الأردن... جدلية العلاقة بين «الإخوان» والسلطة

ارتباط «الجماعة» و«جبهة العمل الإسلامي» عقّد الصلات بالدولة

تظاهرة لناشطي الحركة الإسلامية ومناصريها (رويترز)
تظاهرة لناشطي الحركة الإسلامية ومناصريها (رويترز)
TT

الأردن... جدلية العلاقة بين «الإخوان» والسلطة

تظاهرة لناشطي الحركة الإسلامية ومناصريها (رويترز)
تظاهرة لناشطي الحركة الإسلامية ومناصريها (رويترز)

بعد سنوات وعقود من «الصمت الرسمي» على تجاوزات «جماعة الإخوان المسلمين»، نفد صبر السلطات الأردنية أمام «اختراق» مهمٍّ نفذه أتباع ومنتمون للجماعة تستهدف «زعزعة» الأمن الوطني بالثلاثية المتعلقة بما بات يعرف بـ«خلية تصنيع الصواريخ والتجنيد والتدريب وتصنيع الطائرات المسيّرة». وكانت القضية المنظورة لدى محكمة أمن الدولة (قضاء عسكري مختص بقضايا الإرهاب والجرائم الاقتصادية) قد جرى الكشف عنها مع نهايات الشهر الماضي.

وُلدت «جماعة الإخوان المسلمين» في الأردن عام 1946 بصفتها جمعيّةً دعوية، وانتشر حضورها في مناطق متعددة. وكانت تبثّ خطابها الدعوي لجذب المريدين، وهو ما حصل في السنوات التي انتعشت فيها «الجماعة» بمواجهة الشيوعيين والبعثيين خلال خمسينات القرن الماضي وستيناته، ولقد لوّنت تلك التيارات الحياة السياسية في البلاد مع بداية حكم الراحل الملك الحسين بن طلال (1935 - 1999).

كان الشيوعيون والبعثيون في الأردن يطمحون إلى الاستحواذ على السلطة، مستوردين أحلامهم من تجارب شركائهم في سوريا والعراق ومصر. ووقفت تلك المرحلة على أعتاب خصومة شديدة بينهم وبين الراحل الملك الحسين، فكانت «حركة الضباط الأحرار» واحدة من محاولاتهم قبل الكشف عنهم، وهم الذين أعفى عنهم الحسين وأعادهم للخدمة. وفي ذروة نشاط «الجماعة» عام 1957 استطاع الملك الراحل توظيف «الجماعة» التي صار انتشارها الذي أصبح واسعاً، في مواجهة الخصوم المشتركين للطرفين. وبالفعل، كان لتقاطع المصالح بين الحسين و«الجماعة» فرصة لتحييد الخصوم التقليديين الذين تعرّضوا للسجن، في ظل أحكام عرفية فُرضت إبان سنوات الحكم الأولى الصعبة للحسين، لكنه اجتهد في تكتيكاته حتى تنقل بانسيابية بين المواقف والقوى السياسية.

خلفيات لا بد منها

يوم 17 من فبراير (شباط) الماضي، طرح العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني سؤالاً خلال واحد من لقاءاته الشعبية: «بعد 25 سنة ليش أغير موقفي؟... 25 سنة بقول كلا للتهجير... كلا للتوطين.. كلاّ للوطن البديل». الجملة الساخنة في كلام الملك كانت توجه اتهاماً لمجموعة لم يسمِّها عندما قال: «للأسف عندنا ناس جوّه البلد بياخدوا أوامر من الخارج... عيب عليهم».

هذه التصريحات فتحت الباب على تصعيد لأفراد الحركة الإسلامية في البلاد - ممثلة بـ«الجماعة» غير المرخّصة و«حزب جبهة العمل الإسلامي» - في شعاراتهم خلال المسيرات والوقفات الاحتجاجية التي اعتادوا تنفيذها في محيط السفارة الإسرائيلية في عمّان، أو خلال في تنظيم مسيرات بعد صلاة الجمعة أمام الجامع الحسيني في وسط عمّان.

في الذاكرة القريبة أيضاً، يوم 17 فبراير من العام الماضي تمكّن مسلحان من الوصول إلى السياج الحدودي مع الضفة الغربية؛ لتنفيذ عملية ضد دورية إسرائيلية، بينما أعلن الجيش الإسرائيلي أنه تمكَّن من «تحييد مهاجمَين عبرا من الأردن إلى الأراضي الإسرائيلية» جنوب البحر الميت وأطلقا النار على جنود. وكان لافتاً حينذاك أن حزب «جبهة العمل الإسلامي» وليس «الجماعة» فقط أعلن «مباركته للعملية البطولية» التي نفذها اثنان من شباب الحركة الإسلامية. وعلى هامش الخلفيات المهمة، كان ما قاله الناطق الرسمي للحكومة محمد المومني في اجتماع حضرته «الشرق الأوسط» في وقت سابق، بأن الخلية بدأ نشاطها في مايو (أيار) 2021.

سنوات من الاحتواء والرعاية الرسمية

في حكومة وصفي التل، الذي اغتيل في القاهرة خلال نوفمبر (تشرين الثاني) 1971 بعد نحو سنة من «أحداث سبتمبر/أيلول» 1970، عُين القيادي الإسلامي البارز الدكتور إسحاق الفرحان وزيراً للتربية والتعليم ووزيراً للأوقاف في فترتين منفصلتين. وأسندت مهمة تطوير مناهج التربية والتعليم إلى الفرحان الذي كان أنهى دراساته العليا في هذا المجال بالخارج. ومن هنا يُعتقد أن برنامج «الجماعة» الدعوي دخل ضمن الكتب المدرسية، وساعد في الأمر وجود معلمين منتسبين لها أو مقربين منها ساهموا في استكمال برنامج «تدين المناهج الدراسية».

والواقع، ليس الفرحان وحده الذي أدخل الدين بمناهج التربية والتعليم، بل كان هناك مبتعثون على حساب الحكومات الأردنية من «الجماعة» يتلقون دراساتهم المتقدمة في الولايات المتحدة. وبعد عودتهم تسلّموا مواقع متقدّمة في وزارة التربية والتعليم، من أبرزهم القيادي الدكتور عبد اللطيف عربيات، الذي ظل وكيلاً عاماّ للوزارة نحو عقد من الزمان، وهذا الموقع ضمِنَ للرجل الثاني في الوزارة استكمال خطة السيطرة على النشء من خلال الدين.

وبعد نجاح «الثورة الإيرانية» عام 1979، بدأ «الإسلام السياسي» في الأردن يستلهم من التجربة فرصة لصدارة المشهد السياسي محمولاً على أكتاف قواعده الموزّعة على مناطق المملكة، وتحديداً مراكز المدن الرئيسة الثلاث عمّان والزرقاء وإربد.

وعلى خط موازٍ، غدت وزارة الأوقاف والمقدسات الإسلامية هدفاً سهلاً للحركة، التي تمكنت من التسلل إلى منابر المساجد عبر أئمتها. ومن ثم صارت المساجد عملياً مقار للعمل التنظيمي لـ«ألجماعة» في إطار دعوي قبل أن يتطوّر إلى عمل سياسي يستقطب مُريديه في حلقات الذكر والدروس التي كانت «الجماعة» تنظّمها بعد صلاة العشاء.

العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني على منبر الأمم المتحدة (غيتي)

الترشّح للبرلمان... وما بعده

عام 1989، بعد أحداث «هبة نيسان» وإقالة حكومة زيد الرفاعي، وقرار العودة للحياة الديمقراطية، خاضت «الجماعة» انتخابات مجلس النواب الـ11 (1989 - 1993) وشكّلت كتلة وازنة في ذلك المجلس الذي حظي بثقة شعبية واسعة. وذهبت «الجماعة» في ذلك المجلس إلى منح الثقة لأول مرة والمشاركة في حكومة مضر بدران، تحت شعار «دعم الأردن للعراق في مواجهة عدوان قوى التحالف الدولي» بقيادة الولايات المتحدة.

وعام 1992 أسّس حزب «جبهة العمل الإسلامي»، وأصبح الذراع السياسية لـ«الجماعة». وبدء الكلام عن تبعية «الحزب» لـ«الجماعة»، وليس فك الارتباط بين العمل الدعوي والعمل السياسي. لكن الانقلاب في العلاقة حصل بين «الجماعة» والحكومات منذ قرار حكومة طاهر المصري - التي خلفت حكومة بدران - المشاركة في المؤتمر الدولي للسلام، الذي انعقدت أولى جلساته في العاصمة الإسبانية مدريد عام 1992، وتوقيع «الجماعة» مذكرة نيابية تدعو إلى طرح الثقة بحكومة المصري، قبل استقالة الأخير بإرادته.

من هناك، بعد إجراء انتخابات مجلس النواب الـ12 (1993 - 1997)، التي قاطعها الإسلاميون، سيطر على العلاقة بين «الجماعة» والحكومة غياب الثقة، ودخلت «الجماعة» و«الحزب» في حالة سكون إبان فترة مرض الملك الراحل الحسين، وتسلم الملك عبد الله الثاني سلطاته الدستورية.

بعدها شارك «الحزب» في انتخابات مجلس النواب الـ14 عام 2003 بعد تعطيل الحياة البرلمانية لمدة سنتين بسبب «الانتفاضة الثانية». وفعلاً فاز 16 نائباً يمثلون «الحزب» (أي جبهة العمل الإسلامي).

واستمرت علاقات المد والجزر بين الحركة الإسلامية والمؤسسات الرسمية. وبعد الدعوة إلى انتخابات مجلس النواب الـ15 عام 2007، شارك كل من «الجماعة» و«الحزب» إثر إبرام صفقات مع حكومة الرئيس معروف البخيت. لكن الانتخابات شهدت تجاوزات خطيرة، اعتبرها «الحزب» انقلاباً على ما سبق الاتفاق عليه إثر فوز 6 نواب إسلاميين فقط.

«الصقور» و«الحمائم»

تلك الفترة عرفت أصعب الانقسامات داخل الحركة الإسلامية، وتحرّر تيار «الصقور» من سطوة تيار «الحمائم»، وانتهت الأزمة بانشقاق قيادات سابقة اتهمت قيادات فاعلة باختطاف «الجماعة» و«الحزب» من قِبل «حركة المقاومة الإسلامية» (حماس)، وسيطرتها على هويتيهما بعد السعي للانقلاب على أدبيات وثوابت الحركة. وبالفعل، نتج عند ذلك انشقاق القيادي البارز ارحيل غرايبة الذي أسس حزب «المبادرة الوطنية» (زمزم)، والقيادي سالم الفلاحات الذي أسس حزب «الشراكة والإنقاذ»، وكان سبقهما القيادي عبد الرحيم العكّور الذي أسس حزب «الوسط الإسلامي».

وأدت سيطرة تيار «الصقور» المتشدّد إلى استعداء المؤسسات الرسمية والأمنية على الحركة، وانقطاع شعرة الثقة بينهما إلى أن قرّرت حكومة عبد الله النسور (2012 - 2016) قبول طلب تأسيس «جمعية الإخوان المسلمين» خلفاً لـ«جماعة الإخوان المسلمين» القائمة، وإلغاء ترخيص «الجماعة» الأم عام 2015، ليبقى حزب «جبهة العمل الإسلامي» الواجهة السياسية للتنظيم. بيد أن «الجماعة» ظلت ناشطة رغم اعتبارها غير مرخَّصة، وذلك على مرآى حكومات سابقة ومسمعها.

تاريخ فاصل في العلاقة الجدلية

يوم 23 أبريل (نيسان) الماضي أعلن وزير الداخلية مازن الفراية «الجماعة» منظمة «محظورة» في البلاد، مع اتخاذ الإجراءات اللازمة بتنفيذ حملات أمنية من أجل إغلاق مقارها ومصادرة ممتلكاتها وتجميد أصولها. ويمكن القول إن ما حصل الأربعاء قبل الماضي واحد من جملة تداعيات مُحتملة لما بعد يوم 15 من الشهر الماضي، بعد الكشف عن خلية منتمية لـ«الجماعة» سعت لتنفيذ نشاطات مسلّحة قد تهدّد أمن المملكة واستقرارها. وبدا لمراقبين أن السلطات الأردنية قد تذهب إلى ما هو أبعد من فكرة تحييد «الجماعة» المحظورة وقياداتها في الفعل السياسي على الساحة المحلية وقطع اتصالاتها مع الخارج والداخل، وخصوصاً مع بقاء باب الاحتمالات مفتوحاً على علاقة حزب «جبهة العمل الإسلامي» بالخلية، ولتلك اللحظة حساباتها المركّبة.

مصدر سياسي قال لـ«الشرق الأوسط» أخيراً «استقوت الحركة بالشارع، مستخدمة خطابها العاطفي في جذب الحشود تحت عناوين قضايا معيشية وأخرى سياسية». «لقد تلقوا تعليمات مباشرة من قيادات من حركة المقاومة الإسلامية (حماس) ... واختلطت الأمور لدى قيادات الجماعة فتحوّلوا من جماعة أردنية إلى فرع من فروع (حماس) في الخارج، لينتهي دورها الوطني عند تغيير أولويات الجماعة وأجندتها السياسية».

معاهدة السلام

مفهومٌ أن أبرز التحولات التي شهدها «الجماعة» و«الحزب» جاءت بعد مصادقة الأردن على قانون معاهدة السلام مع إسرائيل. وهو ما شكّل مِفصلاً مهماً في الانقسام على أُسس إقليمية بعد إعلان قيادات وازنة انتماءها والتزامها بتوجيهات مُرسلة يمكن حصرها فقط بـ«حماس».

وعلى فترات، توالى انشقاق عدد من القيادات البارزة. وأيضاً، على فترات متباعدة سيطرت «حماس» على قرارات «الجماعة» الأردنية. وتدخلت «حماس» فعلاً في المشهد السياسي الأردني قبل إغلاق مكاتبها في عمّان عام 1999، وبعده أيضاً، عبر «تسخين وتحشيد الجماعة والحزب ومنتسبيهما في مواجهة السلطات المحلية». ويمكن تتبع تاريخ التدخلات «الحمساوية» بعدما سيطر الفكر المتشدّد على تيار «الصقور» داخل الحركة الإسلامية. والكلام المنسوب لمصادر رسمية مطلعة يُفيد «بأن صدر السلطات الأردنية ضاق بعد استنفاد استخدام مصطلحات الاحتواء والاسترضاء والمرونة في التعامل مع قوى سياسة لم تُثبت حسن النوايا على صعيد مشاركتها السياسية في البلاد».

بعد نجاح «الثورة الإيرانية» بدأ «الإسلام السياسي» في الأردن

يستلهم من التجربة فرصة لتصدر المشهد

التوضيح الرسمي الأردني

يؤكد الموقف الرسمي الأردني حق المقاومة الفلسطينية المشروع في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، لكنه يرفض أن تكون الجبهة الشرقية لنهر الأردن منطلقاً لعمليات عسكرية ضد الاحتلال، لما يمكن أن يتسبب في إقحام الأردن بمواجهة مباشرة مع إسرائيل. ثم إن الأردن ملتزم بمعاهدة السلام، ويُصرّ بالمقابل على التزام إسرائيل. وهذا الموقف ليس جديداً، وبالأخص رفض أن يكون الأردن منطلقاً لأي عمل عسكري ضد الجوار.

وتنبَّه الرسميون لما نفذه «الحزب» و«الجماعة» خلال العقدين الأخيرين من «استعراضات استفزازية» في الشارع، وخلال سنوات «الربيع الأردني» بين أعوام (2011 - 2014) كانت مسيرات الحركة الإسلامية تستعرض بتشكيلات لعناصر مُدربة تقدّمت صفوف المحتجين، لتتفاعل جبهات إعلامية خارجية في بث الإشاعات وتبني أخبار كاذبة للتشويش على الداخل.

وتطوّرت الإجراءات الرسمية من دون الاكتفاء بحظر «الجماعة» وإغلاق مقارها في المراكز الرئيسة والمحافظات. إذ طالت أيضاً توقيف القيادي البارز في «الجماعة» أحمد الزرقان، والتحقيق معه بصفته المسؤول المالي فيها، وقد يكون هو المرجع في تحديد أصول وحسابات وممتلكات «الجماعة» في الأردن وخارجه.

تغيّر ظروف العلاقة

وهكذا، بعد عقود من «استخدام» السلطات الأردنية «الإخوان» لمواجهة تيارات سياسية مناوئة، انقلبت الأمور في السنوات الـ15 الأخيرة، إثر سيطرة «الصقور» على المواقع القيادية، ومن ثم سيطرة تيار «حماس» على قرار «الجماعة» في المملكة.

ولئن كانت الخصومة مدفوعة شكلاً بمواجهة «الصقور»، فإن الخصومة مدفوعة جوهراً بمعلومات توافرت لدى الأجهزة الأمنية عن «تبعية» إخوان الأردن لقيادات من «حماس» التي أغلقت مكاتبها في عمّان عام 1999، وهو عام تسلّم العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني سلطاته الدستورية.

واستمرت العلاقة المضطربة خلال سنوات «الربيع الأردني»، لا سيما مع أزمة المطالبة بعودة نقابة المعلمين ودور «إخوان» الأردن بتحريك احتجاجات المعلمين، الذي يعتقد أن قاعدة عريضة منهم تنتمي لـ«الجماعة» وذراعها السياسية حزب «جبهة العمل الإسلامي».

ووسط سيطرة «الجماعة» و«الحزب» على قيادة نقابة المعلمين عدداً من الدورات، صدر قرار قضائي في يوليو (تموز) 2020، قضى بـ«تعليق عمل نقابة المعلمين وإغلاق مقارها كافة لمدة سنتين، كما صدرت مذكرات استدعاء شملت النقيب وأعضاء المجلس، على خلفية قضايا منظورة لدى القضاء». ليكون حل وإغلاق نقابة المعلمين «خطوة منتظرة» قد لا يتجاوز موعدها صيف العام الحالي.

صبر رسمي أم ضعف؟

خوفاً من استحقاق مواجهة قضايا ذات اتصال بالرأي العام، غضّت الحكومتان السابقتان، أي حكومة عمر الرزّاز 2018 - 2020 وحكومة بشر الخصاونة (2020 - 2024) عن تطبيق الحكم من جهات إنفاذ القانون، متجاهلتين المسؤولية الأدبية والسياسية عن مزاجية تطبيق حكم قضائي قطعي.

وهكذا، تفجَّرت في حضن الرسميين صدمة نتائج الانتخابات الأخيرة في سبتمبر من العام الماضي، حين حصل الإسلاميون على نحو 460 ألف صوت على مستوى مقاعد الدائرة المخصّصة للأحزاب من إجمالي المقترعين البالغ عددهم نحو 1.6 مليون من أصل نحو 5 ملايين ناخب يحق لهم المشاركة في الانتخابات.

هذه النتائج تسببت بإحالة قيادات أمنية بارزة في جهاز المخابرات العامة إلى التقاعد، وكانت النتائج نفسها مدعاة لمراجعة التشريعات السياسية، بعد تعثر النسخة الأولى من برنامج التحديث السياسي في البلاد الذي انطلق بمناسبة دخول المملكة الأردنية المئوية الثانية من عمرها.

وهو ما يضع الأردن بين استحقاقين: استكمال بناء الحياة السياسية على أرضية من التعددية السياسية من خلال المزيد من الحريات، أو الاعتراف بمشكلة ضعف البنية التحتية سياسياً!


مقالات ذات صلة

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

حصاد الأسبوع «تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

بعد ساعات قليلة من توقيع الرئيسة الفنزويلية المؤقتة ديلسي رودريغيز، مع وزير النفط الأميركي كريس رايت، على الاتفاق الذي تتخلّى بموجبه فنزويلا عن 22 في المائة

شوقي الريّس (مدريد)
حصاد الأسبوع بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!

رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

مع انتهاء العطلة الصيفية، عادت الحياة تدب في شرايين السياسة الفرنسية، والأنظار تتركز، منذ اليوم، على الاستحقاق الرئاسي العام المقبل. وما بين نتائج استطلاعات

ميشال أبونجم (باريس)
حصاد الأسبوع ميلونشون (رويترز)

عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

تعترض طريق رافاييل غلوكسمان (47 سنة) لخلافة الرئيس إيمانويل ماكرون في مايو (أيار) من العام المقبل، عقبات لا يستهان بها.

«الشرق الأوسط» (باريس)
حصاد الأسبوع قناة السويس (رويترز)

مصر والصين بعد زيارة شي جينبينغ... من شراكة المشاريع إلى صناعة المستقبل

قبل زيارة الرئيس الصيني شي جينبينغ إلى القاهرة، انشغل معظم القراءات بالسؤال عمّا يمكن أن تضيفه الزيارة إلى العلاقات المصرية - الصينية. أما بعد اختتامها،

وارف قميحة
حصاد الأسبوع تهجير الفلسطينيين المتمادي لإرضاء تيار اقصى اليمين الاستيطاني (آ ف ب)

رئيس الوزراء الإسرائيلي... ما بين «شمشون الجبّار» وجرافة الـ«دي 9»

قصة شمشون الجبار تُذكر كثيراً في السنوات الثلاث الأخيرة؛ فهذه الشخصية التاريخية لبني إسرائيل، اشتهرت في الحكاية التوراتية كمَن صاحب العبارة الشهيرة


«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس
TT

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

بعد ساعات قليلة من توقيع الرئيسة الفنزويلية المؤقتة ديلسي رودريغيز، مع وزير النفط الأميركي كريس رايت، على الاتفاق الذي تتخلّى بموجبه فنزويلا عن 22 في المائة من احتياطيها النفطي، صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب من البيت الأبيض، بأن الظروف الراهنة لا تسمح بإجراء الانتخابات الموعودة في فنزويلا. rnوأضاف أنه ورودريغيز يرغبان في إجرائها «عندما تتوافر الأجواء المناسبة». في غضون ذلك، كانت تتوالى الانتقادات لهذا الاتفاق، وهو الأكبر في العالم، بما في ذلك بين أوساط المعارضة الفنزويلية التي كانت قد هللت من قبل للتدخل العسكري الأميركي الذي أطاح نيكولاس مادورو، والتي بدأ التصدّع يظهر في صفوفها بعد إصرار واشنطن على تهميشها وفتح قنوات الحوار مع النظام.

تصريحات الرئيس دونالد ترمب جاءت بعد الكشف عن بعض تفاصيل الاتفاق التي بيّنت أن سيطرة واشنطن على خُمس احتياط النفط الفنزويلي لفترة مائة سنة، ستكون عبر مساهمتها في شركة خاصة فنزويلية يملكها صديق لترمب هو المليونير أليخاندرو بيتانكور. وبالمناسبة، هذا الأخير ملاحق قضائياً في كل من سويسرا وإسبانيا بتهم تبيض الأموال.

في المقابل، أعربت أوساط المعارضة الفنزويلية عن مخاوفها من أن يشكّل هذا الاتفاق حافزاً لإبقاء الحكومة المؤقتة في السلطة، وتأجيل عملية الانتقال الديمقراطي، او حتى صرف النظر عنها كلياً.

ديلسي رودريغيز (آ فب/يونهاب)

فنزويلا ليست جاهزة للانتخابات

ترمب قال في تصريحاته حول الموضوع: «لا أعتقد أن فنزويلا جاهزة للانتخابات... إنها حكومة جديدة أنقذناها من النظام السابق ونقيم معها الآن علاقات جيدة، والرئيسة ديلسي رودريغيز تقوم بعمل ممتاز وتحظى باحترام الجميع، وهذا ما نريده».

الرئيس الأميركي امتنع أيضاً عن تحديد موعد لإجراء الانتخابات الموعودة، أو الشروط التي ينبغي أن تتوافر لإجرائها، مكتفياً بالقول إنها «قد تحصل قريباً». وبالتالي، يؤكد هذا الموقف المعلن لإدارة ترمب منذ العملية العسكرية الخاطفة التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو واقتياده إلى الولايات المتحدة لمحاكمته بتهمة الاتجار بالمخدّرات.

إذ يستند موقف واشنطن، التي تمارس عملياً الوصاية على فنزويلا، إلى «خارطة طريق» من ثلاث مراحل: إعادة بناء قطاع النفط الذي يشكّل المحرك الأساسي للاقتصاد الفنزويلي، و«تحقيق الاستقرار» (وفق واشنطن)، وبعد ذلك انتقال السلطة إلى حكومة جديدة «عبر انتخابات حرة».

وفي هذا الاتجاه، يشدّد المسؤولون عن الملف الفنزويلي في واشنطن على أن الهدف ليس إجراء الانتخابات لمجرد إجرائها، بل لكي تؤدي إلى قيام «نظام سياسي ثابت ومستقر»، عبر حوار صريح وجدّي بين الحكومة المؤقتة وممثلين عن المعارضة، من المفترض أن ينطلق أواسط الشهر الجاري. وللعلم، كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قد ردّ أخيراً على استفسار صحافي حول الانتخابات التي وعدت واشنطن بإجرائها في فنزويلا بالقول: «لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات. إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها. الاستقرار هو الذي يسمح بترسيخ هذا النظام اقتصادياً وقانونياً، وأن تكون هناك صحافة حرة، وأحزاب سياسية أُتيحت لها الظروف والوقت الكافي لتنظيم صفوفها، وأن تُجرى الانتخابات على أساس نظام قانوني يبعث على الثقة ولا يُقصي احداً».

اعتراف من المعارضة... وانتقادات بالجملة

في المقابل، تعترف المعارضة الفنزويلية ذاتها بأن المؤسّسات الفنزويلية الضامنة للنظام الديمقراطي «تعطّلت وأُفرغت من صلاحياتها» إبان الحقبة السابقة. وبناءً عليه، لا بد من إعادة بنائها قبل الانتقال إلى إجراء انتخابات حرة ونزيهة. بيد أن معظم قيادات هذه المعارضة بدأت تساورها شكوك حول نيّات واشنطن الحقيقية بعدما لمست مدى التناغم والتقارب بين إدارة ترمب والرئيسة المؤقتة التي كانت لسنوات طويلة من الركائز الأساسية في نظام مادورو، وقبله في نظام هوغو تشافيز.

الرئيس ترمب وصف الاتفاق بـ«التاريخي». وقال إنه «هديّة من الشعب الفنزويلي إلى الولايات المتحدة». وأردف أنه لن يكلّف بلاده فلساً واحداً، بل سيساعد على تجديد احتياطي النفط الأميركي الاستراتيجي الذي وصل حالياً إلى أدنى مستوياته منذ أربعة عقود.

ولكن، منذ أن بدأت ترشح المعلومات الأولى عن بنود هذا الاتفاق -الذي جرى التفاوض والموافقة عليه سرّاً- حتى سارعت جميع أطياف المشهد السياسي الفنزويلي، من أركان النظام السابق وأنصاره إلى المعارضة، إلى انتقاده بشدة لكونه يجعل من الحكومة الاميركية الشريك الرئيس في مؤسسة تسيطر على 17 من آبار النفط الفنزويلية طيلة 25 سنة قابلة للتجديد ثلاث مرات، كما أعلنت الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز.

يضاف إلى ما تقدّم، أن كل التفاصيل الأخرى في الاتفاق ما زالت طي الكتمان، سوى أنه سيجعل الاقتصاد الفنزويلي في قبضة الولايات المتحدة، وعملية الانتقال السياسي رهينة مزاج الرئيس الأميركي وحساباته السياسية الداخلية.

اقرأ أيضاً

لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات... إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها

روبيو

تطابُق مصالح مرحلي

لويس فيسنتي ليون، الخبير الاقتصادي المحاضر في جامعة كاراكاس، قال معلّقاً إن هذا الاتفاق هو «ثمرة تطابق المصالح الاميركية والفنزويلية في هذه المرحلة. فهو يفتح امام واشنطن نافذة لتجديد احتياطيها الاستراتيجي من النفط الذي وصل إلى أدنى مستوياته، بينما تواصل أسعار المحروقات ارتفاعها على أبواب استحقاق الانتخابات النصفية، فضلاً عن أن الحرب مع إيران ما زالت بعيدة عن الحسم ويرجَّح أن تطول أكثر مما كان متوقعاً. أما الحكومة الفنزويلية، فهي بحاجة ماسة إلى الموارد، وليس لديها أي هامش للمناورة مع واشنطن».

وأردف: «... والحماسة التي أبداها الرئيس الأميركي، عند إعلانه الاتفاق، تدعم مواقف الذين سبق أن ندّدوا بالعملية العسكرية التي أطاحت مادورو تحت عنوان مكافحة تجارة المخدرات، واتهامهم واشنطن بأن الهدف منها هو السيطرة على موارد النفط وليس تسهيل العودة إلى النظام الديمقراطي... التي كلفت المعارضة سنوات من النضال ومئات الضحايا وملايين المهاجرين».

وتابع فيسنتي ليون، في حوار هاتفي مع «الشرق الأوسط»، أن هذا الاتفاق «يضرّ بصورة الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية، إذ يدحض بشكل نهائي المزاعم بأن التدخل العسكري الأميركي مطلع هذا العام كان دفاعاً عن الديمقراطية في وجه نظام مستبد، ويبيّن أن سياسة واشنطن لا تقيم أي وزن للقيم والمبادئ التي تتشدّق بها».

من جهة ثانية، يرى آخرون أن شركات النفط الأميركية التي تجاوبت مع دعوة ترمب إلى الاستثمار في قطاع النفط الفنزويلي «إنما فعلت ذلك مكرهة بفعل الضغوط التي تعرّضت لها... وأنها كانت مترددة للإقدام على هذه الخطوة بسبب المخاطر التي تلمسها في بلد تحكمه رئيسة غير منتخبة، ويحتاج قطاعه النفطي إلى استثمارات ضخمة قبل أن يستعيد مستويات الإنتاج السابقة». ويبدو أن ذلك التردد هو الذي دفع الرئيس ترمب إلى اتخاذ قرار يجعل من حكومته المستثمر في هذه الصفقة، بواسطة مكتب رأس المال الاستراتيجي التابع لوزارة الحرب (البنتاغون).

ترمب (آ ف ب/غيتي)

تأثير الاتفاق على فرص ترمب

مع هذا، فإن المعارضين لهذا الاتفاق يراهنون على الانتخابات النصفية الأميركية أواسط الخريف المقبل التي يرجح كثيرون أن تكون حاسمة بالنسبة لمستقبل ترمب وخططه. فالرئيس الأميركي يعرف أن أسعار المحروقات لن تنخفض بموجب هذا الاتفاق قبل مرور فترة طويلة، لكنه يريد استخدام هذه الورقة لإطلاق وعود بأن الأنباء السارة قادمة، لا سيما أن التوقعات تشير إلى أن الجمهوريين قد يخسرون الغالبية في مجلس النواب، وربما في مجلس الشيوخ أيضاً.

المعارضة المنقسمة

في هذه الأثناء، على الجبهة الفنزويلية يشكّل هذا الاتفاق «رافعة» أساسية لتحسين الوضع الاقتصادي المتردي، وخوض الانتخابات المقبلة تحت شعاره. ولقد كان لافتاً كيف أن اركان النظام سوّقوا الاتفاق في تصريحاتهم وتغريداتهم على منصّات التواصل الاجتماعي، حتى إن نجل نيكولاس مادورو نشره على حسابه، مؤكداً أن تيّار والده سيفوز في الانتخابات المقبلة.

وحقاً، ليس مستغرباً أن يسود التفاؤل أوساط أنصار النظام بعد التصدّع الذي بدأ يظهر في صفوف المعارضة التي لم تنجح في توحيد مواقفها طيلة سنوات. إذ سارع اثنان من الأحزاب الرئيسية في المعارضة، هما «العدالة أولاً» و«الإرادة الشعبية»، إلى التجاوب مع دعوة واشنطن لاستئناف جولات التفاوض مع النظام حول الانتقال الديمقراطي، في حين كانت الأحزاب اليمينية المنضوية تحت زعامة ماريا كورينا ماتشادو، الحائزة «جائزة نوبل للسلام» والتي ما زالت واشنطن تقصيها عن الدور التي كانت موعودة به، تتكلّم عن «خيانة» الحلفاء في المعسكر المعارض.

هذا، ووعدت ماتشادو، التي ما زالت خارج فنزويلا، بأنها ستعود قريباً لتستأنف التواصل مع أنصارها، رافضةً «الاكتفاء بالفُتات الذي ربما أثمرته المفاوضات مع النظام»، الأمر الذي يؤكد أنها لم تعُد الورقة التي كانت تراهن عليها واشنطن للتغيير في فنزويلا.


رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
TT

رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!

مع انتهاء العطلة الصيفية، عادت الحياة تدب في شرايين السياسة الفرنسية، والأنظار تتركز، منذ اليوم، على الاستحقاق الرئاسي العام المقبل. وما بين نتائج استطلاعات الرأي وتموضع المرشحين الذين يزيد عددهم على الثلاثين وبرامجهم، تبدو قراءة المشهد بالغة التعقيد. وما يميزه أن هناك وجوهاً معروفة سبق لها أن ترشحت العديد من المرات مثل مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان، أو مرشح اليسار الراديكالي جان لوك ميلونشون. لكن هناك سياسيين يخوضون غمارها للمرة الأولى. هم جُدد في هذه «المهنة» رغم خبراتهم السابقة وزراء أو نواباً في البرلمان الفرنسي أو الأوروبي. وأبرز هؤلاء، في الوقت الحاضر، رافاييل غلوكسمان الذي أعلن ترشّحه أواخر الشهر الماضي ويحلم بأن يكون مرشح الحزب الاشتراكي ومرشح حزبه الصغير المسمّى «الساحة العامة».

الأمور بالنسبة للمرشح رافاييل غلوكسمان يتوقع أن تحسم في اقتراع إلكتروني لأعضاء الحزبين، الشهر المقبل. مع العلم أن غلوكسمان رغم خوضه الانتخابات الأوروبية على رأس اللائحة الاشتراكية مرتين (2019 و2024)، يجهل الفرنسيون الكثير من تفاصيل حياته. بل، ربما أكثر ما يعرفه العديد منهم أنه «رفيق درب» الصحافية ليا سلامة، ابنة وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة.

ولقد أسهمت الصور التي نشرتها «باري ماتش»، مجلة المشاهير، على غلافها أخيراً وهي تُظهر الاثنين معاً بملابس البحر خلال عطلتهما الصيفية في جزيرة كورسيكا، في تقريب السياسي والصحافي السابق من الجمهور الفرنسي. بيد أن ذلك لا يكفي؛ إذ لا يمكن فهم انخراط رافاييل في العمل السياسي خارج سيرة عائلته، وانخراط والده أندريه في معمعة الجدل الفكري والسياسي طيلة عقود طويلة.

الإرث العائلي: من الجد إلى الأب

مساء يوم 31 يناير (كانون الثاني) من العام الحالي، بثت قناة التلفزيون التابعة لمجلس الشيوخ الفرنسي فيلماً وثائقياً عن عائلة غلوكسمان بأجيالها الثلاثة التي بدأت قصتها مع الجدّ روبين غلوكسمان، المولود عام 1889، في مدينة تشرنيفستي التابعة حينذاك للإمبراطورية النمساوية ــ المجرية (قائمة حالياً في أوكرانيا)، في عائلة يهودية أشكنازية (يهود أوروبا الوسطى والشرقية)، وتواصلت مع ابنه المفكّر والفيلسوف الفرنسي الماركسي - الماوي أندريه، ثم الآن مع حفيده رافاييل.

رافاييل كان قد خاض منذ بضع سنوات الحقل السياسي، وهو اليوم مرشح للانتخابات الرئاسية الفرنسية التي ستجرىَ نهاية شهر أبريل (نيسان) وبداية شهر مايو (أيار) من العام المقبل. لكن لا بد من القول إن قصة هذه العائلة مشوّقة.

فالجد روبين، الذي تبنى لاحقاً اسم روفين غيدوني، وخدم جندياً في الجيش الإمبراطوري، هاجر في عام 1920 إلى فلسطين مع زوجته مارتا كيسلر، بعدما اعتنق كلاهما العقيدة الصهيونية عندما أصبحت بريطانيا السلطة المَنتدَبة على فلسطين عقب انهيار الخلافة العثمانية.

«تحوّل» فكري في فلسطين

الطريف في القصة أن روبين ومارتا انتميا هناك إلى الحزب الشيوعي الفلسطيني، الذي كان يضم في حينه بضع عشرات من الأعضاء. بل يمكن القول إن روبين توجّه إلى فلسطين «صهيونياً» وعاد منها «شيوعياً»؛ إذ إنه انتمى لاحقاً إلى تنظيم «الكومنترن» الذي أنشأه لينين عام 1919، وكانت مهمته بث الفكر الشيوعي عبر العالم والتعجيل باندلاع الثورة الشيوعية العالمية.

ثم، بعد فلسطين، استقر روبين مع عائلته في مدينة هامبورغ الألمانية. وهناك كان، من الناحية الرسمية، موظفاً في شركة تأمين بينما كان في الحقيقة عميلاً لـ«الكومنترن» والاستخبارات السوفياتية، يشمل إطار مهمته العديد من البلدان الأوروبية. إلا أن هذا الوضع لم يَدُم؛ لأن صعود النازية في ألمانيا دفعه إلى الانتقال إلى فرنسا عام 1935، وبالأخص بعدما علم أن الشرطة السياسية الألمانية «الغستابو» تراقبه. وفي فرنسا، رسا خياره مع زوجته على العيش في ضاحية بولوني بييانكور الواقعة على مدخل باريس الغربي. وفي هذه المدينة ولد ابنه أندريه.

من باريس إلى لندن

أيضاً، لم يبق روبين طويلاً في باريس؛ إذ انتقل منها إلى لندن في عام 1937 حيث استقر وحيداً بغطاء مهني، مديراً لشركة تجارية «فار إيسترن فور تريدينغ كومباني» تتعاطى تجارة الفرو. لكن الشرطة البريطانية ساورتها الظنون سريعاً حول طبيعة عمله، وانتهى بها الأمر إلى أن ألقت القبض عليه مرتين في عام 1940.

وفي المرة الثانية، توافرت لها معلومات موثّقة عن حقيقة مهمته عميلاً استخباراتياً لصالح الاتحاد السوفياتي فاعتقل ثم صدر أمر بترحيله إلى كندا. غير أن الباخرة التي وضع على متنها، وكانت تحمل اسم «إس إس أراندورا ستار» أصيبت يوم 2 يوليو (تموز) من العام نفسه بمقذوف غواصة ألمانية دمّرها وأغرقها على بعد 140 كلم من الشواطئ الآيرلندية، وبذا انتهت حياة جد رافاييل غلوكسمان في مياه الأطلسي.

صحافي ومنتج أفلام وثائقية

قبل أن يغوص رافاييل غلوكسمان في بحر السياسة، جرّب الصحافة والإنتاج السينمائي والكتابة. وكان ينظر إليه على أنه مثقّف وكاتب ومفكّر، وأنه سار على درب والده أندريه صاحب الثلاثين كتاباً... تدور غالبيتها حول التوتاليتارية والحرب والسلم وحقوق الإنسان. والواقع أن أندريه تنقّل ما بين الماركسية اللينينية والماركسية الماوية لينهي رحلته الفكرية والسياسية يمينياً - وأحياناً يمينياً متطرفاً - يبرّر حرب جورج بوش «الابن» على العراق، ويدعم وصول نيكولا ساركوزي إلى قصر الإليزيه.

وبالفعل، دار الكثير من الجدل حول مواقفه السياسية ومواقف أقران له من مجموعة «الفلاسفة الجدد»، مثل برنار هنري ليفي وباسكال بروكنير.

النشأة والمسيرة

ولد رافاييل غلوكسمان في عام 1979، ودرس في باريس في ثانويتين معروفتين هما «لامارتين» و«هنري4». وبعدها دخل إلى «معهد العلوم السياسية» (سيانس بو) وتخرّج فيه في عام 2003. إلا أنه لم يَسِر على درب النخبة الفرنسية التي تتوجّه عادة إلى «معهد الإدارة الوطني» (إينا)، بل انصرف سريعاً إلى العمل الصحافي. وهنا كانت بداية غلوكسمان مع صحيفة جزائرية هي «لو سوار» بالتوازي مع عمله منتجاً لأفلام وثائقية أبرزها: وثائقي بعنوان «اقتلوهم جميعاً» عن مجازر التوتسي في رواندا وعن مسؤولية فرنسا فيها، ووثائقي آخر بعنوان «الثورة البرتقالية» في أوكرانيا. وخلال سنواتٍ عمل لمجلات ثقافية منها مجلات أميركية الهوى، لا بل من تيار «المحافظين الجدد».

بعدها، في عام 2017، عيّن غلوكسمان رئيساً لتحرير «المجلة الأدبية الجديدة». وكذلك تعاون مع عدة إذاعات وقنوات تلفزيونية، الأمر الذي جعله وجهاً معروفاً لدى الفرنسيين. غير أن دخوله المعترك السياسي، مباشرة، انطلق مع تأسيس حزب «الساحة العامة» عام 2018 برئاسة مشتركة بينه وبين أورور لالوك، وكان الهدف منه توحيد اليسار الداعم للاندماج الأوروبي والوقوف بوجه حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد الذي يتزعمه جان لوك ميلونشون.

المخاض السياسي في الخارج والداخل

من جهة ثانية، تعود أول تجربة سياسية - انتخابية لغلوكسمان في فرنسا إلى عام 2019 عندما اقترح عليه الحزب الاشتراكي ترؤس لائحة مشتركة للانتخابات الأوروبية تضم الاشتراكيين و«الساحة العامة» وحزباً صغيراً آخر غير معروف اسمه «المُعطىَ الجديد». بيد أن هذه المحاولة فشلت عندما رفض «البيئويون» بتشكيلتيهم السياسيتين السير بمشروعه، وكذلك رفض الحزب الشيوعي، بينما اقتصر تجاوب الحزب الاشتراكي معه على الصعيد الانتخابي. وفي الحصيلة، أدى التحالف الانتخابي إلى انقسامات داخل الحزب الناشئ ودفع عدداً من كبار مؤسّسيه إلى الابتعاد عنه.

التجربة تجددت في انتخابات عام 2024، حين حصلت لائحة غلوكسمان على نحو 14 في المائة من الأصوات فحلت في المرتبة الثالثة. لكن قبل فرنسا، جرّب غلوكسمان السياسة في شرق أوروبا، وتحديداً في أوكرانيا وجورجيا.

ففي «عزّ» الحرب في جورجيا، سافر السياسي الطموح إلى عاصمتها تبيليسي، صيف عام 2008، ووضع نفسه في خدمة رئيسها ميكاييل سكاشفيلي ذي التوجّهات اليمينية الليبرالية الغربية، وأصبح في عام 2009 مستشاره الرسمي للشؤون الأوروبية، وكُلّف، من ثم، التفاوض مع بروكسل لانضمام جورجيا إلى النادي الأوروبي.

أيضاً لعب غلوكسمان دور الوسيط بينه وبين ساركوزي، وكذلك ساعد سكاشفيلي على كتابة خطاباته. وأكثر من ذلك، تزوّج غلوكسمان وزيرة الداخلية الجورجية إيكا زغولادزه في عام 2009 وأنجب منها صبياً اسمه ألكسندر. ولكن، بعد هزيمة سكاشفيلي في انتخابات عام 2013 الرئاسية، غادر غلوكسمان تبيليسي مع عائلته وانتقل إلى أوكرانيا، حيث انطلقت الحركة الاحتجاجية المعروفة بـ«يوروميدان»، وحيث تحمل زوجته جنسيتها، والتي عُيّنت لاحقاً نائبة لوزير الداخلية في أوكرانيا.

«مستشار» سياسي ذو تموضعات لافتة

في أوكرانيا، أصبح غلوكسمان مستشاراً للمرشح الرئاسي فيتالي كليتشكو. ومنذ سنوات، يُعدّ دعم أوكرانيا المطلق أحد أهم خياراته والتزاماته السياسية الأساسية. بالتوازي، شكّلت نتائج الانتخابات الأوروبية لعام 2024 «الرافعة» السياسية الأساسية لغلوكسمان الذي وضع لنهجه السياسي خطين عريضين: الأول مواجهة اليسار المتشدد ... والثاني مواجهة اليمين المتطرف.

وفي المعركة الرئاسية المقبلة، يجد الرجل نفسه بمواجهة جان لوك ميلونشون على تزعّم اليسار، علماً بأنه من دعاة الانفصال التام عن «فرنسا الأبيّة» ومن المروّجين لقدرة اليسار غير الميلونشوني على الفوز في الانتخابات. ولكن - كعادة غلوكسمان - لهذه «القاعدة استثناءات»؛ إذ سبق له دعم الجبهة اليسارية التي تشكلت بمناسبة الانتخابات التشريعية في عام 2024 من أجل قطع الطريق على وصول حزب «التجمع الوطني» بزعامة مارين لوبان إلى السلطة.

لكنه، في الانتخابات المحلية البلدية التي أجريت هذا العام، أعلن أنه لن يدعم أي قائمة مشتركة مع اليسار المتشدّد، على الرغم من احتمال الفشل وفوز اليمين المتطرّف في البلديات المعنيّة.

في الحقيقة، يصعب أحياناً تتبع انعطافات غلوكسمان السياسية. وحقاً، بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردّد في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات». ومع هذا، لم تمنعه هذه «الوفاة» من أن يخوض المنافسة الراهنة لتسميته مرشحاً عن الحزب «المتوفى» وعن حزبه الصغير «الساحة العامة».بالتالي، في غياب التسمية المشتركة، يفقد غلوكسمان أي أمل في الانتخابات الرئاسية العام المقبل. ومعلوم، أنه حتى اليوم، ووفق استطلاعات الرأي، يهيمن على هذه الانتخابات مرشحان رئيسان: اليمينية مارين لوبان، واليساري جان لوك ميلونشون؛ أي: ممثلَيْ التيارين اللذين يحاربهما غلوكسمان.


عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)
TT

عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)

تعترض طريق رافاييل غلوكسمان (47 سنة) لخلافة الرئيس إيمانويل ماكرون في مايو (أيار) من العام المقبل، عقبات لا يستهان بها.

غلوكسمان أعلن ترشحه لهذه الانتخابات يوم 26 أغسطس (آب) الماضي، لينضم بذلك إلى عدد كبير من المرشحين يتجاوز الثلاثين مرشحاً، يميناً ويساراً. ولكن سيتعيّن عليه اجتياز عقبة أولى تتمثّل بالانتخابات الداخلية التي ستجرى خلال الأسبوعين الأولين من الشهر المقبل للفوز بترشيح التيار الاشتراكي - الديمقراطي الممثل بالحزب الاشتراكي وبحزب «الساحة العامة» الذي أطلقه غلوكسمان في عام 2018، والحزب الآخر الصغير المسمى «اليسار الاشتراكي الجمهوري».

عددياً، المقترعون في هذه المنافسة قلة قليلة؛ إذ لا يتجاوز عديدهم 39 ألف مقترع في بلد يضم 67 مليون نسمة. ثم إن درب غلوكسمان ليس مفروشاً بالورود؛ إذ ينافسه، من الداخل، مرشحون أبرزهم: أمين عام الحزب الاشتراكي أوليفيه فور، والمرشحة الرئاسية السابقة سيغولين رويال، ويتربص به من الخارج الرئيس الاشتراكي الأسبق فرنسوا أولاند ورئيس الوزراء الأسبق برنار كازنوف.

لو بن (آ ف ب)

حتى اليوم، تبين استطلاعات الرأي أن غلوكسمان سيجتاز بنجاح العقبة الأولى. لكن بعدها عليه فرض نفسه في معسكر اليسار، حيث سيواجه المرشح العنيد جان لوك ميلونشون، زعيم حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد، والخبير في المعارك الرئاسية؛ إذ يخوض منافسته الرابعة، ولقد كاد يتأهل عام 2022 للجولة الثانية الحاسمة بحصوله على نحو 22 في المائة من الأصوات. ولليوم، تبدو حملته الأكثر ديناميكية، كما أن استطلاعات الرأي ترجّح أن يتمكّن في الربيع المقبل من «السقف الزجاجي» الذي حال دوماً دون ولوجه المنافسة النهائية.

في المقابل، تبدو مارين لوبان، ابنة جان ماري لوبان، مؤسس «الجبهة الوطنية» التي تغيّر اسمها إلى «التجمّع الوطني» ووريثته السياسية، هي الوحيدة الواثقة من تأهلها للجولة الانتخابية الثانية، وفق نتائج استطلاعات الرأي التي تمنحها ما بين 33 و35 في المائة من الأصوات في الجولة الأولى، بينما أقرب منافسيها، ميلونشون، يلهث وراءها لكنه لا يزال بعيداً عنها بما لا يقل عن 15 إلى 18 في المائة من الأصوات.

أيضاً، تبين هذه الاستطلاعات أن لوبان ستفوز بفوارق كبيرة في الجولة الثانية الحاسمة، خصوصاً إذا كان منافسها ميلونشون.

حقيقة الأمر أن الموعد الرئاسي ما زال بعيداً، والرأي العام متحول، والمعركة الانتخابية ما زالت في بداياتها. ورهان غلوكسمان، أن تستمر «حرب» مرشحي «الكتلة المركزية»، بينما يتمكن هو من تجاوز ميلونشون، وعندها يجد الناخب الفرنسي نفسه ملزماً بالاختيار بينه وبين لوبان.