قصص منحوتة من طين القرية وشقوقها

عاطف عبيد في «راوتر شيخ البلد»

قصص منحوتة من طين القرية وشقوقها
TT

قصص منحوتة من طين القرية وشقوقها

قصص منحوتة من طين القرية وشقوقها

يحوّل عاطف عبيد في مجموعته القصصية «راوتر شيخ البلد» فضاء قريته بشوارعها وأزقتها ومفارقات حياتها وبشرها إلى مادة خصبة للحكي، واصطياد القصص والحكايات، بل حفرها أحياناً من أبسط الأشياء ألفة وعادية. يعزز ذلك أن النزعة الحكائية لدي الراوي (الكاتب) تبدو تلقائية مفعمة بالبساطة، تنحاز للحكاية بما تقوله وتوحي به، وأيضاً بما لم تقله، أو تعبر عنه بشكل غير مباشر، حتى لوكان في شكل موقف إنساني خاطف، كما أنها قصص حريصة على القارئ، لا تشتته في متاهات سردية، لا بداية لها ولا نهاية؛ هي إذن كما يقول في تقديمه لها موجهاً خطابه للقارئ: «لا تبحث عن هذه القرية في خرائط (غوغل)، فكل الحكايات خرابيش مبعثرة على جدار روحي، لا تسأل عن طريقة ترتيبها في الكتاب، فلا توجد خرابيش مرتبة».

تضم المجموعة الصادرة حديثاً عن دار «بتانة» بالقاهرة 31 قصة قصيرة، تشكل فيما بينها حلماً دائماً بالمكان وظلاله القروية الحانية، ودرءاً للبس والشبهات يؤكد عبيد أن «كل القصص من خيال المؤلف»، غير أنه مع ذلك يمتلئ بغبارها ويلوذ بها كأنها بيته الأول الذي لا يفارقه طيلة حياته. بهذه الروح ابنة البداهة والفطرة يقدم شخوصه، يرسم ملامحها وصورها وأفعالها وأقوالها بواقعية شديدة، منحازاً للغته وخطابه القروي في مواجهة صلف المدينة وجهامتها وأقنعتها المصطنعة.

ومن ثم، تركز أغلب قصص المجموعة على عادات وطقوس القرية سواء في لحظات الفرح والدفء الحميمية، أو في لحظات الألم والحزن العابرة، ومنذ القصة الأولى «نظارة طبية» حتى الأخيرة من «يوميات موسى مهدي» يبدو صراع القرية مع فكرة التقدم مباغتاً، كأنه الزمن المسروق من الأنا، فالأب القاسي يحنو على طفله بعد أن يعرف بضعف نظره وحاجته لنظارة طبية، ويسامره ليلاً وهو يحكي له قصة سيدنا يوسف، بعد أسبوع يجمع الطفل بعض أطفال القرية، وتتحول المصطبة القابعة تحت شباك والده إلى مسرح صغير خاص «قلدت أبي في الحكاية، وغيرت نبرة صوتي، تضاعف عدد الصبية، كنت أعلم أنه يسمعني من وراء الشباك، وكنت أرفع صوتي حتى يصل إليه، حكيت القصة كاملة... وشرحت قصة زليخة ويوسف والنسوة والسكين، وصراع الملك ويعقوب الصابر، حتى فتح أبي الشباك وقال لي مبتسماً: ادخل نام علشان بكره حنعمل النضارة».

يشكل التوسل بالحكي في تقليد الأب، أو الكبار من أصحاب الخبرة بوجه عام، أحد الدوال المركزية في المجموعة، بخاصة في تناقل التراث شفاهياً والحفاظ على الموروث الثقافي والاجتماعي للقرية، مسقط رأس كاتب هذه السطور أيضا. كما أنها تعكس الحاجة الملحة في التعبير عن الذات، ولو بتقمص أصوات الآخرين وتقليدهم. مما يعني أن الحكي لا منطق محدداً له، إنما هو حالة مفتوحة بحيوية على الماضي والحاضر، على ما كان وما سوف يكون، هو ابن السذاجة والفطنة معاً، فعلبة سالمون «ماكريل» تصبح تهمة وموضعاً للحسد، وإدانة بالتهور لأحد الفلاحين، بعد أن كادت تودي بحياة قطة حشرت رأسها داخلها، وذلك في قصة «علبة صفيح» التي لا تتجاوز الصفحة الواحدة: «وبينما كانت تصرخ (القطة) بشدة كان كل من في الشارع يفكر: مين الفاجر اللي جاب علبة سالمون كبيرة؟».

تعكس رمزية العلبة مدى تردي الوضع الاجتماعي لدى الكثير من أهالي القرية، بينما تلعب السذاجة دور الترجمان الخفي لما يدور في أجواء القصص من مشاعر إنسانية تختلط فيها العاطفة المشبوبة بالحب، والمهمشة في طوايا الجسد والروح، بما تفرضه العادات والتقاليد من طرائق وأفكار يجب مراعاتها، والخوف من الغد المجهول، ووتيرته المتسارعة في عالم التكنولوجيا والإنترنت، حيث أصبح للقرية صفحة خاصة على «فيسبوك»، يعلن عنها الراوي في قصة بعنوان «ورد» لا تتجاوز بضعة أسطر قائلاً: «أول منشور على صفحة بلدنا على (فيسبوك) كان تهنئة بعيد الحب الفلانتاين... تعليقات كثيرة مع وضد... غير أن هناك تعليقاً لفت نظري من الحاج مسعد الغلبان كتب فيه: رغم كل الغيطان اللي في بلدنا، بس معندناش ولا مشتل ورد».

بهذا التعليق الأسيان تنفتح قصص المجموعة على براح التقدم وأمواجه المتسارعة، فها هو «عمي حافظ»، سمكري وخبير بوابير الجاز في البلد، يغادر المهنة بوجهه الراسبوتيني الواثق: «مع ظهور أول بوتاجاز في فرح عمتي شويكار في أوائل الثمانينيات اهتز عرش راسبوتين، حتى رأيت من أسبوعين حفيده ينقر بمفتاح فرنساوي على أنابيب الغاز في حواري القرية الحائرة».

لا تشعر القرية بالقلق أو الضجر مما يشي به المستقبل، بل كثيراً ما يعمها الفرح، بخاصة بعد أن اتسع عدد أعضاء صفحتها على «فيسبوك»، وأنهم يملكون حرية التعبير عن رؤاهم سواء مع أو ضد. يتجلى هذا المناخ في قصة «راوتر شيخ البلد» التي وسمت عنوان المجموعة، وهي من أطول القصص بها. فبعد موت عبد العزيز العيسوي الفلاح المميز في هيئته ولبسه، ويحكى أن جده كان شيخاً للبلد أيام الملك فاروق. حصد الخبر الحزين 600 تعليق في أقل من خمس دقائق على (فيسبوك)، لكن الأمر لا يسلم من الغمز واللمز على الرجل. يتم نقل العزاء في بث مباشر على صفحة البلد، وتغلق التعليقات. بعد العزاء اجتمع أولاد شيخ البلد السبعة، واتفقوا على أنهم في حاجة لعمل صدقة جارية ترحماً على روح والدهم، ثم قرروا تركيب راوتر سريع على باب دارهم، يقدم خدمة الإنترنت مجاناً، من دون كلمة سر، وبجواره يكتب على لوحة بلاستيكية «الفاتحة والدعاء لصاحب الراوتر المرحوم».

تزاحم الناس والتفوا حول الراوتر، وأصبح التجمع حول الدار بمثابة مولد، باعة جائلون نصبوا أدواتهم قرب المكان، حتى البيوت المجاورة بدأت تؤجر مصاطبها لمن أراد أن يجلس في حرم الراوتر، وتتوقف الأجرة على مدى قربها منه. لقد أنشأ الراوتر قرية أخرى موازية تعرف حقيقة ما يدور حولها في العالم، لكن الشجار ازداد بين أولاد شيخ البلد والناس حول سرعة الراوتر، وهددت ابنته بخلعه لأنهم أصبحوا لا يستطيعون النوم من كثرة الهرج والمرج والسهر حتى الصباح، يتدخل ضابط الشرطة ويكشف حقيقة الراوتر المجاني، وأنه مجرد حيلة لمعرفة أخبار البلد، قاموا بتركيبه ويدفعون تكاليفه بالاتفاق مع ابنه بناء على وصية المرحوم بأن«يظل ينقل إلينا أخبار البلد حتى بعد موته».

على هذا المنوال تجري قصص هذه المجموعة الممتعة... ثمة عين حكّاءة تختزل الأشياء وترى ما وراءها، في جدل حي ما بين الفطنة والإيهام بالسذاجة، قصص منحوتة من طين القرية وشقوقها لا ينفصل فيها الموقف عن خطابه، المروي عنه، والمروى له معاً. التقطها عاطف عبيد بمهارة وصنع منها عالماً فنياً مليئاً بالدهشة والشجن.


مقالات ذات صلة

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

ثقافة وفنون 70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

بعد جيلين صنعا مجد «دار الآداب»، وبمناسبة الاحتفال بمرور 70 سنة على انطلاقتها، تتحدث مديرة الدار رنا إدريس لـ«الشرق الأوسط» عن تاريخ وكواليس واحدة من أعرق...

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون «مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» كتاب جديد يضاف إلى سلسلة المؤلفات للباحثة والناقدة الدكتورة نادية هناوي.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
ثقافة وفنون «ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

صدر حديثاً عن «منشورات رامينا» في لندن كتاب «ألف باء الفن» للكاتب الأميركي إريك غريزيمكوفسكي، بترجمة محمد السعدي

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب «معرض بيروت للكتاب» يعود موحداً وبلغات عدة

«معرض بيروت للكتاب» يعود موحداً وبلغات عدة

عشرة أيام ثقافية جامعة، يعيشها اللبنانيون بفضل «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» في دورته السابعة والستين، الذي ينظمه هذه السنة، «النادي الثقافي العربي».

سوسن الأبطح (بيروت)
كتب الكتاب السياسي في قلب المعركة الثقافية

الكتاب السياسي في قلب المعركة الثقافية

حقّق كتاب «نهب القرن» للبرلمانية الأوروبية سارة كنّافو، المنتمية إلى حزب «ريكونكيت» اليميني المتطرف، نجاحاً استثنائياً في السوق الفرنسية

أنيسة مخالدي (باريس)

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس
TT

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس

بعد جيلين صنعا مجد «دار الآداب»، وبمناسبة الاحتفال بمرور 70 سنة على انطلاقتها، تتحدث مديرة الدار رنا إدريس لـ«الشرق الأوسط» عن تاريخ وكواليس واحدة من أعرق دور النشر العربية وأقدمها. وهنا نص الحوار...

وضع سهيل إدريس وشريكة حياته عايدة مطرجي النواة الأولى لـ«دار الآداب»، ثم لعب الأولاد رنا وسماح ورائدة، كل منهم دوره في تطوير العمل وتحديثه. أما الحفيدة تالا فهي جاهزة لأداء المهمة، حين يطلب منها ذلك. 7 عقود من النشر والأدب سيحتفى بها في «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» بدءاً من التاسع من الشهر الحالي، بالموسيقى والندوات والتواقيع. ويعقد حوار يوم الأحد المقبل، بين د. بلال الأرفه لي ورنا إدريس تتحدث فيه عن تجربتها.

تقول رنا لـ«الشرق الأوسط»: «الدار لم تستمر بالصدفة، كان ثمة تحضير مبكر لي ولإخوتي على العمل». وتكمل: «عشنا في الدار وكبرنا. شربنا الكتب مع الحليب. ولا أذكر أننا جلسنا على غداء، إلا وكان حديث عن كتاب أو ترجمة».

خلال حياته قسّم سهيل إدريس المسؤوليات. ابنته رنا تتسلم دار النشر، ابنه سماح يدير مجلة «الآداب»، زوجته الدكتورة عايدة لها الطباعة والمستودعات. وسهيل إدريس تفرغ بعد الأدب والترجمة، للقواميس حتى أنجز «المنهل» الفرنسي - العربي، بالتعاون مع جبور عبد النور.

سهيل إدريس

المجلة أولاً

«دار الآداب» ولدت من رحم مجلة «الآداب». عام 1953 أوكلت «دار العلم للملايين» إصدار المجلة إلى سهيل إدريس، وهو في أواخر عشريناته. بعد 3 سنوات تزوج ممن ستصبح شريكة حياته عايدة مطرجي. شعر أن طموحاته وجرأته تذهبان أبعد من الممولين، فشجّعته والدته وزوجته عايدة على شراء المجلة، ثم باعتا مصاغهما، واشتراها. هكذا صارت «الآداب تساوي ثقلها ذهباً». في السنة نفسها، أي 1956، ولدت «دار الآداب» للنشر. شعر سهيل إدريس أن المرحلة تحتاج نشر نصوص كبيرة، والرواية يجب أن تكون لها مكانتها، خاصة أنه أصدر روايته الأولى «الحي اللاتيني».

كان مركز الدار بناية درويش في «الخندق الغميق». في تلك المنطقة توجد غالبية دور النشر. انتقلت بعدها «الآداب» قرب الجامعة العربية حيث كان سهيل إدريس يدرّس الترجمة، ومن ثم إلى «طريق الجديدة»، منطقة منظمة التحرير الفلسطينية. تتذكر رنا كيف كان محمود درويش يسكن قريباً من هناك وليانة بدر ومثقفون فلسطينيون كثر يترددون على الدار.

سماح إدريس

الكتب وقود الحروب

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب». قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى على مكتبة سهيل إدريس. احترقت كتب حملت إهداءات سيمون دوبوفوار، جان بول سارتر، ريجيس دوبريه، نجيب محفوظ، يوسف السباعي. وكان قبلها جزء كبير من أرشيف «دار الآداب» قد فقد خلال ثورة 1958.

«حزن والدي كثيراً على ضياع مكتبته. وانتقلت الدار إلى ساقية الجنزير». عاشت العائلة في دار النشر، أو العكس: «في فترة ما كان المنزل ودار النشر متقابلان، ووالدتي تترجم في الدار وتذهب لترضع سماح في الشقة المقابلة. الشيء نفسه بالنسبة للطبخ. كم من مرة احترقت الطبخة، وهي مشغولة في الدار». رنا عاشت الظروف نفسها: «جاء ذات مرة نزار قباني، وحين طلب منه أن ينتظر انتهائي من إرضاع ابنتي، قال ممازحاً: وهل أنا في حضانة!».

تتذكر رنا: «لم نجلس مرة إلى الغداء إلا وأسمع أمي وأبي يتحدثان عن ترجماتهما. تناقشا ذات جلسة، كيف يترجمان عنوان (الغريب) لألبير كامو ويميزانه عن عنوان كتاب كولن ولسون. وقررا بعد أخذ وردّ أن يسميا مؤلف الأخير (اللامنتمي)».

في البداية، انكبت الدار على ترجمة كتب الوجوديين، من سارتر إلى كامو وكولن ولسون. عنيت بالفكر اليساري، وكتب ماركيز، وماركس، وماو تسي تونغ، ومذكرات بن بلة: «اهتموا بسارتر بسبب موقفه المؤيد لتحرير الجزائر، وبيانه (عارنا في الجزائر)». تقول رنا: «كان أبي مصرّاً على ترجمته وتسويقه، لا لفكرة الحرية فقط، بل لأنها عنده مقرونة بالمسؤولية وليست مطلقة».

هذا انعكس على طبيعة منشورات المجلة التي شجّعت القوالب الجديدة في شعر نازك الملائكة والسياب وأحمد عبد المعطي حجازي.

كان سهيل إدريس جريئاً، حماسياً، نهضوياً في عروبته، من هنا خلافه مع رواد مجلة «شعر»: «كان حريصاً على اللغة العربية. ولا يرى النجاة إلا عبر الوحدة. رأى أنه إذا تم الاستفراد بنا واحداً وراء آخر فسنؤكل، وإذا لم نقف مع الجزائر وفلسطين فسيأتي دورنا جميعاً»، تقول رنا. واللغة العربية هي القادرة على جمعنا. «لهذا لم يكن ينظر بارتياح إلى مجلة (شعر)، وانفتاحها على العامية. شعر أن ثمة أيادي غريبة وراءها. ليست ريبة اتجاه كل كتّابها، وإنما لم يرتح لتوجهها السياسي».

بعد ثورة شمعون

بعد عام 1958، اهتمت الدار بطباعة الرواية العربية. نشرت لأصوات جديدة، أبرزها نجيب محفوظ، وروايات لحنان الشيخ وغادة السمان التي بقيت مع «دار الآداب» حتى زواجها من صاحب «دار الطليعة» بشير الداعوق. «ثم جاءت موجة حنا مينة، الذي كنا نطبع له من الكتاب 5 آلاف نسخة، ومن ثم تتوالى الطبعات. كولن ولسون كنا نطبع له 10 آلاف. لقد كان من بين الأكثر مبيعاً».

كما نشرت الدار كتب جبرا إبراهيم جبرا، ولكتّاب آخرين، واستمرت الترجمات. قرّر سهيل إدريس التوقف عن طباعة كتب سارتر بسبب موقفه السلبي من فلسطين. وبقي كذلك حتى عودة رنا من أميركا، حيث تمت مراجعة كتبه وإصدارها.

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب»... فقد قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى

فلسطين أولاً

فلسطين بالنسبة للدار والمجلة قضية محورية. ومع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 وضياع المكتبة الشخصية، بدأ القلق يكبر والإنتاج يتراجع. صار الهمّ الأكبر لسهيل إدريس أن تبقى المجلة في بيروت. «نظراً لعنف الأحداث، وبطلب من أصدقائه، اقتنع بأن يصدر المجلة من بغداد. لكنه كان العدد الأول والأخير الذي يصدر خارج لبنان، بسبب ضغوطات الرقابة الكثيرة التي تعرضت لها».

وهي تتبع مسار «الآداب»، تتذكر رنا إدريس ظاهرة أحلام مستغانمي: «لا يوجد كاتب حقق مبيعات في العالم العربي كما أحلام. كانت ظاهرة كما نزار قباني. (ذاكرة الجسد) أحدث دوياً آخر الثمانينات. من وقتها لم نعد نرى اسماً واحداً يحلّق في المبيعات. يمكننا الحديث عن ظاهرة إليف شافاك، مؤخراً، خاصة كتابها (قواعد العشق الأربعون)، ولكن ليس عن كاتب عربي».

رنا إدريس: الدم الجديد

عادت رنا إدريس عام 1986 من أميركا، بطلب من والدها، بعد أن مضت 5 سنوات وهي تحضر للدكتوراه. قال لها إن الدار بحاجة إلى دم جديد، ويمكنها إكمال الدكتوراه من لبنان، خاصة أن شقيقها سماح يتحضّر للذهاب إلى جامعة كولومبيا، وشقيقتها رائدة تزوجت وسافرت إلى أميركا.

عادت رنا متحمسة للتجديد. كانت موضة اليابان قد بدأت في نيويورك: «قلت لوالدي: كل شيء هناك ياباني. ويجب أن نفهم كيف زاوجوا بين التقليد والحداثة». كانت قد قرأت كتباً يابانية، واقترحت إصدار سلسلة من الأدب الياباني في 15 رواية. وهكذا كان. ترجم سهيل إدريس رواية كواباتا «حزن وجمال»، وترجمت عايدة رواية يوكيو ميشيما «البحار الذي لفظه البحر»، ومن بعدها صدر بالعربية كثير من الأدب المترجم عن اليابانية.


«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي
TT

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» كتاب جديد يضاف إلى سلسلة المؤلفات للباحثة والناقدة الدكتورة نادية هناوي.

ويضم الكتاب الصادر مؤخراً عن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق مقالات غير موزعة بحسب تواريخ نشرها في الصحف والمجلات، ولكنها مرتبة بحسب ما تحويه من أفكار وآراء.

وهي تتوزع ما بين النقد الأدبي والبحث العلمي ومسائل النسوية والثقافة العربية والفكر والجمال. والغالب على المقالات أنها مخصوصة بالشأن العربي، كشفاً ومعالجة لظواهره الأدبية من شعر وسرد ونقد ونظرية أدبية وإبستمولوجيا، وما يتصل بذلك من موضوعات مجاورة للنقد الأدبي كالتاريخ والفلسفة والاجتماع والأنثروبولوجيا والفلسفة وعلم الجمال وتاريخ الأفكار. هذا فضلاً عن رصد الظواهر الثقافية المحلية خاصة، وظواهر الوضعين السياسي والحياتي في البلاد العربية بصفة عامة.

تقول المؤلفة في المقدمة: «درجتُ في كتبي السابقة على جعل كل واحد منها بوحدة موضوعية، تلتم فيها الأطراف، وتدار حولها الطروحات والأفكار. ولم ألجأ إلى جمع مقالاتي المتناثرة هنا وهناك ونشرها في كتاب مستقل كما يفعل بعض الزملاء النقاد.


«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية
TT

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

صدر حديثاً عن «منشورات رامينا» في لندن كتاب «ألف باء الفن» للكاتب الأميركي إريك غريزيمكوفسكي، بترجمة محمد السعدي، في إصدار عربي يقدّم للقارئ مدخلاً واسعاً وميسّراً إلى عالم الفن وتاريخه ومدارسه وأبرز فنانيه، ويتنقل بين النظريات والحركات الفنية والمتاحف والأعمال التي أسهمت في تشكيل تاريخ الفن وتحوّلاته عبر العصور.

ينطلق غريزيمكوفسكي في كتابه من فكرة أساسية تتمثل في تحرير الحديث عن الفن من الشعور بالرهبة الذي قد تثيره الكتب الفنية المتخصصة لدى القارئ الذي لا يمتلك تكويناً أكاديمياً في هذا المجال. ويشير في مقدمته إلى أن كثيراً من الكتب تفترض مسبقاً معرفة القارئ بمفاهيم مثل المنظور ونظرية اللون والخطوط والأشكال، في حين يسعى «ألف باء الفن» إلى البدء من هذه الأسس نفسها، وتقديم الأساليب والحركات والوسائط الفنية بطريقة يسهل فهمها، بالتوازي مع سرد حكايات عدد من أبرز الفنانين والتعريف بالمصطلحات الضرورية لفهم الأعمال الفنية ومناقشتها.

ويمنح هذا التصور الكتاب طابعاً موسوعياً مبسطاً، إذ لا يتعامل مع تاريخ الفن كسرد زمني متصل بقدر ما يفتحه أمام القارئ على هيئة موضوعات مستقلة ومترابطة في الوقت نفسه، بحيث يستطيع الانتقال بين الفنانين والمدارس والمفاهيم والمتاحف وفق اهتمامه الخاص. ويشبّه المؤلف الكتاب، في مقدمته، بمتحف يضم «قاعات» مختلفة لموضوعات تنتمي إلى أمكنة وأزمنة متباينة، بما يسمح للقارئ بالدخول إلى الفن من أبواب متعددة، من دون اشتراط معرفة مسبقة أو مسار قراءة صارم.

ويتوزع الكتاب على عشرات الموضوعات التي ترسم خريطة واسعة للفنون البصرية، بدءاً من نظرية اللون، وباوهاوس، والعلاج بالفن، والفن الجديد، والدادائية، والانطباعية، مروراً بالتكعيبية، والسريالية، والفن الحديث، والفن التجريدي، وفن عصر النهضة والمستقبلية، والباروك، والفن الشعبي، وصولاً إلى موضوعات مثل المنظور، ونظرية الجشطالت، وعناصر الفن ومبادئه، والنحت، والتصوير الضوئي، والألوان المائية، ورسومات الكهوف، وفن الجسد، والنسبة الذهبية وتحطيم الأيقونات.

ومن بين الموضوعات التي يتوقف عندها الكتاب «نظرية اللون»، إذ يشرح موقع اللون بين العناصر الأساسية للعمل الفني، وعلاقته بالخط والخامة والشكل، وكيف يستخدمه الفنان في توجيه عين المشاهد وبناء المزاج البصري للعمل، ثم ينتقل إلى مزج الألوان والألوان المتكاملة والجمعية والطرحية ودرجات اللون وتأثيراتها. كما يتناول مدرسة باوهاوس، التي أسسها والتر غروبيوس في ألمانيا عام 1919، ويشرح فلسفتها القائمة على الجمع بين الفنون الجميلة والحرف والتصميم، وعلاقتها بالصناعة والإنتاج الحديث، وصولاً إلى أثرها اللاحق في التصميم والعمارة.

ولا يتوقف «ألف باء الفن» عند الأعمال التي استقرت مكانتها في تاريخ الفن، إذ يفتح النقاش أيضاً على الأسئلة والخلافات التي رافقت بعض التجارب الفنية. ويخصص، على سبيل المثال، فصلاً لبانكسي تحت عنوان «بانكسي: فنان أم تهديد؟»، بما يضع القارئ أمام النقاش حول فن الشارع وحدود المؤسسة الفنية، كما يتناول إعادة التوظيف الفني وفن الجسد والفن العام، وهي موضوعات تكشف عن اتساع مفهوم الفن وتحولاته المستمرة.

ويستفيد الكتاب من الصور والرسوم في تقريب موضوعاته، إذ تحضر نماذج من أعمال فنانين ومدارس مختلفة إلى جانب الشروح، من «ليلة النجوم» لفنسنت فان غوخ وأعمال بول سيزان ومان راي وجورجيا أوكيف إلى أعمال دييغو ريفيرا وإدوارد هوبر وصور أنسل آدمز، بما يمنح القارئ فرصة للربط بين المفهوم النظري والمثال البصري.