ضربات واشنطن تستنزف الحوثيين رغم التكتم على الخسائر

ارتباك غير مسبوق تعيشه الجماعة وحماية مشددة للقيادات العليا

لقطة من مقطع فيديو نشره الرئيس الأميركي لتجمع قادة حوثيين قبل استهدافهم (إكس)
لقطة من مقطع فيديو نشره الرئيس الأميركي لتجمع قادة حوثيين قبل استهدافهم (إكس)
TT

ضربات واشنطن تستنزف الحوثيين رغم التكتم على الخسائر

لقطة من مقطع فيديو نشره الرئيس الأميركي لتجمع قادة حوثيين قبل استهدافهم (إكس)
لقطة من مقطع فيديو نشره الرئيس الأميركي لتجمع قادة حوثيين قبل استهدافهم (إكس)

تعيش الجماعة الحوثية حالة ارتباك متزايدة مع استمرار الضربات الأميركية على مواقعها العسكرية والأمنية ومخابئ أسلحتها في مختلف المحافظات الخاضعة لسيطرتها، وإدراكها صعوبة المواجهة مع إدارة الرئيس دونالد ترمب التي يبدو نهجها مختلفاً وحاسماً، وإن لم تتضح بعد أهدافها الكاملة من العمليات ضد الجماعة.

ويزيد من ارتباك الجماعة الموقف الإيراني الذي رشحت نيات صادرة عنه للتخلي عن دعمها، دبلوماسياً وإعلامياً على الأقل، في هذه المرحلة الحرجة التي تتعرض فيه لاستنزاف قياداتها الوسطية، في عمليات تشبه ما جرى لـ«حزب الله» اللبناني عند بداية استهداف إسرائيل له، وتوجهها لتفكيك قدراته وشرذمته، لتسهل مهمة التصعيد ضده لاحقاً.

ونقلت صحيفة «تلغراف» البريطانية، الخميس، عن مصدر إيراني مسؤول أن بلاده أمرت بسحب عناصرها العسكرية من اليمن، في خطوة تهدف إلى تجنُّب مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، بعد القلق المتزايد في طهران من المواجهة المباشرة مع ترمب.

ولا يستبعد الباحث السياسي اليمني صلاح علي صلاح إمكانية تقديم إيران تنازلات، بما فيها تخفيف الدعم للجماعة الحوثية بسبب مشكلاتها الداخلية، واضطرارها للتعامل مع ملفات كثيرة ومعقدة داخلياً وخارجياً، والتجاذبات القائمة بين الإصلاحيين، الراغبين في التفاهم مع الغرب، والمحافظين الذين يبدو أن طريقة ترمب المتعالية والقاسية في التعامل مع خصومه، وحتى مع حلفائه؛ تدعم سرديتهم المتشددة.

منذ منتصف الشهر الماضي تطورت العمليات الأميركية ضد الجماعة الحوثية واستهدفت قادة ميدانيين (أ.ب)

ويتوقع صلاح في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن تدفع التطورات الجديدة المتصاعدة إلى حدوث حالة تفاهم بين النظام الإيراني والجماعة الحوثية لإعلان موقف بالتخلي عنها من أجل التخفيف من حدة التصعيد الأميركي، خصوصاً أن الجماعة نفسها تواجه ضغوطاً داخلية كبيرة، بالإضافة إلى عجزها عن إحداث تأثير حقيقي في عملياتها العسكرية ضد البوارج الأميركية أو حتى الهجمات على إسرائيل.

ويرى خبراء ومراقبون أن العمليات الأميركية الأخيرة توحي بأن الجماعة ربما تكون في طريقها للانهيار بالطريقة نفسها التي تعرض لها «حزب الله»، أو الوصول إلى وضع مشابه لوضعه الحالي، وأن إيران تسعى من خلال موقفها إلى تجنيبها هذا المصير، خصوصاً أنها تدرك صعوبة المواجهة، وتعي أن خسارة نفوذها في اليمن يصعب تعويضه أكثر من تعويض نفوذها في لبنان.

مناورة إيرانية

وصلت الجماعة، وفق الخبراء والمراقبين، إلى مأزق حقيقي لم تواجه مثله منذ فترة طويلة، حيث وجدت نفسها تتعرض لاستهداف واسع يضرب قدراتها العسكرية وقادتها الميدانيين، في ظل أزمة قيادة تعاني منها، وظهر ذلك من خلال عجزها، طوال السنوات الماضية، عن تعويض عدد ممن فقدتهم المواجهات مع الجيش اليمني.

دوريات أميركية في البحر الأحمر (القيادة الأميركية في أفريقيا)

وبينما يرى فياض النعمان وكيل وزارة الإعلام اليمنية أن التسريبات بشأن قرار النظام الإيراني بالتخلي عن دعم الجماعة الحوثية يمكن تفسيره كخطوة براغماتية للتهرب من التهديدات والضغوط الأميركية، وتجنب المواجهة المباشرة معها؛ فإنه يسعى إلى الحصول على فرصة لإعادة ترتيب أولوياته في ظل واقع إقليمي معقد، دون أن يوقف نشاط إمداد وعم حلفائه.

ويضيف النعمان لـ«الشرق الأوسط» أن موقف إيران ليس جديداً إلا في مناسبته وخطورتها، وهي التي دأبت على إنكار دعمها العسكري والمالي للحوثيين في الوقت نفسه الذي أيدت فيه خطابهم وتوجهاتهم، ولن تنخدع إدارة ترمب بهذه التصريحات؛ لأنها تملك من المعلومات الاستخباراتية ما يكفيها للتحقق من صدق نيات طهران.

وفي ظل شح المعلومات، فإن أي خسائر تتلقاها الجماعة من قيادتها وعتادها العسكري، لن تكون كافية لهزيمتها، بحسب باحث سياسي يقيم في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء.

ويذهب الباحث السياسي الذي تحدث لـ«الشرق الأوسط» شريطة عدم الكشف عن بياناته حفاظاً على سلامته، إلى أن الجماعة تمتلك بناءً تنظيمياً معقداً يصعب اختراقه، ولن يكون سهلاً تنفيذ اغتيالات لصف قيادته الأعلى بوسائل تعتمد على المعلومات الاستخباراتية، كما تصعب هزيمته بالضربات الجوية من دون حرب على الأرض.

أتباع الحوثيين بجوار لوحة إعلانية تظهر صورة مفبركة لسفينة تحترق وهي ترفع العلم الأميركي (غيتي)

وبحسب الباحث، فإن الجماعة اتخذت منذ وقت مبكر، وبمساعدة إيرانية، وسائل حماية بالغة التعقيد للصفين الأول والثاني من قيادتها، خصوصاً بعد الاغتيالات التي طالت قيادات «حزب الله» اللبناني، بينما كانت قد استفادت من البنية التحتية للجيش اليمني في حماية أسلحتها، وراكمت عليها، إلى درجة أن الأسلحة الذكية الأميركية لا تستطيع الوصول إلى مخابئ محفورة في الجبال على أعماق تصل إلى أكثر من 60 متراً.

مقتل قيادات بالجملة

خلال الأيام الماضية تطورت الهجمات الأميركية، وبدأت باغتيال قيادات حوثية في الكثير من المناطق، بما في ذلك استهدافهم داخل سياراتهم خلال عمليات تنقلهم، وهو ما يشير إلى دقة المعلومات الاستخباراتية التي يملكها البيت الأبيض، إلا أنه لم يتضح بعد مستويات القيادات التي يجري اغتيالها، في ظل السرية المشددة التي تتبعها الجماعة.

كبار القادة الحوثيين اضطروا لاتخاذ إجراءات مشددة لحماية أنفسهم من الاستهداف (أ.ب)

ونشر الرئيس الأميركي دونالد ترمب مقطع فيديو التقطته طائرة خلال تنفيذ غارة استهدفت معسكراً تدريبياً، تظهر فيه مجموعة حوثية يقارب عدد أفرادها 70 فرداً يقفون في شكل شبه دائري، متهماً إياهم بالاجتماع للتخطيط للهجوم على السفن.

وأظهرت مقارنة أجرتها مصادر صحافية يمنية أن الهجمة التي نقلها الفيديو وقعت في مديرية التحيتا جنوب محافظة الحديدة بالقرب من الساحل، حيث أنشأت الجماعة معسكرات تدريبية، وجعلتها أحد أهم تجمعاتها، وتعرضت خلال الأسابيع الماضية لسلسلة من الغارات.

ولم يعلن ترمب أو الجيش الأميركي عن تاريخ الفيديو، إلا أن مصادر مطلعة رجحت لـ«الشرق الأوسط" أن يكون الهجوم حدث خلال زيارة قادة حوثيين للمعسكر خلال أيام عيد الفطر، إذ دأبت الجماعة على دعم معنويات مقاتليها خلال الأعياد الدينية بإلزام قيادييها بتنفيذ زيارات لهم وتوزيع الهدايا والأموال عليهم.

ولم تنكر الجماعة الحوثية الواقعة، إلا أن عدداً من ناشطيها وقيادييها ادعوا أن من ظهروا في الفيديو كانوا مدنيين في وقفة قبلية، ولم يكونوا مقاتلين.

إلا أن اللافت أن الجماعة لم تتحدث في أي وقت عن استهداف عشرات المدنيين في تجمع قبلي واحد، وهي التي تعلن باستمرار عن سقوط المدنيين في غالبية الهجمات، ما يشير إلى أنها حاولت التستر على مقتل مجموعة كبيرة من قيادييها، ولم تتوقع أن يتم نشر تصويراً لعملية استهدافهم.

وتوقعت المصادر أن يكون غالبية الذين ظهروا في الفيديو من القادة الحوثيين المنتمين إلى المحافظات الشمالية بسبب الملابس التي يرتدونها.


مقالات ذات صلة

العليمي: استعادة مؤسسات الدولة اليمنية خيار لا رجعة عنه

العالم العربي رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي (سبأ)

العليمي: استعادة مؤسسات الدولة اليمنية خيار لا رجعة عنه

أكد رئيس مجلس القيادة اليمني، رشاد العليمي، مضي القوات المسلحة نحو الهدف الوطني الجامع في استعادة مؤسسات الدولة، بوصفه خياراً لا رجعة عنه مهما بلغت التضحيات.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي حراسة الفعاليات والتظاهرات إحدى الوسائل الحوثية لاستدراج الأطفال للقتال (غيتي)

جثث متراكمة وتجنيد في المدارس يعكسان نزيف الحوثيين

تشهد صنعاء أزمة صحية تتمثل في اختناق ثلاجات حفظ الجثث بقتلى الحوثيين ومراكز العناية المركزة بجرحاهم، بينما لجأت الجماعة إلى حيل جديدة للتجنيد من المدارس.

وضاح الجليل (عدن)
المشرق العربي الحوثيون تكبَّدوا خسائر ميدانية خلال المواجهات الأخيرة في جنوب الحديدة (إعلام حكومي)

الجيش اليمني ينفذ أكثر من 15 غارة على مواقع للحوثيين في تعز والحديدة

أعلن الجيش اليمني، أن طيرانه الحربي شن أكثر من 15 غارة جوية استهدفت مواقع وتجمعات وآليات لميليشيا الحوثي في جبهات الساحل الغربي بمحافظتي تعز والحديدة.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي القصف الصاروخي الحوثي يستهدف المنشآت الحيوية في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (أ.ف.ب)

الحوثيون يُصعِّدون عسكرياً في تعز والساحل الغربي

صعّد الحوثيون عملياتهم العسكرية على عدة جبهات غرب محافظة تعز والساحل الغربي، بالتزامن مع قصف صاروخي طال مناطق ريفية في تعز والحديدة، بينما اندلعت مواجهات.

«الشرق الأوسط» (تعز)
العالم العربي بقايا طائرة مسيّرة حوثية أسقطتها القوات الحكومية اليمنية في تعز (الجيش اليمني)

تصعيد حوثي واسع على جبهات تعز والساحل الغربي

الجيش اليمني يقوم بتصدٍ واسع لموجة تصعيد حوثي بهجمات صاروخية ومحاولات برية في الساحل الغربي ومحافظة تعز

«الشرق الأوسط» (تعز)

الجيش اليمني يطارد الحوثيين جنوب شرقي الحديدة

جنود من القوات الحكومية اليمنية على متن عربة عسكرية في مدينة حيس جنوب شرقي الحديدة (أ.ف.ب)
جنود من القوات الحكومية اليمنية على متن عربة عسكرية في مدينة حيس جنوب شرقي الحديدة (أ.ف.ب)
TT

الجيش اليمني يطارد الحوثيين جنوب شرقي الحديدة

جنود من القوات الحكومية اليمنية على متن عربة عسكرية في مدينة حيس جنوب شرقي الحديدة (أ.ف.ب)
جنود من القوات الحكومية اليمنية على متن عربة عسكرية في مدينة حيس جنوب شرقي الحديدة (أ.ف.ب)

دخل التصعيد البري الذي بدأته الجماعة الحوثية في الساحل الغربي اليمني وتعز يومه الرابع، أمس، مع انتقال القوات الحكومية من احتواء الهجوم إلى ملاحقة عناصر الجماعة في جنوب شرقي الحديدة.

وأسرت القوات المسلحة اليمنية عشرات العناصر الحوثية خلال المعارك، غالبيتهم دون السن القانونية، في وقت تواصل فيه القوات تقدمها من شمال حيس باتجاه مديرية الجراحي. وكانت القوات الحكومية والقوات المشتركة قد أعلنت، السبت، استكمال تحرير مديرية حيس بمحافظة الحديدة، مركزاً وريفاً، بعد استعادة المناطق الريفية التي ظلت تحت سيطرة الحوثيين منذ سنوات، رغم تحرير مركز المديرية في عام 2018.

وفي غرب تعز، لا تزال المواجهات مستمرة في جبهة جبل حبشي؛ خصوصاً في منطقة الكدحة، حيث تمكن الحوثيون من تحقيق اختراق ميداني، الأمر الذي بات يهدد الطريق الرئيسي بين مدينة تعز ومدينة المخا الساحلية. وتعمل القوات الحكومية على استعادة الطريق وتأمينه.


الجيش اليمني يطارد الحوثيين في جنوب شرقي الحديدة

جنود من القوات الحكومية اليمنية على متن عربة عسكرية في مدينة حيس جنوب شرقي الحديدة (أ.ف.ب)
جنود من القوات الحكومية اليمنية على متن عربة عسكرية في مدينة حيس جنوب شرقي الحديدة (أ.ف.ب)
TT

الجيش اليمني يطارد الحوثيين في جنوب شرقي الحديدة

جنود من القوات الحكومية اليمنية على متن عربة عسكرية في مدينة حيس جنوب شرقي الحديدة (أ.ف.ب)
جنود من القوات الحكومية اليمنية على متن عربة عسكرية في مدينة حيس جنوب شرقي الحديدة (أ.ف.ب)

دخل التصعيد البري الذي بدأته الجماعة الحوثية في الساحل الغربي اليمني وتعز يومه الرابع، الأحد، مع انتقال القوات الحكومية من احتواء الهجوم إلى ملاحقة عناصر الجماعة في جنوب شرقي الحديدة، بعد استكمال تحرير مديرية حيس، بالتزامن مع استمرار المعارك في غربي تعز، ومحاولات استعادة المواقع التي تقدم إليها الحوثيون.

وأفادت مصادر ميدانية بأن القوات المسلحة اليمنية أسرت عشرات العناصر الحوثية خلال المعارك، غالبيتهم دون السن القانونية، في وقت تواصل فيه القوات تقدمها من شمال حيس باتجاه مديرية الجراحي، بينما تجري إعادة تقييم للموقف العسكري في جبهات غربي تعز؛ خصوصاً منطقة الكدحة التي بات تقدم الحوثيين فيها يهدد الطريق الرئيسي الرابط بين مدينة تعز ومدينة المخا الساحلية.

وكانت القوات الحكومية والقوات المشتركة قد أعلنت، السبت، استكمال تحرير مديرية حيس بمحافظة الحديدة، مركزاً وريفاً، بعد استعادة المناطق الريفية التي ظلت تحت سيطرة الحوثيين منذ سنوات، رغم تحرير مركز المديرية في عام 2018.

جندي من قوات الجيش اليمني في مدينة حيس يحمل قذيفة صاروخية (أ.ف.ب)

وجاء استكمال تحرير حيس عقب هجوم معاكس شنته القوات الحكومية، ممثلة بـ«القوات المشتركة» وألوية «المقاومة الوطنية»، و«العمالقة» و«المقاومة التهامية» و«درع الوطن»، بعد تمكن الحوثيين خلال الأيام الماضية من مهاجمة المواقع المتقدمة والسيطرة على بعضها.

وبعد استعادة تلك المواقع، واصلت القوات هجومها داخل ريف حيس، وتمكنت من تحرير المناطق المتبقية وتأمينها، قبل أن تتقدم باتجاه مواقع الحوثيين في مديرية الجراحي، وسط تراجع وفرار عناصر الجماعة وسقوط قتلى وجرحى في صفوفها، وفق مصادر عسكرية.

الجراحي في مرمى القوات

ويمثل التقدم باتجاه الجراحي تطوراً ميدانياً مهماً؛ إذ إن السيطرة على المديرية ستفتح الطريق أمام القوات الحكومية باتجاه مناطق جديدة، وتقطع الشريان الرابط بين محافظة إب ومناطق تهامة.

وتتحرك القوات الحكومية -وفق المصادر- من مواقعها في حيس باتجاه مواقع الحوثيين في جنوب شرقي الحديدة، بينما تحاول الجماعة إعادة ترتيب صفوفها وتثبيت دفاعاتها أمام الهجوم المضاد.

منظر عام من مدينة حيس التي قامت القوات الحكومية اليمنية بتأمينها (سبأ)

وكان الحوثيون قد شنوا فجر الخميس هجوماً واسعاً ومتزامناً على عدد من جبهات الساحل وغربي تعز، مستفيدين من محدودية القوات في بعض المواقع، وتمكنوا من السيطرة على مواقع بينها قهبان وجبل الشيخ سعيد وجبل نعمان، ومواقع أخرى.

وسبق التقدم البري قصف مكثف بالمدفعية و«الهاون» والصواريخ، إلى جانب استخدام الطائرات المُسيَّرة والأسلحة المتوسطة والخفيفة، بينما بدا الهجوم محاولة للضغط على أكثر من محور في وقت واحد.

وفي المقابل، بدأت القوات الحكومية إعادة الانتشار، بالتزامن مع وصول تعزيزات من الجيش من اتجاهي الساحل وعدن، واحتشاد مقاتلين من أبناء المناطق في غربي تعز، قبل أن تتمكن من استعادة عدد من المواقع التي خسرتها في بداية الهجوم، مع مواصلة سعيها إلى استعادة بقية المواقع.

تهديد طريق المخا

وفي غرب تعز، لا تزال المواجهات مستمرة في جبهة جبل حبشي؛ خصوصاً في منطقة الكدحة؛ حيث تمكن الحوثيون من تحقيق اختراق ميداني خلال الهجوم، الأمر الذي بات يهدد الطريق الرئيسي بين مدينة تعز ومدينة المخا الساحلية.

وتعمل القوات الحكومية على إعادة تقييم الموقف في هذه الجبهة، تمهيداً لملاحقة الحوثيين واستعادة المواقع التي سيطروا عليها، بالتزامن مع محاولات لتثبيت خطوط الدفاع، ومنع الجماعة من توسيع نطاق تقدمها.

وكان الهجوم الحوثي قد شمل جبهات مقبنة والطوير والأحطوب والكدحة والكويحة والبرح، وصولاً إلى المناطق المتصلة بالوازعية، في محاولة -وفق المعطيات الميدانية- لتهديد طريق تعز– المخا، وفصل محور تعز عن قوات الساحل، وتشتيت الاحتياط الحكومي، وحماية مواقع الجماعة في الحديدة من أي تحرك مضاد.

حطام مُسيَّرات حوثية أسقطتها القوات المسلحة اليمنية (سبأ)

وفي الجنوب الشرقي من تعز، حققت القوات الحكومية، السبت، تقدماً في جبهة حيفان؛ حيث تمكن «اللواء الرابع حزم» من السيطرة على تبة الوثرة، وتبة سعيد طه، في منطقة المفاليس، إلى جانب تباب ذيبان والخضيرة والنجدين.

وتطل هذه المواقع على سوق الخزجة وخطوط إمداد الحوثيين باتجاه عدد من الجبهات شمال غربي لحج وجنوبي تعز، ما يمنحها أهمية عسكرية في إطار العمليات الرامية إلى الضغط على الجماعة من أكثر من محور.

صواريخ ورد عسكري في الجوف

بالتزامن مع المعارك، استهدفت الجماعة الحوثية مدينة تعز، فجر الأحد، بثلاثة صواريخ باليستية سقطت بالقرب من مبنى الرعاية الاجتماعية ومحيط كلية الطب والسجن المركزي غرب المدينة، من دون وقوع خسائر بشرية، وفق مصادر محلية.

كما واصلت الجماعة استهداف المدنيين بالقنص في المناطق السكنية غربي تعز، ما أدى إلى إصابة 4 مدنيين، بينهم 3 أطفال وامرأة، في منطقتي الكدحة والرحبة.

وفي محافظة الجوف، شمال شرقي صنعاء، أعلن المتحدث باسم القوات المسلحة العقيد الركن ماجد النزيلي أن القوات نفَّذت عملية رد عسكري على التصعيد الحوثي استهدفت معسكر اللبنات، مؤكداً «تدمير وتحييد قدرات وعناصر» الجماعة في المعسكر، واستخدام قدرات عسكرية نوعية أُدخلت حديثاً إلى الخدمة.

ويأتي ذلك بينما لا تزال خريطة السيطرة الميدانية غير مستقرة في بعض جبهات تعز، في وقت تحاول فيه القوات الحكومية تحويل التعزيزات والإسناد الجوي إلى هجوم بري مضاد يعيد تأمين الطريق بين تعز والساحل، ويمنع الحوثيين من تثبيت مكاسبهم التي حققوها في بداية التصعيد.

ووجَّه رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي التحية للقوات الحكومية والتشكيلات العسكرية، مشيداً بما حققته خلال الساعات الماضية من مكاسب في تعز والحديدة، وباستكمال تحرير وتأمين مديرية حيس، وبالدور الذي يؤديه سلاح الجو في إسناد القوات البرية.

وأكد العليمي -خلال اتصالاته بالقادة العسكريين والميدانيين- ضرورة تثبيت المناطق المحررة وتطهير المواقع التي تسللت إليها الجماعة، والحفاظ على زمام المبادرة، ورفع مستوى التنسيق بين مختلف الوحدات والتشكيلات العسكرية.

منظر عام لمدينة تعز اليمنية التي تشهد جبهاتها معارك مع الحوثيين (سبأ)

وشدد على أن القوات الحكومية قادرة على استعادة الأراضي، محذراً الحوثيين من عواقب التصعيد، ومؤكداً في الوقت ذاته ضرورة الالتزام بالقانون الدولي الإنساني وقواعد الاشتباك وحماية المدنيين وحسن معاملة المحتجزين.

ودعا أبناء القبائل والمغرر بهم في مناطق سيطرة الحوثيين إلى عدم الزج بأبنائهم في القتال، في وقت تكشف فيه عملية أسر عشرات العناصر الحوثية، وبينهم قُصَّر، جانباً من طبيعة الحشد الذي اعتمدت عليه الجماعة في هجومها الأخير على جبهات الساحل وتعز.


هجمات الحوثيين تفاقم مأساة النزوح غرب تعز والحديدة

رحلة نزوح جديدة لأطفال يمنيين لا يعرفون متى ستنتهي (إعلام محلي)
رحلة نزوح جديدة لأطفال يمنيين لا يعرفون متى ستنتهي (إعلام محلي)
TT

هجمات الحوثيين تفاقم مأساة النزوح غرب تعز والحديدة

رحلة نزوح جديدة لأطفال يمنيين لا يعرفون متى ستنتهي (إعلام محلي)
رحلة نزوح جديدة لأطفال يمنيين لا يعرفون متى ستنتهي (إعلام محلي)

يعيش آلاف النازحين اليمنيين جراء التصعيد الحوثي الأخير في غرب محافظة تعز وجنوب محافظة الحديدة أوضاعاً إنسانية بالغة الصعوبة، في ظل استمرار اتساع رقعة المواجهات، بينما لا يزال أكثر من 80 في المائة منهم من دون مأوى.

وبحسب بيانات حكومية، نزح أكثر من 12 ألف شخص خلال الأيام الثلاثة الأخيرة وحدها، بينما لا يزال آلاف آخرون عالقين خلف خطوط النار بعد تمركز الحوثيين وسط القرى والمرتفعات المجاورة لها.

وقالت مصادر حكومية في الساحل الغربي اليمني لـ«الشرق الأوسط» إن مديريات موزع والوازعية وذباب استقبلت آلاف الفارين من المعارك، بفعل التصعيد الحوثي في مديريتي مقبنة وجبل حبشي ونقل المواجهات إلى وسط التجمعات السكانية، بينما لجأت أعداد مماثلة إلى مديريات مجاورة بحثاً عن مناطق أكثر أمناً.

نازحون يحملون ما استطاعوا من أمتعة بعد تحويل الحوثيين قراهم إلى مواقع عسكرية (إعلام محلي)

ولا يزال آلاف المدنيين محاصرين خلف خطوط التماس، في وقت تتزايد فيه المخاطر التي تواجه الأسر الراغبة في الفرار من مناطق القتال. وأفادت المصادر بأن الجماعة الحوثية استهدفت سيارة كانت تقل عائلة هاربة من القتال في منطقة الكدحة، مما أدى إلى إصابة أربعة من أفرادها، بينهم أطفال في عمر السابعة.

ودعت الحكومة اليمنية الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية العاملة في البلاد إلى عقد اجتماع طارئ قبل نهاية الأسبوع الحالي أو بداية الأسبوع المقبل، لمناقشة التدخلات العاجلة تجاه النازحين في غرب تعز وجنوب الحديدة.

1400 أسرة

رصدت الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين في اليمن، حتى مساء الجمعة الماضي، نزوح 1395 أسرة في محافظتي تعز والحديدة، جراء التصعيد العسكري الذي شنته الجماعة الحوثية في عدد من المناطق، مما دفع الأسر إلى مغادرة مساكنها ومواقع نزوحها والانتقال إلى مناطق أكثر أمناً.

وبحسب التقارير الميدانية للوحدة، بلغ عدد الأسر النازحة في تعز 1149 أسرة، توزعت على مديريات جبل حبشي والمعافر ومقبنة وموزع والشمايتين والمظفر، بعد نزوحها من مناطق شهدت تصعيداً وقصفاً، خصوصاً في مقبنة وجبل حبشي والمعافر.

وفي الحديدة، رصدت الوحدة نزوح 246 أسرة إلى مديريتي حيس والخوخة، منها 207 أسر إلى حيس و39 أسرة إلى الخوخة، نتيجة الحرب والاشتباكات والصراع المسلح، وتوزعت الأسر على عدد من القرى والمواقع داخل المديريتين.

آلاف المدنيين عالقون خلف خطوط النار بعد إغلاق الحوثيين الطرق (إعلام محلي)

وقالت الوحدة التنفيذية إن الأسر النازحة في المحافظتين تواجه احتياجات إنسانية متزايدة، في مقدمتها المأوى والغذاء ومياه الشرب والإصحاح والرعاية الصحية والحماية والمستلزمات الأساسية، فيما تحتاج بعض الأسر إلى حلول إيواء عاجلة، خصوصاً تلك التي وصلت من دون سكن أو تقيم في ترتيبات مؤقتة.

وتواصل فرق الوحدة التنفيذية في المحافظتين رصد وتسجيل حركة النزوح، ومتابعة أماكن استقرار الأسر وتحديد احتياجاتها، والتنسيق مع السلطات المحلية والجهات المعنية والشركاء الإنسانيين، بهدف تسهيل استقبال النازحين وتعزيز الاستجابة للاحتياجات المتزايدة.

وحذَّرت الوحدة من احتمال استمرار واتساع حركة النزوح في حال تواصل التصعيد، مؤكدة ضرورة رفع مستوى الجاهزية وتسريع الاستجابة الإنسانية، وتوفير الاحتياجات الأساسية للأسر النازحة ودعم المناطق المستقبلة لها.

موجات نزوح في غرب تعز

كانت بيانات أممية حديثة وزعها مكتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية أظهرت أن أكثر من 27 ألف مدني نزحوا من غرب محافظة تعز وحدها جراء التصعيد الحوثي في مديريتي جبل حبشي ومقبنة، ونبهت إلى أن هذه الأسر تتناول أقل من ثلاث وجبات يومياً بعد انتقالها إلى مديريات مجاورة خاضعة لسيطرة الحكومة.

وذكر المكتب الأممي أن نحو 1790 أسرة في محافظة تعز نزحت منذ 3 سبتمبر (أيلول) الحالي وحتى الآن، جراء تجدد الاشتباكات والقصف المدفعي في مناطق عدة بمديريتي مقبنة وجبل حبشي غربي المحافظة.

الحوثيون استهدفوا المسافرين على الطرقات في تعز بالصواريخ والقذائف (إعلام عسكري)

ووفق التقرير، تحركت معظم الأسر النازحة داخل مديريتي مقبنة وجبل حبشي، وانتقلت إلى قرى قريبة أو إلى أقارب يعيشون في مواقع داخل المديريتين، فيما توجهت أسر أخرى إلى مديريات المعافر والشمايتين، أو إلى موزع وذباب في الساحل الغربي، بحثاً عن مناطق أكثر أمناً.

وأشار المكتب الأممي إلى إخلاء مواقع كاملة للنازحين في مديريتي جبل حبشي ومقبنة، من بينها موقعا الحجب والراجحي، الأمر الذي تسبب في موجات نزوح ثانية، منبهاً إلى أن بعض الأسر لا تزال عالقة بالقرب من مناطق خطوط المواجهة بسبب استمرار القصف وصعوبة الانتقال.

من جهتها، ذكرت مصفوفة تتبع النزوح التابعة للمنظمة الدولية للهجرة أنها سجَّلت نزوح 274 أسرة، تضم 1644 فرداً، خلال الأسبوع الأخير من أغسطس (آب) الماضي، ليرتفع إجمالي عدد الأسر النازحة حديثاً التي تم تسجيلها منذ بداية العام الحالي إلى 2631 أسرة، تضم 15 ألفاً و786 فرداً.

دخان يتصاعد في إحدى قرى الساحل الغربي اليمني جراء القصف الحوثي (إعلام عسكري)

وقالت المنظمة في تقريرها الأسبوعي إن التصعيد الأخير للصراع في محافظة تعز أدَّى إلى زيادة كبيرة في حالات النزوح الداخلي، مشيرة إلى أن التقديرات تظهر نزوح 215 أسرة حديثاً داخل المحافظة خلال أسبوع، بينما انتقلت الغالبية إلى مناطق أكثر أمناً، ولا سيما مديريات موزع ومقبنة والمخا.

وأفادت بأن 95 في المائة من الأسر نزحت لأسباب مرتبطة بالنزاع، بعدد بلغ 261 أسرة، فيما نزحت 4 في المائة من الأسر، وعددها 12 أسرة، لأسباب اقتصادية. وبرز الدعم المالي باعتباره الاحتياج الأكثر إلحاحاً لنحو 61 في المائة من الأسر النازحة، يليه المأوى بنسبة 27 في المائة، والمساعدات الغذائية بنسبة 8 في المائة، والمواد غير الغذائية بنسبة 3 في المائة.