«ليبيون نازحون في ليبيا»... شعور مرير بالفقد يداهمهم خلال احتفالات العيد

قصص مأساوية يرويها مهجّرون بين طرابلس وبنغازي وتاورغاء

صلاة عيد الفطر في مدينة بنغازي (رويترز)
صلاة عيد الفطر في مدينة بنغازي (رويترز)
TT

«ليبيون نازحون في ليبيا»... شعور مرير بالفقد يداهمهم خلال احتفالات العيد

صلاة عيد الفطر في مدينة بنغازي (رويترز)
صلاة عيد الفطر في مدينة بنغازي (رويترز)

«لماذا عدت يا عيد؟»... تساؤل مرير يتشاطره آلاف الليبيين النازحين بين المدن الليبية، حيث تتجدَّد ذكريات الاشتياق والحنين والمعاناة لدى هذه الشريحة «المنسية» في عموم ليبيا، عقب صلاة كل عيد فطر يؤدونها منذ عام 2011.

ليبيان بالزي التقليدي خلال الاحتفال بأجواء عيد الفطر في بنغازي (رويترز)

من بين هؤلاء النازحين بشير الورفلي، الذي نزح إلى طرابلس قادماً من بنغازي، والذي وصف العيد بـ«يوم حزن»، لكنه «ربما يخفف من وطأته التواصل مع الأقارب عبر الجوال، أو النازحون المقيمون في المنطقة نفسها».

ولا تتوفر أرقام رسمية محلية لأعداد النازحين في عموم ليبيا، نظراً للانقسام السياسي في البلاد الذي ألقى بظلاله على معاناتهم، لكن أحدث أرقام دولية تتحدَّث عن وجود 125 ألفاً و802 نازح في البلاد، وفق «المنظمة الدولية للهجرة» و«المفوضية الأممية لشؤون اللاجئين» في عام 2023، فيما وصفتها الأخيرة بأنها «حالة من النزوح المعقد».

ويعيش الورفلي مأساة التهجير من بنغازي منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2014، إبان ما تُعرف بـ«عملية الكرامة». ويتذكر، وفق روايته، ما قال إنها «لحظات احتجازه ومداهمات بيته» من قبل مَن يعرفون بـ«أولياء الدم»، ثم قراره المغادرة، خشية «بلاغات كيدية».

المشير خليفة حفتر خلال احتفاله مع عدد من سكان بنغازي بعيد الفطر (رويترز)

واليوم، ينقل الورفلي جانباً من «معاناة أسر ليبية نازحة بسبب غلاء الإيجار وقلة الموارد، وتوقف أجور بعضهم، ومعاناة سيدات دون عائل يعشن على الإعانات»، مشيراً إلى أنه اضطر لبيع ممتلكاته في بنغازي «بربع قيمتها خوفاً من ضياعها».

ومؤخراً، أعلنت حكومة «الوحدة» المؤقتة في طرابلس الإسراع في إجراءات صرف منحة النازحين، إلا أن الورفلي يقول: «لم أتسلم ديناراً واحداً من الحكومة».

ولا تختلف المشاعر عند عمر المغربي، وهو موظف حكومي وأحد المهجَّرين من بنغازي، إذ تتجدَّد مع هذا العيد أحزان التهجير، وافتقاد ذكريات طالما عاشها مع عائلته، التي تشتت شملها منذ عام 2014، قائلاً: «باعد النزوح بيني وبين شقيقاتي الثلاث».

احتفالات عيد الفطر غالباً ما تجدد ذكريات الاشتياق والحنين والمعاناة لدى الليبيين المهجّرين في عموم ليبيا (رويترز)

ويعبِّر المغربي عن الأسف الشديد على الأوضاع الحالية قائلاً: «نحن وآلاف الأسر ندفع ثمن صراع سياسي وعسكري على مصالح شخصية ضيقة».

ويبلغ عدد النازحين إلى غرب ليبيا المسجلين في منظومة الإعانات الأسرية 7800 أسرة، وفق تقديرات رسمية، ويتركزون في مدن طرابلس ومصراتة والزاوية والخمس وزليتن. لكن تقديرات غير رسمية تشير إلى أن أعدادهم تتراوح ما بين 10 و12 ألف أسرة.

ولا يتوقف الحنين إلى الأهل صبيحة العيد عند النازحين في طرابلس، بل إن المأساة نفسها طالت نازحين في بنغازي، قالوا إنهم «هربوا من سطوة الميليشيات في طرابلس»، ومنهم محمد المبروك، الذي نزح من العاصمة طرابلس في عام 2014.

يتذكر المبروك في صبيحة كل عيد «أجواء الفرحة والمعايدات في شوارع الرشيد، وشارع ميزران وطريق الشط وسوق الحوت» بمسقط رأسه في العاصمة طرابلس، ملخصاً معاناته بالقول: «أصبحنا غرباء في وطننا، وابتعدنا عن عاداتنا».

وهنا يستحضر النازح الليبي بعضاً من ذكريات العيد في طرابلس، حيث كان والده يعمل إماماً لمسجد، ويستعيد مشاهد توافد أفراد العائلة وكبار المنطقة على منزل والده، بعد إقامة صلاة العيد في المسجد، علماً بأنه لا يستطيع زيارة قبر والده، الذي توفي بجلطة دماغية بعد اعتداء عناصر الميليشيات عليهم وطرده من منزله، حسب روايته.

وسجَّلت مدينة تاورغاء (شمالي غرب)، أيضاً حضورها بين السرديات الليبية الحزينة في العيد، وذلك بعد 7 أعوام من اتفاق المصالحة بين المدينتين، الذي أنهى نظرياً سنوات من الصراع والتهجير، الذي طال أهالي تاورغاء، لكن آثاره لا تزال مستمرة.

صورة جماعية لشبان خلال الاحتفالات بعيد الفطر في بنغازي (رويترز)

ومن بين أهل تاورغاء النازحين في بنغازي زيد عمر (68 عاماً)، الذي تحدَّث لـ«الشرق الأوسط» عن «عادات وتقاليد وتواصل اجتماعي في العيد افتقدها»، ويقول بحسرة: «لا ننسى ذكرياتنا، وزيارات متبادلة، ويساورنا الحنين لأرضنا والعودة الكريمة».

ويتبادل شيوخ تاورغاء النازحون، شرقاً وغرباً، صور منازل تعرَّضت للسلب والحرق، ظلت على حالها، وبقيت على حالها «أطلالاً».

وحسب حقوقيين فقد تحوَّل العيد إلى مناسبة للتذكير بأن «نزوح الليبيين عن منازلهم أصبح أمراً مألوفاً في ظل سيطرة مجموعات مسلحة تقهر وتُهجّر مَن يخالفها»، وهي وجهة نظر تبناها رئيس منظمة «ضحايا» لحقوق الإنسان ناصر الهواري، الذي أكد لـ«الشرق الأوسط» أن النازحين يشتاقون لمجرد الموت في مدنهم، بعدما دفعوا فاتورة الصراعات، والحروب التي خاضتها ليبيا منذ عام 2011، ومن بينها «عملية الكرامة» و«فجر ليبيا» في عام 2014، ثم الحرب على العاصمة طرابلس (2019 - 2020)، «وهي عملية مستمرة حتى اليوم».

وسبق أن اغتنم حقوقيون، ومن بينهم الهواري، مناسبات متعددة لمناشدة صناع القرار في شرق ليبيا وغربها «حسم ملف النازحين بإعادتهم إلى منازلهم، وتعويضهم عن فترات السجن، وتوفير الحماية لهم عند العودة».

وفي هذا السياق، أعاد الحقوقي الليبي التذكير في العيد «بمعاناة آلاف الليبيين من العوز والفقر، والاضطرار للاستدانة من أجل دفع الإيجار بعد انتزاع ممتلكات بعضهم، أو إجبار الآخرين على بيعها بأثمان قليلة، وتحول منازلهم بأيدي أشخاص ممَّن يُعرَفون بـ(أولياء الدم)».

ومنذ عام 2014 تعاني ليبيا انقساماً سياسياً وعسكرياً حاداً، وتتنازع سُلطتها حكومتان: الأولى «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، التي تتخذ من طرابلس مقراً لها، والثانية بقيادة أسامة حماد؛ وتدير المنطقة الشرقية وبعض مدن الجنوب.


مقالات ذات صلة

«الوحدة» الليبية تبحث سبل مواجهة «الجريمة المنظمة»

شمال افريقيا جانب من اجتماع حكومة «الوحدة» لبحث سبل مواجهة «التهديدات الأمنية» (الوحدة)

«الوحدة» الليبية تبحث سبل مواجهة «الجريمة المنظمة»

بحثت حكومة «الوحدة» الليبية المؤقتة عبر وزارتي الدفاع والخارجية سبل تعزيز توحيد الجهود لمواجهة «التهديدات الأمنية» ومن بينها «الجريمة المنظمة».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا سيف الإسلام القذافي وقت القبض عليه عام 2011 (رويترز)

«عائلة القذافي» تصعّد ضغوطها لكشف قتلة سيف الإسلام

للمرة الثانية، انتقدت عائشة القذافي شقيقة سيف الإسلام «التباطؤ» في قضيته وعدم كشف هوية القتلة حتى الآن، وقالت: «إن كل يوم يمضي على الجريمة يزيدها وضوحاً».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا محافظ مصرف ليبيا المركزي محمد ناجي عيسى «المركزي الليبي»

استنفار مصرفي بعد هجوم سيبراني على أنظمة «المركزي» الليبي

سارعت السلطات الليبية، الأربعاء، إلى احتواء تداعيات هجوم سيبراني استهدف مصرف ليبيا المركزي وأثر على بعض منظوماته التقنية.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا اجتماع «المجلس الأعلى لمشايخ وأعيان فزان» مع لجنة المصالحة في سبها بالجنوب الليبي الثلاثاء (الصفحة الرسمية للمجلس)

الجنوب الليبي للخروج من «العزلة السياسية» بتكتل «نخب فزان»

أعلن أكاديميون وباحثون وشخصيات اجتماعية ووطنية تأسيس «التجمع السياسي الوطني فزان»، في محاولة لإعادة تموضع الإقليم في المشهد الوطني، بعد سنوات من «التهميش».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الاقتصاد حقل نفط في ليبيا (إكس)

ليبيا: اتفاقية بين 4 شركات أجنبية لتشغيل حقل نفط

أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا، الأربعاء، توقيع اتفاقية تشغيل موحدة لحقل «آي/آر» بمنطقتي الامتياز «إن سي 115» و«إن سي 186» في حوض مرزق بجنوب غربي البلاد.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

مصير «الخبز الشعبي» يشغل المصريين مع قرب إلغاء «الدعم العيني»

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي (مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي (مجلس الوزراء)
TT

مصير «الخبز الشعبي» يشغل المصريين مع قرب إلغاء «الدعم العيني»

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي (مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي (مجلس الوزراء)

لا يتوقف الجدل في مصر حول منظومة الدعم مع إعلان الحكومة نيتها إلغاء «الدعم العيني» الذي يعتمد على صرف سلع بعينها، وتطبيق «الدعم النقدي» الذي يعتمد على تحديد مخصصات مالية شهرية للمستفيدين، وسط مخاوف بشأن مصير منظومة «الخبز المدعم» مع تضارب التصريحات الحكومية حول طريقة صرفه.

ويستفيد من «الخبز المدعم»، أو ما يُعرف باسم «الخبز الشعبي»، نحو 70 مليون مواطن وفقاً لآخر تقديرات حكومية في عام 2022. ورفعت الحكومة سعره قبل عامين لأول مرة منذ ثلاثة عقود، ومنذ ذلك الحين تُثبت سعره بعشرين قرشاً (الدولار يساوي 52 جنيهاً تقريباً)، وتوفر الدولة حالياً حصة يومية تبلغ خمسة أرغفة لكل فرد مسجل على البطاقة التموينية.

وفي حين أكد برلمانيون أن «الخبز المدعم» سيظل خارج أي مناقشات تتعلق بإعادة هيكلة الدعم ولا مساس به، ذهب ماجد نادي، نقيب «بدّالي التموين»، وهم تجار يصرفون الدعم العيني للمواطنين، إلى تأكيد أن المنظومة الجديدة تقترح دمج منظومتَي السلع والخبز في محفظة مالية رقمية واحدة تُخصص للمواطن على بطاقته، وتُحتسب بالأسعار الحرة للسلع، وفقاً لما ذكرته صحف محلية.

وتساءل مغردون على مواقع التواصل عن مصير «الخبز المدعم» مع قرب التحول إلى «الدعم النقدي»، واعتبروا أنه بمنزلة سلعة أساسية لمحدودي الدخل يجب عدم الاقتراب منها. وقال آخرون إن الحكومة يتعين عليها الفصل بين الدعم الذي تقدمه لسلع أساسية، مثل الزيت والسكر وغيرهما، وبين الخبز الذي لا يمكن الاستغناء عنه يومياً.

أحاديث متضاربة

تُعد مصر من أكبر مستوردي القمح في العالم، ويعود السبب الرئيسي في ذلك إلى الحاجة الماسة لتوفير «الخبز المدعم»؛ إذ تستهلك منظومة الدعم وحدها ملايين الأطنان.

وأكد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي الأسبوع الماضي «بدء تطبيق منظومة الدعم النقدي» في بلاده «اعتباراً من العام المالي المقبل، الذي سيبدأ في يوليو (تموز) العام الحالي»، وقال إن «النظام المقترح يعتمد على تقسيم المستحقين للدعم إلى شرائح وفقاً لمستوى الاحتياج الاقتصادي والاجتماعي»، لكن دون أن يوضح مصير الخبز وإمكانية فصله عن باقي السلع من عدمها.

مواطن يطلع على أسعار السلع بأحد المنافذ الحكومية الشهر الماضي (صفحة وزارة التموين على «فيسبوك»)

وكيل لجنة القوى العاملة بمجلس النواب المصري، إيهاب منصور، قال لـ«الشرق الأوسط» إن التصريحات الحكومية بشأن مصير «الخبز» متضاربة، وهو ما يخلق حالة من «البلبلة»، ما يجعل هناك ضرورة لإصدار بيانات رسمية بشأن خطة التحول إلى «الدعم النقدي»، مشيراً إلى أن «الخبز الشعبي» يجب أن يكون بعيداً عن أي تصورات لإصلاح منظومة الدعم؛ فـ«هو وجبة أساسية لملايين المواطنين الذين يحتاجونه يومياً».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «فكرة الانتقال إلى الدعم النقدي جيدة، لكن الأزمة تكمن في التنفيذ، بخاصة مع الحديث عن إتاحة بطاقة رقمية يجري من خلالها صرف السلع مقابل المبالغ المالية المحددة لكل أسرة، وقد تصطدم بصعوبات مثل التي تواجهها منظومة التحول الرقمي، والتي تسببت في أزمات مختلفة مؤخراً عند صرف المعاشات».

ولم تتجه الحكومة بعدُ إلى البرلمان لمناقشة مقترحها الجديد.

وأمام مجلس النواب ثلاثة أسابيع قبل إجازته الصيفية التي تمتد إلى أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، وكان من المفترض مناقشة المنظومة الجديدة تحت قبة البرلمان بحسب وعود حكومية سابقة، حسبما ذكر منصور.

شرائح المستحقين

وسبق أن أشار مدبولي إلى أن المقترح الجديد لنظام الدعم النقدي سيعتمد على «تقسيم المستحقين إلى عدة شرائح وفقاً لمستوى الاحتياج الاقتصادي والاجتماعي»، وقال إن «الفئات (الأكثر احتياجاً) ستحصل على أعلى قيمة من الدعم النقدي، في حين تحصل الشرائح (الأقل احتياجاً) على مبالغ أقل وفق نظام تدريجي يحقق العدالة في التوزيع».

وأكد مدبولي أن هدف حكومته هو «توجيه الجزء الأكبر من الدعم للفئات (الأشد احتياجاً)، بما يضمن تحقيق أكبر أثر اجتماعي ممكن من الأموال التي تخصصها الدولة لهذا الملف».

اجتماعات حكومية لتطوير منظومة الدعم في مصر (مجلس الوزراء)

وذكر وكيل اللجنة الاقتصادية في مجلس النواب المصري، أيمن محسب، في تصريحات تلفزيونية، مساء الأربعاء، أن الخبز «يمثل أحد أهم عناصر شبكة الحماية الاجتماعية في مصر؛ ولذلك سيظل خارج أي مناقشات تتعلق بإعادة هيكلة الدعم»، مضيفاً أن المساس به غير مطروح ضمن التصورات الحالية للإصلاح.

وتُطبِّق الحكومة منذ عقود طويلة منظومة تموينية لتوزيع السلع الأساسية بأسعار مدعومة، بما في ذلك الخبز والزيت والسكر، وتُصرَف شهرياً من خلال «بطاقات التموين».

وقالت عضوة مجلس الشيوخ، أمينة النقاش، إن رغيف الخبز شهد تغيرات في وزنه ومكوناته، ولم يعد كما كان معهوداً في السابق، وعدَّت ذلك «مقدمة لما قد يشهده الفترة المقبلة من تقليص في قيمة دعمه».

وأضافت في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «ملايين الأسر تواصل بكفاح مرير حياتها اليومية للاستفادة من الخبز المدعم وغيره من السلع المتاحة على البطاقات التموينية، ومتخذ القرار المصري بحاجة لمراجعة التوجه الحالي نحو تطبيق الدعم النقدي الذي سيؤدي إلى تقليص الدعم مستقبلاً، وصولاً إلى إلغائه كلياً، كأحد اشتراطات صندوق النقد الدولي».

وتنفذ مصر برنامجاً للإصلاح الاقتصادي مع صندوق النقد الدولي منذ سنوات، وتؤكد الحكومة أن البرنامج الحالي سينتهي بنهاية ديسمبر (كانون الأول) المقبل، وترى أنها ليست بحاجة إلى برنامج جديد مع «الصندوق».

ورفعت الحكومة قيمة الدعم والحماية الاجتماعية في الموازنة الجديدة للدولة، التي ستطبَّق بداية من يوليو المقبل، إلى 832.3 مليار جنيه، وفق وزارة المالية.


مشاجرات مصريين مع الوافدين... ضغوط اقتصادية أم خلافات عابرة؟

«الداخلية» المصرية توقف سيدتين عقب اشتباكات بين وافدين ومصريين في المترو (وزارة الداخلية)
«الداخلية» المصرية توقف سيدتين عقب اشتباكات بين وافدين ومصريين في المترو (وزارة الداخلية)
TT

مشاجرات مصريين مع الوافدين... ضغوط اقتصادية أم خلافات عابرة؟

«الداخلية» المصرية توقف سيدتين عقب اشتباكات بين وافدين ومصريين في المترو (وزارة الداخلية)
«الداخلية» المصرية توقف سيدتين عقب اشتباكات بين وافدين ومصريين في المترو (وزارة الداخلية)

كثيراً ما تتباهى السلطات المصرية بأنها تعامل الوافدين الأجانب معاملة المواطنين نفسها من دون تمييز، من حيث تمتعهم بالخدمات نفسها وبحرية التنقل والعمل والسكن، بل وتحصينهم ضد الأوبئة والأمراض؛ لكن مشاجرات تقع بين الحين والآخر مع مواطنين مصريين تشعل جدلاً حول «حقوق اللاجئين»، مدفوعة بشعور البعض بأنهم «يشكلون ضغطاً متزايداً على موارد مصر المحدودة».

بعض هذه المشاحنات وقع داخل مترو الأنفاق، وكان بعضها بسبب أولوية الجلوس، واستدعى الأمر، في بعض الحالات، تدخل الشرطة.

وفي أحدث هذه الوقائع، أعلنت الشرطة المصرية، الخميس، القبض على أجنبي، يبدو من أصول أفريقية، لـ«تعديه على مجند يرتدي الملابس العسكرية بالسب»، وذلك عقب تداول مقطع مصور على مواقع التواصل الاجتماعي تضمن مشادة كلامية بينهما. وقال بيان الداخلية إن «النيابة العامة تولت التحقيق».

توقيف أجنبي عقب اشتباك مع مجند مصري بمترو الأنفاق (الداخلية المصرية)

وقبل يومين، أعلنت «الداخلية» توقيف سيدتين إثر مشادة داخل المترو مع ربة منزل وشقيقتين على أولوية الجلوس، ومحاولة السيدتين الموقوفتين التعدي بالضرب على الطرف الآخر باستخدام النعال.

ولم تذكر الداخلية جنسية السيدتين الموقوفتين، لكن مقطع المشاجرة الذي انتشر عبر مواقع التواصل، مع تعليق صوتي من صاحبته، يرجح أنهما سودانيتان. وانتقدت صاحبة المقطع سماح الحكومة بقدوم الوافدين، وسط تفاعل واسع وانتقادات لكثرة الوافدين واستنزافهم لموارد الدولة وخدماتها.

وانتشر مقطع لواقعة أخرى، الثلاثاء الماضي، يتضمن مشاجرة داخل عربة السيدات في المترو بين مصريات وأفريقيات، حيث تشابكن بالأيدي وسط حالة من الزحام الشديد داخل عربة المترو.

سودانيتان تتجولان في شارع فيصل بمحافظة الجيزة (الشرق الأوسط)

«ضغط الأوضاع»

تحدث الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في مناسبات عدة، أحدثها خلال لقائه الأمين العام لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ماتياس كورمان، في مايو (أيار) الماضي، عن «دمج» اللاجئين والوافدين في المجتمع «دون استغلال مصر لذلك في تحقيق أهداف سياسية».

ويقول عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان في مصر، أيمن زهري، إن للوافدين على أرض مصر «كل الحقوق التي يتمتع بها المصريون، عدا الحقوق السياسية، بموجب الاتفاقيات الدولية التي وقّعت عليها مصر».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «المشاعر السلبية لدى جزء من المجتمع تجاه الوافدين قد تكون بسبب ضغط الأوضاع الاقتصادية أو الاجتماعية، لكنها تظل حالات فردية».

ويرجع الباحث في علم الاجتماع، عصام فوزي، استياء بعض المصريين من الوافدين إلى «ظروف استثنائية تمر بها مصر من حيث ارتفاع الأسعار وتراكم الأزمات، وتبني البعض نظرية أن الوافدين هم سبب الأزمات، رغم أن ذلك ليس صحيحاً».

ويشكو مسؤولون مصريون من «تواضع» الدعم الدولي لمصر في ملف اللاجئين، مطالبين بتكثيف الجهود الدولية لضمان التفعيل المُنصف والمُستدام لمبدأ تقاسم الأعباء والمسؤوليات.

وتشير التصريحات الرسمية إلى أن مصر بها أكثر من عشرة ملايين وافد، يُطلق عليهم «ضيوف مصر»، بين مهاجرين ولاجئين وطالبي لجوء، وأنهم يكلفون الدولة عشرة مليارات دولار سنوياً.

لقطة من مقطع فيديو لمشاجرة بالمترو في القاهرة (متداولة)

وحذر فوزي من «تنامي العداء ضد اللاجئين في مصر والذي من شأنه التأثير سلباً سواء في التزاماتها الدولية أو في الصورة الذهنية العالمية عنها، المرتبطة بالترحيب بالضيوف وحسن الاستقبال»، معتبراً أن «الحوادث الفردية الأخيرة هي نتاج طبيعي لحالة الشحن التي يمارسها البعض على الفضاء الإلكتروني تجاه اللاجئين».

وتنتشر منذ شهور حملات إلكترونية تطالب بترحيل اللاجئين عن مصر، في مقابل حملات أخرى ترحب بهم.

الصورة العامة «إيجابية»

تُقدَّر أعداد اللاجئين وطالبي اللجوء في مصر لدى مفوضية اللاجئين بمليون و98 ألف شخص من 60 جنسية مختلفة بنهاية ديسمبر (كانون الأول) الماضي، يتَصدَّرهم السودانيون بواقع 834 ألفاً و201 طلب، ثم السوريون بواقع 123 ألفاً و383 طلباً.

ويرى باحث الأنثروبولوجيا، وليد محمود، أن المشاحنات الأخيرة ترجع إلى «سلبيات لدى الطرفين؛ فبعض المواطنين قد يوجهون أحكاماً عامة أو انتقادات غير مبررة للأجانب نتيجة الضغوط المعيشية، بينما قد يفتقر بعض الوافدين أحياناً إلى معرفة العادات المحلية أو قواعد التعامل في الأماكن العامة، ما يخلق سوء فهم يمكن أن يتطور إلى مشادات محدودة».

وتابع في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «الصورة العامة تبقى إيجابية في معظم الأحيان. فالمجتمع المصري معروف تاريخياً بقدرته على استيعاب الوافدين والتعامل معهم باعتبارهم ضيوفاً وأفراداً من النسيج الاجتماعي. كما ساهم العديد من اللاجئين في تنشيط الحركة التجارية وإقامة مشروعات صغيرة وَفَّرت فرص عمل وخدمات جديدة للمواطنين».

سودانيون في محطة رمسيس لاستقلال القطار الخامس للعودة الطواعية (مجلس الوزراء المصري)

وفي مقابل الحملات المناهضة، تنتشر على الجانب الآخر قصص كثيرة تكشف عمق التعايش والعلاقات بين المصريين والوافدين، من بينها ما روته سيدة سودانية، وحاز على تفاعل وانتشار واسع، عن مواقف المصريين معها ومساعدتهم لها في البحث عن طفلتها حين فقدتها في مصر، وكيف تركوا أشغالهم «وتحولوا إلى خلية نحل»، لحين العثور عليها.

ولقيت تدوينة على «فيسبوك» لوافد أوغندي، يدعى عرفات حسين ويدرس في الأزهر، تفاعلاً واسعاً من مصريين يعتذرون له، بعدما ذكر أنه أحياناً يتعرض لمواقف غير لائقة في المترو، بأن «يطلب منه البعض عدم الجلوس»، قائلاً: «أنا أيضاً أدفع ثمن التذكرة مثل أي شخص، وألتزم بالقوانين وأحترم الناس. إذا كان المقعد مخصصاً لشخص يحتاج إليه فعلاً فسأقوم فوراً بكل احترام. لكن لماذا يتم اختيار شخص معين دون غيره؟».

وأضاف: «نحن بوصفنا ضيوفاً أو مقيمين في مصر نحب هذا البلد ونقدّر شعبه».


الجزائر: استرجاع ممتلكات بالخارج واتهامات ثقيلة في «ملفات فساد»

رئيس الشرطة الجزائرية مع خبراء في ملف استرداد الأموال المنهوبة خلال زيارته فرنسا يوم 1 يونيو الحالي (وزارة الداخلية)
رئيس الشرطة الجزائرية مع خبراء في ملف استرداد الأموال المنهوبة خلال زيارته فرنسا يوم 1 يونيو الحالي (وزارة الداخلية)
TT

الجزائر: استرجاع ممتلكات بالخارج واتهامات ثقيلة في «ملفات فساد»

رئيس الشرطة الجزائرية مع خبراء في ملف استرداد الأموال المنهوبة خلال زيارته فرنسا يوم 1 يونيو الحالي (وزارة الداخلية)
رئيس الشرطة الجزائرية مع خبراء في ملف استرداد الأموال المنهوبة خلال زيارته فرنسا يوم 1 يونيو الحالي (وزارة الداخلية)

أفضت عملية تفكيك شبكة إجرامية منظمة في الجزائر، وُصفت بأنها الكبرى منذ سنوات، إلى استرجاع وحجز ممتلكات عقارية ومنقولات فاخرة وعائدات ذات قيمة مالية كبيرة، داخل البلاد وفي إسبانيا، كما سمحت بمصادرة أموال بقيمة 45 مليون دولار من عائدات الفساد، وفق ما ذكرته الشرطة الجزائرية.

محكمةُ سيدي امحمد بالعاصمة المختصةُ بجرائم الفساد (الشرق الأوسط)

وفي سياق متصل بملفات مكافحة الفساد المالي، التمست النيابة العامة عقوبة 10 سنوات سجناً بحق وزير سابق، في محاكمة غاب عنها لوجوده في الخارج منذ عام 2018. وتخص القضية ممارسات فساد، وتبديد أموال عمومية في صفقة بيع مطاحن مملوكة للدولة لمصلحة أحد رجال الأعمال.

وأعلنت الشرطة الجزائرية، الأربعاء، على حساباتها بالإعلام الاجتماعي، أن «المصلحة المركزية لمكافحة الجريمة المنظمة» التابعة لها، تمكنت، بعد تحقيقات معمقة استمرت 3 أشهر، من تفكيك شبكة إجرامية منظمة تورطت في اختلاس أموال عمومية بـ«الشركة التجارية لتوزيع التبغ»، المعروفة اختصاراً بـ«يو تي سي».

وأوضحت الشرطة أن القضية أسفرت عن تكبد الشركة خسائر مالية جسيمة بلغت نحو 10 مليارات دينار جزائري (نحو 75 مليون دولار)، أُوقفَ جراءها 10 من المشتبه فيهم.

وكشف المحققون عن الأسلوب الذي اتبعه أفراد هذه الشبكة، حيث تبين أن عدداً من موظفي الشركة سوقوا منتجات التبغ بطرق غير قانونية، من خلال تسجيل بضائع مختلفة ضمن النظام المعلوماتي للشركة، دون أن تُستلَم فعلياً من طرف الفروع المكلفة المبيعات، لتُوجه بعدها إلى التسويق خارج المسار الرسمي للشركة عن طريق تجار الجملة.

وزير الطاقة سابقاً شكيب خليل المتهم بالفساد والهارب من القضاء (الشرق الأوسط)

وانقسمت هذه الخسائر المالية الكبرى إلى شقين، وفق الشرطة: عجز في المخزون بقيمة 5 مليارات دينار (نحو 37.5 مليون دولار)، حيث أظهرت عمليات الجرد ومراجعة الحسابات المالية للسنة المالية 2025 وجود عجز «غير مبرر» في مخزون السجائر من مختلف العلامات التجارية.

وديون غير محصلة بالقيمة المالية نفسها. وبمواصلة التحريات، كُشف عن ثغرة مالية أخرى بالقيمة نفسها، تتعلق بمستحقات وديون غير محصلة لدى زبائن الشركة؛ مما أتاح تحديد المسؤوليات، وتوقيف عناصر الشبكة، وفق ما ذكرته الشرطة.

مصادرة عقارات بالجزائر وإسبانيا

تضم قائمة الموقوفين مُسيّرين ومسؤولين سابقين وحاليين في الشركة، وموظفين من مختلف الرتب، إلى جانب أشخاص آخرين، وأحد تجار الجملة في قطاع التبغ.

فندق في إسبانيا استعادته الجزائر نهاية 2025 بعدما كان مملوكاً لرجل أعمال أدانه القضاء بالفساد (صحف جزائرية)

وأفضت العملية إلى استرجاع وحجز عائدات وأصول وممتلكات ذات قيمة مالية كبيرة تعود إلى أحد المتهمين الرئيسيين، وتمثلت المحجوزات في فيلتين فاخرتين؛ واحدة بالعاصمة والأخرى في إسبانيا، و6 شقق فاخرة؛ 5 منها في ولايات جزائرية مختلفة، وشقة واحدة في إسبانيا. وقطعة أرض بمساحة 900 متر مربع في ولاية جيجل، وهي من أفضل المناطق المطلة على البحر الأبيض المتوسط.

صورة تعبيرية للشرطة بشأن عملية تفكيك شبكة إجرامية بالجزائر

وتشمل المحجوزات، وفق الشرطة، 3 سيارات فخمة، ودراجة نارية من الحجم الكبير، و4 ساعات يد فاخرة من ماركات عالمية، وبندقية صيد، ومبالغ مالية بالعملة الوطنية.

وبعد استكمال إجراءات التحقيق الابتدائي، قُدِّم المشتبه فيهم إلى وكيل الجمهورية لدى «القطب الجزائي الاقتصادي والمالي بمحكمة سيدي امحمد» بالعاصمة، وهو الجهة القضائية الوطنية المختصة بالإجرام المالي.

ويواجه الموقوفون تهماً ثقيلة، تتمثل في «إساءة استغلال الوظيفة، والتبديد العمدي للأموال العمومية، ومنح امتيازات غير مبررة للغير بمناسبة إبرام عقود وصفقات صريحة مخالفة للقوانين والتنظيمات المعمول بها، وغسل الأموال والعائدات الإجرامية، في إطار جماعة إجرامية منظمة ومخالفة التشريع والتنظيم الخاصين بالصرف، وحركة رؤوس الأموال من وإلى الخارج».

فساد بالمليارات

في سياق ذي صلة، التمست النيابة العامة لدى «محكمة سيدي امحمد»، الأربعاء، عقوبات سالبة للحرية، وأخرى مالية ثقيلة، ضد المتهمين في قضية خصخصة مشبوهة، تعود إلى 20 سنة، تتعلق بالتنازل عن مطاحن عمومية، مقابل جزء ضئيل من قيمتها الحقيقية.

حميد تمار وزير الخصخصة سابقاً (الوطن)

ويندرج هذا الملف الرمزي في إطار إعادة فتح ملفات الخصخصة، وضبط الصفقات العمومية، التي شهدتها البلاد في العقدين الماضيين. وتترقب الأوساط القضائية صدور الأحكام قريباً، بوصفها أحد مؤشرات استمرار سياسة مكافحة الفساد وحماية المال العام.

وجاءت الالتماسات على النحو التالي:

- 10 سنوات حبساً نافذاً ومليون دينار غرامة بحق وزير المساهمات وترقية الاستثمارات الأسبق، حميد تمار، الموجود في الخارج، وهو محل أمر دولي بالقبض عليه.

- 10 سنوات حبساً نافذاً و8 ملايين دينار (60 ألف دولار) غرامة ضد رجل أعمال يسمى يوسف متيجي، مسيّر شركة «إخلاص» للمنتجات الغذائية.

- 8 سنوات حبساً نافذاً وغرامة مليون دينار ضد كل من: الرئيس المدير العام الأسبق لـ«شركة تسيير مساهمات الدولة»، والمدير العام الأسبق لـ«مجمع مطاحن تيارت» غرب البلاد.

تتمحور القضية حول التنازل عن 3 مطاحن تابعة لـ«مجمع رياض» في تيارت، بالإضافة إلى مقر إداري وحظيرة سيارات، لمصلحة شركة «إخلاص» بمبلغ 61 مليون دينار فقط (450 ألف دولار).

وأكدت تقارير الخبرة القضائية أن القيمة الفعلية للمطاحن والمقر، دون الحظيرة، تبلغ 10 مليارات دينار (75 مليون دولار)، وتتجاوز 19 مليار دينار (142 مليون دولار) عند إدراج الحظيرة؛ مما تسبب في خسارة فادحة لميزانية الدولة، وفق ما جاء في مرافعة النيابة، التي أوضحت أن الصفقة كانت موجهة لمصلحة شركة «إخلاص» منذ البداية من بين 3 عروض مقدمة، وأنه لم يُتخذ ضدها أي إجراءات رغم تجميدها لدفع المستحقات.

في المقابل، تمسك الدفاع بأن الإجراءات كانت مطابقة للقانون، مشيراً إلى أن الصفقة تمت بناءً على قرارات «مجلس مساهمات الدولة»، وهي الحجج التي عدّتها الخبرة القضائية متصادمة مع الخروقات الجوهرية، المرصودة في منح ومتابعة الصفقة.