفيه تحسب كبير جداً؛ لأنه في الليلة السابقة على هذا اللقاء، كان هناك عشاء أقامه طارق عزيز، وكان نواب الرئيس وغيرهم حاضرين، في برج مطل على القصر الملكي القديم. ليس قصراً، بل (منزل) صغير. فقلت مثل هذا الكلام، أي أنتم ليس لديكم مرونة في حين الدنيا متغيرة، فقال لي أحدهم قل له غداً هذا الكلام. مرتين ثلاث، قالوا لي قل له، قل له، أي أنهم كانوا يريدونه أن يسمع هذا الكلام. وأنا تشجعت وقلت له هذا الكلام، كل الذين يريدونني أن أقوله قلته».

صدام حسين خلال قمة عربية في عمّان عام 1980 وبدا خلفه إلى اليسار طارق عزيز (غيتي)

وما هو انطباعك عن طارق عزيز؟ أجاب: «طارق عزيز كان دبلوماسياً ذكياً جداً، وسياسياً أيضاً ذكياً جداً. ذهب بعيداً في تأييده لصدام من حيث كل شيء. أي أن طارق عزيز كان مسماراً رئيسياً في المرحلة هذه من نظام صدام حسين. إنما، وهو يعلم تمام العلم، أن الذين هم فيه هذا، مغامرة لن تنتهي على خير، إنما لم يستطع أن يقول له هذا الكلام خوفاً على نفسه، وعلى عائلته. لو كان يدري الغيب، لربما قالها لأن الشيء نفسه حصل معه بعد قليل. إنما كان اختياراً موفقاً من حيث المهنية والقدرة على الحديث والتواصل مع الناس. يعكس قوة العراق في حديثه. وهو شخصية محببة أيضاً ويمكنك ان تجلس معه وتتحدث معه وتسهر معه وتتعشى معه وتأخذ وتعطي معه. هذا هو طارق عزيز».

قلت إن بعض الذين عملوا في القصر مع صدام حسين يقولون إن طارق عزيز كان مدركاً مثلاً لأخطار غزو الكويت؟ فأجاب موسى: «هذا لا يحتاج إلى كلام. كانت مسألة حياة أو موت لأي شخص أن يقول رأياً في تلك الظروف. كان يمكن أن يُستأصل، والله أعلم. إنما هو قطعاً، عندما نتكلم في ذكائه وقدرته السياسية الواضحة كان ضرورياً أن يستخدمها ويستخدم هذا الذكاء في أن يعرف كيف يتكلم مع صدام، في ظروف معينة.

افترض نحن نتحدث في مثل هذا ولا أريد أن أقول إنني ضد، فأقول لنؤجل المسألة على الأقل أسبوعاً أو اثنين أو شهراً، ليس لأنك ليس لديك الاستعداد العسكري، بل يا سيادة الرئيس، الاستعداد الإعلامي في العالم. هناك أبواب يمكنك أن تدخل منها. لكنه لم يستخدمها. نحن نتحدث ونحن جالسون مستريحين، إنما هو كان يجلس على مسامير في كرسيه».


مقالات ذات صلة

تلويح أميركا بالعقوبات يختبر فرص التسوية السياسية في ليبيا

شمال افريقيا جلسة مجلس الأمن الدولي بشأن ليبيا في نيويورك الأربعاء الماضي (البعثة الأممية)

تلويح أميركا بالعقوبات يختبر فرص التسوية السياسية في ليبيا

يختبر التلويح الأميركي بفرض عقوبات على «معرقلي» العملية السياسية في ليبيا مدى استعداد واشنطن للانتقال من التحذير إلى الفعل، وسط خلافات متصاعدة بشأن اتفاق «4+4».

علاء حموده
شمال افريقيا أسامة حماد رئيس الحكومة المكلفة من البرلمان شرق ليبيا (حكومة الاستقرار)

سلطات شرق ليبيا أعدمت 31 شخصاً منذ أغسطس الماضي

أفادت منظمة «هيومن رايتس ووتش»، الأربعاء، بأن السلطات العسكرية في الشرق الليبي أعدمت 31 شخصاً على الأقل منذ أواخر أغسطس الماضي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا النائب العام الليبي الصديق الصور متحدثاً خلال افتتاح معرض النيابة العامة للكتاب (الصفحة الرسمية للمعرض)

تحقيق ليبي في تزوير «أرقام وطنية» بالجنوب

كشفت تحقيقات قضائية ليبية عن أرقام لافتة في ملف تزوير الأرقام الوطني، الذي يخضع للتحقيق منذ سنوات بعدما رُصد ارتفاع عدد أوراق القيود العائلية المرتبطة بـ«أوزو»

علاء حموده (القاهرة )
شمال افريقيا مياه جوفية مرتفعة المنسوب في أحد شوارع مدينة زليتن غرب ليبيا (اللجنة الفنية العليا لمتابعة ظاهرة طفح المياه الجوفية)

قلق ليبي من تأثيرات سلبية للمياه الجوفية على مشروعات الإعمار

يزداد القلق في ليبيا من تأثيرات ارتفاع منسوب المياه الجوفية على مشروعات الإعمار، وسط شكاوى من غرق منازل وشوارع وتضرر أراضٍ زراعية.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا وكيل وزارة الدفاع بـ«الوحدة» عبد السلام الزوبي يتوسط رئيس الأركان العامة صلاح النمروش (إلى اليسار) ورئيس هيئة الرقابة الإدارية عبد الله قادربوه في لقاء سابق (وزارة الدفاع)

ليبيا: مناوئو الدبيبة يلوّحون بإعادة تفعيل «المجالس العسكرية»

عقد المجلس العسكري في مصراتة الليبية اجتماعاً حضره ممثلون عن المجالس العسكرية في 11 مدينة بغرب ليبيا، اتفقوا خلاله على تفعيل المجالس العسكرية وتكوين اتحاد لها.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

تلويح أميركا بالعقوبات يختبر فرص التسوية السياسية في ليبيا

جلسة مجلس الأمن الدولي بشأن ليبيا في نيويورك الأربعاء الماضي (البعثة الأممية)
جلسة مجلس الأمن الدولي بشأن ليبيا في نيويورك الأربعاء الماضي (البعثة الأممية)
TT

تلويح أميركا بالعقوبات يختبر فرص التسوية السياسية في ليبيا

جلسة مجلس الأمن الدولي بشأن ليبيا في نيويورك الأربعاء الماضي (البعثة الأممية)
جلسة مجلس الأمن الدولي بشأن ليبيا في نيويورك الأربعاء الماضي (البعثة الأممية)

يضع تلويح أميركا بفرض عقوبات على «معرقلي العملية السياسية» في ليبيا جدية واشنطن في استخدام أدوات الضغط أمام اختبار جديد، خاصة في ظل الخلافات حول اتفاق لجنة «4+4»، المتعلق بالتشريعات الانتخابية، واستمرار الانقسام الذي يعطل جهود توحيد المؤسسات.

وبدا هذا الموقف الأميركي أكثر وضوحاً خلال جلسة مجلس الأمن الدولي، الأربعاء الماضي، حين انفردت السفيرة جينيفر لوسيت، نائبة الممثل الخاص للشؤون السياسية في البعثة الأميركية لدى الأمم المتحدة، بين مندوبين تحدثوا خلال الجلسة، بالتشديد على أن «الأفراد والكيانات التي تعرقل العملية الانتقالية قد تخضع لعقوبات المجلس»، منتقدة رفض المجلس الأعلى للدولة لهذا الاتفاق.

بين التلويح والتنفيذ

لكن الانتقال من التلويح الأميركي بـ«العقوبات» إلى تنفيذها يظل موضع تساؤل، في ظل عدم وضوح ما إذا كانت هذه التهديدات ستتحول إلى إجراءات فعلية أم ستبقى في إطار الضغط السياسي، لا سيما أن تجارب سابقة أظهرت محدودية قدرة العقوبات على إنهاء الخلافات السياسية في ليبيا.

وتتباين تقديرات دبلوماسيين وخبراء بشأن قدرة هذه التدابير على تغيير حسابات الأطراف المتنافسة، بين من يطالب بخطوات عملية، ومن يدعو إلى معالجة الاعتراضات السياسية.

عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة الوحدة الوطنية (الوحدة)

وفي هذا السياق، من غير المستبعد أن يضع الموقف الأميركي الأخير مصداقية واشنطن على المحك، بحسب رؤية هاني شنيب، رئيس «المجلس الوطني للعلاقات الأميركية - الليبية»، الذي رأى أن التهديد بإجراءات عقابية «يفقد تأثيره إذا لم يقترن باستعداد حقيقي لاستخدام أدوات الضغط لإحداث تغيير».

وقال شنيب لـ«الشرق الأوسط» إن الإدارة الأميركية «فقدت بعض مصداقيتها حين لوّحت بالتهديد في ملفات دولية وإقليمية عدة خلال العام الأخير، وحققت نجاحاً في بعضها، مثل فنزويلا وكوبا، وأخفقت في أخرى، وتحديداً في إيران والسودان وأوكرانيا، وهو ما أربك خصومها وحلفاءها»، محذراً من أن استمرار الشلل السياسي في ليبيا قد يقود إلى اضطراب أمني وإداري خطير، مستحضراً تداعيات الأزمة الصومالية عام 1992.

من اجتماع سابق للمجلس الأعلى للدولة (المجلس)

والملاحظ أن المندوبة الأميركية خصت بالذكر المجلس الأعلى، الرافض للاتفاق، متحدثة عما وصفته بـ«مناورته» لعرقلة «التقدم الانتخابي»، بموجب اتفاق بين ممثلي «الجيش الوطني» وحكومة «الوحدة» المؤقتة في نهاية أغسطس (آب) الماضي، حول «مجلس المفوضية»، وقوانين انتخابية تحسم شروط ترشح العسكريين ومزدوجي الجنسية للرئاسة.

تجربة ليبيا الطويلة مع العقوبات

يرى الدبلوماسي الليبي عادل عيسى أن العقوبات أصبحت أداة حاضرة في الخطاب الدولي بشأن ليبيا، وليست مجرد احتمال نظري، معتبراً أن الرسالة الأميركية تربط تعطيل المسار الانتخابي بكلفة سياسية وقانونية محتملة.

وقال عيسى لـ«الشرق الأوسط» إن جدية هذا التوجه ستتضح من خلال خطوات عملية، مثل تحديد مسؤوليات الأطراف المعنية، أو التحرك داخل لجنة العقوبات التابعة للأمم المتحدة، أو الإعلان عن إجراءات أميركية مستقلة، بما يكشف عن مدى استعداد واشنطن لتحويل التحذيرات إلى تدابير قابلة للتنفيذ.

محمد تكالة رئيس المجلس الأعلى للدولة (المجلس)

وتستحضر هذه المناقشات تجربة ليبيا الطويلة مع العقوبات الدولية، التي ارتبطت في تسعينات القرن الماضي بقضية تفجير طائرة «لوكربي»، قبل أن ترفع الأمم المتحدة العقوبات المفروضة على البلاد عام 2003. وفي عام 2011 فرض مجلس الأمن تدابير جديدة في سياق الانتفاضة، التي انتهت بسقوط نظام معمر القذافي.

أما خلال سنوات الانقسام اللاحقة فلم يقتصر الضغط الدولي على التصريحات؛ إذ فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على شخصيات ليبية، بينها رئيس مجلس النواب السابق عقيلة صالح، والرئيس السابق لـ«المؤتمر الوطني العام» نوري أبو سهمين، ورئيس حكومة «الإنقاذ» السابقة خليفة الغويل، فيما فرض مجلس الأمن عقوبات على المسلح صلاح بادي. ورُفعت العقوبات لاحقاً عن أبو سهمين والغويل وبادي.

عقيلة صالح الرئيس السابق لمجلس النواب الليبي (رويترز)

تشكيك في جدوى العقوبات

في ضوء هذه التجارب، يشكك الدكتور عارف التير، عميد مدرسة الدراسات الاستراتيجية والدولية بالأكاديمية الليبية للدراسات العليا، في قدرة العقوبات على حل الأزمة، داعياً إلى معالجة اعتراضات الأطراف الرافضة لاتفاق «4+4»، وتقديم ضمانات بشأن تنفيذه.

وتساءل التير عن النتائج العملية التي يمكن أن تحققها العقوبات، وعن الأساس القانوني لملاحقة شخصيات بتهمة عرقلة العملية السياسية، ومدى استيفاء الأفعال المنسوبة إليها شروط المسؤولية القانونية. ورأى أن حرمان المستهدفين من دخول دول غربية لا يضمن تغيير سلوكهم، داعياً إلى معالجة الخلافات عبر الحوار والتفاهمات السياسية.

وهناك من يرى أن الرسالة الأميركية والدولية تستهدف نقل ليبيا من إدارة الأزمة إلى تنفيذ خطوات ملموسة نحو الانتخابات وتوحيد مؤسسات الدولة، وهي أيضاً رؤية أشرف بودوارة، عضو «الحوار المهيكل»، الذي رعته الأمم المتحدة.

والذي أكد أن الأطراف التي يثبت تعمدها تقويض المسار السياسي، أو عرقلة الانتخابات أو تهديد الاستقرار والمنشآت النفطية، قد تواجه إجراءات دولية وفقاً للمعايير والقرارات المعمول بها. لكنه شدد على ضرورة تطبيق العقوبات بمعايير واضحة ومتساوية على جميع الأطراف، بالتوازي مع خطوات عملية لإنهاء الانقسام.

ورغم أن الحديث على مائدة المجتمع الدولي ينصب راهناً على حل ليبي عبر لجنة «4+4»، فإن مراقبين يرون أن طيف «مبادرة أميركية» لتوحيد السلطة في ليبيا لم يغب عن سياقات الخطاب الأميركي الأخير.

وانعكس ذلك، من منظورهم، على رسالة السفيرة لوسيت للقادة الليبيين بدعوتهم إلى «الإسراع» في تشكيل سلطة تنفيذية موحدة، والتمهيد للانتخابات وفق اتفاق «4+4»، بل إعادة التذكير بدور واشنطن في رعاية اتفاق للميزانية الموحدة، ومناورات عسكرية مشتركة بين القوات المتخاصمة من شرق ليبيا وغربها في أبريل (نيسان) الماضي.

مسعد بولس كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية (أ.ف.ب)

يشار إلى أن المتداول عن مبادرة طرحها مسعد بولس كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، يقوم على تولية نائب قائد «الجيش الوطني» صدام حفتر رئاسة المجلس الرئاسي، فيما يحتفظ رئيس حكومة «الوحدة»، عبد الحميد الدبيبة، بمنصبه رئيساً لحكومة موحدة.


هل تفتح رسالة البرهان إلى ترمب طريق الهدنة؟

الفريق عبد الفتاح البرهان قائد الجيش السوداني (أ.ف.ب)
الفريق عبد الفتاح البرهان قائد الجيش السوداني (أ.ف.ب)
TT

هل تفتح رسالة البرهان إلى ترمب طريق الهدنة؟

الفريق عبد الفتاح البرهان قائد الجيش السوداني (أ.ف.ب)
الفريق عبد الفتاح البرهان قائد الجيش السوداني (أ.ف.ب)

أثارت الرسالة التي بعثها رئيس مجلس السيادة قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان إلى الرئيس الأميركي دونالد ترمب تساؤلات بشأن فرص تحريك المقترح الأميركي الداعي إلى هدنة إنسانية في السودان؛ وما إذا كان إعلان الالتزام بجهود واشنطن يعكس استعداداً لتسوية الخلافات حوله، أم أنه يعيد تقديم الموقف السابق بلغة أكثر مرونة.

وأعلن البرهان، الخميس، في منشور على منصة «إكس»، أنه بعث برسالة إلى ترمب أكد فيها التزام حكومته بجهود السلام التي ترعاها الولايات المتحدة، واستعدادها للتعاون مع جميع الأطراف من أجل الوصول إلى تسوية تصون سيادة السودان ووحدته وسلامة أراضيه وكرامة شعبه.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض (إ.ب.أ)

لكن الرسالة لم تنص صراحة على قبول هدنة التسعين يوماً التي اقترحتها واشنطن، ولم تتطرق إلى ترتيبات تنفيذها أو الضمانات المطلوبة لإنجاحها. وتدعو المبادرة الأميركية الطرفين إلى هدنة إنسانية من دون شروط مسبقة، لإتاحة وصول المساعدات إلى المتضررين، تمهيداً لمسار تفاوضي أوسع.

وتأتي المبادرة الأميركية ضمن تحرك تقوده الرباعية التي تضم الولايات المتحدة والسعودية والإمارات، ومصر، للانتقال من إعلان تأييد السلام إلى الاتفاق على إجراءات عملية لخفض القتال، وتأمين المساعدات، وفتح الطريق أمام عملية سياسية يقودها السودانيون.

وكان مستشار البرهان للشؤون السياسية والعلاقات الدولية أمجد فريد قد قال لـ«رويترز» في 30 سبتمبر (أيلول) الماضي إن حكومته قدمت تعديلات على المقترح الأميركي، في مقدمتها انسحاب قوات «الدعم السريع» من المناطق الحضرية تحت رقابة دولية. وأبدى مخاوف من أن تؤدي الصيغة المطروحة إلى تكريس انقسام البلاد، وإبقاء القوات شبه العسكرية طرفاً مؤثراً في مستقبلها السياسي.

مواقف متباينة

ويرى الدكتور ياسر نور الدين، وهو كاتب وباحث سوداني مقيم في كندا، في تحليل نشره، أن رسالة البرهان تعيد تقديم مطالبه السابقة بلغة شراكة مع واشنطن، من دون أن تتضمن قبولاً صريحاً بالهدنة. ويعتقد أن مضمونها يحوّل المطالب من «شروط مسبقة» إلى ترتيبات مقترحة لتنفيذ وقف القتال، بما قد يفتح باباً للتفاوض في إطار المبادرة الأميركية.

ويدعو نور الدين إلى نقل السؤال من «هل تقبل الحكومة الهدنة؟» إلى «كيف يمكن تصميم هدنة قابلة للنجاح؟»، معتبراً أن فرصة الرسالة ستتوقف على استعداد واشنطن للتعامل معها بوصفها عرضاً للتفاوض، لا مجرد إعادة إنتاج للمواقف السابقة.

وفي قراءة أميركية أكثر تشاؤماً، رأى كاميرون هدسون، الزميل البارز في برنامج أفريقيا بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، والمسؤول السابق في مجلس الأمن القومي الأميركي، أن مخاطبة البرهان ترمب مباشرة تمثل «إشارة سيئة».

وقال هدسون في حسابه على «إكس» إن قناة اتصال قائمة أصلاً بين البرهان ومسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي، وإن تجاوزها يأتي في أعقاب أزمة تأشيرة الأمم المتحدة وما وصفه بضغوط غير موفقة مارسها بولس على الجيش السوداني. وأضاف أن الخطوة ليست مفاجئة، لكنها تثير تساؤلات بشأن مستوى الثقة والتواصل بين الخرطوم والإدارة الأميركية.

أما المحلل السياسي محمد لطيف، فيضع الرسالة في سياق ضغوط داخلية وخارجية متزايدة على البرهان، تشمل انتقادات لأداء الحكومة في حماية المدنيين، وما يصفه بـ«الاعتداءات المصرية»، إلى جانب تشدد الموقف الأميركي والضغط المرتبط باتهامات استخدام الأسلحة الكيميائية، وعلاقة البرهان بالقوى الإسلامية.

وقال لطيف لـ«الشرق الأوسط» إن «كل هذه المعطيات تشكل ضغطاً خانقاً على البرهان»، لكنه استبعد أن تمثل الرسالة انعطافاً حاسماً في مواقفه. وأضاف: «لا أتصور أن البرهان ينتقل فجأة من مربع الحرب إلى مربع السلام»، مرجحاً أن يكون الهدف هو تهدئة الضغوط الأميركية وتجاوز الأزمة الداخلية وكسب الوقت، انتظاراً لتغير قد يعيد ترتيب الموازين لصالحه.


مصر تستدعي القائم بالأعمال الكولومبي للاحتجاج على افتتاح «سفارة في القدس»

مبنى وزارة الخارجية المصرية بالقاهرة مطلاً على نهر النيل (وزارة الخارجية)
مبنى وزارة الخارجية المصرية بالقاهرة مطلاً على نهر النيل (وزارة الخارجية)
TT

مصر تستدعي القائم بالأعمال الكولومبي للاحتجاج على افتتاح «سفارة في القدس»

مبنى وزارة الخارجية المصرية بالقاهرة مطلاً على نهر النيل (وزارة الخارجية)
مبنى وزارة الخارجية المصرية بالقاهرة مطلاً على نهر النيل (وزارة الخارجية)

استدعت مصر القائم بالأعمال الكولومبي في القاهرة للاحتجاج على افتتاح سفارة لكولومبيا في القدس. وأفاد مصدر مصري مطلع، الجمعة، بأن وزارة الخارجية استدعت القائم بالأعمال الكولومبي في القاهرة، للإعراب عن احتجاج مصر الشديد ورفضها القاطع لافتتاح كولومبيا سفارة لها في القدس المحتلة، باعتبار ذلك «خطوة أحادية غير مقبولة، تتعارض مع الوضع القانوني والتاريخي القائم للمدينة، ومخالفة صريحة لقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة».

وأكد المصدر، وفق ما أوردته «وكالة أنباء الشرق الأوسط» الرسمية المصرية، الجمعة، أن «هذا الإجراء يُعد باطلاً ولاغياً، ولا يترتب عليه أي أثر قانوني».

وأوضح المصدر المطلع أنه «جرى التأكيد خلال الاستدعاء على أن مثل هذه الخطوات غير المسؤولة ستكون لها تداعيات سلبية على الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة، ومن شأنها تأجيج التوترات».

كما شدد على «ضرورة احترام الوضع القانوني والتاريخي للقدس المحتلة، والامتناع عن اتخاذ أي إجراءات أحادية من شأنها المساس بفرص تحقيق السلام على أساس (حل الدولتين)».

وكان وزراء خارجية المملكة العربية السعودية، ومصر، وفلسطين، وتركيا، وجيبوتي، ولبنان، وليبيا، واليمن، وقطر، والأردن، والصومال، وماليزيا، وإندونيسيا، والكويت، والجزائر، وسلطنة عُمان، وسوريا، والسودان، وباكستان، وجنوب أفريقيا، قد أعربوا عن رفضهم القاطع لقيام كولومبيا بافتتاح سفارتها في القدس. وعدّوها «خطوة تتعارض مع قرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة، وتقوض الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق سلام عادل ودائم قائم على حل الدولتين».

عائلة وضعت خيمتها فوق أنقاض منزلها الذي دمرته غارة إسرائيلية في غزة (أ.ب)

وأعاد الوزراء، في بيان مشترك، الجمعة، تأكيد أن «أي إجراء أو قرار يهدف إلى تغيير الوضع القانوني أو التاريخي للقدس المحتلة، أو الاعتراف بها عاصمة لإسرائيل، هو باطل ولاغٍ، ولا يترتب عليه أي أثر قانوني. ويتماشى هذا الموقف مع قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة ذات الصلة، ولا سيما قراري مجلس الأمن رقم (476) لعام 1980 ورقم (478) لعام 1980، اللذين يرفضان محاولات تغيير طابع القدس أو وضعها، ويدعوان الدول إلى سحب بعثاتها الدبلوماسية من المدينة التي تُعدّ جزءاً من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967».

كما دعا وزراء الخارجية، في بيانهم، الحكومة الكولومبية إلى «إعادة النظر في هذا القرار والتراجع عنه، والوفاء بالتزاماتها بموجب القانون الدولي، والامتناع عن اتخاذ تدابير تمس بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، بما في ذلك حقّه في إقامة دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة تكون القدس الشرقية عاصمة لها».