أدخلت اتهامات بالتسبب في «إدمان المنصات» عمالقة التكنولوجيا في مواجهات قانونية في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ما عدّه خبراء «اتجاهاً متزايداً قد يدفع نحو تغيير نُظم عمل المنصات». وأكدوا «أهمية التربية الإعلامية باعتبار حماية الأطفال مسؤولية مشتركة».
المفوضية الأوروبية وجّهت، الأسبوع الماضي، اتهامات إلى شركة «ميتا»، مالكة منصات «فيسبوك» و«إنستغرام»، بـ«انتهاك قواعد الاتحاد عبر دفع المستخدمين للبقاء متصلين بالمنصات أطول فترة ممكنة». وطالبت «المفوضية» الشركة بإجراء تعديلات على ميزات مثل «التشغيل التلقائي للمحتوى» و«التمرير اللانهائي»، محذرة من غرامات حال عدم امتثالها للطلبات.
يأتي قرار المفوضية الأوروبية بعد سنتين من التحقيقات بشأن المحتوى الضار على المنصات، وسط تحذيرات من «أضرار نفسية» على الأطفال بسبب ما يسمى «إدمان المنصات».
ووفق بيان للمفوضية الأوروبية، فإن «(ميتا) لم تقيّم مخاطر الإدمان الناجمة عن ميزات مثل التشغيل التلقائي... ومقاطع الفيديو القصيرة قد تسهم في زيادة استخدام منصتَي (فيسبوك) و(إنستغرام)».
وفي سياق متصل، قدمت «ميتا»، وأيضاً شركة «يوتيوب»، استئنافاً، أخيراً، على الحكم الصادر في دعوى قضائية في لوس أنجليس بشأن «إدمان منصات التواصل الاجتماعي»، وطعنت بقرار «هيئة المحلفين» الذي أشار إلى أن المنصات «تعمد إلى إيقاع المستخدمين الشباب في شباك الإدمان دون مراعاة لسلامتهم».
أنس بنضريف، الصحافي المغربي المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي، قال لـ«الشرق الأوسط» في لقاء معه، إن «المنصّات تعتمد على ما يسمى باقتصاد الانتباه... فخدمات المنصات تبدو مجانية، لكن نموذج أعمالها يقوم على جمع بيانات المستخدم وبيع الإعلانات، وكلما بقي وقتاً أطول زادت الأرباح... ولهذا السبب تستخدم التمرير اللانهائي، والتشغيل التلقائي، والإشعارات والخوارزميات الشخصية».
وأضاف بنضريف أن هذا التوجه من جانب المنصات هو السبب في تزايد الدعاوى القانونية التي تواجهها الآن، والتي تتهمها بتصميم منتجات تشجع الاستخدام القهري، خصوصاً لدى الأطفال. وأشار في هذا الصدد إلى الحكم الصادر في الولايات المتحدة ضد «ميتا» و«يوتيوب» بدفع تعويض قدره ستة ملايين دولار، والذي ما زال قيد الاستئناف.
وتابع أن «هذه القضايا قد تؤدي إلى تعويضات وغرامات، لكن الأهم هو إجبار الشركات على تغيير تصميم منصاتها، وحماية بيانات الأطفال، والتحقق من العمر وتقييد الخوارزميات والإشعارات». وهذا قبل أن يوضح أن «بعض الدول بدأت بالفعل اتخاذ إجراءات؛ إذ منعت أستراليا استخدام المنصات لمن هم دون 16 سنة، في حين تتجه فرنسا إلى منعه لمن هم دون 15 سنة».
مع هذا، شدد بنضريف على أن «المواجهة تحتاج أيضاً إلى تربية إعلامية، وحدود زمنية، وإغلاق الإشعارات، ومنع الهاتف أثناء النوم والدراسة؛ لأن المسؤولية مشتركة بين الشركات والدولة والأسرة، وليست مسؤولية الطفل وحده». وللعلم، كانت شركة «ميتا» قد انتقدت قرار المفوضية الأوروبية، وقالت إن «نتائج التحقيقات لا تأخذ في الاعتبار الخطوات التي سبق اتخاذها لحماية المراهقين، ومن بينها تحديد وقت الاستخدام ومنح الآباء قدراً من التحكم في حسابات أبنائهم». وأعلنت بحسب إفادة رسمية «اعتزامها التعاون مع الجهات التنظيمية في الاتحاد الأوروبي».
من جهة ثانية، قال محمد الصاوي، المتخصص المصري في الرصد والتحليل الإعلامي، إنه «لم يعد يُنظر إلى إدمان المنصات الرقمية بوصفه مجرد قضية صحية أو اجتماعية، بل تحول إلى ملف قانوني وتنظيمي متصاعد على مستوى العالم». وأردف في حوار مع «الشرق الأوسط» بأن «مؤشرات الرصد الإعلامي خلال السنوات الأخيرة تظهر تصاعداً ملحوظاً في حجم التغطيات المرتبطة بالمساءلة القانونية لشركات التكنولوجيا، مع تركيز متزايد على آليات التصميم التي تستهدف إبقاء المستخدم متصلاً لأطول فترة ممكنة عبر خوارزميات التوصية والإشعارات المتكررة وأنظمة التفاعل المستمر».
وعدّ الصاوي ذلك بمنزلة «تحول النقاش من تأثيرات الاستخدام المفرط إلى مسؤولية المنصات نفسها في تشكيل السلوك الرقمي للمستخدمين، لا سيما مع تنامي التساؤلات حول مدى تأثير نماذج الأعمال القائمة على تعظيم التفاعل في ترسيخ أنماط الاستخدام المكثف»، ثم تابع قائلاً إن «الملاحقات الحالية قد تُسهم في إعادة صياغة العلاقة بين المنصات ومستخدميها، من خلال فرض مستويات أعلى من الشفافية حول آليات عمل الخوارزميات، وتعزيز إجراءات حماية الأطفال والمراهقين».
وقد لفت في هذا الصدد إلى أن «العامين الماضيين شهدا اتجاهاً متزايداً من الحكومات نحو تبني سياسات وإجراءات تهدف إلى الحد من التعرض المفرط للمنصات الرقمية لدى القُصّر، عبر تشديد متطلبات التحقق من العمر، وتعزيز أدوات الرقابة الأبوية، وفرض قيود على بعض الخصائص التي تشجع الاستخدام المطول...».
أيضاً شدّد الصاوي على أن «خطورة هذه القضية تكمن في أن تأثير المنصات الرقمية لا يقتصر على استهلاك الوقت أو تشتيت الانتباه، بل يمتد إلى قدرتها المتزايدة على تشكيل اهتمامات المستخدمين، وتوجيه أنماط استهلاكهم للمحتوى، خصوصاً لدى الأطفال والمراهقين الذين لا تزال قدراتهم على التقييم النقدي واتخاذ القرار قيد التطور».
ولفت إلى «تزايد المخاوف من أن تؤدي الخوارزميات القائمة على تعظيم التفاعل إلى دفع بعض الفئات العمرية تدريجياً نحو محتويات أو سلوكيات أكثر خطورة، أو إلى زيادة قابلية التأثر بالمضامين التي تعيد تشكيل القيم والاتجاهات والسلوكيات».
وأضاف: «في مواجهة هذه التحديات، يبرز مفهوم (التصميم المسؤول) كأحد أهم الاتجاهات المستقبلية في صناعة المنصات الرقمية؛ إذ يجري تطوير الخدمات بما يحقق توازناً بين تعزيز التفاعل وحماية المستخدم، من خلال أدوات إدارة وقت الاستخدام، وتقليل الإشعارات غير الضرورية، ومنح المستخدمين مستوى أعلى من التحكم في المحتوى وآليات التوصية».

