لبنان يبعث بـ«رسالة ثقة» إلى العالم بأول استحقاق انتخابي

عون: جادون في تأمين حق المواطنين بالتعبير عبر صناديق الاقتراع

ناخبة تدلي بصوتها في بعقلين بأول انتخابات محلية تجريها الحكومة اللبنانية خلال عهد الرئيس جوزيف عون (إ.ب.أ)
ناخبة تدلي بصوتها في بعقلين بأول انتخابات محلية تجريها الحكومة اللبنانية خلال عهد الرئيس جوزيف عون (إ.ب.أ)
TT

لبنان يبعث بـ«رسالة ثقة» إلى العالم بأول استحقاق انتخابي

ناخبة تدلي بصوتها في بعقلين بأول انتخابات محلية تجريها الحكومة اللبنانية خلال عهد الرئيس جوزيف عون (إ.ب.أ)
ناخبة تدلي بصوتها في بعقلين بأول انتخابات محلية تجريها الحكومة اللبنانية خلال عهد الرئيس جوزيف عون (إ.ب.أ)

أنجزت الحكومة اللبنانية، الأحد، المرحلة الأولى من الانتخابات البلدية والاختيارية، بـ«حيادية» ومواكبة سياسية وأمنية؛ لإنجاح أول عملية اقتراع تشهدها البلاد في عهد الرئيس جوزيف عون، الذي طمأن المواطنين إلى أن «الدولة جادة في تأمين حقهم في التعبير عن رأيهم بصناديق الاقتراع»، وأراد أن تكون نزاهتها «رسالة ثقة إلى العالم بأن لبنان بدأ ينهض ويبني مؤسساته وبات على السكة الصحيحة».

وتضم المرحلة الأولى محافظةَ جبل لبنان، وهي الكبرى من حيث عدد السكان، وتحوي مناطق ذات انتماءات سياسية ودينية مختلفة، ومنها الضاحية الجنوبية لبيروت؛ معقل «حزب الله»، التي تعرضت لدمار كبير جراء الغارات إسرائيلية خلال الحرب الأخيرة على لبنان.

الرئيس اللبناني جوزيف عون يلقي كلمة بعد تفقد غرفة العمليات المركزية بوزارة الداخلية متوسطاً وزيرَي الداخلية والعدل (أ.ف.ب)

وواكب الرئيس عون ميدانياً الاستحقاق الانتخابي البلدي والاختياري، وهو الأول منذ عام 2016 بعد التمديد بسبب الظروف الصعبة التي مرّ بها لبنان، وافتتح جولته من وزارة الداخلية، حيث التقى وزير الداخلية أحمد الحجار، ووزير العدل عادل نصار، وجرى بحث تفصيلي في الإجراءات المتخذة لحماية العملية الانتخابية من كل ما يمكن أن يعترضها؛ إنْ من الناحية الأمنية، أو من الناحية القضائية.

وأكد الوزيران لرئيس الجمهورية الجاهزية التامة لمعالجة أي مشكلة قد تطراً خلال سير هذه العملية في مرحلتها الأولى التي تُجرى بمحافظة جبل لبنان.

وتحدث عون إلى الموجودين في غرفة العمليات المركزية، ودعاهم إلى العمل بنشاط وجدية للمساهمة في إنجاح العملية الانتخابية، وطمأنة المواطنين إلى أن الدولة جادة في تأمين حق المواطنين في التعبير عن رأيهم بصناديق الاقتراع؛ مما يشجعهم على المشاركة بكثافة في هذه الانتخابات. وتوجه عون إلى الناخبين بالقول: «لا تجعل العامل المذهبي والطائفي والحزبي والمالي يؤثر على خيارك».

وأضاف: «من المهم أن هذا الاستحقاق الانتخابي قد أقيم في موعده، خصوصاً أن نحو 90 في المائة من البلديات في لبنان قد تم حلّها»، وأشار إلى أنه «لا دور للدولة في هذه الانتخابات إلا تأمين أمنها وسلامتها وحمايتها».

ثم انتقل عون إلى مبنى «تلفزيون لبنان»، حيث أكد أن «المهل الدستورية سيتم احترامها، بدليل ما يحصل اليوم على صعيد البلديات والمختارين، الذي لم يحصل منذ عام 2016، وستستكمل باقي الاستحقاقات في مواعيدها».

6 أقضية

وأُجريت الانتخابات في أقضية جبيل وكسروان والمتن وعاليه وبعبدا والشوف، حيث يشكل الدور العائلي معياراً أكبر من

الولاء الحزبي والانتماء المذهبي خلال الاستحقاقات الانتخابية في لبنان المتنوع طائفياً ومذهبياً.

وحتى مدة ما بعد الظهر، قبل 3 ساعات من إقفال صناديق الاقتراع، أعلنت وزارة الداخلية أن نسبة الاقتراع في كسروان تخطت 53 في المائة، فيما ناهزت في عاليه 36.66 في المائة، أما في جبيل فاقتربت من 50 في المائة، ووصلت في بعبدا إلى 33.11 في المائة، وفي المتن الشمالي إلى نحو 33 في المائة، وفي الشوف إلى 38 في المائة.

جندي بالجيش اللبناني يؤمن الحماية لمركز اقتراع في دير القمر (إ.ب.أ)

وتلقت وزارة الداخلية والبلديات «12 شكوى بشأن رشى انتخابية في عدد من مناطق محافظة جبل لبنان»، و«تمت إحالة المعلومات الواردة إلى قوى الأمن الداخلي للتحقق منها ومتابعتها مع القضاء المختص لاتخاذ الإجراءات القانونية»، وفق ما أعلن مكتب الوزير.

معارك حزبية وعائلية

وشهدت محافظة جبل لبنان معارك سياسية محتدمة في عدد من المدن والبلدات الكبيرة، خصوصاً بين «التيار الوطني الحر» و«القوات اللبنانية»، إضافة إلى أحزاب أخرى؛ لاعتبارات مناطقية وعائلية، في وقت اختلطت فيه التحالفات في قضاءَي الشوف وعاليه، ومناطق مثل الضاحية الجنوبية في قضاء بعبدا، وإقليم الخروب في الشوف، حيث واجهت اللوائح المدعومة من الأحزاب لوائح مدعومة من ناشطي المجتمع المدني.

وفي قضاء جبيل، كانت المعركة الأبرز بمدينة جبيل الساحلية، حيث كان واضحاً الانقسام الحزبي، خصوصاً بين «القوات» و«الوطني الحر»، وتنافست لائحتان: الأولى يدعمها النائب زياد حواط و«القوات اللبنانية» و«الكتائب»، في مقابل لائحة غير مكتملة يدعمها «التيار الوطني الحر» والوزير السابق جان لوي قرداحي و«الكتلة الوطنية».

أما في أعالي قضاء جبيل، فكانت المعركة الأبرز في قرطبا، حيث اشتدت المنافسة بين لائحة رئيس اتحاد بلديات جبيل، فادي مارتينوس، مدعوماً من «القوات» و«الكتائب»، ولائحة مدعومة من النائب السابق فارس سعيد.

وزير الداخلية أحمد الحجار يدلي بصوته في الغبيري (أ.ف.ب)

وفي قضاء كسروان، تركزت أم المعارك في مدينة جونية، حيث اختلطت التحالفات الحزبية مع الزعامات المناطقية والفاعليات التقليدية، وتنافست في جونية لائحتان أساسيتان: الأولى مدعومة من حزبَي «القوات» و«الكتائب»، والنائبين نعمت إفرام وفريد هيكل الخازن والنائب السابق منصور غانم البون، بينما خاضت اللائحة الثانية الانتخابات بدعم من «التيار الوطني الحر» ورئيس البلدية الحالي ورئيس اتحاد بلديات كسروان جوان حبيش.

لبنانية تدلي بصوتها في دير القمر بجبل لبنان (إ.ب.أ)

أما في المتن الشمالي، فتدور المنافسة الأبرز على رئاسة اتحاد بلديات المتن بين حزب «الكتائب» والنائب ميشال المر، حيث يسعى كلا الطرفين، عبر تحالفاتهما، إلى الفوز بالعدد الأكبر من بلديات القضاء.

بدوره، شهد قضاء بعبدا مواجهات عدة بين لوائح «القوات» و«الوطني الحر» في عدد من المدن والبلدات، إضافة إلى معارك ذات طابع عائلي، كانت أشدها في بلدة الحدث، حيث تواجه لائحة الرئيس الحالي جورج عون، المدعومة من «التيار»، معركة قوية مع لائحة ثانية من العائلات وتحظى بدعم كبير من حزبَي «القوات» و«الكتائب».

الضاحية الجنوبية وعاليه

وبينما تشتد المنافسة الحزبية في المناطق ذات الغالبية المسيحية، تأخذ الانتخابات البلدية في الضاحية الجنوبية ذات الغالبية الشيعية طابعاً آخر، حيث يخوض «حزب الله» اختباره الانتخابي الأول بعد الحرب الإسرائيلية على لبنان العام الماضي ووسط دمار كبير تعرضت له مناطق الضاحية الجنوبية.

وفي وقت تمكن فيه «حزب الله»، عبر التحالف مع «حركة أمل»، من حسم نتائج عدد من بلديات الضاحية بالتزكية، مثل برج البراجنة، وتحويطة الغدير - الليلكي، وبلدية الشياح، أخذت الأمور في بلدات أخرى طابع المنافسة بين تحالف «الحزب - الحركة» وبين لوائح مدعومة من العائلات وناشطي المجتمع المدني، بينها بلدية الغبيري.

رجل دين شيعي يتوجه إلى قلم الاقتراع في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ب)

وفي قضاء عاليه، غابت المنافسات السياسة الكبيرة، خصوصاً في المدن الكبرى، مثل الشويفات، حيث سجلت مواجهة بين تحالف «الحزب التقدمي الاشتراكي» و«الحزب الديمقراطي اللبناني»، وبين لوائح مؤلفة من ناشطي المجتمع المدني. وفي الشوف، غابت المنافسات السياسية والحزبية الكبيرة، وطغى على المعارك الانتخابية الطابع العائلي أو السياسي المحلي، وهو أمر انسحب على إقليم الخروب ذي الغالبية السُّنّية، فقد غابت المنافسات السياسية، خصوصاً مع انكفاء «تيار المستقبل» بعيداً عن المشاركة في الانتخابات البلدية.


مقالات ذات صلة

فقدان الحلفاء والأصدقاء... يدفع بـ«حزب الله» لمهادنة الدولة اللبنانية

المشرق العربي أهالي جنوب لبنان يلبسون رئيس الحكومة نواف سلام العباءة خلال جولة له نهاية الأسبوع الماضي في المناطق التي تعرضت للقصف الإسرائيلي (الشرق الأوسط)

فقدان الحلفاء والأصدقاء... يدفع بـ«حزب الله» لمهادنة الدولة اللبنانية

تعكس المؤشرات السياسية والمواقف المعلنة في الأيام الأخيرة أن «حزب الله» بدأ  الانتقال من مرحلة المواجهة إلى مرحلة «تنظيم الخلاف» والعودة إلى الدولة

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يستقبل وفداً من صندوق النقد الدولي برئاسة إرنستو راميريز ريغو (رئاسة الحكومة)

وفد من «صندوق النقد» يبحث في بيروت خطوات تؤدي إلى اتفاق معه

بحث وفد من «صندوق النقد الدولي»، الثلاثاء، مع المسؤولين اللبنانيين في بيروت، في الخطوات العملانية المقبلة؛ بهدف الوصول إلى اتفاق مع الصندوق

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي سائقو شاحنات لبنانية يقطعون الطريق عند نقطة المصنع الحدودية مع سوريا رفضاً للقرار السوري (أ.ف.ب)

قرار تنظيم الشاحنات السورية يهدد الصادرات اللبنانية

رفع القرار الصادر عن السلطات السورية، المتعلّق بتنظيم دخول الشاحنات اللبنانية إلى الأراضي السورية، مستوى التحذيرات من تداعيات مباشرة تطول تكلفة التبادل التجاري.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي ناخبة تدلي بصوتها بمنطقة الشوف في الانتخابات المحلية الأخيرة مايو 2024 (أرشيفية - إ.ب.أ)

القوى السياسية اللبنانية مطالبة بخطوات عملية لإجراء الانتخابات في موعدها

التعميم الذي أصدره وزير الداخلية العميد أحمد الحجار بفتح الباب للترشح للانتخابات النيابية لا يعني أن الطريق معبّدة سياسياً وقانونياً أمام إنجاز الاستحقاق.

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي وزير الداخلية يواكب انطلاق تقديم الترشيحات للانتخابات النيابية (وزارة الداخلية)

لبنان: مرشحو الانتخابات النيابية يقدمون طلباتهم... ومصير اقتراع المغتربين مجهول

مع إعلان رئيس المجلس النيابي، نبيه بري، أنه لن يدعو إلى جلسة لتعديل قانون الانتخاب، وأن الانتخابات ستُجرى في موعدها وفق القانون الحالي، يحتدم السجال السياسي...

بولا أسطيح (بيروت)

عباس يطالب واشنطن بموقف «حازم» من الإجراءات الإسرائيلية في الضفة

الرئيس الفلسطيني محمود عباس (د.ب.أ)
الرئيس الفلسطيني محمود عباس (د.ب.أ)
TT

عباس يطالب واشنطن بموقف «حازم» من الإجراءات الإسرائيلية في الضفة

الرئيس الفلسطيني محمود عباس (د.ب.أ)
الرئيس الفلسطيني محمود عباس (د.ب.أ)

دعا الرئيس الفلسطيني محمود عباس، الأربعاء، الولايات المتحدة والمجتمع الدولي إلى «موقف حازم» بعد أن وافق المجلس الوزاري الأمني الإسرائيلي على إجراءات تهدف إلى تعزيز سيطرة إسرائيل على الضفة الغربية المحتلة.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في قمة شرم الشيخ لإنهاء حرب غزة بمصر 13 أكتوبر 2025 (رويترز)

وقال عباس خلال زيارة لأوسلو إنه بحث مع رئيس الوزراء النرويجي يوناس غار ستور في هذا القرار، وفي عنف المستوطنين الإسرائيليين وحجب إسرائيل أربعة مليارات دولار من المساعدات المخصصة للشعب الفلسطيني.

وقال في مؤتمر صحافي إن «هذه الانتهاكات الجسيمة تستدعي رداً حازماً من الإدارة الأميركية والمجتمع الدولي؛ لأنها تعرقل جهود الرئيس ترمب وتشكل انتهاكاً للقانون الدولي».


تداخل عسكري وتوازن هش يحكمان سنجار شمال العراق

دورية عسكرية عراقية على الحدود مع سوريا في منطقة سنجار (أ.ف.ب)
دورية عسكرية عراقية على الحدود مع سوريا في منطقة سنجار (أ.ف.ب)
TT

تداخل عسكري وتوازن هش يحكمان سنجار شمال العراق

دورية عسكرية عراقية على الحدود مع سوريا في منطقة سنجار (أ.ف.ب)
دورية عسكرية عراقية على الحدود مع سوريا في منطقة سنجار (أ.ف.ب)

كشفت مصادر أمنية عراقية لـ«الشرق الأوسط» خريطة القوى العسكرية والأمنية التي تمسك فعلياً الأرض في قضاء سنجار شمال العراق، في وقت تصاعدت فيه التهديدات التركية بتنفيذ عملية عسكرية محدودة تستهدف ما تبقى من وجود لحزب «العمال الكردستاني» في المنطقة.

ووفقاً للمصادر، تتوزع السيطرة داخل مركز القضاء بين الشرطة المحلية التي تتولى إدارة الملف الأمني اليومي، مدعومة بانتشار للجيش الاتحادي في محيط المدينة، وعلى الطرق الرابطة مع باقي مناطق محافظة نينوى.

كما توجد تشكيلات من «الحشد الشعبي» في بعض النقاط، إلى جانب قوات تابعة لـ«الحزب الديمقراطي الكردستاني» في أطراف القضاء.

وكان وزير الخارجية التركي هاكان فيدان قد أشار إلى احتمال تنفيذ عملية وصفها بـ«البسيطة» تتضمن تقدماً برياً لقوات «الحشد الشعبي»، وإسناداً جوياً تركياً خلال يومين، أو ثلاثة.

حرس الحدود العراقي يقوم بدورية على طول الحدود مع سوريا في سنجار شمال البلاد (أ.ب)

بقايا «العمال»

وتتحدث المصادر العراقية عن وجود لـ«وحدات مقاومة سنجار» المعروفة اختصاراً بـ(اليبشه)، التي تضم نحو 2600 مقاتل من أبناء المكون الإيزيدي، وتتمركز في جبال وكهوف سنجار، وتحظى بنفوذ ملحوظ لارتباطها بحزب «العمال الكردستاني»، رغم إعلان الأخير حل نفسه في مايو (أيار) 2025.

وبشأن ما يتردد عن إمكانية وصول بعض عناصر قوات «قسد» بعد خسارتهم لمناطق نفوذهم في سوريا، تشير المصادر إلى «عدم إمكانية عبور تلك العناصر إلى قضاء سنجار، بالنظر للوجود الأمني، والعسكري العراقي المكثف على الحدود، والسياج المحكم، والعازل بين العراق وسوريا في تلك المناطق».

لكن المصادر أوضحت أن «التداخل بين القوى المختلفة يخلق حالة توازن هش، وصراع نفوذ غير معلن، ينعكس شعوراً بعدم الاستقرار لدى السكان».

وبحسب المصادر، فإن اتفاق سنجار الموقع بين بغداد وأربيل في أكتوبر (تشرين الأول) 2020، برعاية الأمم المتحدة، والهادف إلى تطبيع الأوضاع الإدارية، والعسكرية، وإخراج الجماعات المسلحة، لم يُنفذ بالكامل.

ورغم تخصيص 50 مليار دينار لإعادة الإعمار في 2024، ما زال نحو نصف السكان في مخيمات النزوح بإقليم كردستان، فيما تبقى الخدمات دون المستوى المطلوب.

وكيل الخارجية العراقية محمد بحر العلوم مستقبلاً السفير التركي في بغداد (إعلام الخارجية)

«شأن عراقي»

وكان وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، لوح بإمكانية تنفيذ عملية عسكرية محدودة في سنجار. وردت بغداد برفض التصريحات، واستدعت السفير التركي، مؤكدة أن ملف سنجار شأن وطني خالص يُدار وفق الآليات العراقية.

وأعرب وكيل وزارة الخارجية العراقية، محمد حسين بحر العلوم، عن «استياء العراق من التصريحات المتداولة في وسائل الإعلام، وأنها تمثل إساءة إلى العلاقات الودية بين العراق وتركيا، وتُعد تدخلاً في الشأن الداخلي العراقي، وتجاوزاً للأعراف الدبلوماسية».

وأكد أن «العراق دولة مؤسسات ذات نظام سياسي ديمقراطي دستوري، ولا يمكن مقارنته بدول أخرى لها أنظمة سياسية مختلفة».

وشدد بحر العلوم على أن «ملف سنجار وسائر المناطق العراقية هو شأن وطني خالص، ويجري التعامل معه وفق الأولويات، والآليات الوطنية، ونرفض أي تدخل خارجي لفرض حلول، أو لاستخدام هذا الملف للتأثير سياسياً، أو عسكرياً».

ونقل بيان الخارجية العراقية عن السفير التركي أنيل بورا إينان قوله إن «تصريحات وزير الخارجية فُهمت على نحو غير دقيق نتيجة ترجمة غير صحيحة».

وأشار إلى أن «حديث الوزير كان يتعلق بعناصر حزب (العمال الكردستاني) الموجودين في العراق، ولا علاقة له بالشأن العراقي الداخلي، أو بالمواطنين العراقيين».


أب في غزة يبحث عن رفات عائلته بين أنقاض منزلهم

تظهر شظايا العظام أمام الكاميرا خلال عملية بحث عن رفات نعمة حماد التي لا تزال مدفونة تحت أنقاض منزلها الذي دمرته غارة جوية إسرائيلية في ديسمبر 2023 في مدينة غزة (أ.ب)
تظهر شظايا العظام أمام الكاميرا خلال عملية بحث عن رفات نعمة حماد التي لا تزال مدفونة تحت أنقاض منزلها الذي دمرته غارة جوية إسرائيلية في ديسمبر 2023 في مدينة غزة (أ.ب)
TT

أب في غزة يبحث عن رفات عائلته بين أنقاض منزلهم

تظهر شظايا العظام أمام الكاميرا خلال عملية بحث عن رفات نعمة حماد التي لا تزال مدفونة تحت أنقاض منزلها الذي دمرته غارة جوية إسرائيلية في ديسمبر 2023 في مدينة غزة (أ.ب)
تظهر شظايا العظام أمام الكاميرا خلال عملية بحث عن رفات نعمة حماد التي لا تزال مدفونة تحت أنقاض منزلها الذي دمرته غارة جوية إسرائيلية في ديسمبر 2023 في مدينة غزة (أ.ب)

يجلس محمود حماد وسط كومة الأنقاض التي كانت يوماً منزله في غزة، يغرف التراب بمنخل كبير ويهزّه قبل أن يفحص ما تبقّى فيه بعناية ثم يفرغه. في الأيام الأخيرة، ابتسم له الحظ قليلاً، إذ ظهرت عظام صغيرة يعتقد أنها تعود لأفراد من أسرته التي لا يزال يبحث عنها.

ويعتقد حماد أن هذه العظام تعود للجنين الذي كانت زوجته الحامل تحمله عندما استهدفت غارة جوية إسرائيلية مبنى العائلة قبل أكثر من عامين، ما أسفر عن مقتل زوجته وأطفاله الخمسة. وأضاف حماد الشظايا إلى صندوق العظام الذي جمع محتوياته على مدار أشهر من الحفر المتواصل في الأنقاض بمفرده، مستخدماً المعاول والمجارف ويديه. وقال لوكالة «أسوشييتد برس»: «لن أجدها كلها».

ولا يزال نحو 8 آلاف شخص مدفونين تحت أنقاض منازلهم التي دمرها القصف الإسرائيلي على غزة، وفقاً لوزارة الصحة في غزة. وفي ظل استمرار الغارات الجوية والاعتداءات البرية، كان انتشال معظمهم أمراً مستحيلاً. لكن منذ اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر (تشرين الأول)، تزايدت الجهود المبذولة لانتشالهم، رغم ما يعوقها من نقص في المعدات الثقيلة.

«لقد استشهدوا، ونجوت أنا»

نحو الساعة 11:30 صباحاً من يوم 6 ديسمبر (كانون الأول) 2023، استهدفت غارة إسرائيلية مبنى مكوناً من 6 طوابق؛ حيث كانت تعيش عائلات حماد وشقيقه في حي صبرا بمدينة غزة.

محمود حماد يبحث عن رفات أقاربه الذين ما زالوا مدفونين تحت أنقاض منزلهم الذي دمره قصف جوي إسرائيلي في ديسمبر 2023 بمدينة غزة (أ.ب)

وخرج حماد (39 عاماً) من شقته ليصعد إلى الطابق العلوي، فيما كانت زوجته نعمة حماد، الحامل في شهرها التاسع، وأطفالهما الخمسة الذين تتراوح أعمارهم بين 8 و16 عاماً، ينهون تناول طعام إفطارهم.

وفي الأيام التي سبقت الغارة، أسقط الجيش الإسرائيلي منشورات فوق المنطقة تطالب السكان بالمغادرة والتوجه إلى النصف الجنوبي من القطاع، لكن محمود حماد رفض الرحيل.

ولفترة من الوقت، ذهبت نعمة حماد والأطفال إلى منزل والديها في حي جباليا المجاور، في حين بقي زوجها في المنطقة، لكن نعمة أرادت العودة، فحاول زوجها ثنيها عن ذلك، وسط القصف الإسرائيلي المستمر. لكن في 5 ديسمبر، وجد زوجته وأطفاله على بابه، وقال إن زوجته قالت له: «إما أن نعيش معاً وإما نستشهد معاً»، وتابع: «لقد استشهدوا، ونجوت». كما قُتل شقيقه وزوجة شقيقه وأبناؤهما الأربعة.

نُقل محمود حماد إلى عيادة قريبة مصاباً بجروح متعددة، بما في ذلك كسور في الصدر والحوض والركبة ونزيف داخلي في الصدر. وبعد الغارة، تمكَّن الجيران من انتشال جثة ابنه الأكبر إسماعيل، وجثة اثنين من أبناء أخيه، وظل الباقون تحت الأنقاض.

وبعد تعافيه من جراحه، عاد حماد إلى أنقاض منزله وأقام مأوى مؤقتاً بالقرب منها. وقال: «بقيت معهم، زوجتي وأولادي، بين الأنقاض. كنت أتحدث إليهم كل يوم، وكانت رائحتهم عالقة، وشعرت برابطة عميقة معهم».

بحث مضنٍ عن الجثامين

وبدأ البحث عن جثثهم. طلب ​​في البداية المساعدة من الدفاع المدني في غزة، لكن فرق الإنقاذ لم تصل، إما بسبب خطورة الوضع وسط القصف الإسرائيلي المكثف، وإما لعدم امتلاكهم المعدات والآليات اللازمة لإزالة الأنقاض. لذا بدأ الحفر بنفسه. بدأ بالأسقف والجدران المنهارة، يكسرها إلى حجارة صغيرة ويضعها في أكياس. أكوام من عشرات الأكياس تُحيط بالموقع الآن كالجدار.

يساعد أحد أقارب محمود حماد في البحث عن رفات زوجته نعمة حماد التي لا تزال مدفونة تحت أنقاض منزلهما الذي دمره قصف جوي إسرائيلي في ديسمبر 2023 بمدينة غزة (أ.ب)

وفي مارس (آذار) 2024، عثر على رفات اعتقد أنها تعود لأفراد عائلته. وقال: «كانت هناك عظام بسيطة مغطاة باللحم... بعضها أكلته الحيوانات».

في أواخر عام 2024، حفر حتى وصل إلى شقة أخيه، التي كانت في الطابق الثالث؛ حيث عثر على جثتي أخيه وزوجة أخيه. دفنهما في مقبرة مؤقتة أنشأها سكان المنطقة خلال الحرب لحفظ موتاهم ريثما يتم نقلهم إلى مقبرة لائقة.

«الوجبة الأخيرة»

ومنذ أكتوبر، استأنف حماد الحفر إلى عمق 9 أمتار (30 قدماً). وأخيراً، وصل إلى شقته التي كانت في الطابق الأرضي. يركز الآن على إزالة الأنقاض من الجهة الشرقية، لأنه يعلم أن زوجته كانت هناك في لحظاتها الأخيرة. وقال: «كانا يتناولان مهلبية الأرز في غرفة المعيشة».

وبينما كان ينخل التراب بمنخله، عثر على شظايا عظام صغيرة. وشارك صور العظام عبر تطبيق «واتساب» مع طبيب قال إن الشظايا، التي تضمنت عظم فك، تبدو أنها لطفلة رضيعة. ويعتقد حماد أنها رفات الطفلة التي كانوا ينتظرونها. كانوا يخططون لتسميتها حيفا، تيمناً بإحدى شقيقات زوجته التي قُتلت في غارة إسرائيلية قبل أسابيع قليلة من قصف منزلهم. وقال: «كانت جميع ملابس الطفلة وسريرها وغرفتها جاهزة، وكان الجميع في المنزل ينتظرون قدومها». وأعاد اكتشاف شظايا العظام إلى حماد الأمل. وقال إنه بمجرد جمع ما يكفي من الرفات، سيدفنها دفناً لائقاً.

700 جثة منذ وقف إطلاق النار

وصرح زاهر الوحيدي، رئيس قسم السجلات بوزارة الصحة، لوكالة «أسوشييتد برس»، بأنه تم انتشال أكثر من 700 جثة من تحت المباني منذ بدء وقف إطلاق النار، وذلك بعد انتشال 61 مليون طن من الأنقاض.

وتجاوز ضحايا الحرب حتى الآن 72 ألف قتيل، وفقاً لمصادر رسمية في غزة. وأدّى القصف الإسرائيلي إلى تدمير أو إلحاق أضرار بـ81 في المائة من مباني القطاع البالغ عددها 250 ألف مبنى، بما في ذلك مدارس ومستشفيات ومنازل خاصة، وفقاً لوحدة تحليل صور الأقمار الاصطناعية التابعة للأمم المتحدة.

أنقاض مهولة

وخلّفت هذه الكارثة غزة واحدة من أكثر المناطق تضرراً على وجه الأرض؛ حيث بلغ حجم الأنقاض 61 مليون طن، أي ما يعادل حجم 15 هرماً من أهرامات الجيزة، أو 25 برجاً من أبراج إيفل، وفقاً للأمم المتحدة. وقد زاد من صعوبة عمليات إزالة الأنقاض نقص الجرافات والمعدات الثقيلة التي غالباً ما تمنعها إسرائيل من دخول غزة.

ولا تزال عمليات الإنقاذ مستحيلة في أكثر من 50 في المائة من قطاع غزة الخاضع للسيطرة العسكرية الإسرائيلية؛ حيث يواصل الجيش الإسرائيلي تفجير المباني وهدمها بشكل ممنهج، ما يقلل من فرص العثور على جثث مفقودة داخلها.