غزة... الأوضاع الإنسانية تتأزم والنزوح يتواصل

أكثر من 15 ألف طفل قتلوا منذ بداية الحرب

فتيات فلسطينيات في أثناء فرارهن يوم الثلاثاء من منازلهن في جباليا شمال غزة بعد أوامر إخلاء إسرائيلية (رويترز)
فتيات فلسطينيات في أثناء فرارهن يوم الثلاثاء من منازلهن في جباليا شمال غزة بعد أوامر إخلاء إسرائيلية (رويترز)
TT

غزة... الأوضاع الإنسانية تتأزم والنزوح يتواصل

فتيات فلسطينيات في أثناء فرارهن يوم الثلاثاء من منازلهن في جباليا شمال غزة بعد أوامر إخلاء إسرائيلية (رويترز)
فتيات فلسطينيات في أثناء فرارهن يوم الثلاثاء من منازلهن في جباليا شمال غزة بعد أوامر إخلاء إسرائيلية (رويترز)

تواصلت الغارات الإسرائيلية على قطاع غزة، الثلاثاء، وخلفت جولتها التصعيدية الحالية، التي بدأت قبل أسبوع تقريباً، أكثر من 792 قتيلاً وأكثر من 1663 جريحاً بحالات متفاوتة، فيما لا يزال هناك ضحايا تحت أنقاض منازل دمرت على رؤوس ساكنيها.

وتركزت الغارات التي باتت تحدث طوال ساعات اليوم بشكل أساسي على منازل وخيام النازحين إلى جانب استهداف أراضٍ زراعية ومركبات يعتقد أنها شاركت في عروض عسكرية لحركة «حماس» خلال عمليات تسليم الرهائن الإسرائيليين.

وحتى أحدث حصر لوزارة الصحة في غزة، صباح الثلاثاء، فإن عدد الضحايا منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وصل إلى 50144 قتيلاً، وأكثر من 113704، وذلك بعد تسجيل 62 قتيلاً و296 مصاباً في آخر 24 ساعة.

وأفادت إحصائية لهيئة إنقاذ الطفولة نشرتها عبر حسابها في منصة «إكس»، بأن «أكثر من 270 طفلاً في غزة قتلوا خلال أسبوع واحد منذ استئناف الغارات الإسرائيلية على القطاع».

وبحسب إحصائيات وزارة الصحة بغزة، فإن 15613 طفلاً (أقل من 18 عاماً وفق التصنيف العالمي) قتلوا منذ بداية الحرب في السابع من أكتوبر.

وكثيراً ما حذرت منظمات أممية وحقوقية من أن الأطفال والنساء والمدنيون بشكل عام يدفعون ثمن الحرب الإسرائيلية في قطاع غزة، إلى جانب استهداف عمال الإغاثة وتلك المنظمات سواء من الموظفين الفلسطينيين أو الأجانب.

«أوامر نزوح»

يأتي ذلك في ظل تفاقم الأوضاع الإنسانية الصعبة في غزة، مع عودة القتال واشتداد الغارات الجوية من جانب، ومحاولات إسرائيل توسيع عملياتها البرية ومطالبة سكان عدد من المناطق بالنزوح منها.

وألقت طائرات مسيّرة إسرائيلية «كواد كابتر» مناشير خلال ساعات ليل الاثنين وفجر وصباح الثلاثاء، تطالب سكان مناطق محددة في جباليا وبيت لاهيا، وجميع مناطق بلدة بيت حانون في شمال القطاع، بالإخلاء الكامل والتوجه نحو مناطق وصفتها بأنها «آمنة».

فلسطينيون ينزحون يوم الثلاثاء من جباليا شمال غزة بعد أوامر إخلاء إسرائيلية (رويترز)

واضطرت مئات العائلات للنزوح وتفكيك خيامها التي وضعت عند منازلها المدمرة في أراضٍ خصصت لإقامة مخيمات لاستيعابهم، وتوجهت نحو عمق غزة وتحديداً إلى غربها، لتضطر لوضع خيامها في الشوارع العامة والفرعية وفي الساحات المفتوحة من أجل إيجاد ملاذ آمن لها.

وقالت آمال السحار (61 عاماً) وهي من سكان تل الزعتر شرق جباليا، لـ«الشرق الأوسط» إن زوجها وأبناءها الثلاثة اضطروا لتفكيك خيمتها التي أتت بها من جنوب القطاع بعد أن كانت نازحة في مواصي خان يونس قبيل وقف إطلاق النار، وحملتها لتعود وتنزح بها مجدداً لتضعها في ساحة مدرسة حكومية هي بمثابة مركز إيواء حالياً، في حي الشيخ رضوان.

وافترشت عشرات العائلات ساحة مدرسة عمرو بن العاص بحثاً عن ملاذ آمن في ظل ظروف شهر رمضان الصعبة للعام الثاني على التوالي التي يعيشها أهل غزة.

وتقول السحار: «حياتنا كلها مأساة، واحنا مش عارفين وين نروح ولا عارفين شو نعمل، يرموا علينا قنبلة نووية ويريحونا، بكفينا عذاب».

وتكرر المأساة لدى عماد حجازي (43 عاماً) وهو من سكان مشروع بيت لاهيا شمال القطاع، الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إنه كان يعيش في بيته المتضرر جزئياً الذي اضطر لإغلاق فتحاته بالشوادر (الخيام) لستر نفسه وعائلته المكونة من 14 فرداً، مشيراً إلى أنه اضطر لترك أمتعته وحمل بعض الملابس والنزوح إلى غرب مدينة غزة.

ووصل حجازي إلى ساحة الجندي المجهول والشوارع المحيطة بها في حي الرمال بمدينة غزة التي كانت تعد من أرقى المناطق، وتحولت جميعها إلى منطقة مليئة بخيام النازحين الفارين من كل مكان.

فلسطينيان مسنان يتحركان في بيت لاهيا يوم الثلاثاء وخلفهما سحابة دخان ناجم عن قصف إسرائيلي (أ.ف.ب)

ويصف حجازي الظروف التي يعيشها سكان قطاع غزة بأن أقل ما يمكن أن توصف به أنها «جهنمية»، متسائلاً: «من المسؤول عما وصلنا إليه؟، ومتى سنرتاح ويتوقف كل هذا العناء؟!». كما قال.

ويضيف: «عشت أنا وعائلتي عاماً كاملاً في دير البلح خلال النزوح الأول، وكنا نتمنى أن نرجع إلى مناطقنا، والآن لما رجعنا، رجع كل شيء مثل أول ملاحقة وقتل وحرب وتهجير». وتابع: «لم نعد نفهم ما يجري لنا أو بنا... شو هو مصيرنا؟ ما ضل أمل بشيء بالنسبة إلنا غير من ربنا وحده)».

ولا تقتصر عمليات النزوح على شمال القطاع، بل امتدت لمناطق شرق مدينة غزة وتحديداً في مناطق جزئية من أحياء الشجاعية والتفاح والشعف.

«تخفيض موظفين»

من جهتها أعلنت متحدثة باسم الأمم المتحدة، (الثلاثاء)، أن المنظمة الدولية ستخفض عدد موظفيها الدوليين في غزة بنحو الثلث، مشيرة إلى مخاوف تتعلق بالسلامة.

وقالت أليساندرا فيلوتشي، المتحدثة باسم الأمم المتحدة، في مؤتمر صحافي بجنيف: «نسعى لخفض عدد الموظفين الدوليين بنحو الثلث، والسبب في ذلك يعود في الواقع إلى أن الأمين العام (أنطونيو غوتيريش) لا يملك ضمان سلامة موظفي الأمم المتحدة»، وذكرت أن هذا يعني نحو 30 من أصل 100 موظف دولي.

وأضافت أن الوكالات ذات الصلة تشمل برنامج الأغذية العالمي ومنظمة الصحة العالمية ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف).

وتأتي تلك التطورات بعد أيام من قتل غارة إسرائيلية لموظف تابع للمنظمة الدولية وإصابتها لآخر، بعد قصف استهدف مقراً تابعاً لعمليات الأمم المتحدة في دير البلح وسط غزة.

نازحون فلسطينيون فروا من رفح يصلون إلى خان يونس (أ.ب)

وقال ستيفان دوجاريك المتحدث باسم غوتيريش، إن إسرائيل نفذت الأسبوع الماضي هجمات مروعة أسفرت عن مقتل مئات المدنيين بينهم موظفون تابعون للأمم المتحدة، وذلك رغم تزايد احتياجات المدنيين للمساعدات الإنسانية والحماية.

وتقول وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «أونروا» إن 124 ألف شخص نزحوا داخل قطاع غزة في غضون أيام، مضطرين للفرار إثر القصف المتواصل، حيث تحمل الأسر القليل مما لديها، وهي بلا مأوى ولا أمان ولا ثمة مكان يمكنهم الذهاب إليه.

وأضافت أن «السلطات الإسرائيلية قطعت جميع المساعدات، فبات الطعام شحيحاً والأسعار مرتفعة»، واصفةً الأوضاع في القطاع بأنها «مأساة إنسانية»، مشيرةً إلى أن أكثر من مليون شخص في غزة معرضون لخطر عدم الحصول على طرود غذائية إذا لم يسمح بدخول الإمدادات.

وتقول إسرائيل إنه يتم إطلاق صواريخ من تلك المناطق تجاه المستوطنات الإسرائيلية المحاذية لقطاع غزة، فيما تبنت فصائل فلسطينية منها «حماس» و «الجهاد الإسلامي» إطلاقها تجاه بعض تلك المستوطنات.

ولاقى ذلك سخطاً في أوساط الغزيين بعد أن اضطروا للنزوح بفعل إطلاق هذه الصواريخ.

«حصار في رفح»

وفي رفح، تحاصر دبابات إسرائيلية لليوم الثالث على التوالي حي تل السلطان غرب مدينة رفح، وتنفذ عمليات عسكرية داخله وتحاصر الآلاف من السكان الذين يعيشون في خيام داخله، وسط ظروف قاهرة وصعبة.

وبحسب «الهلال الأحمر»، فإن مصير تسعة من طواقم الإسعاف التابعة لها لا يزال مجهولاً منذ ثلاثة أيام، عقب حصارهم في تلك المنطقة، في حين يقول الدفاع المدني إن ستة من عناصرها ما زال أيضاً مصيرهم مجهولاً.

وقال «الهلال الأحمر» في بيان له، إن السلطات الإسرائيلية ترفض كل محاولات التنسيق عبر المنظمات الدولية، لوصول فريق الإنقاذ إلى المكان لمعرفة مصير طاقمها، معربةً عن قلقها البالغ بشأن سلامتهم، محملةً إياها المسؤولية الكاملة عن حياتهم.

فلسطيني يعاين آثار ضربة إسرائيلية استهدفت ساحة لإصلاح سيارات الإسعاف في مخيم المغازي وسط قطاع غزة أمس (أ.ف.ب)

وبحسب بلدية رفح فإن الآلاف ما زال مصيرهم مجهولاً، حيث تقوم قوات الاحتلال بعمليات قتل واعتقال وتحرم هؤلاء من المياه والطعام في ظروف هي الأقسى والأصعب عليهم منذ بداية الحرب الإسرائيلية.

ومن جانب آخر، يزيد عودة إسرائيل للعمليات العسكرية مخاوف أهالي الرهائن الإسرائيليين الذين يخشون على حياة أبنائهم.

وفي تصريح لافت، عبر الرئيس الإسرائيلي يتسحاق هرتسوغ الذي كثيراً ما كان يدعو للعمل على إطلاق سراحهم، عن صدمته إزاء التعامل مع قضية عودة الرهائن الإسرائيليين، وقال: «أنا مصدوم حقاً، كيف أن قضية الرهائن لم تعد في قمة أولوياتنا وفي مقدمة الأخبار فجأة... يجب علينا ألا نفقد التركيز، والعمل على كل ما يتعلق بإعادة الرهائن إلى ديارهم، حتى آخر واحد منهم».

وبحسب إحصائيات إسرائيلية، فإنه ما زال في قطاع غزة 58 رهينة من أصل 251 خطفتهم «حماس» وفصائل فلسطينية في السابع من أكتوبر.


مقالات ذات صلة

وزير الخارجية السعودي ورئيس الوزراء الفلسطيني يبحثان تطورات غزة

الخليج الأمير فيصل بن فرحان لدى لقائه الدكتور محمد مصطفى في دافوس الثلاثاء (الخارجية السعودية)

وزير الخارجية السعودي ورئيس الوزراء الفلسطيني يبحثان تطورات غزة

بحث الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي، مع الدكتور محمد مصطفى رئيس مجلس الوزراء الفلسطيني، التطورات في قطاع غزة، والجهود المبذولة بشأنها.

«الشرق الأوسط» (دافوس)
تحليل إخباري اجتماع للجنة إدارة غزة في القاهرة (هيئة الاستعلامات المصرية)

تحليل إخباري «لجنة غزة»... عقبات تعرقل بدء المهام بانتظار ضغوط الوسطاء

بدأت لجنة إدارة قطاع غزة عملها بالقاهرة، منذ أيام، غير أن دخول القطاع بات محل منع إسرائيلي، يحاول الوسطاء تلافيه.

محمد محمود (القاهرة)
أوروبا وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (أ.ف.ب)

فرنسا تدعم تعليق اتفاق التجارة بين الاتحاد الأوروبي وأميركا

كشف وزير الخارجية الفرنسي ​جان نويل بارو، اليوم الثلاثاء، أن باريس تؤيد تعليق اتفاق التجارة المُبرم بين الاتحاد الأوروبي ‌والولايات المتحدة ‌الصيف الماضي.

«الشرق الأوسط» (باريس)
خاص فلسطيني يحمل جثمان رضيعته البالغة 3 أشهر يوم الثلاثاء بعد وفاتها جراء البرد في مدينة غزة (أ.ف.ب) play-circle

خاص فيروس تنفسي يحصد وفيات يومية في غزة... ولا مقومات لتحديده

يؤكد مسؤولون طبيون في غزة أنه منذ أقل من شهر وبشكل شبه يومي، تسجل حالات وفاة جديدة بسبب انتشار فيروس «خطير وفتاك» بين سكان القطاع، بينما لا توجد مقومات لكشفه.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي نازحون فلسطينيون يتجمعون خارج خيمة في مخيم مؤقت بمدينة دير البلح في وسط قطاع غزة (أ.ب)

«حماس»: بدء إجراءات لوجيستية وإدارية في غزة لدعم عمل اللجنة الوطنية

قال متحدث باسم «حماس»، الثلاثاء، إن الجهات الحكومية في غزة شرعت باتخاذ إجراءات لوجيستية وإدارية لتسهيل عمل اللجنة الوطنية المشكلة حديثاً وتسليمها مقاليد الأمور.

«الشرق الأوسط» (غزة)

انفجاران يهزان مدينة القامشلي بريف الحسكة في شمال شرق سوريا

صورة أرشيفية من موقع انفجار قنبلة في القامشلي بسوريا، 11 نوفمبر 2019 (رويترز)
صورة أرشيفية من موقع انفجار قنبلة في القامشلي بسوريا، 11 نوفمبر 2019 (رويترز)
TT

انفجاران يهزان مدينة القامشلي بريف الحسكة في شمال شرق سوريا

صورة أرشيفية من موقع انفجار قنبلة في القامشلي بسوريا، 11 نوفمبر 2019 (رويترز)
صورة أرشيفية من موقع انفجار قنبلة في القامشلي بسوريا، 11 نوفمبر 2019 (رويترز)

أفاد الإعلام السوري عن وقوع انفجارين في مدينة القامشلي بريف الحسكة في شمال شرق سوريا.

وكانت السلطات ومسؤولون أكراد في سوريا، أعلنوا، الثلاثاء، الالتزام بوقف جديد لإطلاق النار، تمهيداً لاستكمال البحث في اتفاق دمج القوات الكردية بالمؤسسات الحكومية، في وقت قالت واشنطن إن وظيفة الأكراد في التصدي لتنظيم «داعش» قد انتهت، بعدما دعمتهم سنوات.


وقف جديد لإطلاق النار بسوريا... وواشنطن تعلن انتهاء وظيفة الأكراد في قتال «داعش»

أفراد من الجيش السوري يستقلون مركبات في طريقهم إلى الحسكة عقب انسحاب  «قوات سوريا الديمقراطية» (رويترز)
أفراد من الجيش السوري يستقلون مركبات في طريقهم إلى الحسكة عقب انسحاب «قوات سوريا الديمقراطية» (رويترز)
TT

وقف جديد لإطلاق النار بسوريا... وواشنطن تعلن انتهاء وظيفة الأكراد في قتال «داعش»

أفراد من الجيش السوري يستقلون مركبات في طريقهم إلى الحسكة عقب انسحاب  «قوات سوريا الديمقراطية» (رويترز)
أفراد من الجيش السوري يستقلون مركبات في طريقهم إلى الحسكة عقب انسحاب «قوات سوريا الديمقراطية» (رويترز)

أعلنت السلطات ومسؤولون أكراد في سوريا، الثلاثاء، الالتزام بوقف جديد لإطلاق النار، تمهيداً لاستكمال البحث في اتفاق دمج القوات الكردية بالمؤسسات الحكومية، في وقت قالت واشنطن إن وظيفة الأكراد في التصدي لتنظيم «داعش» قد انتهت، بعدما دعمتهم سنوات.

ويأتي إعلان دمشق عن تفاهم جديد ومنح الأكراد مهلة 4 أيام للتوافق على تطبيقه، بعد انكفاء القوات الكردية التي كانت تسيطر على نحو ربع مساحة سوريا في السنوات الأخيرة، إلى مدن وقرى يشكل فيها الأكراد أكثرية في محافظة الحسكة، معقلهم الأخير في شمال شرقي البلاد.

وبعد تصعيد عسكري بين الطرفين بدأ في مدينة حلب في السادس من الشهر الحالي، أعلن الرئيس أحمد الشرع الذي يحظى بدعم أميركي لبسط نفوذه على كامل التراب السوري، التوصل، الأحد، إلى اتفاق مع «قوات سوريا الديمقراطية»، نص على وقف لإطلاق النار وعلى دمج شامل لمؤسسات الإدارة الذاتية المدنية والعسكرية في إطار الدولة السورية.

وعلى وقع تبادل الطرفين الاتهامات بخرق وقف إطلاق النار، تقدمت القوات الحكومية إلى مناطق ذات غالبية عربية كانت تحت سيطرة «قوات سوريا الديمقراطية» في محافظتي الرقة (شمال) ودير الزور (شرق)، وأرسلت تعزيزات، الثلاثاء، باتجاه مدينة الحسكة، في وقت أعلن مسؤولون أكراد انهيار المفاوضات مع دمشق.

متظاهرون مؤيدون للأكراد يحاولون السير إلى مدينة القامشلي الواقعة في شمال شرقي سوريا وذلك خلال مظاهرة دعماً للأكراد السوريين في مدينة ماردين بتركيا (إ.ب.أ)

ومساء الثلاثاء، أعلنت الرئاسة السورية التوصل إلى «تفاهم مشترك بين الحكومة السورية و«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، حول عدد من القضايا المتعلقة بمستقبل محافظة الحسكة».

وأوردت أنه تمّ «منح قسد مدة 4 أيام للتشاور من أجل وضع خطة تفصيلية لآلية دمج المناطق عملياً»، بالتزامن مع إعلان وزارة الدفاع وقفاً لإطلاق النار لمدّة 4 أيام.

وأعلنت قوات «قسد» التزامها بوقف إطلاق النار، مؤكدة استعدادها «للمضي قدماً في تنفيذ» الاتفاق «بما يخدم التهدئة والاستقرار».

وبموجب إعلان الرئاسة السورية، لن تدخل «القوات السورية مراكز مدينتي الحسكة والقامشلي» والقرى الكردية في حال المضي بالاتفاق، على أن يُناقش لاحقاً «الجدول الزمني والتفاصيل الخاصة بالدمج السلمي لمحافظة الحسكة».

ويتيح التفاهم لقائد «قوات سوريا الديمقراطية» مظلوم عبدي أن يقترح مرشحين لمنصبي مساعد وزير الدفاع ومحافظ الحسكة، إضافة الى أسماء للتمثيل في مجلس الشعب، بحسب الرئاسة.

ولم ترد هذه التفاصيل في الاتفاق الأساسي الذي أعلنه الشرع، الأحد، وحمل توقيع عبدي، الذي قال إنه وافق عليه لوقف حرب «فُرضت علينا».

«خط أحمر»

تضمّن التفاهم الجديد اتفاق الطرفين على «دمج جميع القوات العسكرية والأمنية لـ«قسد» ضمن وزارتي الدفاع والداخلية، مع استمرار النقاشات حول آلية الدمج التفصيلية»، فضلاً عن دمج «المؤسسات المدنية ضمن هيكل الحكومة السورية».

وانسحبت القوات الكردية، الثلاثاء، إلى المناطق ذات الغالبية الكردية في محافظة الحسكة، وفق ما أعلن عبدي، الثلاثاء، مؤكداً أن «حمايتها خط أحمر».

وشمل الانسحاب مخيم الهول، الذي يضم أكثر من 24 ألف شخص، بينهم 6200 أجنبي، من عائلات مقاتلي تنظيم «داعش».

ودعا مظلوم عبدي، الثلاثاء، التحالف الدولي بقيادة واشنطن إلى تحمّل مسؤولياته بشأن حماية المرافق التي يُحتجز فيها عناصر تنظيم «داعش» في سوريا، بعد انسحاب المقاتلين الأكراد من عدد منها.

وبعيد إعلان التفاهم، قال المبعوث الأميركي إلى سوريا توم براك في منشور على «إكس»، إن «الغرض الأساسي من قوات سوريا الديمقراطية كقوة رئيسية في الميدان لمكافحة تنظيم (داعش) انتهى إلى حد كبير».

وأضاف أن السلطات السورية «باتت الآن مستعدة وفي موقع يؤهلها لتولي المسؤوليات الأمنية، بما يشمل» السجون التي يُحتجز فيها عناصر التنظيم المتطرف والمخيمات التي تضم أفراد عائلاتهم.

وكانت وزارة الدفاع قد أعلنت، الثلاثاء، جاهزيتها «لتستلُّم مخيم الهول وسجون (داعش) كافة».

مقاتلون من «قوات سوريا الديمقراطية» يسيرون بالقرب من مركبة مدرعة بعد اشتباكات مع الجيش في الحسكة بسوريا (رويترز)

وأدّت «قسد»، التي تضم مقاتلين عرباً، دوراً محورياً في سنوات النزاع السوري خلال حكم بشار الأسد بقتالها، بدعم أميركي، التنظيم ونجاحها في القضاء عليه تقريباً في سوريا. وتمكّنت نتيجة ذلك من بسط سيطرتها على مناطق واسعة في شمال وشرق البلاد تضمّ حقول نفط كبيرة، وأقامت فيها إدارة ذاتية.

إلا أنه منذ سقوط الأسد، أعلنت السلطات الجديدة تصميمها على توحيد البلاد تحت راية القوات الحكومية. ودخلت في مفاوضات مع الأكراد لدمج قواتهم ومؤسساتهم في المؤسسات الحكومية.

وخسر الأكراد خلال الأيام الأخيرة مساحة واسعة من مناطق سيطرتهم في شمال وشرق البلاد على وقع تقدّم القوات الحكومية.

«حتى آخر مقاتل»

وكانت القوات الحكومية قد أرسلت، الثلاثاء، تعزيزات نحو الحسكة.

وشاهد مصوّر لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، صباح الثلاثاء، رتلاً ضخماً تابعاً للقوات الحكومية ضمّ مدرعات وآليات تقلّ جنوداً يسلك الطريق الدولي المؤدي إلى مدينة الحسكة.

في مدينة الحسكة، شاهد مراسل آخر لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» عشرات من السكان الأكراد بينهم نساء وكبار في السن يحملون رشاشات دعماً لـ«قوات سوريا الديمقراطية» التي نشرت حواجز داخل المدينة وفي محيطها، وسيّرت دوريات كثيفة.

عند مدخل المدينة، قال القيادي العسكري الكردي شاهين باز: «قواتنا منتشرة في خنادقها... ونعاهد شعبنا على حمايته حتى آخر مقاتل لدينا».

وعلى هامش مشاركتها في تجمع مؤيّد لقوات «قسد» في القامشلي، قالت حسينة حمو (55 سنة)، بينما كانت تحمل سلاح كلاشنيكوف وتلفّ رأسها بوشاح ملوّن، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» باللغة الكردية «الشعب الكردي اليوم من صغيره إلى كبيره يحمل السلاح، سنكتب تاريخنا من جديد ولن نستسلم».

ودعت «قوات سوريا الديمقراطية» في بيان، ليل الاثنين، الشبان والشابات الأكراد داخل البلاد وخارجها إلى «التوحّد... والانضمام إلى صفوف المقاومة» في سوريا.

ويتوزّع الأكراد بين 4 دول هي سوريا والعراق وإيران وتركيا؛ حيث تعهّد «حزب العمال الكردستاني»، الثلاثاء، بـ«عدم التخلّي أبداً» عن أكراد سوريا «مهما كلّف الأمر».

وتوجه عشرات من الأكراد المقيمين في كردستان العراق باتجاه سوريا تلبية للنداء، وفق مراسل «وكالة الصحافة الفرنسية».

واندلعت عند الحدود التركية مع سوريا مواجهات عنيفة، الثلاثاء، بين الشرطة التركية ومتظاهرين مؤيدين للأكراد، بعدما احتشد أكثر من ألف متظاهر بدعوة من حزب «المساواة وديمقراطية الشعوب» الموالي للأكراد.

ونددت الأيزيدية ناديا مراد الناجية من تنظيم «داعش»، الثلاثاء، بتخلي المجتمع الدولي عن الأكراد في سوريا، بعدما «شكلوا رأس حربة في مواجهة الشر».


محافظ الرقة الجديد: الاستقرار الأمني تحقق بنسبة 90 %

صورة لمواطنين من الرقة (أ ف ب)
صورة لمواطنين من الرقة (أ ف ب)
TT

محافظ الرقة الجديد: الاستقرار الأمني تحقق بنسبة 90 %

صورة لمواطنين من الرقة (أ ف ب)
صورة لمواطنين من الرقة (أ ف ب)

بعد ساعات من تعيينه محافظاً للرقة صرح عبد الرحمن سلامة، بأن «الاستقرار الأمني في الرقة تحقق بنسبة تقارب 90 في المائة»، لافتاً إلى أن العمل جارٍ على معالجة ملف سجن الأقطان في محيط المدينة، بما يسهم في تأمينه بشكل كامل.

جاء ذلك في مؤتمر صحافي مشترك مع وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى في الرقة، الثلاثاء، وكان سلامة ناقش في وقت سابق بحضور وفد من وزارة الاقتصاد والصناعة، ومديري المديريات، آليات إعادة تفعيل العمل المؤسساتي ومعالجة التحديات الاقتصادية القائمة، في الرقة.

وأعلن وزير الإعلام السوري ومحافظ الرقة، في المؤتمر الصحافي عن «انطلاق مرحلة جديدة من العمل الحكومي لإعادة بناء المحافظة على المستويات الخدمية والأمنية والتعليمية»، وأن «الجهود بدأت فعلياً لتقييم الأضرار ومعالجة التحديات المتراكمة».

ونقل تلفزيون سوريا عن محافظ الرقة عبد الرحمن سلامة قوله: «إن المعاناة الأساسية في المحافظة تتركز في ملف الخدمات، ولا سيما الجسور التي تعرضت للتدمير»، موضحاً أن «الجهات الحكومية شرعت في تقييم حجم الأضرار عبر مؤسسات الدولة، تمهيداً لرفع الاحتياجات إلى الوزارات المختصة»، مشيراً إلى أن خطة التقييم تشمل جميع القطاعات الخدمية.

كما شدد على أن إعادة تفعيل المدارس تمثل أولوية قصوى، كاشفاً عن مقترح قُدّم لوفد وزارة التربية للإسراع في تشغيل المؤسسات التعليمية.

وزير الطاقة محمد البشير يتفقد حقل الثورة النفطي في ريف الرقة بعد استعادته من «قسد» (سانا)

وفي سياق انخراط دمشق في إعادة تأهيل المناطق التي سيطرت عليها إعادة الحياة الطبيعية، ناقش عبد الرحمن سلامة بحضور وفد من وزارة الاقتصاد والصناعة، إلى جانب مديري المديريات، آليات إعادة تفعيل العمل المؤسساتي ومعالجة التحديات الاقتصادية القائمة، ووضع تصورات أولية لمرحلة التعافي وإعادة الاستقرار في المحافظة، وفق ما أفادت به قناة «الإخبارية السورية» الرسمية.

وقالت وزارة الاقتصاد والصناعة عبر معرّفاتها الرسمية، الثلاثاء، إن الاجتماع «ناقش سبل تقييم الواقع الحالي في المحافظة، وواقع المديريات والمؤسسات التابعة للوزارة»، وأهمية تعزيز التنسيق والتعاون بين المحافظة والوزارة، بما يضمن استعادة الخدمات الأساسية ودعم النشاط الاقتصادي، لتسريع وتيرة التعافي في المحافظة.

وكانت المؤسسة السورية للحبوب قد باشرت عملها على تزويد المخابز في المناطق التي عادت إلى سيطرة الحكومة في محافظتي حلب والرقة بمادة الطحين، لتكون قادرة على توفير الخبز ومواصلة إنتاج الأفران وجرى شحن 500 طن دفعة أولى.

سكان يحاولون عبور جسر متضرر بفعل قصف «قسد» في الرقة (رويترز)

كما دخلت مديرية التجارة الداخلية إلى المناطق التي خرجت من سيطرة «قسد»، بهدف استعادة الدور الرقابي والخدمي، وتعزيز الاستقرار التمويني.

من جانبها، قالت وزارة الداخلية السورية، إنها تمكنت من تحرير وتأمين عدد من العائلات التي اتخذتها «قسد» دروعاً بشرية، وذلك في محاولة لعرقلة تقدّم وحدات الجيش العربي السوري باتجاه مدينة الرقة.

وقالت قناة «الإخبارية السورية»، إن «قسد» سبق أن احتجزت عدداً من الأهالي المدنيين من شيوخ ونساء وأطفال، في مبنى الشبيبة في حي سيف الدولة بمدينة الرقة، لاستخدامهم كدروع بشرية. وأكد الأمن الداخلي تحرير المدنيين والعمل على إيصالهم إلى بيوتهم وأهلهم بأمن وأمان.

وفد من مديرية الآثار والمتاحف يقيّم أضرار المواقع الأثرية في محافظة الرقة (الداخلية السورية)

في شأن محلي آخر، شكلت المديرية العامة للآثار والمتاحف، منذ الساعات الأولى لدخول الجيش العربي السوري وتحرير محافظة الرقة، وفداً ميدانياً برئاسة المدير العام الدكتور أنس زيدان، لإجراء تقييمٍ سريعٍ للمواقع الأثرية في المحافظة وتوثيق الأضرار التي لحقت بها، إضافة إلى تفقد متحف الرقة الوطني، وتحديد الاحتياجات العاجلة اللازمة لحمايتها وصونها، وضمان سلامة الممتلكات الثقافية.

وأشار أيمن نابو مدير التخطيط في المديرية في تصريح لـ«سانا»، الثلاثاء، إلى أن الوفد زار أيضاً مدينة الطبقة للاطلاع على المواقع الأثرية الموجودة فيها، وعلى رأسها قلعة جعبر، إضافة إلى تسلم قطع أثرية بشكل رسمي كانت محفوظة في المركز الثقافي بالمدينة.