مطالبات في مصر باحترام خصوصية «قضايا الأطفال» إعلامياً

خبراء شددوا على أهمية التدريب ومواجهة صفحات «سوشيالية» مثيرة

رئيس المجلس الأعلى للإعلام مع وزير الثقافة المصري (الشرق الاوسط)
رئيس المجلس الأعلى للإعلام مع وزير الثقافة المصري (الشرق الاوسط)
TT

مطالبات في مصر باحترام خصوصية «قضايا الأطفال» إعلامياً

رئيس المجلس الأعلى للإعلام مع وزير الثقافة المصري (الشرق الاوسط)
رئيس المجلس الأعلى للإعلام مع وزير الثقافة المصري (الشرق الاوسط)

فجَّرت قضية «الطفل ياسين» جدلاً واسعاً في مصر بشأن أخلاقيات نشر قضايا الأطفال، وجددت مطالب حماية خصوصية الأطفال إعلامياً، وسط تفاعل وحراك لافت من الجهات المعنية بتنظيم الإعلام في مصر. وبينما شهدت الجلسة الأولى لمحاكمة المتهم (الذي) احتشاداً للكاميرات وتدفقاً متسارعاً لعناوين الأخبار لتغطية الواقعة التي هزَّت مصر، تدخل «المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام» في مصر ليعيد التذكير بحتمية التزام وسائل الإعلام بالقواعد الأخلاقية بدلاً من التركيز على الإثارة وحصد المشاهدات.

محكمة جنايات دمنهور كانت قد قضت قبل أيام بمعاقبة متهم شارف عمره على العقد التاسع بعد إدانته بـ«الاعتداء الجنسي» على طفل داخل مدرسة خاصة في محافظة البحيرة بالسجن المؤبد، وذلك في حكم أولي قابل للطعن والاستئناف. وحضر الطفل ياسين برفقة أسرته للمحكمة مرتدياً زي «سبايدرمان» لإخفاء هويته، وانتشرت صور مخلقة بالذكاء الاصطناعي بدت وكأنها له بعد صدور الحكم.

«المجلس الأعلى» برئاسة المهندس خالد عبد العزيز، ناشد جميع الوسائل الخاضعة لقانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018، بضرورة الالتزام بميثاق شرف ضوابط وأخلاقيات نشر أخبار الجريمة والتحقيقات، وتحديداً القضايا التي يكون أحد أطرافها طفلاً، سواء كان متهماً أو شاهداً أو ضحية. ونص البيان الصادر بالتزامن مع جلسة محاكمة المتهم في قضية الطفل ياسين، على وجوب «حماية هوية الطفل بشكل كامل، محذراً من أي محتوى قد يؤدي إلى كشف شخصيته أو المساس بكرامته، كما أقر بأن التعامل المباشر مع الطفل، إن اقتضته الضرورة المهنية، يجب أن يتم في أضيق الحدود وباحترام كامل لكرامته وكرامة ذويه».

مواثيق النشر الأخلاقي

الدكتورة منى الحديدي، رئيس قسم الإذاعة والتلفزيون الأسبق بكلية الإعلام في جامعة القاهرة، وعضو المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، ذكرت لـ«الشرق الأوسط» في لقاء أن «التوقيت الذي صدر فيه بيان المجلس لم يكن اعتباطياً، بل جاء استجابة مباشرة لقضية الطفل ياسين، لما تميزت به من حساسية بالغة وتداول واسع، مما استدعى تفعيل أكواد النشر الأخلاقي بصرامة». وأردفت: «الأكواد (مواثيق الشرف) وحدها لا تكفي ما لم يكن الصحافي مدركاً لوجودها، ومقتنعاً بأنها تخدم المهنة وتحمي رسالته». وشددت منى الحديدي على أن «الخلل يبدأ حينما يجهل العاملون في الإعلام، خصوصاً الجدد منهم، ماهية الكود الإعلامي أو معنى الميثاق الأخلاقي، لا سيما في عصر تسيطر فيه وسائل التواصل الاجتماعي على المهنية، ويُقاس النجاح في تغطية الحدث بعدد المشاهدات».

وفي حين عدت منى الحديدي «الأكواد» المنظمة لأخلاقيات مهنة الإعلام خطوة مهمة، استدركت فقالت إن «المجلس الأعلى للإعلام ليس الجهة الوحيدة المعنية بضمان الالتزام بالأكواد، بينما تقع مسؤولية المحاسبة على النقابات المهنية والهيئات المتخصصة... إن وجود الأكواد وحده لن يضمن عملية تنقيح رسالة الإعلام من المخالفات الأخلاقية، بينما يجب أن يسير بالتوازي مع التوعية والتدريب والضمير المهني». ثم تابعت: «كما أن القوانين وحدها لا تمنع الجرائم، فإن الأكواد لا تحمي الحقوق دون إدراك الصحافي لمسؤوليته، وتبنيه لهذه القواعد كجزء من وعيه المهني، لا كمجرد إلزام قانوني».

بعدها تطرقت منى الحديدي إلى مسألة السبق الصحافي، قائلة إن «الرغبة في التميز لا يجب أن تبرر انتهاك حقوق الأطفال، كذكر أسمائهم أو نشر صورهم أو تفاصيل حياتهم الخاصة، وإن ما يحدث من مخالفات في هذا السياق غالباً ما يصدر عن غير المهنيين أو من يفتقرون للتأهيل العلمي الكافي». وكشفت من ثم عن أن المجلس استحدث لجنة فرعية متخصصة تحت اسم «إعلام النشء»، تعكف حالياً على تطوير الأكواد بما يتناسب مع التغيرات التكنولوجية والاجتماعية، مشددة على أن «الطفولة لم تعد تُختزل في السنوات المبكرة فقط، بل تمتد حتى سن 18 عاماً، وهو ما يستوجب حماية إعلامية مضاعفة».

مبنى الاذاعة والتلفزيون في القاهرة (الشرق الاوسط)

صحافة مسؤولة

من جهة ثانية، رأت علا الشافعي، رئيس تحرير صحيفة «اليوم السابع» المصرية، في حوار مع «الشرق الأوسط» أن ثمة تقدماً فيما يخص الالتزام بـ«أخلاقيات النشر»، واتخذت من قضية الطفل ياسين نموذجاً، وأضافت: «هناك وعي مهني متزايد داخل المؤسسات الصحافية. وأول ما وجهت به الفريق كان لا تصوير للطفل ولا لعائلته، وهذا التوجه لاحظت التزاماً به من كثير من الزملاء، وكأن هناك وعياً مشتركاً تشكل تجاه خصوصية الطفل».

بعدها قالت علا الشافعي: «نجحنا في تغطية القضية، ليس اعتماداً على انتهاك حرية الطفل وكرامته، بينما ارتكزت المعالجة على جوانب القضية وتحليلها من قبل متخصصين، وحققنا نسب مشاهدة جيدة، من دون أن نقع في فخ انتهاك الحقوق. وهذا هو جوهر الصحافة المسؤولة». ورغم ما تؤكده علا الشافعي، فإنها أشارت إلى أن بعض الصفحات على مواقع التواصل، خصوصاً تلك التي يديرها منتحلو صفة الصحافة، سعت إلى كسر هذه الضوابط سعياً وراء المشاهدات، «وبالنسبة لهؤلاء، الطفل مجرد وسيلة لجلب التفاعل وتحقيق الدخل». ومن ثم طرحت معضلة يتعرض لها الصحافيون الشباب، وهي التوازن بين السبق المهني والحفاظ على الحقوق، مشددة على أن «السبق لا يعني تعرية الناس، ولا يبرر كشف هوية طفل، مهما كانت ملابسات القضية».

واستشهدت بالممارسة الدولية قائلة: «في دول كثيرة لا تُظهر صور المتهمين، بل ترسم لهم اسكتشات. وثمة التزام بإخفاء الأسماء والملامح، وهذا ما يجب أن يحتذى به... واستخدام رمزية (سبايدر مان) في وصف الطفل ياسين، رغم بساطتها، كان تعبيراً عن احترام، بعيداً عن التلصص أو التشهير». وأردفت: «في تغطية مثل هذه، لا بد أن تظل الكرامة الإنسانية فوق أي اعتبارات مهنية أو تنافسية».

الآثار النفسية

أما الدكتورة هالة منصور، أستاذة علم الاجتماع المصرية، فشددت لـ«الشرق الأوسط» على خطورة التعامل الإعلامي مع قضايا الأطفال من دون الالتزام بالمعايير الأخلاقية والمهنية. وأوضحت أن «الظهور الإعلامي للطفل، سواء في سياق إيجابي أو سلبي، قد يخلف آثاراً نفسية واجتماعية طويلة الأمد، أبرزها تضخم الذات أو الإصابة بالغرور، أو على العكس تماماً ليكون الشعور بالشفقة والتهميش، وربما الميل للعزلة أو الرغبة في الانسحاب من الحياة الاجتماعية نتيجة شعور بالوصم». وتابعت هالة منصور أن «الطفل في هذه الحالات قد لا يستوعب أبعاد ما ينشر عنه أو يعرض من تفاصيل تخصه، مما يؤدي إلى اضطراب في تشكيل هويته النفسية، خاصة إذا اقترن النشر بتهويل إعلامي أو فضح لتفاصيل شخصية». وأكدت على أن دور الإعلام لا ينبغي أن يكون في تقديم الطفل كـ«قضية مثيرة»، بل كحالة إنسانية يجب حمايتها واحترامها، من خلال تغطية الخبر دون إظهار وجه الطفل أو الكشف عن هويته، والامتناع عن استخدام لغة تحمل أحكاماً مسبقة أو تثير التعاطف السلبي. ومن ثم، أكدت أستاذة علم الاجتماع على «ضرورة تفعيل مواثيق الشرف الإعلامي المتعلقة بالنشر عن الأطفال، وتدريب الصحافيين على التعامل الحساس مع هذه الفئة العمرية، بما يحقق التوازن بين الحق في التغطية الإعلامية، والحق الأصيل للطفل في الخصوصية والحماية النفسية والاجتماعية».

وحول التحديات التي تواجه الصحافي في تغطية الجرائم التي يكون طرفها طفلاً، ذكرت الصحافية المتخصصة في الحوادث بـ«المصري اليوم» شيماء القرنشاوي، لـ«الشرق الأوسط» أن الضمير المهني هو الركيزة الأساسية والصمام الحقيقي لأداء مهني مسؤول، مشيرة إلى أن «المنافسة لم تعد فقط بين الصحف، بل امتدت إلى صفحات غير مهنية، حيث بات السباق على المشاهدات يتفوق أحياناً على الهدف الأسمى للإعلام، وهو نقل المعلومة والتوعية، وهو ما يستدعي التمسك بميثاق الشرف المهني».

واختتمت بالقول إن التدريب أصبح «محورياً إذا كنا نرغب في تعزيز الالتزام بأخلاقيات العمل الإعلامي... والرغبة في السبق الصحافي لا يضبطها إلا ثلاث ركائز: الضمير المهني، والتدريب الاحترافي، والالتزام بالأكواد والقوانين. ولا بد من التشديد على أهمية تفعيل العقوبات بحق المخالفين وعدم التهاون مع التجاوزات».


مقالات ذات صلة

«فيسبوك» يراهن على الذكاء الاصطناعي لمواجهة «تراجع التفاعل»

إعلام شعار "فيسبوك" (د ب أ)

«فيسبوك» يراهن على الذكاء الاصطناعي لمواجهة «تراجع التفاعل»

عاد الجدل حول مستقبل التفاعل على منصة «فيسبوك» إلى الواجهة، في ظل مؤشرات أداء حديثة تُظهر استمرار تراجع معدلات التفاعل، مقارنة بمنصات اجتماعية منافسة.

إيمان مبروك (القاهرة)
يوميات الشرق «المنتدى السعودي للإعلام» يختتم نسخته الـ5 في الرياض

«المنتدى السعودي للإعلام» يختتم نسخته الـ5 في الرياض

اختتم «المنتدى السعودي للإعلام» أعمال نسخته الخامسة في الرياض، أمس، بعد عقد أكثر من 60 جلسة حوارية وورشة عمل، ناقش فيها 300 متحدث من مختلف دول العالم، محاور.

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض (الشرق الأوسط)

حسين النجار... الصوت الإذاعي الذي شكّل ذاكرة السعوديين

توّج الدكتور حسين النجار المذيع السعودي بجائزة شخصية العام خلال حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض تقديراً لتجربته العريضة

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق الكاتب محمد الرميحي والمحرر عبد الهادي حبتور يحتفلان بالجائزتين (الشرق الأوسط)

«المنتدى السعودي للإعلام» يتوّج الفائزين بجوائز دورته الخامسة

كرّم «المنتدى السعودي للإعلام»، مساء الأربعاء، الفائزين بجوائز نسخته الخامسة، التي نظمت في الرياض، على مدى 3 أيام، بحضور جمع من الإعلاميين.

عمر البدوي (الرياض)
رياضة سعودية علاء شاهين خلال حديثه عن المحتوى الرقمي في منتدى الإعلام (الشرق الأوسط)

منتدى الإعلام السعودي يناقش صناعة محتوى رياضي رقمي يستهدف «جيل زد»

ناقش المنتدى السعودي للإعلام، اليوم، التحولات المتسارعة التي يشهدها المحتوى الرياضي الرقمي في ظل تطور أدوات الإعلام وتغيّر أنماط التلقي.

شوق الغامدي (الرياض)

«تيك توك» تركز على «دعم الاقتصاد الإبداعي» في المنطقة

"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
TT

«تيك توك» تركز على «دعم الاقتصاد الإبداعي» في المنطقة

"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)

قالت كِندة إبراهيم، المديرة العامة الإقليمية لشؤون العمليات لدى «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا، إن استراتيجية المنصة في المنطقة خلال عامي 2026 و2027 ترتكز على بناء «اقتصاد إبداعي مستدام» يحوّل المحتوى من نشاط رقمي إلى مسار مهني حقيقي، ويمنح المواهب المحلية أدوات النمو والوصول إلى الاقتصاد الرقمي العالمي.

وأوضحت إبراهيم، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط» على هامش حفل جوائز «تيك توك» الذي نُظم أخيراً، أن المنصة «لا تنظر إلى نفسها بوصفها منصة ترفيه فحسب، بل منظومة متكاملة تتحول فيها الإبداعات إلى مهن، والاهتمامات إلى مجتمعات رقمية، والقصص المحلية إلى محتوى قادر على الانتشار عالمياً مع الحفاظ على هويته الثقافية».

وأضافت أن هذه الاستراتيجية «تقوم على الاستثمار في أدوات صناعة المحتوى، وتوسيع فرص تحقيق الدخل المستدام، وتعزيز أنظمة الأمان، وبناء شراكات تمكّن المواهب المحلية من النمو داخل المنطقة وخارجها بثقة». وأردفت أن تركيز المنصة سيظل منصبّاً على أسواق رئيسية مثل المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية ومصر، إلى جانب أسواق واعدة أخرى تشهد زخماً متزايداً في ريادة الأعمال والإبداع الرقمي.

مؤشرات نضج المنظومة

في هذا السياق، رأت كندة إبراهيم أن نتائج حفل جوائز «تيك توك» لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لعام 2025 «شكّلت مؤشراً واضحاً على نضج منظومة صناع المحتوى في المنطقة، بعدما شارك أكثر من 5.7 مليون مستخدم في التصويت، مما يعكس تحول الجمهور من مجرد متلقٍّ إلى شريك فاعل في صناعة المشهد الإبداعي».

وأوضحت أن تكريم 33 صانع محتوى ضمن 11 فئة شملت الترفيه والتعليم والتأثير الاجتماعي والرياضة والطعام والأزياء والابتكار، «يعكس اتّساع نطاق الإبداع وعمقه».

وتابعت قائلةً إن صناعة المحتوى في المنطقة «لم تعد مرتبطة بلحظة انتشار عابرة أو بنوع واحد من المحتوى، بل أصبحت منظومة حقيقية تبني مجتمعات رقمية وتسهم في تشكيل الثقافة».

واستطردت بأن «وصول 66 صانع محتوى إلى القوائم النهائية قبل بدء التصويت يؤكد وجود قاعدة واسعة ومتنوعة من المواهب في مختلف أنحاء المنطقة، وهو ما دفع (تيك توك) إلى تطوير برامج دعم جديدة لعام 2026، تشمل استثمارات أكبر في أدوات مثل (تيك توك استديو) و(تيك توك ون)، إلى جانب برامج متخصصة للمعلمين والفنانين وصناع المحتوى الرياضيين ورواة القصص».

كِندة إبراهيم، المدير العام الإقليمي لشؤون العمليات لدى "تيك توك" في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا.(الشرق الأوسط)

محركات النمو

من جهة ثانية، ذكرت كندة إبراهيم أن نمو «تيك توك» في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا تقوده ثلاثة عوامل رئيسة تتمثل في: الاكتشاف، والمجتمع، وفرص الدخل المستدام.

ولفتت إلى أن «نظام التوصية القائم على الاهتمامات، وليس على عدد المتابعين، يتيح للأصوات الجديدة الظهور بسرعة، ويسمح للاهتمامات المتخصصة من التعليم والرياضة إلى الطعام والجمال، بأن تتحول إلى حركات ثقافية واسعة تقودها المجتمعات نفسها... وأدوات مثل (تيك توك ون)، والتعاون بين صناع المحتوى، أمور تسهم في تحويل التفاعل إلى علاقات أعمق وفرص دخل حقيقية، مما يدعم بناء منظومة إبداعية أكثر استدامة في المنطقة». ومن ثم، فإن المنصة -وفق كندة ابراهيم- «تقيس هذا النمو عبر مجموعة من المؤشرات، تشمل عدد المستخدمين النشطين، ووقت المشاهدة، والتفاعل المتكرر، ونشاط صناع المحتوى، وتبني أدوات تحقيق الدخل، إضافة إلى عدد الصنّاع الذين ينشرون محتوى بشكل منتظم، وسرعة وصول المواهب الجديدة إلى مجتمعاتها».

التعليم والترفيه

ورداً على سؤال عن طبيعة المحتوى، أكدت أن الترفيه لا يزال عنصراً أساسياً في تجربة «تيك توك»، لكنه لم يعد النوع الوحيد الذي يبحث عنه الجمهور... ذلك أن المحتويين التعليمي والمعرفي، إلى جانب محتوى ريادة الأعمال والتأثير الاجتماعي، قطاعات تشهد نمواً متزايداً، خصوصاً عبر مبادرات مثل «تعلم في تيك توك».

وأوضحت أن التعليم على المنصة لا يأتي بصيغة تقليدية، بل في قالب بسيط وسريع وممتع، يمزج بين الفائدة والترفيه، وهو ما يجعل المحتوى أكثر قرباً من الناس وأكثر قابلية للمشاركة والاستمرار.

منصة متعددة الأجيال

وفيما يتعلق بالفئات العُمرية، شددت المدير العام الإقليمي لشؤون العمليات لدى «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا، على أن «تيك توك» باتت «منصة متعددة الأجيال بطبيعتها». إذ تعتمد تجربة المستخدم على الاهتمامات لا على العمر، وبالتالي، «فإن كل مستخدم يجد محتوىً يناسبه، سواءً للترفيه أو التعلّم أو التعبير عن الذات، مما يجعل التجربة أكثر شمولاً وإنسانية».

السلامة والذكاء الاصطناعي

أما عن التحديات، فقالت إن «تيك توك» تولي أولوية قصوى لبناء بيئة رقمية آمنة وشفافة، خصوصاً مع الانتشار المتزايد لأدوات الذكاء الاصطناعي. وشرحت كيف أن المنصة كانت أول جهة تطبّق تقنية «بيانات اعتماد المحتوى Content Credentials بالتعاون مع تحالف C2PA لتمييز المحتوى المُنشأ بالذكاء الاصطناعي».

وأضافت أن أكثر من 37 مليون صانع محتوى استخدموا أداة وسم المحتوى المُنشأ بالذكاء الاصطناعي منذ العام الماضي، كما جرى وسم أكثر من 1.3 مليار فيديو بعلامات مائية غير مرئية، في خطوة تهدف إلى تعزيز الشفافية.

كذلك كشفت عن إطلاق صندوق بقيمة مليوني دولار لدعم محو الأمية في مجال الذكاء الاصطناعي، إضافةً إلى الانضمام إلى «Partnership on AI» لتعزيز التعاون على مستوى الصناعة. وشددت على أن هدف «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا هو مواكبة الابتكار، مع الحفاظ على بيئة آمنة ومسؤولة تحترم الخصوصية، وتعزز الثقة، وتدعم الإبداع الحقيقي الذي يعكس ثقافة وقيم مجتمعات المنطقة.

هذا، وتجدر الإشارة إلى أن المنصة كانت قد نظّمت اخيراً حفل جوائزها السنوي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا احتفاءً بأبرز صنّاع المحتوى في المنطقة الذين كان لهم تأثير متميز خلال عام 2025، وتم تكريم صنّاع المحتوى الذين ساهمت قصصهم وإبداعاتهم وتأثيرهم في رسم ملامح هذا العام على المنصة وخارجها.

تنامي المنصة

للعلم، تُعدّ «تيك توك» من المنصات الرقمية المتنامية العالم. وخلال السنوات الماضية عملت على طرح المحتوى بشكل مختلف من خلال الفيديوهات القصيرة. إذ تقوم فلسفة المنصة على نموذج اكتشاف قائم على الاهتمامات لا على عدد المتابعين، مما يمنح الأصوات الجديدة فرصة الظهور والانتشار السريع، ويتيح للمجتمعات الرقمية أن تتشكل حول متابعات مشتركة، سواءً في التعليم أو الرياضة أو الطعام أو ريادة الأعمال أو الفنون.

وفي منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، تتطلع «تيك توك» لأن تكون لاعباً رئيسياً في تشكيل الثقافة الرقمية، إذ تحوّلت إلى مساحة للتعبير عن الهوية المحلية، ومسرح للأفكار الجديدة، ومنصة لإطلاق المواهب الشابة.


«فيسبوك» يراهن على الذكاء الاصطناعي لمواجهة «تراجع التفاعل»

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)
TT

«فيسبوك» يراهن على الذكاء الاصطناعي لمواجهة «تراجع التفاعل»

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)

عاد الجدل حول مستقبل التفاعل على منصة «فيسبوك» إلى الواجهة، في ظل مؤشرات أداء حديثة تُظهر استمرار تراجع معدلات التفاعل، مقارنة بمنصات اجتماعية منافسة. وهذا الأمر يدفع الآن شركة «ميتا»، مالكة المنصة، إلى الرهان على الذكاء الاصطناعي بوصفه مساراً لاستعادة التفاعل عبر تحسين أنظمة التوصية وترتيب المحتوى، وتقديم تجربة أكثر تخصيصاً للمستخدمين.

لقد أشار تقرير أجرته «سوشيال إنسايدر» (وهي شركة متخصصة في تحليل بيانات وسائل التواصل الاجتماعي وتقديم تقارير مؤشرات أداء)، خلال الشهر الحالي، إلى أن «متوسط معدلات التفاعل على (فيسبوك) بلغ 0.15 في المائة. وهي نسبة تعكس انخفاضاً تم تسجيله منذ مطلع عام 2025». وتبيّن المؤشرات التي استندت إلى تحليل بيانات نحو 70 مليون منشور عبر منصات «تيك توك» و«إنستغرام» و«فيسبوك» و«إكس» (تويتر سابقاً)، أنه لا يمكن فصل هذا التراجع عن التحولات الأوسع في سلوك المستخدمين، ولا عن المنافسة المحتدمة مع منصات تقدّم أنماطاً أكثر حيوية من المحتوى، وفي مقدمتها الفيديو القصير.

حاتم الشولي، المشرف على تحرير الإعلام الرقمي في قناة «الشرق للأخبار»، أرجع انخفاض التفاعل على «فيسبوك» إلى عدة عوامل. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «(فيسبوك) بات يعاني من هجرة جيلَي زد وألفا، وتحوّل المنصة إلى فئة عُمرية أكبر (في سن 35 سنة)، والسبب في ذلك أساساً وجود منافسين أكثر حيوية ومنصّات تقدّم أنماطاً جديدة من المحتوى مثل (تيك توك) و(إنستغرام)، حتى إن (فيسبوك) باتت منصة الآباء والأجداد».

الشولي يشير إلى «تحول (فيسبوك) لإحراق المحتوى؛ إذ تتعرّض الحسابات العادية لنحو 1500 منشور محتمل خلال أقل من 8 ساعات، ما أدى إلى مفهوم انهيار السياق والاتجاه نحو التلوث في الكم مع إغفال النوع». ويضيف: «هو بالأساس يدخل في إطار فلسفة الاقتصاد، بتحويل انتباه المستخدمين وجعلها عملية نادرة، تتنافس عليها الشركات المعلنة، الأمر الذي أدى لتحول المنصة لسوق من الإعلانات، مع انعدام المحتوى». ويلفت إلى أن «الكمية الهائلة من المنشورات ولّدت فقراً في الانتباه، كما يقول هربرت سايمون، الذي أسس لفكرة اقتصاد الانتباه».

جدير بالذكر أن مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لـ«ميتا»، كان قد ألمح إلى نية الشركة الدفع باتجاه مزيد من الأدوات والاستخدامات المعززة بالذكاء الاصطناعي، وهو ما عدّه خبراء «رهاناً لتعويض تراجع التفاعل». وكشفت «ميتا» عقب إعلانها أحدث تحديثات الأداء عن دور أنظمتها المتقدمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي في تحسين ترتيب المحتوى وزيادة الصلة داخل الخلاصات.

عودة إلى الشولي، فإنه يرى صعوبة في إيجاد تغيير ملموس بشكل كامل على «فيسبوك»؛ إذ يقول: «المنصة بحاجة لإعادة نظر في شكلها الحالي وطبيعة عملها... والأهم من ذلك استقطابها لجمهور الشباب؛ إذ لدى (فيسبوك) نحو 3 مليارات مستخدم نشط شهرياً، منهم 2 مليار ناشطون بشكل يومي، ولكن معدل الأعمار الأكثر نشاطاً هم الأكبر بالعمر، وهذه مشكلة عنق الزجاجة التي تعاني منه (فيسبوك) طوال السنوات العشر الماضية».

ويضيف أن «الذكاء الاصطناعي قد يؤثر في استهلاك المحتوى من قبل المستخدمين؛ لكن داخل حيز الحسابات النشطة فقط». وهو لا يعتقد بارتفاع أعداد الحسابات النشطة أكثر مما عليه الآن.

من جهة ثانية، وفق البيانات الرسمية لـ«ميتا»، أسهمت تحسينات ترتيب الخلاصات والفيديو على «فيسبوك» خلال الربع الرابع من عام 2025 في زيادة مشاهدات منشورات الخلاصة والفيديو العضوية بنسبة 7 في المائة، مع تسجيل نمو في وقت مشاهدة الفيديو على أساس سنوي داخل الولايات المتحدة. كذلك زادت المنصة من عرض المقاطع القصيرة المنشورة في اليوم نفسه بنسبة تجاوزت 25 في المائة مقارنة بالربع الثالث من العام ذاته.

وهنا ذكرت دعاء عمار، الصحافية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي وصناعة المحتوى، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «فيسبوك» لم تنجح في جذب الشرائح الأصغر سناً. ولفتت إلى التغيّر في تفضيلات الخوارزمية، قائلة: «في السابق كانت خوارزمية (فيسبوك) تعرض ما ينشره أصدقاؤك وأقاربك، أما الآن فتحاول (فيسبوك) استنساخ (تيك توك)». وأردفت دعاء عمار أن «الخوارزمية المدعومة بالذكاء الاصطناعي ما تشاهده على أساس اهتمامك الحالي، وليس بناء على مَن تتابعهم»، معتبرة أن هذا قلّل «الحميمية» التي كانت قبل ذلك دافعاً أساسياً للتفاعل بالتعليقات والمشاركة.

وبالنسبة لرهان «فيسبوك» على الذكاء الاصطناعي، رأت دعاء عمار أن «المشكلة تكمن في أن خوارزميات الذكاء الاصطناعي مصممة لزيادة التفاعل بأي ثمن، ما قد يؤدي على سبيل المثال إلى انتشار الأخبار المضللة أو حبس المستخدم في فقاعة من المحتوى الذي يوافق مزاجه فقط؛ ما قد يخلق استقطاباً مجتمعياً حاداً». ومن ثم «التفاعل يجب أن يكون هدفاً مقيداً وليس الهدف الوحيد... والحد الفاصل هو عندما يتحوّل الذكاء الاصطناعي من أداة لتحسين التفاعل، إلى محرّك غير خاضع للمساءلة لزيادة هذا التفاعل».


«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
TT

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين في هذه المؤسسة الصحافية الأميركية التي يملكها جيف بيزوس.

مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

وتسبب إعلان الخطة الأربعاء لتسريح قرابة 300 صحافي من أصل 800 بصدمة، في ظل تنامي التحالف بين مؤسس «أمازون» والرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي يشنّ باستمرار حملات على وسائل الإعلام التقليدية منذ عودته إلى السلطة.

وفي رسالة إلكترونية أُرسلت إلى الموظفين وكشفها أحد صحافيي «واشنطن بوست» على وسائل التواصل الاجتماعي، قال ويل لويس إنه «بعد عامين من العمل على تطوير صحيفة واشنطن بوست، حان الوقت المناسب للتنحي عن منصبه».

وسيتم استبداله بجيف دونوفريو الذي يشغل منصب المدير المالي لواشنطن بوست منذ العام الماضي، بحسب الصحيفة.

قراء صحيفة واشنطن بوست شاركوا في وقفة احتجاجية أمام مبنى الصحيفة الخميس الماضي (ا.ف.ب)

وتعاني «واشنطن بوست»، المعروفة بكشفها فضيحة «ووترغيت ووثائق البنتاغون، والحائزة 76 جائزة بوليتزر منذ العام 1936، أزمة مستمرة منذ سنوات.

وخلال ولاية ترمب الأولى، حققت الصحيفة أداء جيدا نسبيا بفضل أسلوبها الصريح في تغطية الأحداث. وبعد مغادرة الملياردير الجمهوري البيت الأبيض، تراجع اهتمام القراء بها وبدأت نتائجها بالانخفاض الحاد.

وخسرت الصحيفة 100 مليون دولار في عام 2024، وفق صحيفة «وول ستريت جورنال».

في خريف عام 2024، امتنعت «واشنطن بوست» عن نشر افتتاحية تدعم كامالا هاريس في الحملة الرئاسية ضد دونالد ترمب، رغم أنها أيدت المرشحين الديموقراطيين في انتخابات أعوام 2008 و2012 و2016 و2020. واعتبر كثر ذلك محاولة من جيف بيزوس للتقرب من ترمب.

واستحوذ بيزوس الذي تُقدّر ثروته حاليا بـ 245 مليار دولار وفقا لمجلة فوربس، على صحيفة واشنطن بوست عام 2013.

وقال لويس في رسالته «خلال فترة إدارتي، اتُخذت قرارات صعبة لضمان مستقبل مستدام للصحيفة، حتى تتمكن من الاستمرار في نشر أخبار عالية الجودة وغير متحيزة لملايين القراء يوميا».

ونقل بيان «واشنطن بوست» عن بيزوس قوله إن الصحيفة لديها «فرصة استثنائية. ففي كل يوم، يزوّدنا قراؤنا بخريطة طريق نحو النجاح. تقول لنا البيانات ما هو قيّم وأين يجب أن نركز جهودنا».

وجرى الاستغناء عن عدد كبير من المراسلين الأجانب، بمن فيهم جميع من يغطون أخبار الشرق الأوسط والأحداث في روسيا وأوكرانيا.

كما طالت عمليات الصرف الجماعي أقسام الرياضة والكتب والبودكاست والأخبار المحلية والرسوم البيانية، حتى أن بعضها أُلغي في شكل شبه كامل.