القوات السورية تتسلم سد تشرين من «قسد» وسط أنباء عن توتر

إردوغان يعلن عودة 200 ألف سوري إلى بلادهم

محاور سد تشرين شهدت قتالاً لأكثر من 3 أشهر بين «قسد» وفصائل سورية موالية لتركيا (أ.ف.ب)
محاور سد تشرين شهدت قتالاً لأكثر من 3 أشهر بين «قسد» وفصائل سورية موالية لتركيا (أ.ف.ب)
TT

القوات السورية تتسلم سد تشرين من «قسد» وسط أنباء عن توتر

محاور سد تشرين شهدت قتالاً لأكثر من 3 أشهر بين «قسد» وفصائل سورية موالية لتركيا (أ.ف.ب)
محاور سد تشرين شهدت قتالاً لأكثر من 3 أشهر بين «قسد» وفصائل سورية موالية لتركيا (أ.ف.ب)

دخلت قوات من الجيش السوري إلى منطقة سد تشرين في منبج شرق محافظة حلب وأقامت نقاطاً عسكرية؛ تمهيداً لتولي السيطرة على السد الذي كان يخضع لـ«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد).

ونقل تلفزيون «سوريا»، القريب من الحكومة السورية، عن مصدر حكومي، الاثنين، أن قوات الجيش السوري دخلت إلى أطراف منطقة سد تشرين وأقامت نقاطاً عسكرية؛ تمهيداً لتولي السيطرة على السد.

ووقَّع الرئيس السوري الانتقالي، أحمد الشرع، وعبدي اتفاقاً في 10 مارس (آذار)، قضى «بدمج» جميع المؤسسات المدنية والعسكرية التابعة للإدارة الذاتية الكردية في شمال وشمال شرقي سوريا في إطار الدولة السورية.

سد تشرين (أرشيفية)

وتوصلت دمشق و«قسد» وتركيا، خلال مفاوضات رعتها أميركا، إلى اتفاق على تسليم سد تشرين إلى الحكومة السورية، واتُفق على أن تنشر الحكومة السورية قواتها في محيط السد، كما بدأت فرق من دمشق العمل على صيانة السد وتحديثه.

واستهدف الاتفاق إنهاء القتال بين فصائل سورية مسلحة موالية لتركيا واندمجت في الجيش السوري، و«قسد»، التي استمرت أكثر من 3 أشهر، منذ 12 ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

وأعلنت وزارة الدفاع التركية، الخميس، أن أنقرة تراقب، من كثب، تنفيذ الاتفاق الخاص بتسليم سد تشرين.

تحذير من دمشق

وجاء انتشار القوات السورية في منطقة سد تشرين، وسط تقارير أفادت بعودة التوتر إلى محيط السد، بعد هدوء استمر قرابة الشهر.

وقال تلفزيون «سوريا»، إن الجيش السوري أرسل قوات إلى المحاور التي شهدت القتال مع «قسد» من قبل.

وأفادت تقارير بوجود حالة استنفار عسكري من جانب «قسد» والقوات الحكومية بعدما شنت مسيَّرات تركية هجوماً في محيط السد على خلفية مقتل أحد عناصر الفصائل الموالية لها.

عبدي متحدثاً خلال مؤتمر وحدة الصف والموقف الكردي في القامشلي السبت (رويترز)

وجاءت التطورات الأخيرة بعدما أكد قائد «قسد»، مظلوم عبدي، خلال مؤتمر «وحدة الصف والموقف الكردي»، الذي عقد في القامشلي، السبت، ضرورة ضمان حقوق الأكراد في سوريا الجديدة، لافتاً إلى أن «سوريا الجديدة تحتاج إلى دستور لامركزي، يضم جميع المكونات».

وأضاف أن من واجب «قسد» حماية المكتسبات الموجودة في شمال شرقي سوريا، مشدداً، في الوقت ذاته، على أن المؤتمر لا يهدف إلى التقسيم، بل هو من أجل وحدة سوريا.

وقالت الرئاسة السورية، في بيان الأحد، إن مواقف قيادة «قسد» بشأن «الفيدرالية» تتعارض مع مضمون الاتفاق الموقَّع معها وتهدد وحدة البلاد وسلامتها.

وأضافت أن الاتفاق مع «قسد» يمكن أن يكون خطوة بناءة «إذا نُفّذ بروح وطنية، بعيداً عن المشاريع الخاصة»، مشددة على رفض أي محاولات للتقسيم أو إنشاء كيانات منفصلة تحت مسميات الفيدرالية أو الإدارة الذاتية.

وحذرت من تعطيل عمل مؤسسات الدولة في مناطق سيطرة «قسد»، واحتكار الموارد، قائلة إنه «لا يمكن لقيادة (قسد) الاستئثار بالقرار في شمال شرقي سوريا لأنه لا استقرار ولا مستقبل دون الشراكة الحقيقية».

تركيا تحذر «قسد»

في السياق ذاته، أكد وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، أن بلاده لا تقبل بأي تدخل يستهدف وحدة الأراضي السورية أو يمس سيادتها، أو بوجود جهة تحمل السلاح خارج سلطة الحكومة المركزية في سوريا.

فيدان ونظيره القطري خلال مؤتمر صحافي في الدوحة الأحد (أ.ف.ب)

وقال فيدان، في مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، عقب محادثاتهما في الدوحة، الأحد، إن تركيا ترغب في رؤية دستور وحكومة في سوريا تضمن إعطاء فرص متساوية لجميع المكونات في البلاد.

وأضاف أن دمشق أقدمت على خطوات إيجابية في هذا السياق، وأنهم يترقبون تنفيذ الاتفاق الذي تم توقيعه بين «قسد» والحكومة السورية في دمشق، مشدداً على حساسية هذا الملف بالنسبة لتركيا.

وشدد فيدان على أن تركيا ستقف في وجه «المجموعات التي تستغل الوضع الحالي في سوريا لتحقيق بعض أهدافها، وتسعى إلى الإضرار بوحدة أراضي سوريا وسيادتها».

وأكد أن تنظيم الوحدات الكردية (أكبر مكونات «قسد») التابع لحزب العمال الكردستاني، سيخرج من الحسابات في سوريا، سواء بإرادته عبر طرق سلمية، أو بخلاف ذلك، كما خرج تنظيم «داعش» الإرهابي من الحسابات.

عودة السوريين من تركيا

بالتوازي، أعلن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان عودة 200 ألف سوري من تركيا إلى بلادهم منذ سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

وقال إردوغان إنه رغم الصعوبات والعوائق وعمليات التخريب، بدأت سوريا، في ظل إدارتها الجديدة، التعافي تدريجياً، وبالتالي يزداد عدد السوريين العائدين إلى بلدهم.

إردوغان متحدثاً خلال فعالية لإدارة الهجرة في إسطنبول الاثنين (الرئاسة التركية)

وأضاف الرئيس التركي، في كلمة خلال فعالية نظمتها إدارة الهجرة التابعة لوزارة الداخلية في إسطنبول، الاثنين، إن هناك 4 ملايين و34 ألف مهاجر من بينهم مليونان و768 ألفاً من السوريين تحت بند «الحماية المؤقتة» ومع التدبيرات التي نأخذها يقل هذا الرقم يوماً بعد يوم.

وأكد أن تركيا لم تشهد قط أعداداً كبيرة من المهاجرين كما تدعي أحزاب المعارضة وبعض الأوساط الفاشية المعادية للإنسانية، لافتاً إلى أن تركيا ومع فتحها الباب لاستقبال المهاجرين فإنها لا تغفل أمن حدودها ومواطنيها.


مقالات ذات صلة

الحكومة السورية تتسلم من الأكراد مقراً عسكرياً في عين العرب

المشرق العربي مقاتلون دروز خلال عملية تبادل المحتجزين في السويداء الخميس (أ.ب)

الحكومة السورية تتسلم من الأكراد مقراً عسكرياً في عين العرب

تسلمت الحكومة السورية مبنى مديرية الأمن الداخلي في عين العرب (كوباني)، في إطار خطوات دمج قوات «الأسايش» الكردية ضمن المؤسسات الحكومية السورية.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
العالم العربي مخيم الهول في سوريا (د.ب.أ)

باريس: عمليات الفرار من مخيم الهول في سوريا لم تشمل مواطنين فرنسيين

أعلن المتحدث باسم وزارة الخارجية الفرنسية، الخميس، أنه لم يفرّ أي مواطن فرنسي من مخيم الهول في سوريا، الذي كان يستقبل عائلات عناصر في تنظيم «داعش».

«الشرق الأوسط» (باريس)
المشرق العربي متعلقات سكان مخيم الهول خارج الخيم ويظهر أفراد من القوات الحكومية السورية بعد أن شهد فراراً جماعياً لأقارب مشتبه بانتمائهم لـ«داعش» (أ.ف.ب)

تنظيم «داعش» يكثف هجماته بتكتيك «الذئاب المنفردة» في سوريا

كثف تنظيم «داعش» هجماته بشكل ملحوظ في الآونة الأخيرة بشرق سوريا من خلال «تكتيك الذئاب المنفردة» بعد «فوضى عارمة» في مخيم الهول.

«الشرق الأوسط» (دمشق - مخيم الهول (سوريا) )
المشرق العربي القبض على متهم بالانتماء لتنظيم «داعش» في عملية أمنية في دير الزور (وزارة الداخلية)

الداخلية السورية: الواقع داخل مخيم الهول صادم ويشبه معسكر اعتقال قسري

قال المتحدث باسم وزارة الداخلية نور الدين البابا إن القوات السورية فوجئت بانسحاب «قسد» من مخيم الهول قبل أكثر من ست ساعات من وصول الجيش السوري لتسلم المخيم

سعاد جرَوس (دمشق)
المشرق العربي عناصر من قوات الأمن السورية (أ.ف.ب - أرشيفية)

«الداخلية السورية» تُعد خطة لتأمين محافظة الحسكة

أعلنت وزارة الداخلية السورية، الأربعاء، أنها أعدّت خطة انتشار أمني لتأمين محافظة الحسكة، وذلك بالتوازي مع دخول وحدات الجيش العربي السوري إليها.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

نأي دمشق بنفسها عن الحرب الإيرانية لم يجنبها التداعيات

شخصان من عين ترما بريف دمشق يتفحصان آثار الدمار الذي لحق بمبنى سكني بعد سقوط صاروخ تم اعتراضه... وذكرت وكالة «سانا» أن أباً وثلاثاً من بناته أُصيبوا (د.ب.أ)
شخصان من عين ترما بريف دمشق يتفحصان آثار الدمار الذي لحق بمبنى سكني بعد سقوط صاروخ تم اعتراضه... وذكرت وكالة «سانا» أن أباً وثلاثاً من بناته أُصيبوا (د.ب.أ)
TT

نأي دمشق بنفسها عن الحرب الإيرانية لم يجنبها التداعيات

شخصان من عين ترما بريف دمشق يتفحصان آثار الدمار الذي لحق بمبنى سكني بعد سقوط صاروخ تم اعتراضه... وذكرت وكالة «سانا» أن أباً وثلاثاً من بناته أُصيبوا (د.ب.أ)
شخصان من عين ترما بريف دمشق يتفحصان آثار الدمار الذي لحق بمبنى سكني بعد سقوط صاروخ تم اعتراضه... وذكرت وكالة «سانا» أن أباً وثلاثاً من بناته أُصيبوا (د.ب.أ)

لم يجنب النأي النسبي لسوريا عن دائرة الاستهداف في الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل من جانب، وإيران من جانب آخر، تأثرها بالتداعيات الجارية في المنطقة، بدءاً من تساقط بقايا الصواريخ على مناطق متفرقة، وعودة أزمتَي الغاز والكهرباء، واكتظاظ الحدود مع لبنان بالسوريين العائدين إلى البلاد، وتعطل حركة شحن البضائع... في مشهد جدد ذاكرة حرب مريرة قبل أن يبدأ السوريون التعافي منها.

عاد انقطاع الكهرباء لساعات طويلة، والنقص في توفر الغاز المنزلي، وارتفاع الأسعار... لترخي بظلال ثقيلة على الأوضاع المعيشية في سوريا، بعد أشهر قليلة من التحسن النسبي. وقالت وزارة الطاقة السورية الاثنين إن انخفاض ساعات التغذية الكهربائية سببه تراجع كميات الغاز الطبيعي الواردة عبر الأردن والمخصصة لتشغيل محطات توليد الكهرباء، نتيجة للتصعيد الإقليمي الراهن وما ترتب عليه من تعذر استمرار ضخ الغاز مؤقتاً وفق الاتفاقات السابقة.

وبينت الوزارة أن الفرق الفنية تواصل إدارة المنظومة الكهربائية بالاعتماد على الإنتاج المحلي المتاح من الغاز، وفق بيان نشرته عبر معرفاتها الرسمية، مشيرة إلى أن تنظيم ساعات التغذية يتم وفق الإمكانات المتوفرة لضمان استقرار الشبكة واستمرار عملها؛ إذ تعمل على تعزيز وزيادة الإنتاج المحلي من الغاز، بما يسهم في دعم المنظومة الكهربائية وتحسين واقع التغذية خلال المرحلة المقبلة.

وفي أول انعكاس مباشر لتداعيات التصعيد في المنطقة، أوقف الأردن مؤقتاً «ضخ الغاز إلى سوريا» وفق تقرير نشرته منصة «الطاقة» الاثنين. وقالت نقلاً عن مصادر لم تسمها، إن قطع إسرائيل إمدادات الغاز إلى الأردن دفع عمّان إلى إعطاء الأولوية لتأمين احتياجات السوق المحلية.

وتعتمد سوريا جزئياً على الغاز القادم من الأردن لدعم منظومة التوليد، في ظل ضعف الإنتاج المحلي وتهالك البنية التحتية خلال السنوات الماضية.

وكانت الحكومة السورية بدأت في 8 يناير (كانون الثاني) الماضي تسلّم الغاز الطبيعي عبر الأردن لتوليد الكهرباء، بمعدل أربعة ملايين متر مكعب يومياً، ضمن تنفيذ اتفاقية شراء الغاز عبر خط الغاز العربي. ووقعت مع الجانب الأردني اتفاقية لتزويد سوريا بنحو 140 مليون قدم مكعبة يومياً بهدف حل أزمة الكهرباء في سوريا.

وأعلنت دمشق الاثنين خروج أحد محوّلات محطة تحويل العتيبة الصناعية في ريف دمشق عن الخدمة جراء سقوط بقايا صاروخ نتيجة القصف المتبادل بين إسرائيل وإيران.

قوات الأمم المتحدة تتفقد بقايا صاروخ إيراني في القنيطرة (أ.ف.ب)

ويسود الحذر في مناطق ريف دمشق ومحافظات جنوب سوريا بعد تساقط بقايا الصواريخ خلال اليومين الماضيين ووقوع إصابات بين المدنيين، في حين قالت مصادر أهلية في محافظة درعا إن المدارس أُغلقت وسط حذر في الحركة والتجمعات والابتعاد عن الأجسام الغريبة، وذلك في حين استجابت فرق الدفاع المدني السوري الاثنين لحادث سقوط أجسام حربية في قرية الفتيح في منطقة عين الشرقية بريف جبلة على الساحل السوري. وقالت وزارة الطوارئ إن سبب سقوط تلك الأجسام هو الأحداث الإقليمية الجارية، داعية المواطنين إلى الالتزام بإرشادات السلامة.

وفي ظل التوتر الحاصل واصلت إسرائيل انتهاكاتها للأراضي السورية، واعتقلت الاثنين راعي أغنام غربي قرية كودنا في ريف القنيطرة الجنوبي.

وقالت وكالة الأنباء السورية (سانا) إن «قوات الاحتلال قامت باقتياد الشاب إلى داخل الأراضي المحتلة، دون ورود معلومات حول مصيره».

قادمون من لبنان عند معبر جديدة يابوس في جنوب غربي سوريا (أرشيفية - أ.ف.ب)

ومع اتساع دائرة التصعيد واستهداف «حزب الله» في لبنان، شهدت المعابر الحدودية السورية - اللبنانية حركة مغادرة كثيفة للسوريين من لبنان.

وأفادت شركة «ترحال للسفر» بأن مئات السوريين غادروا الاثنين الأراضي اللبنانية باتجاه دمشق عبر معبر المصنع ـ جديدة يابوس، وبثت عبر حسابها في «تلغرام» صوراً لطوابير المغادرين. كما أكدت مصادر من المسافرين اكتظاظ المنطقة الحدودية بالمغادرين وبالشاحنات المتوقفة عند الحدود، مع الإشارة إلى وجود أزمة في حركة الشاحنات بدأت قبل أسابيع بعد قرار الحكومة السورية منع الشاحنات غير السورية من دخول أراضيها وفرض المناقلة بين الشاحنات. وأدى القرار إلى أزمة في حركة الشحن من وإلى الأردن، وتفاقمت الأزمة مع تصاعد التوتر.

وحذرت غرفة تجارة دمشق من استمرار تعطيل انسياب الشحن في ظل التوترات الإقليمية المتصاعدة، وقالت إن هذا «يفاقم الضغط على المعابر، ويهدد سلاسل الإمداد، ويرفع التكاليف على التجار والناقلين، ويعرّض حركة التبادل التجاري لمخاطر غير محسوبة»، داعية الحكومتين السورية والأردنية إلى اتخاذ إجراءات استثنائية مؤقتة تضمن انسيابية الحركة؛ لأن الظرف الراهن يستدعي قرارات سريعة ومسؤولة تحمي الاقتصاد الوطني في البلدين.


أهالي الجنوب في رحلة نزوح جديدة: قلق وخوف ورفض للحرب

عائلة تحمّل أغراضها في حافلة على الطريق الساحلي لمدينة صيدا التي تزدحم بالسيارات الهاربة من الجنوب (أ.ف.ب)
عائلة تحمّل أغراضها في حافلة على الطريق الساحلي لمدينة صيدا التي تزدحم بالسيارات الهاربة من الجنوب (أ.ف.ب)
TT

أهالي الجنوب في رحلة نزوح جديدة: قلق وخوف ورفض للحرب

عائلة تحمّل أغراضها في حافلة على الطريق الساحلي لمدينة صيدا التي تزدحم بالسيارات الهاربة من الجنوب (أ.ف.ب)
عائلة تحمّل أغراضها في حافلة على الطريق الساحلي لمدينة صيدا التي تزدحم بالسيارات الهاربة من الجنوب (أ.ف.ب)

استفاق سكان جنوب لبنان، في منتصف ليل الأحد - الاثنين، على إطلاق «حزب الله» صواريخ باتجاه إسرائيل، لتبدأ رحلة نزوح جديدة لا قدرة لهم على تحملها؛ لا نفسياً ولا معنوياً ولا مادياً.

وهكذا، خلال أقل من ساعة في اليوم الثالث عشر من شهر رمضان، حزمت العائلات ما تيسر من أغراضها في حقائب وأكياس، فيما كان الحظ حليف البعض ممن جهزوا حقائب النزوح مسبقاً مع بدء الحرب على إيران، والحديث عن إمكانية دخول «حزب الله» في الحرب.

ورغم كل التطمينات التي سادت في الأيام الأخيرة، بأن «حزب الله» لن ينخرط في الحرب، لقناعة الجميع بأن نتائجها ستكون كارثية على بيئته وعلى كل لبنان، وجد الجنوبيون أنفسهم مجدداً، أمام واقع التهجير القاسي، لتتبدّد تلك الوعود تحت وطأة التصعيد، وهو ما انعكس مواقف رافضة لخيار الحزب حتى في أوساط تُعدّ من بيئته المؤيّدة.

زحمة سير خانقة في صيدا نتيجة توافد النازحين من جنوب لبنان (أ.ف.ب)

الرحلة من الجنوب في ساعات الفجر الأولى كانت مرهقة وطويلة، امتدت لما يقارب 16 ساعة... وجوه شاحبة وحزينة سيطرت على ملامحها تعابير الهم والقلق مما هو آتٍ. هرب أصحابها من مختلف المناطق الجنوبية والحدودية، خصوصاً بعد إطلاق إنذارات إسرائيلية بضرورة إخلاء عشرات القرى.

في «شارع البص» في صور، توقفت السيارات بالشوارع الرئيسية وفي الطرق الفرعية. ازدحام خانق مشابه لرحلة النزوح السابقة... الجميع يبحث عن أماكن تؤوي العائلات والأطفال.

هنا توقف المئات في الشارع، كثير منهم يرتدي ثياباً لا ترقى للخروج من المنزل، ولا تصلح إلا في حالة النزوح... الهمّ مشترك والقلق يجمعهم؛ قلق إيجاد سقف يؤويهم في هذه الأيام الباردة.

هم النزوح وإيجاد مأوى

وكما في كل مرة، يتحدث الناس عن غياب الدولة والخطط، تقول إحدى السيدات القادمة من بلدة صريفا: «ليس في يدنا حيلة»، وتسأل: «إلى أين سنذهب؟ إلى المدارس مجدداً؟ كانت تجربة مرّة للغاية في المرة السابقة!».

نازحون يفترشون الكورنيش البحري في بيروت (رويترز)

وتسأل سيدة خمسينية أخرى، كانت قد خرجت من بلدة معركة، برفقة ابنتها وأحفادها: «نحن منسيون والدولة لا تسأل عنا، ماذا سنفعل؟».

من جهتها، تقول سيدة ثمانينية تدعى مريم: «لم يشكّل خروجنا مفاجأة لي، نحن أبناء الجنوب قضينا كامل عمرنا بين تهجير وآخر، وفي كل مرة كنا نغادر منازلنا وقرانا، نترك أرزاقنا من حقول وماشية وأشياء لا يمكن عدّها، وحتى الأمس ما زالت حقائبنا موضبة».

«لا نريد الحرب»

وكما حال معظم اللبنانيين، بات صوت عدد كبير من أهالي الجنوب رافضاً للحرب التي لا يزالون يعيشون تداعياتها.

واليوم، تبدو آراء هؤلاء الذين أخرجوا من بيوتهم قسراً، مختلفة، بحيث انقسموا بين من يقول «سائرون على نهج المقاومة»، وغالبية ممتعضة وقد أصيبت بصدمة، وصلت إلى حد تمنّي «أن يكون خبر إطلاق الصواريخ من قبل (حزب الله)، كذبة إسرائيلية سمجة».

وهذا الموقف، يعبّر عنه أحد النازحين، قائلاً: «نحن لا نريد الحرب، ولم نخترها، كنا قد عدنا إلى قرانا في بنت جبيل، وأعدنا ترتيب أمورنا الحياتية البسيطة، دون أي متطلبات، ماذا فعلوا بنا الآن؟ ولماذا؟».

ويضيف: «كانت إسرائيل بحاجة إلى حجّة كي تثبت للمجتمع الدولي أننا نشكل خطراً عليها، وها هي الفرصة أتت إليها».

وعن فرضية أن الحرب على لبنان آتية حتى لو لم يتدخل الحزب، قال: «كان الأمر ليكون محتوماً علينا، لكن من غير المنطقي أن نذهب بأقدامنا إلى حرب كهذه، لا يمكن أن نعلم متى وكيف تنتهي».

غضب مضاعف

والمتحدث مع النازحين على «طريق النزوح»، يستمع إلى مخاوف هؤلاء وصدمتهم من دخول «حزب الله» مجدداً في الحرب... وغضبهم يعود إلى سببين أساسيين، بحسب ما عبّر معظمهم، وهما: «التطمينات التي سمعوها في الأيام الأخيرة، لجهة عدم انخراط (حزب الله) في الحرب، والاعتبارات المتعلقة بقدراته العسكرية الراهنة، بحيث إنه لا يمكنه أن يخرج من الحرب، إلا خاسراً»... إضافة إلى أن أهالي الجنوب، يعانون منذ سنوات من أزمات لا تنتهي، حرب «إسناد غزة»، ثم الضربة اليوم، وما سينتج عنها من أزمات جديدة لا تقوى غالبية الناس على احتمالها.

مواطن يتفقد موقع «القرض الحسن» في صور بعد استهدافه بغارة إسرائيلية (أ.ف.ب)

ثأراً لخامنئي وليس لأبناء الجنوب

ومع كل هذه المعاناة، بات لسان حال معظم أهل الجنوب، بعد عام ونصف عام، على الحرب المتواصلة على قراهم وأرزاقهم، أن «(حزب الله) لم يردّ على كل الاعتداءات التي سببت خسائر مادية وبشرية للجنوبيين كل يوم، بل ردّ ثأراً لاغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي... ووضعهم في مأزق جديد لا يعرفون كيف ومتى سينتهي».


اتساع جبهات الحرب الإيرانية يهدد «اتفاق غزة» ويوسع الخروقات

حريق في مبنى متضرر بعد غارة جوية إسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت فجر الاثنين (أ.ف.ب)
حريق في مبنى متضرر بعد غارة جوية إسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت فجر الاثنين (أ.ف.ب)
TT

اتساع جبهات الحرب الإيرانية يهدد «اتفاق غزة» ويوسع الخروقات

حريق في مبنى متضرر بعد غارة جوية إسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت فجر الاثنين (أ.ف.ب)
حريق في مبنى متضرر بعد غارة جوية إسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت فجر الاثنين (أ.ف.ب)

دخلت جبهة لبنان دائرة الحرب الإيرانية، بعد تبادل إسرائيل و«حزب الله» اللبناني الموالي لطهران الضربات، بينما لا يزال اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة تحت الخروقات الإسرائيلية وهجمات شبه يومية.

ذلك المشهد الذي شهد بيان دعم من «حماس» لإيران، ودعوة مصر لمنع توسع الصراع، يرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أنه يعني أن «مسار تنفيذ وقف إطلاق النار في قطاع غزة بات مهدداً، وأن الخروقات قد تتسع مع تمدد الجبهات في اليمن والعراق ولبنان في ظل عدم قدرة «حماس» على الانضمام لتلك الجبهات»، معولين على تحركات الوسطاء لبقاء مطالبات تنفيذ اتفاق القطاع حاضرة لحين انتهاء حرب إيران، وعودة التركيز الدولي للملف مجدداً.

فلسطينيون نازحون يتجمعون لتناول وجبة إفطار رمضان وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

جبهة جديدة

وفي اليوم الثالث من الحرب الإسرائيلية - الأميركية على طهران، أعلنت وزارة الدفاع الإسرائيلية، في بيان، الاثنين، أن «الإمداد العسكري سيتعاظم في الأيام المقبلة للتعامل مع توسع الحرب إلى جبهات أخرى»، بعدما شنت إسرائيل غارات على مناطق لبنانية عدة؛ ما أدى إلى سقوط 31 قتيلاً و149 جريحاً في حصيلة أولية أعلنتها وزارة الصحة اللبنانية.

وتوقّع رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير، في حديث، الاثنين، عبر مقطع فيديو، «أياماً عديدة من القتال» مع «حزب الله» في لبنان، المدعوم من إيران بعد إصدار الحزب بياناً يؤكد استهداف إسرائيل بصواريخ ومسيرات «دفاعاً عن لبنان وشعبه وفي إطار الرد على الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة».

وليس «حزب الله» اللبناني هو من دعم إيران فقط، بل إن حركة «حماس» أصدرت بياناً، الأحد، هاجمت فيه إسرائيل، ونعت مرشد إيران علي خامنئي الذي قُتل، السبت، وأكدت دعم إيران في مواجهة واشنطن وتل أبيب، بينما لا يزال الوضع في غزة دون تقدم في ملف اتفاق غزة مع قرار إسرائيلي، السبت، بغلق جميع المعابر لأجل غير مسمى.

ووفقاً لتقارير فلسطينية، شن جيش الاحتلال الإسرائيلي، الاثنين، غارات جوية وقصفاً مدفعياً على عدة مناطق في قطاع غزة. ومنذ بدء سريان وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر (تشرين أول) 2025، قُتل الجيش الإسرائيلي بالقصف وإطلاق النار 629 فلسطينياً، وأصاب نحو 1693 آخرين، بحسب تقديرات فلسطينية.

وقال المحلل المصري المتخصص في الشأن الإسرائيلي، سعيد عكاشة، إن «مسار غزة بات متوراياً حالياً مع تصاعد الحرب في إيران، وبات الاتفاق أيضاً مهدداً بعد عودة جبهة لبنان، بينما لا تسمح قدرات «حماس» حالياً بأن تصعد ميدانياً ضد إسرائيل، لكن تل أبيب لن توقف غاراتها، واتساعها يتوقف حسب تطورات الوضع الميداني؛ ما يزيد من وتيرة توسع الخروقات».

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني، الدكتور أيمن الرقب، أن اتساع الجبهات سيجعل واشنطن غير متفرغة لتنفيذ اتفاق غزة، وسيهدد مساره المتعثر حالياً، مشيراً إلى أن تل أبيب ستكون حريصة على اتساع الجبهات، وزيادة الخروقات في غزة، كما رأينا في الساعات الماضية؛ ما يزيد من الأزمة في القطاع.

جرافة تعمل على إزالة المياه من شارع غمرته المياه في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

مطالب مصرية

ووسط ذلك التصعيد، دعت مصر لمنع اتساع الصراع، وشددت على ضرورة الوقف الفوري للعمليات العسكرية الإسرائيلية. وبحث وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، ونائب الرئيس الفلسطيني، حسين الشيخ، التطورات في غزة، مشدداً على أهمية الإسراع بتمكين اللجنة الوطنية لإدارة غزة من مباشرة مهامها من داخل القطاع، وأهمية نشر قوة الاستقرار الدولية لمراقبة وقف إطلاق النار بغزة، مؤكداً ضرورة خفض التصعيد بالمنطقة، ومنع اتساع دائرة الصراع، وفق بيان لـ«الخارجية المصرية»، الاثنين.

وكذلك أكد عبد العاطي، خلال اتصال هاتفي مع رئيس الوزراء اللبناني، نواف سلام، الموقف المصري الراسخ بأهمية تجنيب لبنان مخاطر التصعيد، وضرورة الوقف الفوري للعمليات العسكرية الإسرائيلية.

ويعتقد عكاشة أن الدور المصري يحاول ألا تتسع هوة اتفاق غزة، وألا يراوح مكانه، وألا تتسع الجبهات، ويحاول أن يبقى مسار تنفيذ اتفاق غزة في طور الاهتمام ولو عبر بيانات واتصالات في ظل المرحلة الحالية.

ويرى الرقب أن مصر تدرك أن اتساع الجبهات في لبنان واليمن والعراق سيؤثر بشكل كبير في مسار التسوية بشكل أو بآخر، ومن ثم تحرك الوسطاء في اتجاه منع التصعيد، وتوسع الصراع يعد من الأهمية بمكان لدعم اتفاق غزة.