ليبيا تعيش مخاوف استباقية خشية «استقبال» مرحّلين من أميركا

«الوحدة» تنفي مجدداً أي اتفاق لجلبهم... والبرلمان يطالب بالتحقيق

ليبيا تعيش مخاوف استباقية خشية «استقبال» مرحّلين من أميركا
TT

ليبيا تعيش مخاوف استباقية خشية «استقبال» مرحّلين من أميركا

ليبيا تعيش مخاوف استباقية خشية «استقبال» مرحّلين من أميركا

يسود ليبيا مناخ مضطرب تغلفه مخاوف استباقية من احتمال وجود «صفقة سرية» تسمح باستقبال مهاجرين مرحّلين من الولايات المتحدة.

وتنشغل الأوساط الليبية حالياً بتوجيه اتهامات لأطراف سياسية محلية، قد تكون متورّطة في إبرام تلك الصفقة مع واشنطن، التي تقضي باستقبال البلاد «مهاجرين خطرين»، كانت أميركا على وشك نقلهم، إلا أن قاضياً فيدرالياً أصدر، الأربعاء، قراراً منع بموجبه ترحيلهم مؤقتاً.

نفي ليبي

كلما هدأت الأوضاع في ليبيا بشأن هذه القضية الساخنة، تعود للاشتعال مجدداً، مع ظهور «أي تسريبات» تنقلها وسائل الإعلام الغربية عن طبيعة هذه العملية.

حكومة الدبيبة تعدّ الحديث عن «استقبال» مهاجرين من أميركا تغطية على قضية الدرسي المخطوف (حكومة الوحدة)

وأمام ما نقلته صحيفة «نيويورك تايمز» وصحف أخرى عن مسؤول ليبي قوله بأن مسؤولين ليبيين «عرضوا على الإدارة الأميركية السابقة خلال شهري يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) الماضيين قبول مرحّلين، مقابل دعم سياسي لحكومة طرابلس»، تصاعدت حدة الاتهامات لسلطات غرب ليبيا، التي نفت مجدداً أي اتفاق لجلبهم إلى ليبيا.

وكان مقرراً، وفق صحف غربية، أن تنفذ أولى عمليات الترحيل إلى مطار مصراتة الدولي عبر طائرة عسكرية أميركية من طراز «C - 17 غلوب ماستر»، انطلقت من قاعدة «كيلي فيلد» في تكساس، وفقاً لبيانات رصد الطيران. إلا أن الطائرة توجهت لاحقاً إلى غوانتانامو، بعد أن توقفت الخطة مؤقتاً بسبب أمر قضائي.

وبحسب هذه المعطيات، فقد سارع 112 عضواً بمجلس النواب الليبي إلى دعوة النائب العام، المستشار الصديق الصور، إلى فتح «تحقيق عاجل وشفاف» في هذه القضية، وكشف «ملابساتها كافة».

جلسة لأعضاء مجلس النواب (النواب)

وقال الأعضاء في بيان مشترك، مساء (الخميس)، إن «الأنباء التي ترددت عن نقل مجرمين من أميركا إلى ليبيا تعدٍّ سافر على السيادة الوطنية، واستباحة لأرض ليبيا، واستهانة بشعبها وتاريخه».

وأضاف الأعضاء، في البيان، أنه «لا يحق لأي جهة، مهما علت مكانتها أو ادعت شرعيتها، قبول أو التورط في إدخال عناصر مرفوضة قانونياً وأخلاقياً إلى ليبيا، ولذا ندعو النائب العام إلى فتح تحقيق في هذه القضية الخطيرة، وكشف جميع ملابساتها، ومساءلة كل من يثبت ضلوعه، أو تقصيره في حماية السيادة الليبية».

كما دعا النواب «القوى الوطنية السياسية والعسكرية كافة للتحرك العاجل، والموحد لحماية الوطن من هذا العبث الممنهج؛ ولو اضطر الأمر لاستخدام القوة».

كانت حكومة «الوحدة» الليبية المؤقتة قد نفت «بشكل قاطع» تقارير في وسائل إعلام غربية بأن هناك نية أميركية لترحيل مهاجرين إلى ليبيا، لكن مع تكرار الحديث عن «صفقة سرية» جددت «الوحدة» نفيها في وقت مبكر من صباح الجمعة لهذه الخطوة.

وأمام إشارة بعض الأطراف السياسية المناوئة لـ«الوحدة» إلى مسؤوليتها عن هذه القضية، عدّت الأمر مجرد «ادعاءات» عن تواصل ليبي - أميركي بشأن هذه القضية، ورأت أنه «حملة دعائية لتشتيت الانتباه عن جريمة اختطاف النائب إبراهيم الدرسي».

«الوحدة» تلوح بقضية الدرسي

تحدثت «الوحدة» على لسان وزارة خارجيتها عن «تقارير مغلوطة»، نُشرت في صحف دولية، تزعم وجود تواصل بين مسؤولين ليبيين والإدارة الأميركية السابقة بخصوص قبول مهاجرين مرحّلين. وقالت إنها فوجئت بمحاولة «مشبوهة» لتشتيت الانتباه عن «صدمة واسعة جراء التسريبات المصورة، التي تظهر النائب الدرسي في وضع احتجاز مهين وغير إنساني».

وجددت «الوحدة» نفيها «القاطع» لما سمّته «مزاعم لا تستند إلى أي مصدر رسمي أو وثائق موثوقة»، ورأت أن «تعمد نشرها في هذا التوقيت جزء من حملة لصرف الانتباه عن المطالب المشروعة بالكشف عن الجهة المتورطة في تعذيب واختطاف النائب الدرسي».

واختُطف الدرسي منذ نحو عام من منزله في بنغازي، لكنه ظهر في فيديوهات «مزعومة» في الخامس من الشهر الحالي وهو عاري الجسد، والأغلال معلقة في عنقه، ويطالب حفتر ونجله صدام بالإفراج عنه.

وانتهت حكومة «الوحدة» بالتأكيد على أن موقفها من ملف الهجرة غير النظامية «واضح وثابت، ويرتكز على احترام السيادة الوطنية، ورفض أي محاولات لإعادة التوطين، أو استخدام الأراضي الليبية بديلاً لحلول مفروضة من الخارج».

توقيف عدد من المهاجرين الأفارقة في غرب ليبيا 1 مايو (الإدارة العامة للعمليات الأمنية)

وبخصوص ذكر مصراتة في هذه الأزمة وأنها قد تكون مقراً لهؤلاء المهاجرين، أكد مجلسها البلدي على ضرورة عدم الزج باسم المدينة في هذه النزاعات، محذراً من «زرع الفتن ونشر القلق والتوتر بين المواطنين».

مصراتة والسيادة الليبية

قال المجلس البلدي لمصراتة، في بيانه، إن «استجلاب مهاجرين من أميركا إلى ليبيا وإدخالهم عبر إحدى المنافذ الرسمية للدولة أمر يمسّ بسيادة بلدنا؛ ولا يجوز بأي حال من الأحوال أن تتحمل سلبياته وتداعياته مدينة بعينها، دون غيرها من المدن الليبية»، رافضاً بشكل قاطع «توطين المهجرين في ليبيا بأي شكل من الأشكال وتحت أي ظرف من الظروف».

وكانت القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» قد نفت على لسان مدير إدارة التوجيه المعنوي اللواء خالد المحجوب وجود تنسيق أو اتفاق مع «القيادة العامة» بشأن استقبال مهاجرين مرحّلين من الولايات المتحدة، مشيراً إلى أنها لن تستقبل أي رحلات من هذا النوع عبر المطارات والمنافذ التي تؤمنها.

ودخلت منظمة «هيومن رايتس ووتش» على خط الأزمة، ودعت الولايات المتحدة، الجمعة، إلى عدم نقل المهاجرين قسراً إلى ليبيا، وأرجعت ذلك إلى أن «ظروف الاحتجاز غير إنسانية، والتعذيب وسوء المعاملة والاعتداء الجنسي وعمليات القتل غير المشروعة في ليبيا موثقة جيداً»، بحسب قولها.

وقالت حنان صلاح، المديرة المشاركة لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالمنظمة: «لا يُعقل أن تُجبر دولة ممزقة، مثل ليبيا، على استقبال المزيد من المُحتجزين، مع تاريخها المُوثق جيداً، الذي يشمل ظروف احتجاز مُروعة على يد جماعات مُسلحة غير خاضعة للمساءلة».


مقالات ذات صلة

استعدادات في شرق ليبيا وجنوبها لـ«عاصفة محتملة»

شمال افريقيا اجتماع اللجنة البرلمانية للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية يوم الأحد (مجلس النواب)

استعدادات في شرق ليبيا وجنوبها لـ«عاصفة محتملة»

أعلن أسامة حمَّاد رئيس الحكومة المكلفة من البرلمان حالة الطوارئ في جنوب ليبيا وشرقها، ومنح إجازة للجهات الحكومية مع استثناء المرافق الصحية والأمنية.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا الدبيبة والشيخ محمد بن جاسم آل ثاني قبيل اجتماعهما في مصراتة 18 يناير (مكتب الدبيبة)

الدبيبة يوقّع اتفاقية شراكة دولية لتوسيع المنطقة الحرة بمصراتة

تحدث عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة غرب ليبيا، عن توقيع شراكة مع شركات قطرية وإيطالية وسويسرية تستهدف تطوير وتوسعة محطة ميناء المنطقة الحرة بمصراتة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
تحليل إخباري المبعوثة الأممية هانا تيتيه تتحدث في إحدى جلسات الحوار المهيكل نهاية الأسبوع الماضي (البعثة الأممية)

تحليل إخباري هل تنجح تيتيه في منع «تهديد» الميليشيات للعملية السياسية الليبية؟

قالت البعثة الأممية لدى ليبيا إنها مستمرة في إجراء تواصل مباشر مع التشكيلات المسلحة والمؤسسات الأمنية والقيادات السياسية بهدف ثنيها عن استخدام القوة

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا لقاء صدام حفتر مع المبعوث الخاص لرئيس فرنسا (الجيش الوطني)

«النواب» الليبي يرفض «أي مساومة» على أموال البلاد المجمدة

أدرجت «اللجنة» زيارتها إلى اليونان ضمن ما وصفته بـ«مسار وطني مؤسسي واضح، للدفاع عن مقدرات الدولة الليبية».

خالد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا المبعوثة الأممية تيتيه خلال اجتماع بالحوار المهيكل (البعثة الأممية)

هل تتمكن تيتيه من تجاوز «تعقيدات» الأفرقاء لتنفيذ «خريطة الطريق» في ليبيا؟

كرّس خلاف مجلسَي «النواب» و«الدولة» في ليبيا بشأن مجلس مفوضية الانتخابات لمزيد من الانقسام السياسي، ووضع «خريطة الطريق» الأممية على المحك.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

استعدادات في شرق ليبيا وجنوبها لـ«عاصفة محتملة»

اجتماع اللجنة البرلمانية للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية يوم الأحد (مجلس النواب)
اجتماع اللجنة البرلمانية للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية يوم الأحد (مجلس النواب)
TT

استعدادات في شرق ليبيا وجنوبها لـ«عاصفة محتملة»

اجتماع اللجنة البرلمانية للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية يوم الأحد (مجلس النواب)
اجتماع اللجنة البرلمانية للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية يوم الأحد (مجلس النواب)

أعلنت الحكومة المكلفة من مجلس النواب الليبي حالة الطوارئ القصوى، يومي الاثنين والثلاثاء، في مناطق سيطرتها بشرق البلاد وجنوبها، استعداداً لـ«عاصفة محتملة» على خلفية تحذيرات مركز الأرصاد من احتمال سوء الأحوال الجوية.

وأكد رئيس الحكومة أسامة حمَّاد إعلان حالة الطوارئ القصوى في مناطق جنوب ليبيا وشرقها، ومنح إجازة رسمية للجهات الحكومية كافة، مع استثناء المرافق الصحية والأمنية، وتعليق المدارس والمؤسسات التعليمية نتيجة التحذيرات الجوية المتوقعة من مركز الأرصاد الجوية.

وتحسباً لتقلبات الطقس، شكَّل عوض البدري، وزير الكهرباء والطاقات المتجددة بحكومة حمَّاد، غرفة طوارئ مركزية لمتابعة الأوضاع الكهربائية في مناطق سهل بنغازي والجبل الأخضر. وستعمل الغرفة على مدار اليوم لتلقي بلاغات الأعطال الكهربائية واتخاذ الإجراءات الفورية لمعالجتها.

وفي السياق نفسه، أعلن مدير أمن بنغازي اللواء صلاح هويدي حالة الطوارئ في جميع مناطق المدينة لمدة 3 أيام، مؤكِّداً ضرورة وجود جميع الضباط والأفراد في مقارِّ عملهم ورفع درجة الجاهزية القصوى، مع تجهيز الآليات والمعدات الفنية واللوجستية لضمان سرعة الاستجابة للتطورات الميدانية.

وطالبت مديرية أمن بنغازي جميع رؤساء المراكز والأقسام بعدم مغادرة مقار العمل طوال فترة الطوارئ، وحمَّلتهم المسؤولية الكاملة عن سير العمل، واتخاذ الإجراءات التي تضمن سلامة المواطنين وحماية الأرواح والممتلكات. كما نصحت المواطنين كافة بتجنّب التنقل والخروج إلا للضرورة القصوى، خاصة بين المدن والطرق السريعة التي قد تشكِّل خطراً مباشراً في ظل الظروف الجوية الحالية.

وقررت مراقبة التربية والتعليم في بنغازي منح عطلة رسمية في جميع المؤسسات التعليمية يومي الاثنين والثلاثاء، بينما علَّقت مراقبة التربية والتعليم بالمرج الدراسة بالمؤسسات التعليمية كافة حتى الثلاثاء المقبل، تحسباً لاحتمال هبوب عاصفة ورياح عالية، وفق تحذيرات مركز الأرصاد الجوية.

وفي شأن آخر، أعلن عبد الله بليحق، الناطق الرسمي باسم مجلس النواب، بدء أعمال اللجنة المشكَّلة برئاسة النائب الثاني لرئيس المجلس، مصباح دومة، المكلفة بالتواصل مع محافظ المصرف المركزي ومجلس إدارته والجهات ذات العلاقة للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية ومشاكل نقص السيولة وسعر الصرف، وضمان انتظام دفع رواتب الموظفين بالدولة.

وأعلن «المركزي»، الأحد، خفض قيمة الدينار بنسبة 14.7 في المائة ليصبح سعر صرفه 6.3759 دينار مقابل الدولار، في ثاني تعديل من نوعه للعملة في أقل من عام، مرجعاً القرار إلى الاضطرابات السياسية والاقتصادية التي تشهدها ‌البلاد.

وتأتي الخطوة ‌في أعقاب ‌تخفيض ⁠قيمة العملة ‌بنسبة 13.3 في المائة في أبريل (نيسان) 2025، والذي حدد سعر الصرف عند 5.5677 دينار للدولار.

وعزا المصرف في بيان القرار الأخير إلى الآثار ⁠السلبية للانقسامات السياسية المستمرة، وتراجع عائدات النفط ‌بسبب انخفاض أسعار الخام العالمية، والتحديات الاقتصادية المتواصلة والتي تشمل غياب ميزانية عامة موحدة للدولة وتنامي الإنفاق العام.


مسؤول أممي: السودانيون يعيشون في جحيم

فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)
فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)
TT

مسؤول أممي: السودانيون يعيشون في جحيم

فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)
فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)

حذّر المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، أمس، من ارتفاع وتيرة «عسكرة المجتمع» من قِبَل طرفي النزاع في السودان، معرباً عن قلقه من تكرار سيناريو الفاشر في مدن كردفان، فيما يعيش السودانيون في «أهوال وجحيم».

وقال تورك في مؤتمر صحافي بمدينة بورتسودان، التي تتخذها الحكومة مقرّاً مؤقتاً، وبعد زيارة شملت مدناً سودانية عدة هي الأولى له منذ بدء الحرب: «أدى انتشار المعدات العسكرية المتطورة، ولا سيما الطائرات من دون طيار، إلى تعزيز القدرات العسكرية لكل من (قوات الدعم السريع) والجيش، ما أدَّى بدوره إلى إطالة أمد الأعمال العدائية، وتعميق أزمة المدنيين».

ودعا المسؤول الأممي إلى ضمان مثول مرتكبي جرائم الحرب أمام العدالة، بغض النظر عن انتماءاتهم، مشيراً إلى أن مكتبه في السودان يعمل على توثيق هذه الانتهاكات والتجاوزات والإبلاغ عنها لتمهيد الطريق نحو المساءلة.


مصر تلوح بمطالبة إثيوبيا بتعويضات عن «أضرار مائية»

وزير الري المصري هاني سويلم خلال كلمته أمام مجلس الشيوخ يوم الأحد (وزارة الري المصرية)
وزير الري المصري هاني سويلم خلال كلمته أمام مجلس الشيوخ يوم الأحد (وزارة الري المصرية)
TT

مصر تلوح بمطالبة إثيوبيا بتعويضات عن «أضرار مائية»

وزير الري المصري هاني سويلم خلال كلمته أمام مجلس الشيوخ يوم الأحد (وزارة الري المصرية)
وزير الري المصري هاني سويلم خلال كلمته أمام مجلس الشيوخ يوم الأحد (وزارة الري المصرية)

وسط عرض أميركي للوساطة في النزاع بين مصر وإثيوبيا بسبب «سد النهضة» الذي أقامته أديس أبابا على الرافد الرئيسي لنهر النيل، لوَّحت القاهرة بمطالبتها بـ«تعويضات مالية عن أضرار مائية» تسبب فيها «السد» لكل من مصر والسودان.

وأكد وزير الموارد المائية والري المصري هاني سويلم «وجود تضرر على مصر من السد الإثيوبي، وإن لم يشعر المواطن بأثره حتى الآن». وأضاف، خلال كلمته في الجلسة العامة لمجلس الشيوخ، الأحد: «هناك ضرر طبعاً نتيجة السد الإثيوبي... لمَّا (عندما) يخصم منك ويتم خفض حصتك من المياه، ده (هذا) ضرر».

ومضى قائلاً: «السنوات الماضية كانت من أهم السنوات... المواطن لم يشعر بقطع المياه أو الضرر، لكن هذا لا يبرئ السد الإثيوبي من المسؤولية والإجراءات المنفردة؛ فقد أثر بناء السد على مصر والسودان».

واستطرد: «لا بد من مطالبة إثيوبيا بتعويضات في يوم من الأيام عن كل هذه المبالغ التي تكلفتها مصر لمواجهة نقص المياه، التي وصلت للمليارات».

وتشهد العلاقات المصرية - الإثيوبية توترات متصاعدة بشأن السد الذي بدأت إثيوبيا بناءه في عام 2011، وافتتحته رسمياً في سبتمبر (أيلول) الماضي، وسط مطالبات من دولتي المصب، مصر والسودان، باتفاق قانوني ملزم ينظم عمليات تشغيل السد بما لا يضر بمصالحهما المائية.

سد النهضة الإثيوبي (وكالة الأنباء الإثيوبية)

وطالب أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، الدكتور عباس شراقي، مصر والسودان بـ«إعداد ملف كامل بالأضرار التي تسبب فيها سد النهضة»، موضحاً أنها «أضرار يمكن إثباتها بسهولة».

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «من بين هذه الأضرار تخزين إثيوبيا نحو 64 مليار متر مكعب في بحيرة سد النهضة. هذه المياه كانت ستتدفق إلى مصر والسودان، وحجبها السد»، مضيفاً: «أيضاً عندما قامت إثيوبيا بفتح بوابات السد في سبتمبر (أيلول) وأكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تسببت في غرق قرى سودانية وأراضٍ مصرية».

وتتخوف القاهرة من تأثيرات «سد النهضة» التي تصاعدت حدتها في الآونة الأخيرة؛ فبعد أيام من تدشينه في سبتمبر الماضي، غمرت مياه فيضان نهر النيل عدداً من المدن السودانية، كما شهدت قرى مصرية عدة، خصوصاً في محافظتَي البحيرة والمنوفية، ارتفاعاً غير مسبوق في منسوب مياه النهر، ما أدّى إلى غمر مساحات من أراضي طرح النهر والأراضي الزراعية، فضلاً عن تضرر عدد من المنازل.

وبحسب شراقي، لا يتوقف ضرر السد الإثيوبي عند حجب المياه أو التسبب في فيضانات فجائية، بل «يتسبب في ارتباك لدى الفنيين الذين يقومون بتشغيل السدود في مصر والسودان، نتيجة عدم معرفة آليات تشغيل سد النهضة وحجم المياه التي ستتدفق»، فضلاً عن «الخسائر المالية، فكل مليار متر مكعب من المياه يحجب عن مصر يكلفها خسائر في زراعة الأرض تقدر بمليارات الجنيهات، بجانب المبالغ الكبيرة التي تنفقها القاهرة في تحلية مياه البحر وإعادة استخدام مياه الصرف الصحي لتعويض النقص في المياه». ووفق شراقي، فإن «كل الأضرار التي تسبب فيها سد النهضة يمكن إثباتها علمياً عن طريق صور الأقمار الصناعية وبيانات محطات الرصد».

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد أرسل خطاباً رسمياً، الجمعة الماضي، إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، يعرض فيه استعداد واشنطن لاستئناف مفاوضات «سد النهضة» الإثيوبي والتوصُّل لحل نهائي وعادل للقضية. وردَّ السيسي على رسالة ترمب مُثمناً «اهتمام الرئيس الأميركي بمحورية قضية نهر النيل لمصر»، ومؤكداً في تدوينة على حسابه الرسمي على «حرص بلاده على التعاون الجاد والبناء مع دول حوض النيل، القائم على مبادئ القانون الدولي».

ومن جانبه، قال رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان إن «حكومة السودان ترحب وتدعم مبادرة ووساطة ترمب حول مياه النيل». وأشار عبر حسابه الرسمي على منصة «إكس»، السبت، إلى «أهمية إيجاد حلول مستدامة ومرضية تحفظ للجميع حقوقهم، ما يساعد على استدامة الأمن والاستقرار في الإقليم».

ويؤكد أستاذ القانون الدولي العام الدكتور محمد محمود مهران أن إعلان وزير الري المصري دراسة طلب تعويضات من إثيوبيا بسبب الأضرار الناجمة عن سد النهضة «يستند إلى أساس قانوني دولي صحيح؛ لكن تحقيق هذا المطلب يواجه تحديات قانونية إجرائية معقدة».

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن القانون الدولي يؤكد مسؤولية إثيوبيا عن أي أضرار تلحق بمصر كدولة مصبّ نتيجة بناء السد والملء والتشغيل دون اتفاق ملزم، موضحاً أن المادة 7 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية لعام 1997 «تنص صراحة على التزام دول المنبع بعدم التسبب في ضرر ذي شأن لدول المصب، وإذا حدث ضرر فإن الدولة المتسببة ملزمة بالتعويض».

لكن بحسب مهران، تكمن إشكالية التعويض في أن «مصر إذا أرادت رفع دعوى تعويضات أمام محكمة العدل الدولية فإنها تواجه عقبة جوهرية، وهي أن المحكمة تشترط قبول الطرف الآخر لاختصاصها»، مشيراً إلى أن «إثيوبيا يجب أن توافق على نظر الدعوى، أو أن يكون هناك اتفاق مسبق يمنح المحكمة الاختصاص من خلال اتفاقية إطارية أو ثنائية مثلاً».