الهند: جيل الشباب يهدد سردية حكومة مودي ومكانتها

«حزب الصراصير» يطرح بديلاً معارضاً وفعالاً

رجال الأمن بمواجهة التظاهرات في وسط دلهي (رويترز)
رجال الأمن بمواجهة التظاهرات في وسط دلهي (رويترز)
TT

الهند: جيل الشباب يهدد سردية حكومة مودي ومكانتها

رجال الأمن بمواجهة التظاهرات في وسط دلهي (رويترز)
رجال الأمن بمواجهة التظاهرات في وسط دلهي (رويترز)

لم تشتعل الاحتجاجات الطالبية والشبابية الأخيرة في الهند من فراغ، بل جاءت امتداداً لنهج رسمته أجزاء أخرى من جنوب آسيا على مدار السنوات الأربع الماضية. إذ تعيش منطقة جنوب آسيا، منذ بعض الوقت، تحت وطأة عاصفة سياسية عاتية وتحوّل جيلي عميق. وبرز «الجيل زد» خلالها بصفته قوة التغيير السياسية الأشد تأثيراً وفاعلية في المنطقة. وبات هذا الجيل، المولود بين عامي 1997 و2012، الذي يعاني ضغوطاً اقتصادية خانقة، يمتلك شبكة اتصالات واسعة ويجيد التنظيم الرقمي بالفطرة، ولم يعد يعتمد على الآليات السياسية التقليدية. بل صار يواجه الأنظمة الراسخة بشكل مباشر، ويفكّك الروايات الرسمية، ويفرض تغييرات مؤسسية رفيعة المستوى.

ما يربط بين أحدث انتفاضات الهند و«جاراتها» ليس آيديولوجية حزبية رسمية، بل شعور مشترك بالاختناق الاقتصادي، ونفور شديد من الفساد المستشري، وتفوق غير مسبوق في إدارة الحراك عبر الوسائط الرقمية.

إذ بدأت حركة «أراغالايا» (أو «النضال») في سريلانكا خلال مارس (آذار) 2022، حين واجه المواطنون أسوأ انهيار اقتصادي تشهده البلاد منذ استقلالها، ممثلاً في العجز عن سداد الديون السيادية، ونقص الوقود وغاز الطهي لأشهر متواصلة، وانقطاع التيار الكهربائي. وأدّت الاحتجاجات التي قادها الشباب إلى استقالة رئيس الوزراء - حينذاك - ماهيندا راجاباكسا وشقيقه وفرارهما خارج البلاد.

وفي بنغلاديش، بعد سنتين، تحديداً عام 2024، انتفض الطلاب ضد نظام حصص الوظائف المدنية الذي خصّص 30 في المائة من الوظائف الحكومية لأحفاد «مقاتلي الحرية» في «حرب الاستقلال» عام 1971. وكان يُنظر إلى هذه الخطة على نطاق واسع باعتبارها منفذاً للمحسوبية لصالح حزب «رابطة عوامي» الحاكم. ومن ثم، ما بدأ مطالبةً بالتوظيف على أساس الاستحقاق، تصاعد عبر أسابيع من المواجهات مع الشرطة والموالين للحزب الحاكم إلى انتفاضة أوسع، ضد حكم رئيسة الوزراء الشيخة حسينة واجد الذي استمر 15 سنة، لينتهي الأمر باستقالتها ومغادرتها البلاد في أغسطس (آب) 2024.

بعد ذلك، جاء دور نيبال في سبتمبر (أيلول) 2025، وشكّلت وسائل التواصل الاجتماعي الشرارة التي أشعلت الغضب، وليس اختباراً دراسياً أو حصة وظائف. إذ حظرت حكومة رئيس الوزراء كيه بي شارما أولي 26 منصة، من بينها «فيسبوك» و«إنستغرام» و«واتساب» و«إكس»، لعدم التسجيل محلياً. وعلى الإثر، اعتبر «الجيل زد» (الشبابي) النيبالي القرار هجوماً على حرية التعبير، واستحواذاً على المصدر الأساسي لرزق صنّاع المحتوى الشباب على الإنترنت. وجراء ذلك، استقالت الحكومة الحاكمة وفرّ أعضاؤها، مع تولي حكومة انتقالية زمام السلطة. ثم عندما أُجريت الانتخابات البرلمانية في مارس التالي، منح الناخبون فوزاً كاسحاً لرئيس بلدية كاتماندو الشاب، باليندرا «بالين» شاه، ليتولى رئاسة الوزراء.

للعلم، في مختلف أنحاء شبه القارة الهندية يُنظر إلى التعليم العالي واختبارات القبول باعتبارها الوسيلة الأساسية للحراك الاجتماعي والتطلع نحو الأفضل. وعليه، عندما يُساء استخدام الامتحانات الحكومية، أو حصص الخدمة المدنية، أو مسارات التوظيف، أو يُنظر إليها باعتبارها فاسدة وموجهة، ينهار العقد الاجتماعي الأساسي بين الدولة والشباب.

الهند... الساحة الأكبر والأخطر

عام 2026، تحوّلت الهند إلى ساحة لمواجهة مماثلة، هذه المرة بسبب التسريب المُمنهج لأوراق اختبار القبول الوطني للشعب الطبية، الذي تقدّم له 2.2 مليون طالب طب. وأُعيد الاختبار يوم 21 يونيو (حزيران)، وأُعلنت النتائج يوم 16 يوليو (تموز)، بينما انهمك المكتب المركزي للتحقيقات بالتحقيق في ما وصفته السلطات بشبكة تنظيمية للاحتيال في الامتحانات. وأُفيد بوفاة ما لا يقل عن 10 طلاب انتحاراً، ممن اضطروا لإعادة الاختبار.

إلا أنه سرعان ما تحوّل اختبار القبول الطبي إلى أعراض ظاهرية لخلل أكثر عمقاً؛ تسريب الامتحانات، وإلغاء اختبارات التوظيف، والوظائف الشاغرة التي تركت شاغرة عمداً، وسنوات من التحضير والتعب، التي أطاح بها الاحتيال والتأخير والفشل الإداري.

«حزب الصراصير»... وتشريح التمرد

طيلة 36 يوماً، تحوّلت ساحة جانتار مانتار في دلهي - وهي موقع الاحتجاج التاريخي في قلب العاصمة - إلى ميدان للشعارات، وقنابل الغاز المسيل للدموع، والحواجز، والإضراب عن الطعام.

ويوم 25 يوليو 2026، وصلت حالة الغضب التي استمرت 36 يوماً بسبب تسريب أوراق اختبارات القبول الطبي والتجاوزات التي ضربت الامتحانات، إلى نهاية دراماتيكية باستقالة وزير التعليم الاتحادي دارميندرا برادان. وكانت هذه الاستقالة - التي صاحبتها تعهدات حكومية بدفع تعويضات بقيمة 10 ملايين روبية لعائلات الطلاب الذين قضوا انتحاراً وسط أزمة الامتحانات، وعفو كامل عن الطلاب المحتجين - أحد أبرز التراجعات السياسية على الصعيد المحلي لإدارة ناريندرا مودي.

بدأت فصول القضية في 15 مايو (أيار) 2026، عندما أعرب رئيس المحكمة العليا في الهند، خلال جلسة استماع في المحكمة العليا بشأن التأخيرات الإجرائية في منح الشهادات القانونية، عن استيائه من كثرة الدعاوى القضائية. وأدلى بتصريحات فُسّرت على أنها تُشبِّه بعض الشباب العاطلين من «الجيل زد» عن العمل والناشطين المُثابرين بـ«الصراصير» و«طفيليات المجتمع».

لاحقاً، أوضح رئيس المحكمة العليا أن تعليقاته كانت موجهة تحديداً إلى الأفراد الذين يحملون شهادات مزوّرة، وليس إلى عامة الشباب. ومع ذلك، أثار كلامه حفيظة جيل يُعاني من ارتفاع معدلات البطالة، والتأخيرات المُمنهجة في الامتحانات.

وفي اليوم التالي، 16 مايو، نشر أبهيجيت ديبكي (30 سنة) وهو خبير استراتيجي بمجال الاتصالات السياسية مقيم في الولايات المتحدة، وكان قد عمل سابقاً مع حزب «عام آدمي» خلال فترة حكمه، التي امتدت لعقد في دلهي، سؤالاً على منصة «إكس» من 6 كلمات: «ماذا لو اجتمعت كل الصراصير معاً؟». وفي اليوم نفسه، جرى إطلاق «حزب شعب الصراصير» (CJP).

«الصراصير» حقيقة سياسية

في غضون الأسبوع الأول من إطلاقه، كسبت صفحة «حزب شعب الصراصير» على «إنستغرام» عشرات الملايين من المتابعين، متجاوزةً بذلك الانتشار الرقمي للأحزاب الوطنية الرئيسة. وعندما أصدرت الحكومة المركزية مطالبات قانونية بتقييد حساب الحزب الرسمي على منصة «إكس» داخل الهند، تحوّلت الحركة بسهولة إلى نشر مقاطع فيديو قصيرة على «إنستغرام» وقنوات «تلغرام» ومجموعات «واتساب» المشفّرة، في استعراضٍ لمرونة رقمية فاجأت أجهزة الأمن الحكومية.

ديبكي عاد إلى الهند يوم 6 يونيو، وقاد أول مسيرة ميدانية للحزب في جانتار مانتار، مطالباً مجدداً باستقالة وزير التعليم على خلفية تسريب الامتحانات. وبعدما لم يتجاوز عدد الحضور حينها 2000 شخص، فبحلول يوليو، امتلأت ساحة الاحتجاج بالمتظاهرين الشباب.

أيضاً، دخل سونام وانغتشوك، التربوي والمهندس المقيم في إقليم لاداخ، أقصى شمال شرقي الهند، الذي وصف نفسه بـ«صرصار فخري»، في إضراب عن الطعام لمدة 18 يوماً. ونقلته شرطة دلهي إلى المستشفى يوم 18 يوليو، من موقع الاحتجاج بسيارة إسعاف، ما دفع أنصاره للمطالبة بالإفراج عنه.

وأدى دخوله المستشفى إلى زيادة حشود المتظاهرين في مسيرة نحو البرلمان يوم 20 يوليو، مع انضمام أكثر من 10 آلاف شخص، متجاوزين بذلك توقعات المنظمين. وكان نائب مفوض شرطة دلهي، ساشين شارما، قد حذّر مسبقاً من أن «موقع الاحتجاج امتلأ عن آخره، وهذا قد يؤدي إلى وضع غير مرغوب فيه». وردّت الشرطة على المتظاهرين باستخدام الغاز المسيل للدموع والهراوات والعصي، وأغلقت مخارج مترو الأنفاق. وأعلنت شرطة دلهي أن 60 متظاهراً، على الأقل، أصيبوا في ذلك اليوم.

المتظاهرون طالبوا بالمساءلة عن التقصير، واستقالة وزير التعليم الاتحادي، دارميندرا برادان، وتحقيق العدالة للطلاب الذين شعروا أن النظام، الذي من المفترض أن يخدمهم، خان ثقتهم.

ووفق وانغتشوك: «تمثل احتجاجات امتحان القبول الطبي، التي استمرت 36 يوماً في يوليو 2026، لحظة فارقة في التاريخ السياسي الهندي المعاصر؛ فمن خلال الجمع بين السخرية الرقمية والعمل الميداني، أثبت حزب (صراصير الشعب) أنه عندما يتحد الشباب حول مظالم مشتركة، فإنه حتى الهياكل السياسية الراسخة تضطر لأن تستجيب».

قانون أشد صرامة لمنع تسريب الوثائق

في أعقاب الاحتجاجات، تحرّكت الحكومة الاتحادية. ويوم 27 يوليو 2026، قدّمت مشروع قانون تعديل قانون الامتحانات العامة (منع الوسائل غير المشروعة) لعام 2026 إلى مجلس النواب، بهدف تعزيز قانون الامتحانات العامة (منع الوسائل غير المشروعة) لعام 2024، وهو أول قانون هندي مخصص لمكافحة التلاعب في امتحانات التوظيف والقبول. إلا أن التعديل الجديد شدّد العقوبات كثيراً، وأنشأ محاكم خاصة سريعة لضمان سرعة المحاكمات والاستئنافات.

وذكر بيان حكومي أن هدف التعديل المتشدد استعادة «الشفافية والنزاهة والمصداقية» للامتحانات العامة، بعد سلسلة من التسريبات وفضائح الغش التي بلغت ذروتها في جدل امتحان القبول الطبي.

«حزب صراصير الشعب» في تحدٍ مباشر لمودي

الواقع أنه، على مدار سنوات، واجهت أحزاب المعارضة التقليدية صعوبة في تشكيل تحديات مستدامة لقوة تنظيم حزب «بهاراتيا جاناتا» القومي اليميني الحاكم. لكن «حزب صراصير الشعب» أثبت أن الحملات القائمة على القضايا الحياتية، وتتجاوز الآيديولوجيات، لتركز اهتمامها على إخفاقات الحوكمة الملموسة، كتسريب الامتحانات والمساءلة الإدارية، يمكن أن تحقق نتائج سياسية ملموسة. وهذا نموذج يقول علماء السياسة إنه قد يُلهم جبهات شبابية مماثلة تتمحور حول قضية واحدة في جميع أنحاء الهند.

ما يربط بين أحدث انتفاضات الهند و«جاراتها» ليس آيديولوجية حزبية،

بل شعور مشترك بالاختناق الاقتصادي، ونفور شديد من الفساد

هنا يوضح أستاذ العلوم السياسية، أشوك موهاراي، أنه «نشأ كثير من المتظاهرين الشباب الذين تجمعوا في جانتار مانتار في ظل حكم مودي، أي في فترة اتسمت بوعود واسعة النطاق بتحقيق العظمة القومية والازدهار الاقتصادي وتجديد الفخر الوطني. اليوم، لا تزال الهند من بين أسرع الاقتصادات الكبرى نمواً في العالم. وضخّت حكومة مودي، بالفعل، موارد ضخمة في البنية التحتية والتكنولوجيا والتصنيع على مدى 3 ولايات. ومع ذلك، ومثلما دفع الكثير من المتظاهرين، فإن هذا النمو المعلن لم يُترجم إلى فرص حقيقية للجيل الذي وُعد به».

تضرر صورة مودي

وبالفعل، يصف محللون الأحداث الأخيرة بأنها أخطر أزمة سياسية داخلية شهدتها ولاية مودي الثالثة؛ موجة غضب عارم إزاء تصرفات وزير واحد، وتطورت إلى ما يشبه استفتاءً على سلطة رئيس الوزراء نفسه. ويشرح روهيت تشوبرا، أستاذ الاتصالات في جامعة سانتا كلارا والباحث الزائر في مركز جنوب آسيا بجامعة ستانفورد، لبرنامج «بي بي إس نيوز آور»، أن «الهالة المحيطة بمودي قد أصابها ضرر لا يمكن إصلاحه، بغضّ النظر عن النتيجة»، مشيراً إلى سخرية الحركة العلنية منه، على نحو لم تعتده الهند، عبر موسيقى الراب والشعر و«الميمات».

من جهته، صرّح ديبكي، أمام حشد من الصحافيين بعد حملة القمع في 20 يوليو، بأنه لا يعتبر مودي رئيس وزراء شرعياً، بل هو ديكتاتور. ولاحظت الكاتبة أرونداتي روي، الحائزة على جائزة «بوكر»، التي أبدت دعمها المبكر لـ«الصراصير»، أن المظالم انتقلت من وزير التعليم إلى مواجهة مباشرة مع مودي، واصفة إياها بأنها احتجاج نادر وواسع النطاق على «التآكل الديمقراطي في ظل إدارته».

ولم تقتصر الخسائر في السمعة على داخل الهند؛ إذ نقلت وسائل إعلام دولية، مثل: «أ.ف.ب»، و«رويترز»، و«بي بي سي»، و«سي إن إن»، بتغطية واسعة النطاق، استخدام الغاز المسيل للدموع والهراوات، وناقضت الرواية الحكومية المفضلة حول الكفاءة الرقمية. وأفادت المحللة ريما بهاتاشاريا «أن المشاركة في الاحتجاجات الوطنية تضاعفت أكثر من مرتين خلال العام. الأمر الذي يدحض الرواية التي تُقدّمها الحكومة للمستثمرين».

وحقاً، عبر تبنيهم وصف «الصراصير»، تمكّن متظاهرو «الجيل زد» الشبابي من تحييد أساليب الحزب الحاكم المعتادة في وصم المعارضة بالخيانة، بينما ساعدتهم الصور الساخرة ومقاطع الفيديو القصيرة على تجاوز حسابات الحزب الرسمية. في هذا الإطار، عبّر الناشط الاجتماعي يوجيندر ياداف عن اعتقاده بأن الحركة حطّمت سمعة الحكومة في رفضها الخضوع للضغوط، وحوّلت جهود مودي للتواصل مع الشعب إلى «مثار سخرية عامة»، وسطّرت نهاية «مناخ عام من الخوف دام طيلة عقد».أيضاً، أبرزت الانتفاضة أزمة التعليم في الهند عالمياً، ما أثار حالة من التدقيق من قبل وكالات التصنيف الائتماني بشأن جاهزية الهند باعتبارها بديلاً للصين في سوق العمل، في حين نظّمت جماعات المغتربين، التي حفّزتها علاقات ديبكي بجامعة بوسطن، احتجاجات تضامنية أمام القنصليات الهندية في نيويورك ولندن وتورنتو.

 

احتفالات باستقالة وزير التربية تحت ضغط "الصراصير" الشباب (رويترز)

المؤسسة الأمنية الهندية تشك بـ«التدخل الأجنبي»

> رغم تعاطف الرأي العام الواسع معها، أصبحت حركة «الصراصير» موضع شك داخل المؤسسة الأمنية الهندية. وأفادت تقارير بأنَّ أجهزة الاستخبارات والأمن الهندية أبدت قلقها من أن تكون الحركة أداةً لإثارة اضطرابات وقلاقل بدعم أجنبي، مشيرة إلى أوجه تشابه مع الانتفاضات في بنغلاديش ونيبال. الاستخبارات ترى في هذه «المخاوف» منطلقاً لتحرك حكومي يفرض قيوداً على حساب حركة «الصراصير». إذ أشار مسؤولون يُحققون في النمو السريع للشبكة إلى قنوات على تطبيق «تلغرام» مرتبطة بالحركة، والتي يُزعم أنها كانت موجودة تحت أسماء أخرى لسنوات قبل أن تُغير اسمها إلى حركة «الصراصير». وزُعم أن بعض الأعضاء الأوائل كانوا يستخدمون أسماء ذات طابع أجنبي، وحسابات يُزعم أنها تعود إلى دول أجنبية. كذلك، أصبح التمويل الضخم الذي تلقته الاحتجاجات، على شكل طلبات طعام عبر الإنترنت من مواقع أجنبية، وأدوية، ومياه معبأة، وملابس، وتذاكر طيران وقطارات وسيارات أجرة محلية، وغيرها، موضع تحقيق. في المقابل، تنفي الحركة هذه الادعاءات، وتعدَّها محاولةً من جانب المؤسسة الحاكمة لتشويه سمعة احتجاج عفوي محلي، عبر تصويره على أنه مؤامرة «دولة عميقة»، بدلاً من مواجهة مظالمه الأساسية. ويذكر أن هذا الأسلوب الخطابي استخدمه «بهاراتيا جاناتا» في سياقات أخرى، بما في ذلك اتهامات سابقة بأن «الدولة العميقة» الأميركية والمنظمات غير الحكومية الدولية تعمل على زعزعة استقرار حكومة مودي.


مقالات ذات صلة

كيف تبدّلت قواعد الاشتباك بين إسرائيل و«حزب الله»؟

حصاد الأسبوع صورة ارشيفية لمركبات تابعة لقوات الـ"يونيفيل" قرب موقع للاحتلال الإسرائيلي بمنطقة كفرشوبا في أقصى جنوب شرقي لبنان (آ ف ب)

كيف تبدّلت قواعد الاشتباك بين إسرائيل و«حزب الله»؟

شهدت الحدود اللبنانية - الإسرائيلية خلال العقدين الماضيين تحوّلاً جذرياً في طبيعة المواجهة بين إسرائيل و«حزب الله». فما أفرزته حرب يوليو (تموز) 2006

«الشرق الأوسط» (بيروت)
حصاد الأسبوع جيمس تالاريكو

جيمس تالاريكو... يأمل في إنهاء إبعاد «ديمقراطيي» تكساس عن مجلس الشيوخ

في ولاية تكساس الأميركية، حيث يمكن لصورة السياسي وهو يأكل اللحم المشوي أن تصبح بياناً انتخابياً، وجد جيمس تالاريكو نفسه مضطراً إلى تأكيد أنه ليس نباتياً.

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع السناتور جون تاور (غيتي)

كيف تحولت تكساس جمهورية... وأين تتركز قوة الحزبين؟

كانت تكساس في الماضي، مثل معظم الجنوب، معقلاً حصيناً للحزب الديمقراطي. وفي حينه جمع الحزب محافظين وليبراليين تحت سقف واحد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
حصاد الأسبوع لولا (إيبا)

لولا يخوض الانتخابات في وجه «منظمات الإجرام» واليمين المدعوم أميركياً

في الرابع من أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، سيحاول الرئيس البرازيلي لويس إيغناسيو لولا تجديد ولايته الرئاسية، لتكون الرابعة غير المتتالية، في مواجهة شبه مصيرية

شوقي الريس (مدريد)
حصاد الأسبوع 
من لقاء بولس مع الدبيبة في طرابلس وبدا حاضراً وكيل وزارة الدفاع الفريق عبد السلام الزوبي (وكالة الأنباء الليبية)

ليبيا على وقع الأزمات المتشابكة... بانتظار «قطار التسوية»

باستثناء اختراق في المسار العسكري بين شرق ليبيا وغربها - برعاية أميركية - لا يزال الملف السياسي يراوح مكانه، وكأنه «رهينة» في أيدي ساسة البلاد.

جمال جوهر (القاهرة)

كيف تبدّلت قواعد الاشتباك بين إسرائيل و«حزب الله»؟

صورة ارشيفية لمركبات تابعة لقوات الـ"يونيفيل" قرب موقع للاحتلال الإسرائيلي بمنطقة كفرشوبا في أقصى جنوب شرقي لبنان (آ ف ب)
صورة ارشيفية لمركبات تابعة لقوات الـ"يونيفيل" قرب موقع للاحتلال الإسرائيلي بمنطقة كفرشوبا في أقصى جنوب شرقي لبنان (آ ف ب)
TT

كيف تبدّلت قواعد الاشتباك بين إسرائيل و«حزب الله»؟

صورة ارشيفية لمركبات تابعة لقوات الـ"يونيفيل" قرب موقع للاحتلال الإسرائيلي بمنطقة كفرشوبا في أقصى جنوب شرقي لبنان (آ ف ب)
صورة ارشيفية لمركبات تابعة لقوات الـ"يونيفيل" قرب موقع للاحتلال الإسرائيلي بمنطقة كفرشوبا في أقصى جنوب شرقي لبنان (آ ف ب)

شهدت الحدود اللبنانية - الإسرائيلية خلال العقدين الماضيين تحوّلاً جذرياً في طبيعة المواجهة بين إسرائيل و«حزب الله». فما أفرزته حرب يوليو (تموز) 2006 من «قواعد اشتباك» غير مكتوبة نجحت في ضبط إيقاع الصراع طوال نحو 17 سنةً، يبدو أنه انهار مع الحرب الأخيرة، التي أعادت رسم البيئة العملياتية على الجبهة الجنوبية، وفرضت معادلات جديدة تقوم على المنطقة العازلة، والسيطرة بالنار، والضربات الاستباقية، وحرية العمل العسكري الإسرائيلي. وبين حربين تفصل بينهما 20 سنة، لا تقتصر المقارنة على تطوّر الأسلحة أو تبدّل موازين القوى، بل تمتد إلى العقيدة العسكرية التي حكمت الصراع. ففي حين قامت قواعد ما بعد عام 2006 على الردع المتبادل ورفع كلفة الحرب على الطرفين، أفرزت «حرب 2026» نموذجاً مختلفاً، تسعى إسرائيل من خلاله إلى تعطيل قدرات «حزب الله» قبل استخدامها، مستفيدة من التفوّق الاستخباراتي والتكنولوجي، ومن الانتقال من رد الفعل إلى المبادرة العسكرية.

لا يقتصر التحوّل في الوضع العسكري بين لبنان وإسرائيل على الأدوات العسكرية، بل يشمل أيضاً فلسفة إدارة الصراع؛ إذ بعدما كان الهدف الأساسي خلال السنوات التي أعقبت «حرب 2006» منع انزلاق الجبهة إلى مواجهة واسعة، أصبحت المواجهة اليوم تُدار وفق قواعد مختلفة تقوم على المبادرة والضربات الاستباقية، ومحاولة فرض الوقائع الميدانية قبل أن تتحول إلى تهديد.

قواعد 2006... كيف وُلدت؟

لفهم طبيعة التحول الذي شهدته الجبهة الجنوبية، يرى اللواء الركن المتقاعد الدكتور عبد الرحمن شحيتلي أن العودة إلى حرب يوليو (تموز) 2006 وحدها لا تكفي؛ لأن جذور قواعد الاشتباك تعود إلى تفاهم أبريل (نيسان) 1996 الذي أعقب عملية «عناقيد الغضب». قال شحيتلي لـ«الشرق الأوسط» شارحاً إن «الاستهداف كان يقتصر على العسكريين، وإذا جرى استهداف المدنيين من أحد الطرفين كان يُقابَل باستهداف مماثل للمدنيين من الطرف الآخر».

وأردف أن هذه القواعد «تكرّست بصورة أوضح بعد حرب 2006؛ إذ أصبحت عمليات (حزب الله) العسكرية محصورة بالمناطق المحتلة، ولا سيما مزارع شبعا، بينما كان الرد على عمليات الاغتيال الإسرائيلية يجري غالباً ضمن هذا الإطار، بما يمنع الانزلاق إلى حرب شاملة».

شحيتلي أوضح أيضاً «أن مرحلة ما بعد حرب 2006 لم تكن مرحلة سلام، بل مرحلة إدارة دقيقة للصراع. فالحزب التزم بما نص عليه القرار 1701 لناحية سحب أسلحته الثقيلة والصاروخية من جنوب الليطاني، فيما بدأ الطرفان، الإسرائيلي و(حزب الله)، مباشرة التحضير للمواجهة التالية».

وتابع: «إسرائيل كانت تتحضر للحرب المقبلة، وكذلك الحزب، وكان كل طرف يراقب تحركات الآخر. الإسرائيليون كانوا يتحدثون عن إنشاء تحصينات أو رصد أعمال ميدانية للحزب، فيما كان لبنان يعتبر أن كل ما يجري داخل أراضيه يدخل ضمن الإجراءات الدفاعية ولا يبرر أي تدخل إسرائيلي». ومن ثم «خلال تلك المرحلة، تشكلت منظومة ردع غير معلنة، قوامها أن أي تصعيد واسع سيقود إلى رد واسع، وهو ما أفرز معادلات مثل (بيروت مقابل تل أبيب) و«الضاحية مقابل حيفا). ولم تكن هذه المعادلات تعني تكافؤاً في القدرات العسكرية، بقدر ما كانت تعكس تكافؤاً في كلفة الحرب؛ إذ امتلك كل طرف القدرة على إلحاق أضرار يصعب على الطرف الآخر تحملها سياسياً وعسكرياً».

وهنا يلفت اللواء شحيتلي إلى أن «قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) لعبت خلال تلك المرحلة دوراً محورياً في منع التصعيد... وأي حادث ميداني، مهما كان محدوداً، كان يُعالج عبر قنوات الارتباط بين الجيش اللبناني و(اليونيفيل) والجيش الإسرائيلي، مع تدخلات أميركية حالت دون تحول الحوادث الموضعية إلى حرب واسعة». ويستطرد، من ثم، ليشير إلى أن هذه المنظومة بقيت تحكم الحدود لسنوات طويلة، إلى أن بدأت تتآكل تدريجياً مع تبدل البيئة الإقليمية والعسكرية، قبل أن تصل إلى نقطة الانهيار مع الحرب الأخيرة، التي لم تغيّر حجم العمليات العسكرية فقط، بل غيّرت أيضاً طبيعة قواعد الاشتباك التي استقرت منذ عام 2006.

لماذا انهارت قواعد الاشتباك التي كرّستها حرب 2006؟

إذا كانت قواعد الاشتباك التي أرستها حرب يوليو (تموز) 2006 قد نجحت في ضبط المواجهة على مدى سنوات طويلة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: ما الذي أدى إلى انهيارها؟

العميد الركن المتقاعد بهاء حلّال قال، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، إن الإجابة لا ترتبط بنتيجة الحرب الأخيرة وحدها، بل بمجموعة تحوّلات استراتيجية وعسكرية تراكمت تدريجياً، قبل أن تبلغ ذروتها مع الحرب التي أعقبت السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، والتي أفرزت بيئة عملياتية تختلف جذرياً عن تلك التي سادت بعد عام 2006.

وبحسب حلّال: «حرب 2006 أفرزت منظومة ردع متبادل استندت إلى أربعة مرتكزات أساسية، هي: الردع المتبادل، ومعادلة بيروت مقابل تل أبيب، ومعادلة الضاحية مقابل حيفا، إضافة إلى احترام نسبي للقرار 1701 الذي أبقى الحدود البرية مستقرة نسبياً رغم الخروقات الجوية الإسرائيلية».

وأوضح أن «معادلة بيروت مقابل تل أبيب كرّست توازناً يقوم على أن أي استهداف واسع للعاصمة اللبنانية قد يقابله استهداف للعمق الإسرائيلي، بما فيه تل أبيب، فيما قامت معادلة الضاحية مقابل حيفا على أن أي تدمير واسع للضاحية الجنوبية سيُقابل باستهداف المدن الإسرائيلية الكبرى، وفي مقدمها حيفا، الأمر الذي رفع كلفة أي تصعيد وجعل الطرفين أكثر حذراً في استخدام القوة».

ثم شرح أن «إسرائيل كانت تمتلك التفوق الجوي والاستخباراتي، فيما امتلك (حزب الله) قدرة صاروخية قادرة على ضرب العمق الإسرائيلي، ما جعل كلفة الحرب مرتفعة على الطرفين، ورسّخ معادلات ردع حالت دون اندلاع مواجهة واسعة لسنوات».

لبنان: 5 قواعد رئيسة تحكم البيئة العملياتية التي نشأت بعد الحرب الأخيرة

ووفق حلال، هذه المنظومة لم تسقط بفعل عامل واحد، بل نتيجة «خمسة متغيرات استراتيجية رئيسة، هي: تغير البيئة الإقليمية بعد هجوم السابع من أكتوبر، ودخول الجبهة اللبنانية في حرب استنزاف طويلة، واتساع استخدام المسيّرات الدقيقة، والتطوّر غير المسبوق في القدرات الاستخباراتية الإسرائيلية، إضافة إلى تراجع فاعلية الردع التقليدي مع استمرار العمليات العسكرية لفترات طويلة».

واستطرد مشدداً على أن «هذه المتغيرات لم تبدّل شكل العمليات العسكرية فقط، بل غيّرت أيضاً فلسفة إدارة الصراع. فبدلاً من أن يكون الردع المتبادل هو الآلية الأساسية لمنع الحرب، أصبحت الأولوية لدى إسرائيل تتمثّل في منع تشكل التهديد أصلاً، من خلال المراقبة المستمرة، والاستهداف المسبق، وحرمان الخصم من إعادة بناء قدراته».

وهنا حدّد حلّال خمس قواعد رئيسة تحكم البيئة العملياتية التي نشأت بعد الحرب الأخيرة؛ إذ قال إن «القاعدة الأولى تتمثل في إنشاء منطقة عازلة بالنار، بحيث لم تعد إسرائيل تعتمد فقط على وجود قواتها على الحدود، بل على الاستطلاع الدائم والمسيّرات والضربات الجوية والاغتيالات لمنع إعادة بناء البنية العسكرية، وهكذا أصبحت المنطقة العازلة منطقة نارية أكثر منها منطقة احتلال».

أما القاعدة الثانية، وفق حلاّل، فهي «توسيع حرية العمل الإسرائيلي داخل لبنان بهدف منع تراكم القدرات العسكرية قبل استخدامها... أي الانتقال من رد الفعل إلى الفعل الاستباقي».

وأما القاعدة الثالثة «فتقوم على السيطرة بالنار عبر الاستطلاع المستمر ثم اكتشاف الأهداف واستهدافها فوراً، بما يعني الانتقال من الردع إلى الهيمنة العملياتية بالنار». ثم استأنف كلامه ليقول إن «القاعدة الرابعة تقوم على الضربات الاستباقية؛ إذ لم يعد العمل العسكري ينتظر وقوع التهديد، بل أصبح التهديد المحتمل مبرراً كافياً لتنفيذ الضربة. وأخيراً... تتمثل القاعدة الخامسة في اعتماد ردود موضعية وتكتيكية محدودة واحتواء سريع للتصعيد، بدلاً من الردود الاستراتيجية الواسعة التي كانت سائدة بعد حرب 2006».وهكذا، يعتبر حلّال أن التحول العملياتي الأبرز يتمثل في انتقال مركز الثقل «من توازن القوة إلى توازن المعلومات، حيث أصبحت الاستخبارات وسرعة كشف الأهداف العامل الحاسم، كما انتقلت المبادرة العملياتية بدرجة أكبر إلى الطرف القادر على فرض إيقاع الاشتباك من خلال الضربات الاستباقية والسيطرة على المجال الجوي»، ويؤكد أن «الردع لم يعد قائماً فقط على التهديد بتدمير المدن، بل بات يعتمد بصورة متزايدة على تعطيل القدرات العسكرية للطرف المقابل قبل استخدامها، وهو ما يقترب من مفهوم الردع بالحرمان إلى جانب الردع بالعقاب».

ومن هنا، فإن الفارق الجوهري، بحسب العميد والمحلل العسكري اللبناني، بين مرحلتي 2006 و2026، يتمثل في أن قواعد الاشتباك السابقة كانت تهدف إلى منع الحرب عبر رفع كلفتها على الطرفين، بينما تقوم القواعد الحالية على إدارة التصعيد بصورة مستمرة، وفرض السيطرة بالنار، والمحافظة على حرية العمل العسكري، مع السعي إلى منع الخصم من استعادة قدراته قبل أن تتحول إلى تهديد فعلي.

من الردع المتبادل إلى قواعد جديدة

في صعيد موازٍ، إذا كان انهيار قواعد الاشتباك التي كرستها حرب يوليو 2006 يفسّر التحوّل الذي شهدته الجبهة اللبنانية - الإسرائيلية، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: ما القواعد التي تحكم المواجهة اليوم؟

عن هذا السؤال، أجاب العميد الركن المتقاعد فادي داود بـ«أن الحرب الأخيرة لم تبدّل قواعد الاشتباك فحسب، بل غيّرت طبيعة الحرب نفسها، بعدما انتقلت إسرائيل من سياسة تقوم على الردع المتبادل إلى استراتيجية تهدف إلى فرض قواعدها الميدانية مستندة إلى تفوقها العسكري والتكنولوجي».

وأضاف داود في حوار مع «الشرق الأوسط» أن «قواعد الاشتباك التي سادت بين إسرائيل و(حزب الله) بعد حرب يوليو 2006 لم تعد قائمة... والمواجهة دخلت عام 2026 مرحلة مختلفة كلياً، تقوم على تفوّق عسكري إسرائيلي يسمح بفرض قواعد ميدانية جديدة، بعدما كانت العلاقة سابقاً تستند إلى ردع متبادل يفرض قيوداً على الطرفين». وتابع أن معادلة عام 2006 كانت تقوم على مبدأ «بيروت مقابل تل أبيب»، بحيث كان أي استهداف إسرائيلي للبنان يقابله استهداف من «حزب الله» للعمق الإسرائيلي، ما أوجد مستوى من الردع المتبادل؛ إذ امتلك الحزب منظومة صاروخية قادرة على تهديد شمال إسرائيل، فيما كانت إسرائيل تتردد في تنفيذ اجتياحات برية واسعة خشية الاستنزاف والخسائر. غير أن هذه المعادلة تبدلت جذرياً؛ إذ لم تعد قواعد اللعبة قائمة على تفاهم غير مباشر بين طرفين يمتلك كل منهما القدرة على إيلام الآخر، «بل باتت إسرائيل تفرض قواعد الاشتباك مستندة إلى تفوقها العسكري الكاسح، في حين يسعى الطرف المقابل إلى تجنب الانهيار الكامل والمحافظة على ما تبقى من قدراته».

تحولات رئيسة

وبالنسبة للتحوّلات، فثمة خمسة تحولات، حسب رأي داود، هي:

1 - الانتقال من الردع المتبادل إلى السيطرة بالنار؛ إذ إن إسرائيل لم تعد بحاجة إلى احتلال المناطق ميدانياً لإخضاعها، بل تعتمد بصورة متزايدة على القوة النارية، ولا سيما سلاح الجو، لتدمير المواقع وفرض السيطرة عليها من دون وجود بري دائم.

2 - انتهاء مرحلة اللاحرب واللاسلم التي استمرت سنوات بعد حرب 2006، لتحل محلها مرحلة تقوم على الضربات الاستباقية في العمق، بحيث أصبحت إسرائيل تعتمد سياسة المبادرة العسكرية المستمرة بدلاً من الاكتفاء بالرد على الهجمات، وتسعى إلى تعطيل مصادر التهديد قبل أن تتحول إلى خطر مباشر.

3 - الانتقال من المواجهة التقليدية المتكافئة نسبياً إلى الحرب غير المتماثلة... ذلك أن الاشتباكات في السابق كانت تقوم على عمليات خاصة متبادلة، سواء عبر تسلل مجموعات أو تنفيذ عمليات محدودة على جانبي الحدود، أما اليوم فقد تغيرت طبيعة القتال، وباتت الطائرات المسيّرة، والقدرات التكنولوجية، والضربات الدقيقة، تشكل أدوات المواجهة الرئيسة، بما يعكس انتقال الحرب إلى نمط مختلف تحكمه التكنولوجيا أكثر مما تحكمه الكثافة العددية للقوات.

4 - تبدّل مفهوم الردع لدى «حزب الله»؛ إذ انتقل من الردع المسبق الذي كان يقوم على التهديد برد فوري يمنع إسرائيل من الإقدام على الهجوم، إلى ردع استنزافي مؤجل، حيث لم يعد الرد المباشر والفوري هو القاعدة، بل بات يعتمد على استنزاف الخصم مع مرور الوقت، بدلاً من الرد العسكري المتزامن مع الضربة الإسرائيلية.

5 - تغيّر مفهوم وقف إطلاق النار نفسه. فبعد حرب 2006 كان وقف النار يعني عملياً توقف العمليات العسكرية، أما اليوم فأصبح وقف إطلاق النار إطاراً سياسياً أكثر منه واقعاً ميدانياً؛ إذ تستمر العمليات العسكرية والضربات الإسرائيلية رغم وجود تفاهمات أو اتفاقات سياسية، وهو ما يعكس اختلافاً جذرياً في طبيعة إدارة الصراع مقارنة بما كان سائداً بعد عام 2006».

ختاماً، بحسب داود، «هذه التحولات مجتمعة تعكس انتقالاً من مرحلة كانت تقوم على توازن الردع وفرض القيود المتبادلة، إلى مرحلة باتت إسرائيل فيها تسعى إلى فرض قواعدها العملياتية عبر السيطرة بالنار، والضربات الاستباقية، والتفوّق في مجالات الاستخبارات والاستطلاع، بما يجعل إدارة الصراع مختلفة جذرياً عن تلك التي عرفتها الجبهة اللبنانية طوال السنوات التي أعقبت حرب يوليو 2006».


جيمس تالاريكو... يأمل في إنهاء إبعاد «ديمقراطيي» تكساس عن مجلس الشيوخ

جيمس تالاريكو
جيمس تالاريكو
TT

جيمس تالاريكو... يأمل في إنهاء إبعاد «ديمقراطيي» تكساس عن مجلس الشيوخ

جيمس تالاريكو
جيمس تالاريكو

في ولاية تكساس الأميركية، حيث يمكن لصورة السياسي وهو يأكل اللحم المشوي أن تصبح بياناً انتخابياً، وجد جيمس تالاريكو نفسه مضطراً إلى تأكيد أنه ليس نباتياً. إذ قال ساخراً في تجمع بمدينة سان أنطونيو إن الجمهوريين وصفوه بأشياء كثيرة، «حتى إنهم قالوا إنني نباتي، وهذه كلمات قتال في تكساس». لم تكن النكتة تفصيلاً عابراً؛ فالمرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ يواجه حملة تتهمه بالضعف و«قلة الرجولة»، وتلاحق جسده وحالته الاجتماعية وعقيدته قبل برنامجه. إلا أنه لا يرد بأسلوب راعي البقر الذي يريد خصومه جرّه إليه، بل بحكاية أبيه الذي كان يجزّ عشب جارته الأرملة من دون طلب منها، ليقول إن «العظمة ليست في الإخضاع والإهانة، بل في خدمة الآخرين». هذه المواجهة تختصر الرهان كله.

يسعى جيمس تالاريكو، النائب المحلي البالغ 37 سنة والمدرّس السابق وطالب اللاهوت المشيخي، لينتزع تعريفات الرجولة والإيمان والشعبوية من حركة «ماغا» الجمهورية المتشددة يميناً، ويعيد تقديم الديمقراطيين حزباً للعمل والأسرة لا حزباً للمواعظ الثقافية.

والواقع، أنه إذا نجح تالاريكو في إلحاق الهزيمة بمنافسه المدعي العام الجمهوري كين باكستون، سيصبح أول ديمقراطي تنتخبه تكساس لمجلس الشيوخ منذ لويد بنتسن - الوزير السابق - عام 1988، وسيقلب تحديداً مقعداً ظلّ جمهورياً منذ فوز جون تاور التاريخي عام 1961. ولكن، على الرغم من ذلك، فإن عليه أن يثبت أن القصص التي صنعت نجوميته كفيلة بتحريك ولاية أعطت الرئيس دونالد ترمب تقدّماً بنحو 14 نقطة عام 2024.

سيرة تُروى كعظة

يقدم تالاريكو نفسه بصفته «تكساسياً من الجيل الثامن»، بيد مركز قصته ليس نسباً عريقاً، بل غرفة متواضعة في فندق. فوفق روايته الانتخابية، غادرت أمه، وهي ابنة واعظ من مدينة لاريدو، أباه المدمن والعنيف عندما كان جيمس رضيعاً، وانتقلت به إلى الفندق الذي كانت تعمل فيه.

يومذاك، لم يكن في شقتهما مكان لغرفة طفل، فوضعت سريره في خزانة وزيّنتها بالصور والألعاب.

هذه الحكاية تمنحه لغة سياسية عن الحب الذي «لا يتسامح مع الإساءة»، وتربط حديثه عن الأجر والسكن والرعاية الصحية بخبرة عائلية لا ببيانات مستشارين.

درس تالاريكو العلوم السياسية في جامعة تكساس - أوستن، ثم نال شهادة الماجستير في سياسات التعليم من جامعة هارفارد، وبينهما درّس اللغة لطلاب الصف السادس في حي مكسيكي - أميركي فقير بسان أنطونيو.

عام 2018 طرق متطوِّعو حملته الانتخابية 95 ألف باب، وسار هو على امتداد دائرته، وقلب مقعداً كان ترمب قد فاز به قبل سنتين بنحو ألفي صوت، ليصبح أصغر أعضاء مجلس نواب تكساس. ولكن أثناء ذلك المشي، أصابه دوار قاده إلى المستشفى وإلى تشخيص إصابته بالسكري؛ وبعد انتخابه شارك في تمرير قانون خصص سقفاً مقداره 25 دولاراً للمدفوعات الشخصية للإنسولين.

هنا تتصل الإصابة الشخصية مباشرة بفكرته عن السياسة: تحويل جرح فردي إلى قانون.

لم يكن تالاريكو مجرد خطيب معارض داخل مجلس يهيمن عليه الجمهوريون. إذ عمل معهم لتمرير تشريعات تتصل بالمدارس والأدوية ورعاية الأطفال والإسكان، واشتهر في الوقت نفسه باستجواب أصحاب مشاريع عرض «الوصايا العشر» في الصفوف وحظر كتب المكتبات.

وبعد انسحاب ديمقراطيي الولاية إلى واشنطن عام 2021 لمنع سَن قانون انتخابي، عاد خائباً من عجز قيادة الحزب الوطنية عن إقرار حماية اتحادية للتصويت. وسقط ذات ليلة على درج نصب لنكولن وكسر إبهامه، ثم قرّر، كما روى لصحيفة الـ«نيويوركر»، أن يدخل مدرسة لاهوت كي يوازن إغراء القوة ببوصلة أخلاقية.

يسار... ولكن بلكنة تكساسية

الدين عند جيمس تالاريكو ليس زينة انتخابية ولا محاولة خجولة لمجاراة اليمين الإنجيلي، بل هو الوعاء الذي يضع فيه مشروعاً تقدّمياً. ثم إنه يصف «القومية المسيحية» بأنها تحويل للمسيح إلى أداة سلطة، ويقول إن الإيمان يقوده إلى ديمقراطية متعددة الأعراق والأديان. وحقاً، جعلته مقاطع مواجهاته في المجلس ووعظه ضد توظيف الدين، نجماً رقمياً يتابعه الملايين، وقادته إلى برنامج جو روغان، مقدم «البودكاست» المحافظ الشهير، الذي بقي في الربع الثاني من 2026 الأكثر استماعاً أسبوعياً في الولايات المتحدة. وللعلم، قال له روغان في نهاية حواره الطويل: «عليك أن تترشح للرئاسة».

لكن «الواعظ التقدمي» سياسي عملي أيضاً. وجوهر رسالته أن الانقسام الحقيقي ليس بين اليسار واليمين، بل بين القمة والقاع. ويضيف: «المليارديرات يريدون أن ينشغل الناس ببعضهم كي لا ينظروا إليهم».

ثم إن تالاريكو يعرض برنامجاً تفصيلياً لزيادة ضرائب الأثرياء والشركات، ورفع الحد الأدنى الاتحادي للأجور إلى 15 دولاراً، ومنع شركات وول ستريت من شراء المنازل والتلاعب بالإيجارات، ويعمل لخفض تكلفة الدواء، وإلغاء رسوم ترمب الجمركية. كذلك، يرفض أموال «لجان العمل السياسي» (اللوبيات) المرتبطة بالشركات، ويعِد بحزمة لمكافحة الفساد وحظر تداول أعضاء الكونغرس للأسهم وإعادة رسم الدوائر بواسطة لجان مستقلة.

وحتى الحدود، التي يعدّها ترمب والجمهوريون إحدى أهم القضايا لاستقطاب الناخبين، يصوغها تالاريكو باستعارة تكساسية؛ إذ يقول: «يجب أن تكون شرفة أمامية عليها بساط ترحيب وقفل في الباب»، مع تشديد التصدي للعصابات والمهرّبين، مع اتباع مسارات قانونية للمهاجرين وتسوية أوضاع المقيمين منذ زمن.

الدين عند تالاريكو ليس زينة انتخابية ولا محاولة خجولة لمجاراة

اليمين الإنجيلي... بل هو الوعاء الذي يضع فيه مشروعاً تقدّمياً

ضد الانعزال والحروب

وفي السياسة الخارجية يرفض تالاريكو الانعزال والحروب غير الضرورية، ويدعم الدفاع عن أوكرانيا، ويقرّ «بحق إسرائيل في حماية شعبها»، لكنه يرفض قصف المدنيين والتجويع والعقاب الجماعي في غزة واستخدام المال الأميركي لإيذائهم. بذا يحاول الإجابة عن أزمة الحزب الديمقراطي... ليس بالهروب من الدين والحدود والأمن، بل بإعادة تعريف هذه القضايا أخلاقياً واقتصادياً.

في المقابل، نقطة ضعفه أن اللغة التي تمنحه التميز قد تبدو أكاديمية أو متكلفة، حسب «بوليتيكو». فقد اعترف بأن قوله عام 2021 إن «الله غير ثنائي» كان استفزازياً و«محرجاً»، موضحاً أن قصده أن الله يتجاوز التصنيفات البشرية. والحال، أن بعض خطاباته المحفوظة بإتقان تبدو مصنوعة، كما أن وعده «بشفاء» الاستقطاب يمكن أن يصطدم بعصر يكافئ الغضب أكثر مما يكافئ المصالحة.

«الرجولة» ساحة قتال

باكستون والجمهوريون يرون في هذه الثغرة مدخلاً واسعاً، فيسمونه «توفو تالاريكو» و«لو-تي تالاريكو»، في إشارة سلبية إلى رجولته، ويستحضرون قوله عن جنس الله ودفاعه السابق عن حقوق المتحوّلين. ويلمّحون إلى أن نحول جسمه وبقاءه عازباً «دليلان» على الضعف، في حين روّج بعض أنصارهم ادعاءات كاذبة بأنه مثلي أو متحوّل. وأنتجت لجنة محافظة شريطاً بالذكاء الاصطناعي يصوّره في هيئة جولي أندروز، بطلة فيلم «صوت الموسيقى»، وهي تغني عن إعطاء الهرمونات للأطفال، مع أن حملته تؤكد أنه يعارض رعاية تأكيد النوع للقاصرين.

بالطبع، الهدف أكبر من السخرية الشخصية. فقد انتقل شبان لاتينيون وسود إلى اليمين بانتخابات 2024، وبات كثير منهم يربط الجمهوريين بالاستقلال المالي وتكوين الأسرة، والديمقراطيين بصراعات الهوية. وأظهر استطلاع لمركز «ثيرد واي» (الطريق الثالث) أن 49 في المائة من الرجال يرون تالاريكو يسارياً جداً. وفي تكساس، حيث للرجل القوي مكانة ثقافية خاصة، يريد الجمهوريون تحويل الانتخاب من استفتاء على فساد باكستون وتكلفة المعيشة إلى اختبار لهوية تالاريكو.

لكن رد الأخير لم يكن التجاهل. فقد بات يأكل الشواء أمام الكاميرات، وقدّم رسائل معلنة خلال مباريات كأس العالم ونهائيات كرة السلة، وهو يسعى إلى تكرار ظهوره الناجح مع روغان، ويتحدى باكستون إلى مناظرات متلفزة «رجلاً لرجل». وحين سماه خصمه «تالافريكو»، فإنه طبع اللقب على قمصان وباعها. لكنه يرفض أن يقلد استعراض ترمب؛ فتعريفه لـ«الرجل الحقيقي» هو من يكون صادقاً ويحمي أسرته ويخدم جيرانه، أما الضعيف فهو من يخدم نفسه.

باكستون... أفضل فرصة وأخطر فخ

من جهة ثانية، لم يختر الديمقراطيون خصم تالاريكو، لكنهم حصلوا على المرشح الذي تمنّونه. فقد أطاح باكستون السيناتور المخضرم جون كورنين في جولة الإعادة الجمهورية بنسبة تقارب 64 في المائة، بعد تأييد متأخر من ترمب، في انتصار لجناح يعتبر القتال ضد اليسار أهم من التسويات. غير أن الرجل الذي يقدم نفسه «محارباً محافظاً» يحمل سجلاً ثقيلاً: أحاله مجلس نواب تكساس ذو الغالبية الجمهورية عام 2023 إلى محاكمة برلمانية باتهامات إساءة المنصب والرشوة، قبل أن يبرئه مجلس الشيوخ؛ وأُسقطت اتهامات احتيال بالأوراق المالية بعد اتفاق تضمن نحو 300 ألف دولار تعويضاً من دون إقرار بالذنب، كما امتنع القضاء الاتحادي عن توجيه اتهامات إليه. ثم طلبت زوجته الطلاق «لأسباب إنجيلية».

وبالفعل، أثبت باكستون ثلاث مرات أنه قادر على الفوز على مستوى الولاية رغم الفضائح، وأن أنصاره يرون التحقيقات دليلاً على أنه مقاتل مضطهد لا سبباً لإسقاطه. وهذه هي خطورة بناء حملة تالاريكو كلها على فساد الخصم. لكن الفارق هذه المرة هو المال والبيئة الوطنية. فقد أفادت صحيفة «تكساس تريبيون» بأن حملة تالاريكو جمعت منذ مطلع 2025 نحو 72 مليون دولار، مقابل 16.8 مليون لباكستون، وأنها أنهت يونيو (حزيران) بأكثر من ثلاثة أضعاف سيولته.

مع ذلك، تمنح الاستطلاعات تالاريكو أملاً... لا ضماناً. ولقد وضعه مسح «تكساس بابليك أوبينيون ريسيرتش» في يوليو (تموز) متقدماً 45 إلى 40 في المائة، ومسح جامعة تكساس الجنوبية المنشور في 4 أغسطس (آب) متقدماً 47 إلى 45، وكلا الفارقين ضمن هامش الخطأ أو قريب منه.

كذلك، ما زالت النشرة السياسية المستقلة «كوك بوليتيكال ريبورت»، المتخصصة في تحليل الانتخابات، تصنّف السباق بأنه «يميل للجمهوريين». فالاستطلاع كان محطة وجاء بعد إنفاق تالاريكو التلفزيوني الكبير وقبل اكتمال اتحاد الجمهوريين، وليس إلغاءً لثلاثة عقود من الهزائم الديمقراطية.

مرشح أمام أزمة حزبين

كما سبق، اختار الناخبون الجمهوريون باكستون، المدعوم من ترمب، على حساب كورنين الذي عدّته قيادات في الحزب أكثر قدرة على خوض الانتخابات العامة، في حين ركزت حملة باكستون على قضايا النوع الاجتماعي بالتزامن مع تصاعد قلق الناخبين من أسعار الطاقة وتداعيات الحرب مع إيران.

ولكن استطلاع «رويترز/إبسوس» مطلع أغسطس بيّن تراجع شعبية ترمب إلى 35 في المائة، وتقدم الديمقراطيين للمرة الأولى منذ نحو عقد بنقطة واحدة فقط في الثقة بإدارة الاقتصاد؛ أي أن أفضلية الجمهوريين تآكلت، لا أن الناخب اقتنع تماماً بالبديل.

في أي حال، الديمقراطيون أكثر شعبية في الصحة والتعليم والإجهاض، لكنهم فقدوا لغة الرجال والطبقة العاملة، وضعفت قاعدتهم الريفية، وما عادوا ضامنين ولاء ناخبيهم السود. إذ هزم تالاريكو، منافسته جاسمين كروكيت في تمهيدية مشحونة عرقياً، ويدعي 77 في المائة من الناخبين السود في تكساس أن الحزب يأخذهم أمراً مسلماً به، وإن كان استطلاع حديث قد وجد أن 79 في المائة منهم معه مقابل 12 لباكستون.ختاماً، الديمقراطيون يحتاجون إلى كسب أربعة مقاعد صافية لاستعادة مجلس الشيوخ؛ وتكساس يمكن أن تكون طريقاً إلى الغالبية، لكنها قبل ذلك اختبار لما إذا كان تالاريكو قصة وطنية جميلة أم بداية اصطفاف سياسي جديد.


كيف تحولت تكساس جمهورية... وأين تتركز قوة الحزبين؟

السناتور جون تاور (غيتي)
السناتور جون تاور (غيتي)
TT

كيف تحولت تكساس جمهورية... وأين تتركز قوة الحزبين؟

السناتور جون تاور (غيتي)
السناتور جون تاور (غيتي)

كانت تكساس في الماضي، مثل معظم الجنوب، معقلاً حصيناً للحزب الديمقراطي. وفي حينه جمع الحزب محافظين وليبراليين تحت سقف واحد.

لكن الانشقاق الحديث بدأ عام 1961، عندما فاز الجمهوري جون تاور في انتخابات خاصة لمجلس الشيوخ، أول جمهوري تنتخبه الولاية على مستوى عام منذ حقبة إعادة الإعمار. ومع انتقال البيض المحافظين والإنجيليين وأصحاب الأعمال تدريجياً إلى الجمهوريين، وتسارع الاستقطاب حول الحقوق المدنية والضرائب والطاقة، حافظت تكساس لمدة ثلاثة عقود على سيناتور من كل حزب، قبل أن يكتمل التحوّل.

لويد بنتسن كان آخر ديمقراطي ينتخب لمجلس الشيوخ عام 1988، وكان بوب كروغر آخر ديمقراطي يشغل مقعداً فيه بالتعيين خمسة أشهر عام 1993. كذلك فاز ديمقراطيون بمناصب الولاية للمرة الأخيرة عام 1994، ثم اكتسح الجمهوريون المناصب التنفيذية في 1998. ومنذ ذلك الحين عزّزت قبضتهم الضواحي المحافظة، وصناعة النفط والغاز، والكنائس الإنجيلية، والريف الشاسع في شرق وغرب وشمال تكساس. ولا تزال المقاطعات الريفية تمنحهم هوامش قد تتجاوز 70 نقطة، فيما أظهرت دراسة أكاديمية أن أكثر من ربع المقاطعات الريفية كان بلا رئيس محلي ديمقراطي عام 2022، مقابل وجود رئيس محلي جمهوري في كل منها.

السناتور لويد بنتسن (وزارة الخزانة الأميركية)

قوة الديمقراطيين تتركّز في قلب المدن الكبرى: مقاطعة هاريس حول هيوستن، ودالاس، وترافيس حول أوستن عاصمة الولاية، وبيكسار حول سان أنطونيو، وإل باسو، إضافة إلى هايز وبعض الضواحي المتنوعة مثل فورت بيند. لكن الفوز بهذه الجزر لا يكفي إذا لم يرفعوا المشاركة ويقلّصوا خسائر الضواحي والريف.

عام 2024، فاز ترمب بالولاية بنحو 14 نقطة، واستعاد مقاطعة تارانت، وتقدم بقوة في وادي ريو غراندي؛ حتى مقاطعة ستار على الحدود مع المكسيك ذات الغالبية اللاتينية الساحقة صوتت جمهورياً للمرة الأولى منذ أكثر من قرن.

لذا، ليست تكساس «زرقاء مؤجلة» بفعل الديموغرافيا وحدها. إنها ولاية شابة ومتنوعة ومنخفضة المشاركة، لكن اللاتينيين والآسيويين والوافدين لا يصوّتون ككتلة واحدة. لهذا فطريق تالاريكو يمرّ بهوامش ضخمة في المدن، واستعادة اللاتينيين في الجنوب، واجتذاب المستقلين في الضواحي، وتقليص الانهيار الريفي. وتلك عملية تنظيمية، لا معجزة حسابية.