«قتل ثأري»... ما ملابسات التصفية العلنية لشرطي تابع لـ«حماس»؟

أفراد من حركة «حماس» في مخيم النصيرات مع بدء الهدنة مع إسرائيل في يناير الماضي (أ.ف.ب)
أفراد من حركة «حماس» في مخيم النصيرات مع بدء الهدنة مع إسرائيل في يناير الماضي (أ.ف.ب)
TT

«قتل ثأري»... ما ملابسات التصفية العلنية لشرطي تابع لـ«حماس»؟

أفراد من حركة «حماس» في مخيم النصيرات مع بدء الهدنة مع إسرائيل في يناير الماضي (أ.ف.ب)
أفراد من حركة «حماس» في مخيم النصيرات مع بدء الهدنة مع إسرائيل في يناير الماضي (أ.ف.ب)

لم يكن مشهد القتل «الثأري» الذي نفذه أفراد من عشيرة أبو سمرة البدوية المعروفة في قطاع غزة، يوم الثلاثاء، لأحد عناصر شرطة «حماس» في دير البلح وسط القطاع حدثاً عابراً، بل جاء دليلاً على فوضى أكبر وأخطر تتسلل إلى حياة الغزيين المنكوبين بالحرب الإسرائيلية المستمرة منذ عام ونصف العام تقريباً.

وجاءت تداعيات الحادث سريعة صباح الأربعاء؛ إذ انتشرت مجموعة لصوص مسلحين كانت تسلب المواطنين أموالهم ومقتنياتهم لدى تحركهم في شارع صلاح الدين قبالة دير البلح باتجاه مشارف مخيم النصيرات.

وصحيح أنها لم تكن المرة الأولى التي ينتشر فيها مسلحون لسرقة المساعدات، لكن في ظل إغلاق المعابر وعدم دخول أي مساعدات، أصبح انتشار أولئك خطراً مضاعفاً على حياة السكان.

ماذا فعلت «حماس»؟

لم تتحرك «حماس» بالقوة المعتادة عنها سابقاً لوقف اللصوص، أو حتى ضد العشيرة التي قتلت شرطياً تابعاً لها، حتى إعداد هذا التقرير؛ ما يعكس صورة لواقع قوة «حماس» أمنياً.

ورصد شهود انتشار مسلحين من عشيرة أبو سمرة في محيط منازل أفرادها خشية عمليات انتقامية، سواء من قِبل عناصر محسوبة على «حماس» أو حتى من عائلة الشرطي القتيل إبراهيم شلدان.

وبحسب مصادر صحافية من دير البلح تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، فإنه منذ وقوع الحادث ظهر الثلاثاء وحتى مساء الأربعاء، تتواصل محاولات المخاتير والوجهاء وجهودهم لمحاولة منع تطور الأحداث وتصاعدها.

ولم تخف «حماس» في بياناتها أنها ستتعامل بـ«قوة وحزم مع كل من تورط بالحادث ووفق القانون»، لكن مصادر قدرت أن الحركة «ستنتظر في الوقت الحالي عودة الهدوء الميداني في ظل القصف الإسرائيلي الذي يطال كل هدف يتبع للحركة، بما في ذلك عناصر الشرطة التابعون لها».

وقبل أشهر عدة فقط نفذت وحدة «سهم» التابعة لأمن «كتائب عز الدين القسام» (الذراع العسكرية لـ«حماس») وكذلك الشرطة مدعومة من جهات فصائلية، ضربات قاسية ضد لصوص المساعدات في رفح.

مقاتلو «حماس» يؤمّنون شاحنات مساعدات في رفح يناير الماضي (أ.ب)

وفي السنوات الماضية، خصوصاً بعد سيطرة «حماس» على قطاع غزة عام 2007، حاولت بعض العائلات المحسوبة بشكل كبير على حركة «فتح»، أو العشائر الكبيرة التي رفضت التعامل مع «حماس» أن تتمرد عليها.

ولجأت بعض العائلات إلى السلاح في مواجهة عناصر الحركة التي لم تتوان بدورها في مواجهة تلك العائلات، والقضاء على بعض أفرادها واعتقال آخرين.

وبقيت «حماس» مسيطرة على الأمن بقوتها العسكرية المعهودة حتى في خضم الحروب السابقة؛ غير أن هذه الجولة شهدت أكبر انتكاسة للحركة على مستوى قدرتها الحقيقية في الحفاظ على أمن المواطنين.

ما الملابسات؟

واقعة التصفية التي جرت في دير البلح، جاءت بعد أيام من عدم اعتراض «حماس» بالقوة لاحتجاجات نادرة ضد «حماس»، وكذلك وقعت حادثة قتل الشاب عُدي الربعي من قِبل مجهولين في تل الهوى ووقوع حوادث اختطاف لم يعرف من يقف خلفها، تشير بشكل واضح إلى الفوضى التي بدأت تنتشر.

وتؤكد مصادر مستقلة وشهود من دير البلح لـ«الشرق الأوسط»، أنه في ظل أزمة نقص الدقيق (الطحين)، تجمع مواطنون عند مخازن أحد التجار في المدينة، ومع وصول طواقم من مباحث الاقتصاد (التابعة لشرطة «حماس»)، وتم إخراج الكمية وبيعها للسكان بمقابل بسيط مقارنةً بالمبالغ التي يباع بها في السوق السوداء بسبب نفاده.

احتجاجات غاضبة ضد «حماس» ومطالبة بوقف الحرب في بيت لاهيا شمال قطاع غزة الشهر الماضي (أ.ب)

وتوضح المصادر، أنه «عندما شارفت الكمية المتوفرة على النفاد التام، خرج أفراد الشرطة وأبلغوا السكان بذلك، إلا أن بعضهم حاول اقتحام المخزن».

وتضيف المصادر أنه خلال فوضى محاولة الاقتحام للمخزن ومحاولة صدها «تم إطلاق رصاصتين من مسدس الشرطي إبراهيم شلدان، أصابت إحداها سقف المنزل الذي يقع أسفله المخزن وارتدت لتصيب طفلاً من عشيرة أبو سمرة، ونُقل على عجل إلى مستشفى شهداء الأقصى، وهناك لفظ أنفاسه الأخيرة».

وبيَّنت أن تلك الواقعة دفعت عناصر من عشيرة أبو سمرة إلى خطف الشرطي، وإحراق مركبة تعود للشرطة أمام المخزن، ثم لاحقاً قتلته علناً على قارعة الطريق.

هل هناك صلة لحركة «فتح»؟

تؤكد المصادر أن «اثنين من شركاء واقعة القتل للشرطي شلدان ممن ظهروا في الفيديو من المحسوبين على حركة (فتح)، ويعملون في الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية».

ومع ذلك، تشدد المصادر على أن «الحادث بشكل أساسي لم يكن على خلفية تنظيمية وإنما كان نتيجة مقتل الطفل والظروف التي أحاطت بالمشهد حينه».

ويصعب تصنيف العشائر والعائلات الفلسطينية بالكامل على تنظيم فلسطيني واحد؛ إذ ينعكس الانقسام الفلسطيني بين «حماس» و«فتح» وكذلك فصائل أخرى على غالبية العائلات، ومن بينها وفق المصادر، عشيرة أبو سمرة.

وتستشهد المصادر بأن إسرائيل «قتلت خلال الحرب الحالية من عشيرة أبو سمرة ما لا يقل عن 20 فرداً بينهم نشطاء ينتمون إلى (حماس)».

«ما بعد الحادثة»

عشيرة أبو سمرة بدورها، أصدرت بياناً اتهمت فيه الشرطي شلدان بأنه قتل طفلها «عمداً وبشكل مباشر»، وأكدت في الوقت ذاته أنها «ستبقى محكومة للقوانين ولأحكام العشائر في هذه الأزمة».

وقالت العائلة في نص بيانها: «لم نكن يوماً دعاةً للفتنة أو الخروج عن القوانين والأعراف أو أداةً لضرب النسيج المجتمعي، بل إننا قدمنا خيرة شبابنا ورجالنا في الدفاع عن هذا الوطن وفي السعي للصلح بين الناس، وعليه ندعو أبناء شعبنا للوحدة والتماسك في وجه كل محاولات تمزيق نسيجنا الاجتماعي، وأن أي فتنة داخلية لا تخدم سوى أعدائنا»، وفق نص بيانها.

ومنتصف نهار الأربعاء، قصفت طائرة إسرائيلية مركزاً مؤقتاً لشرطة دير البلح؛ ما أدى إلى مقتل اثنين من عناصر الشرطة وطفل من المارة.

ووفق مصادر ميدانية، «كان المركز يعمل على استدعاء متهمين بقتل الشرطي شلدان».

والتزمت عائلة الشرطي شلدان، الصمت إزاء ما جرى، ولم تصدر أي بيان أو تقوم بأي ردة فعل للأخذ بالثأر أو غيره، حتى إعداد هذا التقرير.

ونددت «حماس» في بيان لها، بالحادثة التي وصفت أن من قام بها «مجموعة من المجرمين»، مشددةً على ضرورة محاسبة مرتكبيها «بقوة وحزم».

ورأت الحركة أن «مثل هذه الجريمة تخدم الأهداف الصهيونية في محاولة كسر الجبهة الداخلية الفلسطينية، وإشاعة الفلتان والفساد، وصولاً إلى هدف تهجير أبناء شعبنا».

وكذلك أصدرت مجموعة من الفصائل المتحالفة مع «حماس» بيانات منددة، وطالبت بملاحقة «كل من تسوّل له نفسه التعدي على الدماء والأرواح المعصومة أو المساس بالأمن والسلم الأهلي والمجتمعي».


مقالات ذات صلة

أربعة ملفات تحدد مسار الانتخابات الإسرائيلية اليوم

تحليل إخباري مشاركون في حملة انتخابية لصالح الليكود في مدينة القدس (أ.ب)

أربعة ملفات تحدد مسار الانتخابات الإسرائيلية اليوم

يحسم الناخبون الإسرائيليون الثلاثاء مواقفهم بشأن ملفات رئيسية، لعلّ أبرزها التحقيق في الإخفاقات التي سمحت بوقوع هجوم حماس والتجنيد الإجباري للمتدينين والاقتصاد.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
خاص مشيّعون خلال جنازة 3 فلسطينيين قُتلوا بغارة إسرائيلية في مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ف.ب) p-circle

خاص رسالة من «حماس» للوسطاء: لا نخطط لهجمات... وننتظر نتائج انتخابات إسرائيل

أظهرت حركة «حماس» اهتماماً بانتخابات البرلمان الإسرائيلي (الكنيست) التي تجري الثلاثاء، وسط آمال بأنها قد تكون بداية لنهاية أزمة تطبيق «خطة ترمب» في غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية لوحات إعلانية إلكترونية خاصة بالانتخابات تُظهر كلاً من رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق غادي آيزنكوت ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو (د.ب.أ)

انتخابات إسرائيل... ملفات الحرب والتجنيد والقضاء تشعل المواجهة

تتوجه إسرائيل إلى صناديق الاقتراع، الثلاثاء وسط انقسام سياسي واجتماعي يجعلها أقرب إلى استفتاء على قيادة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي فلسطينيون يحاولون إخماد حريق في مركبة دُمِّرت جرَّاء غارة جوية إسرائيلية جنوب مدينة غزة (إ.ب.أ)

إسرائيل تعلن مقتل عنصرين في غزة كانا يموِّلان «حماس» من إيران وتركيا

أعلن الجيش الإسرائيلي مقتل عنصرين في غزة، كانا متورطَين في تسهيل تحويل ملايين الشواقل من إيران وتركيا إلى الجناح العسكري لحركة «حماس».

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق غادي آيزنكوت يعد المنافس الرئيسي لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب)

انتخابات إسرائيل: حزب «طفل» ينافس على رئاسة الحكومة

يخترق حزب «يشار» بقيادة غادي آيزنكوت الساحة السياسية والحزبية الإسرائيلية مع اقتراب استحقاقات الانتخابات التي يمكن أن توصل زعيمه إلى رئاسة الحكومة.

نظير مجلي (تل أبيب)

«حزب الله» يستعيد بناء قدراته الدفاعية لا الهجومية

مؤيدون لـ«حزب الله» يرددون شعارات خلال الذكرى السنوية الثانية لاغتيال حسن نصر الله (د.ب.أ)
مؤيدون لـ«حزب الله» يرددون شعارات خلال الذكرى السنوية الثانية لاغتيال حسن نصر الله (د.ب.أ)
TT

«حزب الله» يستعيد بناء قدراته الدفاعية لا الهجومية

مؤيدون لـ«حزب الله» يرددون شعارات خلال الذكرى السنوية الثانية لاغتيال حسن نصر الله (د.ب.أ)
مؤيدون لـ«حزب الله» يرددون شعارات خلال الذكرى السنوية الثانية لاغتيال حسن نصر الله (د.ب.أ)

توقف مصدر أمني لبناني بارز أمام ارتفاع منسوب الحديث عن أن «حزب الله» بدأ يستعيد قدراته العسكرية للتعويض ما أمكن عن الخسائر التي مُني بها بإسناده لغزة وإيران.

وقال المصدر لـ«الشرق الأوسط» إن هناك مبالغة مقصودة، وإن ما يقوم به الحزب يبقى تحت سقف تحصين ما تبقى له من مواقع دفاعية تتيح له الصمود في حال قررت إسرائيل توسيع المنطقة الأمنية باستهدافها للمرتفعات الواقعة ما بين إقليم التفاح وجبل الريحان.

وأكد المصدر الأمني أن «حزب الله» هو الآن في موقع الدفاع عن النفس، ولا نية لديه للدخول مجدداً بمواجهة عسكرية مع إسرائيل التي تسيطر حالياً على منطقة جنوب نهر الليطاني والبلدات الواقعة بجوار قلعة «الشقيف» في شماله وتطل على جنوبه، وهو يلتقي في تقديره للقدرات العسكرية للحزب مع ما أسرّ به مصدر محسوب على «الثنائي الشيعي» لـ«الشرق الأوسط» بأن الحزب يولي حالياً الأولوية لإعادة بناء قدراته العسكرية بما يتيح له الدفاع عن آخر مواقعه في منطقة شمال النهر.

«حزب الله» يواصل ترميم بنيته العسكرية

ولفت المصدر، الذي هو على تواصل مع قيادات في «حزب الله»، إلى أن الأخير يواصل ترميم بنيته العسكرية وتحصين خطوطه الدفاعية، ولا أظن أنه استعاد قدراته العسكرية كما كانت في السابق، وأن ما يقال في هذا الخصوص، يأتي في سياق التضخيم الإعلامي لجهوزيته العسكرية.

وقال إن الحزب ليس في وارد نفي أو تأكيد كل ما يقال بأنه استعاد قدراته العسكرية ويعدّ العدّة الآن للانتقال من موقع الدفاع إلى الهجوم في ضوء سيطرة إسرائيل على جنوب الليطاني وتقطيع أوصاله بحيث يصعب الدخول إليه، وتلويحها من حين لآخر بتوسعة سيطرتها لتشمل المرتفعات الواقعة ما بين إقليم التفاح وجبل الريحان، وتهديد وزير دفاعها يسرائيل كاتس بضرب الضاحية في حال قرر الحزب إسناده لإيران انتقاماً لاستهدافها بتوجيه ضربات في العمق الإيراني.

ورأى المصدر أن الحزب ينصرف حالياً لإعادة ترميم قدراته العسكرية ليكون في وسعه الوقوف في وجه إسرائيل إذا ما قررت استهداف هذه المرتفعات. وأكد أنه لن يُقحم نفسه في مغامرة عسكرية غير محسوبة طالما أنه لا يحظى بغطاء سياسي من رئيس المجلس النيابي نبيه بري ولا يلقى التجاوب من البيئة الشيعية.

منازل هدمتها القوات الإسرائيلية في قرية كفر تبنيت كما تظهر من زوطر الغربية بجنوب لبنان (أ.ب)

أكد أن قيادة «حزب الله» تخطئ في حسابها إذا ما اعتقدت بأنها قادرة على شراء الوقت بما يسمح لها بإعادة ترميم وتأهيل قدراتها العسكرية، خصوصاً أن النتائج المرجوّة من انتخابات الكنيست في إسرائيل لن تقدّم أو تؤخّر في المشهدين السياسي والعسكري في لبنان عموماً والجنوب خصوصاً، بصرف النظر عمّن سيتولى رئاسة الحكومة، طالما أن المتنافسين ليسوا في وارد تقديم التسهيلات لتطبيق اتفاق الإطار اللبناني - الإسرائيلي ما لم يتلازم مع حصر سلاح «حزب الله» بيد الدولة، لأن جميعهم على موقف موحد في تعاطيهم مع ملف الجنوب.

وتابع أن كلمة الفصل في الميدان تبقى على حالها ولن تبدّل من واقع الحال في موقف تل أبيب وصولاً لتقديمها التنازلات لإحداث خرق يسمح بإخراج تطبيق «اتفاق الإطار» من المراوحة ما لم يقترن أولاً وأخيراً بنزع سلاح «حزب الله». وقال إن الاجتماع العسكري اللبناني - الإسرائيلي الذي استضافته الخارجية الأميركية في فلوريدا لم يحقق أي تقدُّم، وانتهى إلى إعداد لائحة بنقاط الخلاف بين البلدين يتصدّرها رفض لبنان تشكيل لجنة تنسيق ثنائية.

شد عصب الحاضنة الشعبية

وأكد المصدر أن الخلاف سيحال مجدداً على الاجتماع السياسي للوفدين اللبناني والإسرائيلي، مع أن موعد انعقاده لم يحدد ويُترك لواشنطن تحديده مع أن الدعوة لانعقاده لن تتم على عجل استباقاً لتشكيل الحكومة الإسرائيلية، وأن حصول أي تقدُّم يرتبط بتطبيق حصرية السلاح بيد الدولة، ومن دونه تبقى المفاوضات تراوح مكانها.

ولفت إلى أن تمسك «حزب الله» بسلاحه وامتناعه عن إيداعه لدى الدولة لا يعني في المطلق بأنه يتحضر للدخول في مواجهة عسكرية مع إسرائيل في ظل الاختلال في ميزان القوى وامتناعه حتى الساعة الرد على الخروق والاعتداءات الإسرائيلية، وتعذُّر سيطرته على البلدات الواقعة على الحافة الأمامية لشمال النهر المطلة على جنوبه بعد أن اضطر لإخلاء تلال «علي الطاهر»، ولم يستجب للدعوات بتسليمها للجيش اللبناني لقطع الطريق على إسرائيل للإطباق عليها.

تظهر هذه الصورة جنوداً إسرائيليين - تدعمهم دبابة - وهم ينفذون عمليات تفتيش بين المنازل في قرية زوطر الشرقية المجاورة، وذلك في 17 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

وقال إن ما يهم الحزب حالياً شد عصب حاضنته الشعبية وإيداع سلاحه ورقة لدى إيران، مع أن هذه البيئة لم تعد محصّنة كما كانت عليه قبل إسناده لغزة وإيران، وهي تتطلع إلى تحقيق الاستقرار في الجنوب ليكون في وسعها العودة إلى بلداتها، مع أنها مدمّرة ويصعب على أهاليها الإقامة فيها.

رسالة «المتفجرات» للداخل والخارج

وفي المقابل، نقل المصدر الأمني عن مرجع سياسي، فضّل عدم ذكر اسمه، قوله إن عدم تجاوب الحكومة مع طلب «حزب الله» باسترجاع المتفجرات التي صودرت في ضهر البيدر كان في محله لتمرير رسالة مزدوجة إلى الداخل والخارج بأنها ماضية بتطبيق قرار مجلس الوزراء بحصرية السلاح بيد الدولة، وأن لا عودة عنه مهما تمادى «حزب الله» في ضغوطه لتفادي إحراجه أمام المجتمع الدولي الذي يربط دعمه للحكومة بنزع سلاح «حزب الله».

وأكد أن مصادرة المتفجرات تأتي في سياق تنفيذ قرار الحكومة باستيعاب كل أشكال السلاح غير الشرعي ومنع استخدامه أو التنقل به، وهذا ما ينسحب على المتفجرات.

وقال إن رفضها الاستجابة لضغوط «حزب الله» باسترجاعها يقطع الطريق على تباهي الحزب بأنه التفّ على قرارها بفرض الحظر على نشاطه العسكري والأمني بصرف النظر عن إحالتها إلى المجلس العدلي، وبالتالي فإن الضغوط التي مورست على القضاء والحكومة اصطدمت بحائط مسدود حال دون إبطال الحزب قرارها بفرض الحظر على جناحها العسكري، وهذا ما يُسجّل لها، علماً بأن تدخّل بري بقي تحت سقف تفادي تفجير الحكومة من الداخل، ولم يؤيد طلب الحزب باسترداد المتفجرات، تاركاً للقضاء بأن يقول كلمته في ضوء اعتراف الحزب وإقراره بأنها عائدة له.


لماذا تواكب إسرائيل انتخاباتها بتصعيد في جنوب لبنان؟

دبابة إسرائيلية تنفّذ عملية عسكرية في بلدة زوطر الشرقية بجنوب لبنان كما بدت من بلدة زوطر الغربية المجاورة (أ.ف.ب)
دبابة إسرائيلية تنفّذ عملية عسكرية في بلدة زوطر الشرقية بجنوب لبنان كما بدت من بلدة زوطر الغربية المجاورة (أ.ف.ب)
TT

لماذا تواكب إسرائيل انتخاباتها بتصعيد في جنوب لبنان؟

دبابة إسرائيلية تنفّذ عملية عسكرية في بلدة زوطر الشرقية بجنوب لبنان كما بدت من بلدة زوطر الغربية المجاورة (أ.ف.ب)
دبابة إسرائيلية تنفّذ عملية عسكرية في بلدة زوطر الشرقية بجنوب لبنان كما بدت من بلدة زوطر الغربية المجاورة (أ.ف.ب)

واكب التصعيد الإسرائيلي في جنوب لبنان انطلاق الانتخابات التشريعية الإسرائيلية، الثلاثاء، وسط ترقب لبناني لنتائجها وانعكاساتها على مسار المفاوضات والعمليات العسكرية في الجنوب.

وتزامنت الغارات والتفجيرات الإسرائيلية مع استمرار الخلاف بشأن آلية التحقق من الإجراءات الأمنية التي ينفّذها الجيش اللبناني، بعد تعثر الجولة الأخيرة من المباحثات العسكرية في تامبا الأميركية.

ويطرح توقيت التصعيد تساؤلات بشأن أهدافه، وما إذا كان يرتبط بمحاولة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو استثماره انتخابياً، أو بمواصلة الضغط العسكري لفرض شروط إضافية على لبنان، في ظل غياب مؤشرات إلى تقدم بملف الانسحاب الإسرائيلي.

جنود إسرائيليون مدعومون بدبابة خلال عملية عسكرية في بلدة زوطر الشرقية بجنوب لبنان كما بدوا من بلدة زوطر الغربية المجاورة 25 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

ورأى العميد المتقاعد يعرب صخر أن «التصعيد الإسرائيلي في جنوب لبنان عشية الانتخابات الإسرائيلية لا يرقى إلى مستوى التصعيد العسكري الذي يمكن أن يؤدي إلى انفلات الأوضاع أو يدفع إسرائيل إلى الذهاب أبعد في عملياتها»، وعدَّ أن «ما يجري يحمل أبعاداً سياسية وانتخابية أكثر مما يعكس توجهاً نحو تصعيد عسكري واسع».

استثمار التصعيد

وأوضح صخر، لـ«الشرق الأوسط»، أن «رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يسعى، عشية الانتخابات، إلى استثمار التصعيد في الجنوب لاستقطاب سكان المستوطنات الشمالية والناخبين المؤيدين لحزب الليكود»، مشيراً إلى أن «هذه التحركات، وإن كانت لا ترقى من الناحية العسكرية إلى مستوى التصعيد الذي قد يخرج عن السيطرة، فإنها تُشكّل ورقة للاستثمار الانتخابي في شمال إسرائيل».

وشدد على أن «التصعيد الحالي لا يرقى إلى مستوى التصعيد العسكري، لكنه يرقى إلى مستوى الاستثمار الانتخابي في الشمال».

رسالتان إلى واشنطن والداخل الإسرائيلي

من جانبه، رأى العميد المتقاعد ناجي ملاعب أن «تصعيد الجيش الإسرائيلي عملياته العسكرية في جنوب لبنان ليس جديداً، لكنه يحمل في توقيته الحالي رسالتين متوازيتين؛ الأولى موجهة إلى لبنان وواشنطن، على خلفية تعثر المباحثات العسكرية الأخيرة، والثانية إلى الداخل الإسرائيلي عشية الانتخابات»، وعدَّ أن «رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يسعى إلى استثمار التصعيد الميداني لتعزيز موقعه السياسي والانتخابي، وإظهار نفسه بوصفه الأقدر على فرض الوقائع على الأرض».

وأوضح ملاعب، لـ«الشرق الأوسط»، أن «زيادة الضغط العسكري الإسرائيلي في الجنوب تأتي بعد فشل الاجتماع العسكري الذي عُقد في الولايات المتحدة، بمشاركة الجيش اللبناني والجانب الإسرائيلي والوسيط الأميركي، نتيجة مطالب إسرائيلية رفضها الجيش اللبناني بصورة كاملة»، مشيراً إلى أن «إسرائيل تحاول من خلال استمرار التفجيرات والعمليات العسكرية توجيه رسالة إلى واشنطن مفادها أن الجيش اللبناني لا يقوم بما هو مطلوب منه في الجنوب، وأنه لا يمكن الوثوق بقدرته على الحلول مكان القوات الإسرائيلية».

وأضاف أن «استمرار التفجيرات الإسرائيلية يعكس عدم ثقة إسرائيل بما يمكن أن يفعله الجيش اللبناني»، لافتاً إلى أن «المعلومات التي تسرّبت عن المباحثات تشير إلى مطالب إسرائيلية بإقامة تنسيق مباشر مع الجيش اللبناني، وعقد اجتماعات مباشرة ضمن لجنة مشتركة تتولى تنفيذ ما يريده الجانب الإسرائيلي وإبلاغه بنتائج الإجراءات الميدانية، وهو ما لم يوافق عليه الجيش اللبناني».

وعدَّ أن «إسرائيل تستخدم التصعيد العسكري لإيصال رسالة إلى لبنان عبر الوسيط الأميركي مفادها أنها لا تثق بالجيش اللبناني ولا تعدُّه قادراً على تولي المسؤوليات الأمنية التي تطالب بها في الجنوب»؛ في محاولة للضغط على الموقف اللبناني بعد رفض هذه المطالب.

أما الرسالة الثانية، وفقاً لملاعب، فتتوجه إلى الداخل الإسرائيلي عشية الانتخابات، موضحاً أن «نتنياهو يسعى إلى الاستفادة من عملياته العسكرية في الضفة الغربية وقطاع غزة، ومن رفع مستوى التصعيد في جنوب لبنان، لإظهار أنه لا يزال ينفذ ما يريده على الأرض ويفرض الوقائع الميدانية، بغضّ النظر عن نتائج الانتخابات».

وقال إن «نتنياهو يريد أن يقول للناخب الإسرائيلي إنه يواصل تنفيذ سياسته على الأرض، حتى في ذروة المعركة الانتخابية، وأن يسأل المعارضة عما يمكن أن تفعله إذا وصلت إلى السلطة»، وعدَّ أن «هذه الرسائل تهدف إلى تعزيز صورته بوصفه صاحب القرار والقادر على الاستمرار في فرض السيطرة العسكرية».

دخان يتصاعد عقب تفجير نفّذته القوات الإسرائيلية في بلدة الطيبة بجنوب لبنان (د.ب.أ)

أزمة حكومية محتملة

وفي قراءته لمرحلة ما بعد الانتخابات، توقّع ملاعب أن «تُواجه إسرائيل أزمة في تشكيل الحكومة المقبلة، إذ قد لا يتمكن نتنياهو ولا المعارضة من تأليف حكومة من دون الأصوات العربية»، مشيراً إلى أن «نتنياهو سيبقى في السلطة إلى حين تشكيل حكومة جديدة، وسيحاول استثمار هذه الفترة لإظهار مزيد من القوة والعنف، سواء في الضفة الغربية أم في جنوب لبنان».

وأضاف أن «هذا السيناريو يبقى متوقعاً، سواء حصل نتنياهو على كتلة نيابية كبيرة أم لم يحصل عليها، في ظل احتمال عجز الطرفين عن تشكيل حكومة دون الصوت العربي»، وعدَّ أن «نتنياهو قد يستخدم استمرار العمليات العسكرية وتثبيت الوقائع على الأرض لفرض نفسه مرشحاً لرئاسة الحكومة المقبلة».

وختم ملاعب بالقول إن «نتنياهو يحاول إقناع الداخل الإسرائيلي بأنه الشخص القادر على تثبيت الاحتلال وفرض الوقائع الميدانية، بما قد يدفع المعارضة إلى القبول بالجلوس معه إلى طاولة واحدة والبحث في تشكيل حكومة وحدة وطنية برئاسته، بدلاً من الاعتماد على الأصوات العربية لتشكيل الحكومة».

القصف يتواصل

ميدانياً، تواصل التصعيد الإسرائيلي في جنوب لبنان بالتزامن مع انطلاق الانتخابات التشريعية الإسرائيلية، حيث أفادت تقارير إخبارية، صباح الثلاثاء، باستمرار القصف المدفعي على منطقة الصوان عند أطراف بلدة ميفدون، واستهداف بلدة المنصوري في قضاء صور، في وقت بقيت فيه مناطق جنوبية عدة عرضة للغارات والتفجيرات الإسرائيلية.

وكانت القوات الإسرائيلية قد نفّذت، الاثنين، تفجيراً كبيراً على دفعتين في حي الرويس ببلدة زوطر الشرقية، في حين ألقت مسيّرة إسرائيلية قنبلتين على منزل بين شوكين وميفدون، وشن الطيران الحربي غارة على أطراف القنطرة في منطقة وادي السلوقي بقضاء مرجعيون.

وسُجلت إصابة شخص بانفجار جسم مشبوه عند مفرق ديركيفا، أثناء جمعه الخردة، في حادث يعكس المخاطر المستمرة التي تهدد المدنيين في المناطق التي شهدت عمليات عسكرية.

جاءت هذه التطورات بعد يوم من الغارات والتفجيرات التي طالت كفرتبنيت وزوطر الشرقية ومناطق في محيط وادي الحجير والسلوقي، وسط استمرار التحركات العسكرية الإسرائيلية في الجنوب وتعثر المساعي الدبلوماسية الرامية إلى تثبيت التهدئة.


اعتراض طائرة مُسيرة قرب المنطقة الخضراء في بغداد

المنطقة الخضراء المحصّنة أمنياً وسط بغداد (رويترز)
المنطقة الخضراء المحصّنة أمنياً وسط بغداد (رويترز)
TT

اعتراض طائرة مُسيرة قرب المنطقة الخضراء في بغداد

المنطقة الخضراء المحصّنة أمنياً وسط بغداد (رويترز)
المنطقة الخضراء المحصّنة أمنياً وسط بغداد (رويترز)

​أعلنت خلية الإعلام الأمني العراقية، ‌في ‌بيان، ​إسقاط ‌طائرة ⁠مُسيرة، ​الثلاثاء، ⁠قرب المنطقة الخضراء المحصَّنة ⁠في بغداد، ‌وأن ‌عملية ​إسقاطها ‌تسببت ‌في صوت مدوٍّ سُمع ‌في أجزاء من العاصمة ⁠العراقية.

وقال رئيس خلية الإعلام الأمني، سعد معن، إن «الصوت الذي سُمع في بغداد ناتج عن معالجة لطائرة مُسيرة في محيط المنطقة الخضراء»، مشيراً إلى أنها «مجهولة الهوية».

وأكد شهود عيان، لـ«الشرق الأوسط»، أنهم سمعوا، ظُهر الثلاثاء، دويّ 3 انفجارات وسط العاصمة العراقية.

ويوم السبت الماضي، أفادت مصادر بأن بغداد تشتبه في تعرُّض موقعَين لتخزين منظومات دفاع جوي، صينية الصنع، لضربات جوية إسرائيلية، الأسبوع الماضي.

وقالت مصادر، لـ«الشرق الأوسط»، إن الموقعَين يُشتبه في أنهما تعرَّضا لهجوم دمَّر شحنةً من المنظومات المحمولة على الكتف، كانت قد وصلت حديثاً من إيران ونُقلت إلى فصائل عراقية مُوالية لطهران.

وكشف مصدر آخر أن الانفجار جاء بعد انفجارات بدأت مطلع الشهر الحالي، واستهدفت مخازن تابعة لفصائل، بينها مستودعات تضم مسيّرات مخصصة للهجمات والاستطلاع.

وقال مستشار سياسي بارز إن الهجوم يعكس تقييماً لدى دوائر استخبارية عراقية مفاده أن استئناف الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران ربما بدأ بالفعل، لكن بصورة صامتة وغير معلَنة عبر الساحة العراقية، من خلال استهداف خطوط إمداد الفصائل المسلّحة، وقطع مسارات نقل العتاد إليها تحسباً لمشاركتها في أي مواجهة إقليمية جديدة.