مطالبات في مصر باحترام خصوصية «قضايا الأطفال» إعلامياً

خبراء شددوا على أهمية التدريب ومواجهة صفحات «سوشيالية» مثيرة

رئيس المجلس الأعلى للإعلام مع وزير الثقافة المصري (الشرق الاوسط)
رئيس المجلس الأعلى للإعلام مع وزير الثقافة المصري (الشرق الاوسط)
TT

مطالبات في مصر باحترام خصوصية «قضايا الأطفال» إعلامياً

رئيس المجلس الأعلى للإعلام مع وزير الثقافة المصري (الشرق الاوسط)
رئيس المجلس الأعلى للإعلام مع وزير الثقافة المصري (الشرق الاوسط)

فجَّرت قضية «الطفل ياسين» جدلاً واسعاً في مصر بشأن أخلاقيات نشر قضايا الأطفال، وجددت مطالب حماية خصوصية الأطفال إعلامياً، وسط تفاعل وحراك لافت من الجهات المعنية بتنظيم الإعلام في مصر. وبينما شهدت الجلسة الأولى لمحاكمة المتهم (الذي) احتشاداً للكاميرات وتدفقاً متسارعاً لعناوين الأخبار لتغطية الواقعة التي هزَّت مصر، تدخل «المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام» في مصر ليعيد التذكير بحتمية التزام وسائل الإعلام بالقواعد الأخلاقية بدلاً من التركيز على الإثارة وحصد المشاهدات.

محكمة جنايات دمنهور كانت قد قضت قبل أيام بمعاقبة متهم شارف عمره على العقد التاسع بعد إدانته بـ«الاعتداء الجنسي» على طفل داخل مدرسة خاصة في محافظة البحيرة بالسجن المؤبد، وذلك في حكم أولي قابل للطعن والاستئناف. وحضر الطفل ياسين برفقة أسرته للمحكمة مرتدياً زي «سبايدرمان» لإخفاء هويته، وانتشرت صور مخلقة بالذكاء الاصطناعي بدت وكأنها له بعد صدور الحكم.

«المجلس الأعلى» برئاسة المهندس خالد عبد العزيز، ناشد جميع الوسائل الخاضعة لقانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018، بضرورة الالتزام بميثاق شرف ضوابط وأخلاقيات نشر أخبار الجريمة والتحقيقات، وتحديداً القضايا التي يكون أحد أطرافها طفلاً، سواء كان متهماً أو شاهداً أو ضحية. ونص البيان الصادر بالتزامن مع جلسة محاكمة المتهم في قضية الطفل ياسين، على وجوب «حماية هوية الطفل بشكل كامل، محذراً من أي محتوى قد يؤدي إلى كشف شخصيته أو المساس بكرامته، كما أقر بأن التعامل المباشر مع الطفل، إن اقتضته الضرورة المهنية، يجب أن يتم في أضيق الحدود وباحترام كامل لكرامته وكرامة ذويه».

مواثيق النشر الأخلاقي

الدكتورة منى الحديدي، رئيس قسم الإذاعة والتلفزيون الأسبق بكلية الإعلام في جامعة القاهرة، وعضو المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، ذكرت لـ«الشرق الأوسط» في لقاء أن «التوقيت الذي صدر فيه بيان المجلس لم يكن اعتباطياً، بل جاء استجابة مباشرة لقضية الطفل ياسين، لما تميزت به من حساسية بالغة وتداول واسع، مما استدعى تفعيل أكواد النشر الأخلاقي بصرامة». وأردفت: «الأكواد (مواثيق الشرف) وحدها لا تكفي ما لم يكن الصحافي مدركاً لوجودها، ومقتنعاً بأنها تخدم المهنة وتحمي رسالته». وشددت منى الحديدي على أن «الخلل يبدأ حينما يجهل العاملون في الإعلام، خصوصاً الجدد منهم، ماهية الكود الإعلامي أو معنى الميثاق الأخلاقي، لا سيما في عصر تسيطر فيه وسائل التواصل الاجتماعي على المهنية، ويُقاس النجاح في تغطية الحدث بعدد المشاهدات».

وفي حين عدت منى الحديدي «الأكواد» المنظمة لأخلاقيات مهنة الإعلام خطوة مهمة، استدركت فقالت إن «المجلس الأعلى للإعلام ليس الجهة الوحيدة المعنية بضمان الالتزام بالأكواد، بينما تقع مسؤولية المحاسبة على النقابات المهنية والهيئات المتخصصة... إن وجود الأكواد وحده لن يضمن عملية تنقيح رسالة الإعلام من المخالفات الأخلاقية، بينما يجب أن يسير بالتوازي مع التوعية والتدريب والضمير المهني». ثم تابعت: «كما أن القوانين وحدها لا تمنع الجرائم، فإن الأكواد لا تحمي الحقوق دون إدراك الصحافي لمسؤوليته، وتبنيه لهذه القواعد كجزء من وعيه المهني، لا كمجرد إلزام قانوني».

بعدها تطرقت منى الحديدي إلى مسألة السبق الصحافي، قائلة إن «الرغبة في التميز لا يجب أن تبرر انتهاك حقوق الأطفال، كذكر أسمائهم أو نشر صورهم أو تفاصيل حياتهم الخاصة، وإن ما يحدث من مخالفات في هذا السياق غالباً ما يصدر عن غير المهنيين أو من يفتقرون للتأهيل العلمي الكافي». وكشفت من ثم عن أن المجلس استحدث لجنة فرعية متخصصة تحت اسم «إعلام النشء»، تعكف حالياً على تطوير الأكواد بما يتناسب مع التغيرات التكنولوجية والاجتماعية، مشددة على أن «الطفولة لم تعد تُختزل في السنوات المبكرة فقط، بل تمتد حتى سن 18 عاماً، وهو ما يستوجب حماية إعلامية مضاعفة».

مبنى الاذاعة والتلفزيون في القاهرة (الشرق الاوسط)

صحافة مسؤولة

من جهة ثانية، رأت علا الشافعي، رئيس تحرير صحيفة «اليوم السابع» المصرية، في حوار مع «الشرق الأوسط» أن ثمة تقدماً فيما يخص الالتزام بـ«أخلاقيات النشر»، واتخذت من قضية الطفل ياسين نموذجاً، وأضافت: «هناك وعي مهني متزايد داخل المؤسسات الصحافية. وأول ما وجهت به الفريق كان لا تصوير للطفل ولا لعائلته، وهذا التوجه لاحظت التزاماً به من كثير من الزملاء، وكأن هناك وعياً مشتركاً تشكل تجاه خصوصية الطفل».

بعدها قالت علا الشافعي: «نجحنا في تغطية القضية، ليس اعتماداً على انتهاك حرية الطفل وكرامته، بينما ارتكزت المعالجة على جوانب القضية وتحليلها من قبل متخصصين، وحققنا نسب مشاهدة جيدة، من دون أن نقع في فخ انتهاك الحقوق. وهذا هو جوهر الصحافة المسؤولة». ورغم ما تؤكده علا الشافعي، فإنها أشارت إلى أن بعض الصفحات على مواقع التواصل، خصوصاً تلك التي يديرها منتحلو صفة الصحافة، سعت إلى كسر هذه الضوابط سعياً وراء المشاهدات، «وبالنسبة لهؤلاء، الطفل مجرد وسيلة لجلب التفاعل وتحقيق الدخل». ومن ثم طرحت معضلة يتعرض لها الصحافيون الشباب، وهي التوازن بين السبق المهني والحفاظ على الحقوق، مشددة على أن «السبق لا يعني تعرية الناس، ولا يبرر كشف هوية طفل، مهما كانت ملابسات القضية».

واستشهدت بالممارسة الدولية قائلة: «في دول كثيرة لا تُظهر صور المتهمين، بل ترسم لهم اسكتشات. وثمة التزام بإخفاء الأسماء والملامح، وهذا ما يجب أن يحتذى به... واستخدام رمزية (سبايدر مان) في وصف الطفل ياسين، رغم بساطتها، كان تعبيراً عن احترام، بعيداً عن التلصص أو التشهير». وأردفت: «في تغطية مثل هذه، لا بد أن تظل الكرامة الإنسانية فوق أي اعتبارات مهنية أو تنافسية».

الآثار النفسية

أما الدكتورة هالة منصور، أستاذة علم الاجتماع المصرية، فشددت لـ«الشرق الأوسط» على خطورة التعامل الإعلامي مع قضايا الأطفال من دون الالتزام بالمعايير الأخلاقية والمهنية. وأوضحت أن «الظهور الإعلامي للطفل، سواء في سياق إيجابي أو سلبي، قد يخلف آثاراً نفسية واجتماعية طويلة الأمد، أبرزها تضخم الذات أو الإصابة بالغرور، أو على العكس تماماً ليكون الشعور بالشفقة والتهميش، وربما الميل للعزلة أو الرغبة في الانسحاب من الحياة الاجتماعية نتيجة شعور بالوصم». وتابعت هالة منصور أن «الطفل في هذه الحالات قد لا يستوعب أبعاد ما ينشر عنه أو يعرض من تفاصيل تخصه، مما يؤدي إلى اضطراب في تشكيل هويته النفسية، خاصة إذا اقترن النشر بتهويل إعلامي أو فضح لتفاصيل شخصية». وأكدت على أن دور الإعلام لا ينبغي أن يكون في تقديم الطفل كـ«قضية مثيرة»، بل كحالة إنسانية يجب حمايتها واحترامها، من خلال تغطية الخبر دون إظهار وجه الطفل أو الكشف عن هويته، والامتناع عن استخدام لغة تحمل أحكاماً مسبقة أو تثير التعاطف السلبي. ومن ثم، أكدت أستاذة علم الاجتماع على «ضرورة تفعيل مواثيق الشرف الإعلامي المتعلقة بالنشر عن الأطفال، وتدريب الصحافيين على التعامل الحساس مع هذه الفئة العمرية، بما يحقق التوازن بين الحق في التغطية الإعلامية، والحق الأصيل للطفل في الخصوصية والحماية النفسية والاجتماعية».

وحول التحديات التي تواجه الصحافي في تغطية الجرائم التي يكون طرفها طفلاً، ذكرت الصحافية المتخصصة في الحوادث بـ«المصري اليوم» شيماء القرنشاوي، لـ«الشرق الأوسط» أن الضمير المهني هو الركيزة الأساسية والصمام الحقيقي لأداء مهني مسؤول، مشيرة إلى أن «المنافسة لم تعد فقط بين الصحف، بل امتدت إلى صفحات غير مهنية، حيث بات السباق على المشاهدات يتفوق أحياناً على الهدف الأسمى للإعلام، وهو نقل المعلومة والتوعية، وهو ما يستدعي التمسك بميثاق الشرف المهني».

واختتمت بالقول إن التدريب أصبح «محورياً إذا كنا نرغب في تعزيز الالتزام بأخلاقيات العمل الإعلامي... والرغبة في السبق الصحافي لا يضبطها إلا ثلاث ركائز: الضمير المهني، والتدريب الاحترافي، والالتزام بالأكواد والقوانين. ولا بد من التشديد على أهمية تفعيل العقوبات بحق المخالفين وعدم التهاون مع التجاوزات».


مقالات ذات صلة

قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

إعلام عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)

قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

نظَّم «اتحاد إذاعات الدول العربية»، تظاهرة غير تقليدية للاحتفاء بإصدار كتاب جديد عن التحديات الجديدة التي تواجه «الميديا العربية» في عصر هيمنة الرقمنة والمواقع

كمال بن يونس (تونس)
إعلام "لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)

«لوفيغارو»... تحول رقمي ناجح في العيد الـ200

وسط عالم تتساقط فيه الصحف العريقة واحدةً تلو الأخرى تحت ضغط الثورة الرقمية وتغيّر أنماط الاستهلاك الإعلامي، يبرز احتفال صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية

أنيسة مخالدي (باريس)
إعلام شعار «غوغل» (رويترز)

تصاعد الملاحقة القضائية لمنصات التواصل

تصاعدت الملاحقة القضائية لمنصات التواصل الاجتماعي في مزاعم بشأن تسببها في إدمان المستخدمين، لا سيما الأطفال؛ ما عدّه خبراء محاولةً قد تدفع المنصات

فتحية الدخاخني (القاهرة)
يوميات الشرق كتاب حروب الشاشات يتناول قضايا عالمية (الشرق الأوسط)

«حروب الشاشات»... الإعلام الجديد وفن إدارة الصراعات حول العالم

في مفارقة بلاغية ودلالية لعبارة النفري الشهيرة «كلما اتسعت الرؤية ضاقت العِبارة»، يأتي كتاب «حروب الشاشات» للدكتور أسامة السعيد.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق تُكرّم «جوائز List» مجموعة تجارب استثنائية تُعيد تعريف معايير التميّز والرفاهية في العالم العربي (SRMG)

مجلة «List» تطلق النسخة الأولى من جوائزها

أطلقت مجلة «List»، النسخة الأولى من جوائزها، بالشراكة مع علامة «ريتشارد ميل»، التي تحتفي بالإبداع والتميّز بمجالات السفر والرفاهية والثقافة وفنون الطهي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
TT

قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)

نظَّم «اتحاد إذاعات الدول العربية»، في تونس أخيراً، وبحضور عشرات من كوادره ومن الإعلاميين والخبراء العرب، تظاهرة غير تقليدية للاحتفاء بإصدار كتاب جديد عن التحديات الجديدة التي تواجه «الميديا العربية» في عصر هيمنة الرقمنة والمواقع الاجتماعية والذكاء الاصطناعي.

وصرّح المهندس عبد الرحيم سليمان، مدير عام الاتحاد، بالمناسبة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» بأن الكتاب الذي ألفه وأصدره عبد الحفيظ الهرقام، المدير العام السابق لـ«اتحاد إذاعات الدول العربية»، والمدير العام الأسبق لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون التونسي، «جاء ليؤكد أهمية التحوّلات الرقمية وانعكاساتها على المتغيرات في ملامح المشهد الإعلامي العالمي والعربي».

وفي السياق نفسه، رأى عدد من الخبراء والإعلاميين العرب أن الكتاب، وعنوانه «الميديا العربية: بين الهيمنة الرقمية وسؤال المعنى» بمثابة «الشهادة الفكرية والمهنية على مرحلة مفصلية يعيشها الإعلام العربي اليوم». وصرح المؤلف لـ«الشرق الأوسط»، في لقاء معه، بأن كتابه «لا يندرج ضمن الكتب الأكاديمية البحتة، ولا يكتفي بسرد التجارب المهنية، بل يمثّل محاولة جادّة لفهم التحوّلات الكبرى التي أعادت رسم علاقة الإنسان بالإعلام، وغيّرت طبيعة السلطة الرمزية التي كانت تمارسها المؤسسات الإعلامية لعقود طويلة».

المهندس عبد الرحيم سليمان (الشرق الأوسط)

خبرة ميدانية

وحقاً، رأى عدد من الخبراء في تظاهرة «اتحاد إذاعات الدول العربية» أن كتاب الهرقام يأتي محمّلاًً بخبرة ميدانية ممتدة لسنوات طويلة داخل مؤسسات عربية كبرى... إذ واكب المؤلف عن قرب تحوّلات القطاع السمعي البصري، وتقلّباته المهنية والتنظيمية، والتحديات التي واجهت الإعلام التقليدي في زمن الانتقال الرقمي.

غير أنّ أهمية هذا العمل، وفق كثيرين، لا تكمن فقط في كونه شهادة من داخل المهنة، بل أيضاً في كونه قراءة نقدية معمّقة لواقع الإعلام العربي لدى وقوفه عند مفترق طرق حاسم: بين إرث ثقيل من التجارب التقليدية، وضغوط متزايدة تفرضها الثورة الرقمية، وبين دور قديم قائم على نقل الخبر، ودور جديد يتعلّق بصناعة المعنى وتشكيل الوعي.

من سؤال مهني إلى مشروع فكري

كتاب عبد الحفيظ الهرقام، يجسّد في الحقيقة تجربة مهنية ثرية امتدت لما يقارب من 15 سنة في قلب مؤسسات الإعلام العربي، حيث احتكّ المؤلف يومياً بإشكاليات الإدارة والإنتاج والبث. وشهد عن قرب تحوّلات البنية الإعلامية في المنطقة. وكانت فكرة هذا العمل قد انطلقت من سؤال مهني يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه عميق في دلالاته: هل من الأفضل الإبقاء على الإذاعة والتلفزيون ضمن مؤسسة واحدة أم الفصل بينهما؟

هذا التساؤل، الذي طُرح في سياق نقاش مهني، فتح أمام المؤلف أفقاً أوسع للتفكير في قضايا بنيوية تتجاوز التنظيم الإداري لتُلامس جوهر التحوّل الذي يعيشه الإعلام العربي. ومع مرور الوقت، تحوّل السؤال مشروعاً فكرياً متكاملاً يسعى إلى فهم موقع الإعلام العربي في عالم يتغيّر بسرعة، وإلى تحليل طبيعة التحديات التي تهدد مكانتها ودورها.

غلاف الكتاب (الشرق الأوسط)

الإعلام تحت ضغط الهيمنة الرقمية

أبرز ما يطرحه الكتاب، حسب مقدمته «تشخيص لحالة الإعلام العربي في ظل هيمنة المنصّات الرقمية العالمية، التي لم تعُد مجرّد وسائط لنشر المحتوى، بل تحوّلت قوى اقتصادية وثقافية كبرى تتحكّم في طرق الإنتاج والتوزيع وأنماط الاستهلاك».

وفعلاً، غيّرت هذه المنصّات قواعد اللعبة بالكامل. إذ تراجعت مكانة الوسائل التقليدية مثل الإذاعة والتلفزيون والصحافة المطبوعة، وتحوّلت المنافسة سباقاً غير متكافئ بين مؤسسات إعلامية وطنية محدودة الموارد وشركات تكنولوجية عملاقة تمتلك الخوارزميات والبيانات ورؤوس الأموال الضخمة.

بيد أن التحدّي، كما يلفت المؤلف الانتباه، لا يقتصر على الجانب الاقتصادي أو التكنولوجي، بل بات يمتدّ إلى عمق المسألة الثقافية والمعرفية. وحين تنتقل السيطرة من غُرف التحرير إلى الخوارزميات، ومن الصحافي إلى المنصّة، يغدو السؤال الأهم: مَن يملك اليوم سلطة تعريف الواقع؟ ومَن يقرّر ما يُرى وما يُهمَل؟ ومَن يصوغ الروايات التي تشكّل وعي الجمهور؟

«سوق المعنى»... المعركة الجديدة

من أبرز المفاهيم التي يقدّمها الكتاب مفهوم «سوق المعنى»، حيث لم يعُد الصراع الإعلامي مقتصراً على نقل الخبر أو تحقيق السبق الصحافي، بل بات صراعاً حول تفسير الواقع وصياغة السرديات الكبرى. ففي الفضاء الاتصالي المعَولم، تتداخل السياسة بالإعلام، وتتقاطع المصالح الاقتصادية مع الخطابات الآيديولوجية، وتتنافس الروايات على كسب ثقة الجمهور. وفي هذا السياق، ما عادت قيمة المحتوى تُقاس بعمقه أو دقته، بل بعدد المشاهدات والتفاعلات؛ ما أدى إلى صعود أنماط جديدة من الخطاب السريع والسطحي في كثير من الأحيان، مقابل تراجع التحليل الرصين والمعالجة المهنية المتأنية.

وهذا التحوّل، الذي يبدو تقنياً في ظاهره، يخفي في جوهره أزمة معنى حقيقية. إذ يصبح الإعلام مهدّداً بفقدان دوره الثقافي والتنويري، ويتحوّل مجرّد وسيط في سوق ضخمة تحكمها قوانين الانتشار والربح والتأثير اللحظي.

تحوّل جذري

في صناعة الخبر

من جهة أخرى، يلفت الكتاب الانتباه إلى تحوّل عميق في بنية الإعلام، يتمثّل في انتقال مركز إنتاج المعنى من المؤسسات إلى الأفراد. فمع صعود وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعُد الجمهور متلقياً سلبياً، بل صار فاعلاً مشاركاً في صناعة المحتوى وتداوله. وفتح هذا التحوّل مساحات جديدة للتعبير وكشف الحقائق، وبرزت ظاهرة «المواطن الصحافي» بوصفها عنصراً مؤثراً في المشهد الإعلامي. لكن هذا التحوّل حمل، في المقابل، مخاطر كبيرة، من بينها انتشار الأخبار الزائفة، وتضخّم الخطاب الانفعالي، وتراجع المعايير المهنية.

كتاب جديد لاتحاد إذاعات الدول العربية يدعو إلى مراجعة الأولويات

وهنا يطرح المؤلف سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن للمؤسّسات الإعلامية أن تحافظ على دورها ومصداقيتها في عالم لم تعد فيه المصدر الوحيد للمعلومة؟

دعوة إلى إعلام منتج للمعنى

في قلب هذا العمل يدعو عبد الحفيظ الهرقام إلى «ضرورة إعادة تعريف دور الميديا العربية، بحيث لا تظلّ فاعلاً تابعاً في النظام الإعلامي العالمي، بل تتحوّل فاعلاً منتجاً للمعنى، قادراً على الدفاع عن خصوصيته الثقافية وصياغة خطابه الخاص». ويتطلّب ذلك، في نظره، جملة من الشروط الأساسية، من بينها تعزيز الاستقلالية التحريرية، وتطوير الكفاءات المهنية، والاستثمار في التربية الإعلامية، ومدّ جسور التعاون بين الجامعات ومؤسّسات الإعلام كي لا تبقى المعرفة النظرية منفصلة عن الواقع العملي.

أسئلة وأجوبةً

ختاماً، لا يدّعي هذا الكتاب تقديم حلول جاهزة بقدر ما يسعى إلى إثارة الأسئلة الكبرى التي تفرضها المرحلة الراهنة. فهو محاولة جادة لقراءة واقع الإعلام العربي في «زمن ما بعد الحقيقة»، حيث تتراجع الثقة في المصادر التقليدية، وتتضخّم سلطة الصورة، وتتزاحم الروايات على تشكيل الإدراك العام.

ومن خلال هذا الجهد الفكري، يطرح الهرقام سؤالاً مركزياً يظلّ مفتوحاً أمام المهنيين والباحثين وصنّاع القرار: كيف يمكن للإعلام العربي أن يستعيد دوره الثقافي والتنويري في عالم تهيمن عليه السرعة والربح والتأثير اللحظي؟ وكيف يستطيع أن يظلّ وفياً لمهمته الأساسية في البحث عن الحقيقة وبناء الوعي؟


زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

شعار "سناب تشات" (رويترز)
شعار "سناب تشات" (رويترز)
TT

زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

شعار "سناب تشات" (رويترز)
شعار "سناب تشات" (رويترز)

أعلن تطبيق «سناب تشات» تصاعد خدمة الاشتراكات المدفوعة، بعد تجاوز عدد مشتركيه 25 مليوناً حتى فبراير (شباط) الحالي، ما يشير إلى أن جزءاً معتبراً من جمهور المنصة «بات أكثر تقبلاً لفكرة الدفع مقابل الخدمات». ويرى مراقبون أن «هذا التحول قد يمثل فرصة لصُناع الأخبار، إذ نجحوا في تقديم محتوى يُغازل أسلوب المنصة واحتياجات جمهورها، بما يفتح المجال أمام نماذج إيراد تتجاوز الاعتماد التقليدي على الإعلانات».

كانت شركة «سناب» الأميركية، المالكة لتطبيق «سناب تشات» قد أشارت إلى أن أعمالها في مجال الإيرادات المباشرة حققت معدل إيراد سنوي قدره مليار دولار، حسب ما ورد في تقرير نشرته «رويترز» أخيراً. وأرجعت السبب إلى النمو المتسارع لخدمة الاشتراك المدفوع، وذلك في إطار مساعي الشركة لتنويع مصادر دخلها بعيداً عن الإعلانات. وتصنّف خدمة «الاشتراكات المدفوعة» من تطبيق «سناب تشات» أنها من أسرع خدمات الاشتراك الاستهلاكي نمواً عالمياً منذ إطلاقها أواخر 2022، مع نمو في عدد المشتركين كل ربع سنة، وفقاً لإفادة صدرت من الشركة.

خبراء التقتهم «الشرق الأوسط» رأوا أن الفرصة سانحة الآن لخدمات إخبارية «مستحدثة» تلبي احتياجات جمهور التطبيق الذي لا يمانع الدفع مقابل الحصول على خدمات معتبرة.

إذ قال محمد عاطف، الباحث المتخصص في الإعلام الرقمي، إن ما نشهده لا يعكس استعداداً للدفع مقابل الأخبار بصورتها التقليدية، بقدر ما يعكس استعداداً للدفع مقابل «تجربة رقمية مبتكرة». وأوضح أن «نجاح الاشتراكات في سناب تشات قائم على تقديم ميزات لها طابع شخصي وحصري، يعزّز شعور المستخدم بالانتماء والتميز، بالإضافة إلى تسعير منخفض يشجع على الدفع كعادة يومية».

وأردف عاطف أن «الجمهور الشاب لا ينظر إلى الأخبار كمنتج مدفوع، بل كخدمة متاحة دائماً، لكنه مستعد للدفع عندما يشعر أن الخدمة تضيف قيمة لحياته أو تسهل تفاعله مع العالم الرقمي». ويشير إلى أن الشباب العربي تحديداً بات هاضماً لثقافة الدفع مقابل خدمات رقمية.

وتابع أنه لا يمانع حضور «سناب تشات» كجزء من منظومة الإيرادات الخاصة بمؤسسات الأخبار، لكنه استدرك فقال: «لا يمكن أن يلعب سناب تشات دور منصة نشر تقليدية، بل قد يكون قناة توزيع واستحواذ على جمهور جديد لا يصل إلى المواقع الإخبارية عادة». ومن ثم، اقترح نماذج لاستغلال أدوات «سناب تشات»، قائلاً: «لدى التطبيق أدوات مثل سناب ماب Snap Map وديسكفر Discover التي تعد فرصاً للأخبار عبر تقديم سرد بصري سريع ومبتكر يشرح الأحداث بلغة مبسطة تتناسب مع سلوك المستخدمين داخل المنصة».

وأضاف: «الجمهور هناك لا يبحث عن الخبر العاجل، بل يفضل محتوى يفسر ويحلل ما يحدث بشكل يسهل الاندماج في يومه، وهذا يفتح فرصة واسعة للمؤسسات الإعلامية لتقديم محتوى تفسيري وتفاعلي، يمزج بين المتعة والسرعة والمعرفة».

وكان الرئيس التنفيذي لشركة «سناب»، إيفان شبيغل، قد أعلن أن «سناب» ستطلق ميزة اشتراك جديدة تتيح لصناع المحتوى تحقيق دخل متكرّر مباشرة من أكثر متابعيهم ولاءً، على أن يبدأ اختبارها في 23 فبراير (شباط) الحالي عبر مجموعة محدودة من منشئي المحتوى في الولايات المتحدة، وفق ما أوردت «رويترز» أخيراً.

أما مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات وسائل التواصل الاجتماعي، فيرى أن «الأخبار لا تزال غير حاضرة على سناب تشات... وهناك عدة أسباب لغيابها عن هذه المنصة الترفيهية، أبرزها أن الفئة العمرية الكبرى المستخدمة للتطبيق هي فئة عمرية صغيرة، إذ يشكل عمر ما بين 13 إلى 25 سنة نحو 60 في المائة من المستخدمين، وهذه الفئة إجمالاً ليس لديها اهتمام بمتابعة الأخبار العالمية أو حتى المحلية».

وأردف: «وسبب آخر هو أن غالبية المحتوى على المنصة على طريقة المؤثرين، أي يوميات مشاهير، وليست محتوى خبرياً حتى وإن كانت على طريقة صناع المحتوى، ومن ثم تغيير هذه الاهتمامات لدى جمهور سناب تشات يحتاج لأفكار شديدة الابتكار».

وأشار كيالي إلى أن «صُناع الأخبار يواجهون ميول المنصة نفسها، التي ليست لديها توجهات لدعم المحتوى الإخباري، وأظن أن المشكلة بشكل أساسي بسبب تعقيدات التعاون ومشاركة الأرباح مع الناشرين». وعدّ حضور منصات الأخبار مرهوناً بنوعية الأخبار الملاءمة لجمهور المنصة، وكذلك القوالب، و«يمكن للمؤسسات الإخبارية أن تكون موجودة من خلال الأخبار الخفيفة المتعلقة بالمشاهير أو الموضة والجمال، ومن خلال قوالب تناسب المنصة وجمهورها».


استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
TT

استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)

أعرب مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة ميتا، الأربعاء، عن أسفه لتأخر الشركة في تحديد المستخدمين القُصّر على إنستغرام، وذلك خلال جلسة محاكمة تاريخية تتعلق بالشبكات الاجتماعية واجه فيها الملياردير الأميركي انتقادات لاذعة.

وعندما طُلب منه التعليق على شكاوى من داخل الشركة تفيد بعدم بذل ما يكفي من الجهد للتحقق من عدم استخدام الأطفال دون سن 13 عاماً للمنصة، قال زوكربيرغ البالغ 41 عاما والذي يملك أيضا فيسبوك وواتساب، إن تحسينات قد أُدخلت.

وأضاف «لكنني أتمنى دائما لو كنا وصلنا إلى هذه المرحلة في وقت أقرب».

أولياء أمور أكدوا يوم المحاكمة أنهم فقدوا أطفالهم بسبب وسائل التواصل الاجتماعي (رويترز)

وكان زوكربيرغ الشاهد الأكثر ترقبا في محاكمة كاليفورنيا، وهي الأولى ضمن سلسلة دعاوى قضائية رفعتها عائلات أميركية ضد منصات التواصل الاجتماعي.

وهذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها الملياردير عن اجراءات الأمان على منصاته العالمية مباشرة وأمام هيئة محلفين وتحت القسم.

وكان زوكربيرغ، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية، متحفظا للغاية في البداية، لكن سرعان ما بدا عليه التوتر وأخذ يهز برأسه ويحرك يديه وهو يلتفت نحو هيئة المحلفين.

وضغط مارك لانيير، محامي المدعية، على زوكربيرغ بشأن اجراءات التحقق من العمر على التطبيقات.

لكن خلال استجوابه من قبل محاميه، بدا زوكربيرغ أكثر ارتياحا ووصف الوقت الذي يتم قضاؤه على التطبيق بأنه «عارض جانبي» لتجربة استخدام مميزة، وكثيرا ما خاطب المحلفين مباشرة لتأكيد وجهة نظره.

كما أكد على اعتقاده بأنه يجب على شركتي آبل وغوغل اللتين تقفان وراء أنظمة تشغيل الهواتف، تفعيل ميزة التحقق من العمر على مستوى الهاتف نفسه بدلا من تركه لكل تطبيق على حدة.

وأضاف «سيكون الأمر سهلا للغاية بالنسبة لهما».

أدلة تم تقديمها في دعوى مدنية ضد شركة ميتا خلال جلسة استماع في محكمة مقاطعة لوس أنجلوس العليا بوسط لوس أنجليس (إ.ب.أ)

وواجه زوكربيرغ سيلا من رسائل البريد الإلكتروني الداخلية، بما في ذلك تحذيرات من موظفيه بأن التحقق من العمر غير مناسب ورسائل أخرى يستشف منها أن قضاء المزيد من الوقت على انستغرام كان هدفا رئيسيا للشركة منذ فترة طويلة.

ومن المقرر أن تستمر المحاكمة حتى أواخر مارس (آذار)، حيث ستقرر هيئة المحلفين ما إذا كانت ميتا، بالإضافة إلى يوتيوب المملوكة لشركة غوغل، تتحملان مسؤولية المشاكل النفسية التي عانت منها كايلي جي. ام، وهي شابة تبلغ 20 عاما من سكان كاليفورنيا تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة منذ طفولتها.

وبدأت كايلي استخدام يوتيوب في سن السادسة وانستغرام في التاسعة ثم تيك توك وسناب شات.

ولا يُسمح لمن هم دون 13 عاما باستخدام انستغرام، وقد شدد لانيير في اسئلته لزوكربيرغ على سهولة فتح كايلي لحساب على المنصة.

وتمت مواجهة زوكربيرغ بوثيقة داخلية تقول إن انستغرام كان يملك أربعة ملايين مستخدم تحت سن 13 عاما في عام 2015، وهي الفترة التي استخدمت فيها المدعية التطبيق، وأن 30 في المائة من جميع الأطفال الذين تراوح أعمارهم بين 10 و 12 عاما أو «المراهقين» في الولايات المتحدة، كانوا مستخدمين.

وأكد زوكربيرغ «نحن في المكان المناسب الآن» عندما يتعلق الأمر بالتحقق من العمر.

ومن المتوقع أن تضع هذه القضية معيارا لحل آلاف الدعاوى القضائية التي تلقي باللوم على وسائل التواصل الاجتماعي في انتشار الاكتئاب والقلق واضطرابات الأكل والانتحار بين الشباب.

وتوصلت شركتا «تيك توك» و«سناب تشات» لتسوية مع المدعية قبل بدء المحاكمة.